الرئيسية » نقد » ادب » حيدر الزيدي : الرواية العراقية وسحرية غابو

حيدر الزيدي : الرواية العراقية وسحرية غابو

haidar-abed-allawi-2ضجة كبيرة اثيرت في مطلع الثمانينات عندما فاز( غابو) غابريل غارسيا ماركيز بجائزة نوبل (١٩٨٢) ترجمت رواياته وطبعت عدة طبعات ،وازدحمت واجهات المكتبات في بغداد والمحافظات تعرض روايات ماركيز والتي كانت تتمثل ،ومائة عام من العزلة(١٩٦٧) ،وخريف البطريرك (١٩٧٥)وجنازة الام الكبيرة (١٩٦٢)وقصة غريق وغيرها،وغيرها الكثير، وتعد روايته مائة عام من العزلة من اهم ماكتب وقد احتفي بها كثيراً عند صدورها حتى بيعت منها ثمانية الاف نسخة في الاسبوع الاول ،ونصف مليون نسخة في الثلاث سنوات الاولى ،كتب ماركيز قمة اعماله قبل نوبل بعقدين ،وكان كاتباً معروفاً وله مكانته في الادب العالمي ،الا انه كان مجهولاً بصورة تامة في عالمنا العربي والعراقي ، ما إن اعلنت الاكاديمية السويدية عن فوز ماركيز بالجائزة حتى دارت المطابع العربية في بيروت والقاهرة ودمشق ،واخذت المكتبات العربية تزدحم بهذا الكائن اللاتيني الساحر ، وكأن الروايات هذه كانت معتقلة واطلق سراحها ،اما اعماله بعد نوبل فلم تكن بنفس تلك القوة قياساً بالسابقة ،سوى روايته الجميلة الحب في زمن الكوليرا (١٩٨٥) والجنرال في متاهته( ١٩٨٩) …

في العراق وجد ماركيز صدىً ليس بالهين ،بل هو صدى كبير ،اندفع العراقيون المحاصرون والمحرومون أبداً الى عوالم امريكا اللاتينية وهذه الواقعية السحرية والتي بطبيعة الحال جديدة كلياً علينا وعلى طبقنا الادبي ،كان لنوبل واثرها مع ماركيز اكثر وقعاً من اي فائز اخر ،فطبعت الروايات كلها طبعات متوالية وبيعت منها الالاف من النسخ ،بل انها اخذت تهرب الى السجون والمعتقلات ،وضجت الصفحات الثقافية في العراق بالكتابة والعرض وترجمة مقالات ادبية تتحدث عن هذا الزائر الجديد لعالم السرد المكتوب بالعربية وظهر لاول مرة مصطلح ( الواقعية السحرية ) ،امتلأت الصحف والمجلات والدوريات الادبية ، العربية والعراقية بالالاف من المقالات والكتابات حول ماركيز وادب امريكا اللاتينية ،وكيف ان ماركيز ذلك السارد الماكر الذي يتلاعب ليس بالالفاظ حسب بل والامكنة والازمنة ،فالسرد عنده يختلف ويتملص من بين يدي القارئ ان سهى او غفل عنه ،وهكذا عرفنا نمطاً جديداً من الكتابة لم نكن نعرفه وان كان تراثنا يعج بادب الغريب واللاواقع كما في الف ليلة وليلة …markez 4
بعد تلك الرحلة الطويلة التي قاربت على الثلاث عقود والتي سافرت فيها الرواية العراقية في المركب الماركيزي تجعلنا نتساءل …اين هي بصمات ماركيز ؟!
اين هي الواقعية السحرية في الادب العراقي ؟!
هل من المعقول ان ماركيز مرّ بالرواية العراقية مرور الكرام وانها من الحصانه بمكان ان ماركيز لف حولها ودار من كل جهاتها الاربع فلم يستطع ان يقتحم قلعتها فعاد خاسراً نادماً ؟
هل ان ماركيز استطاع الدخول الى القلعة العراقية الرحبة ولكنه ضاع في تفاصيلها وتماهى في محليتها حتى لم نقدر ان نميز له من اثر ؟!
اسئلة كثيرة قد نختصرها بكلمة واحدة ..
هل ان الرواية العراقية قد تأثرت بالواقعية السحرية ؟!
يرى البعض ان القصة العراقية هي اولى ضحايا ماركيز او محضياته ،وان الرواية العراقية ضلت حبيسة محليتها وواقعها العراقي الواضح والجلي ،بل ان روائي يساري عراقي كبير كغائب طعمة فرمان الذي عاش ومات في موسكو وتزوج من روسية واوصى ان تدفن جثته في موسكو عندما تقرأ رواياته لاتجد الا الطعم العراقي المحلي باجلى صوره ،الزقاق البغدادي وصراع البداوة والحضر واللهجة البغدادية المعروفة ،ولنا ان نسأل اين تأثيرات الادب الروسي ،اين ديستوفسكي وتولستوي وغوغول ،للاسف لم يكن في خيال وضمير فرمان سوى العراق وواقعه المرير
وهذا الامر ينسحب على الادب العالمي بصورة واضحة ،فالادب ماهو الا صورة مشابهة لطفولة وارث الاديب
لعقدين متواليين ،الثمانينات والتسعينات ،ظلت الرواية العراقية حبيسة دارها ،على رغم الكم الهائل من روايات الواقعية السحرية ،الا ان المخيال السردي العراقي كان من المحلية بمكان عصي على التمدد السحري .
من الممكن ان نجد لماركيز اثار وبصمات في البنية السردية والحكائية لاعمال وروايات عراقية مهمة كالراووق لعبدالخالق الركابي ،ولكن لم تتوغل الماركيزية بعيداً عن البناء الفني وضلت المضامين والثيمات الروائية العراقية تتجاهل السحرية اللاتينية تماماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *