الرئيسية » فلسفة » إشكالية الحُجَج العامَّة بين الفلسفة والبلاغة
تأليف: شاييم بيرلمان
ترجمة: أنوار طاهر*

إشكالية الحُجَج العامَّة بين الفلسفة والبلاغة
تأليف: شاييم بيرلمان
ترجمة: أنوار طاهر*

anwar taher 3 (2)أسعى في ورقة البحث المقدمة هذه**، إلى الدفاع عن الأطروحة التي تشير إلى أن طبيعة الاستدلال الفلسفي raisonnement philosophique هي في الأصل طبيعة بلاغية rhétorique. وانه بمقدار ما يزعم فيه هذا النوع من الاستدلالات أن براهينه تقوم على مجموعة من المقدمات الخاصة به وحده، فهو يوطد، في واقع الأمر، صلته الوشيجة مع عدد من الافتراضات المتآلف على صحتها بشكل معتاد؛ والتي تتكون من المبادئ principes السائدة؛ والمفاهيم notions الشائعة والحُجَج العامَّة أو المشتركة lieux généraux ou communs.

وآمل أن أتمكن هنا من توضيح أن هذه الأطروحة المتعارضِة إلى حد كبير مع اغلب المزاعم السائدة في التقليد الفلسفي، هي ليست بأطروحة اعتباطية. بل على العكس تماماً، هي أطروحة متوافقة تماماً مع المناخ الفكري في عصرنا؛ وأن محاولتها المتمثلة في إعادة العلاقة بين الفلسفة والبلاغة إنما ستضمن خصوصية الفلسفة من جهة؛ وستحفظ من جهة أخرى مكانة البلاغة. وذلك من خلال إعادة الاعتبار لمفهوم الحُجَج العامَّة باعتبارها تمثل نقطة الارتكاز والانطلاق لكل فلسفة إنسانية ممكنة.

في البدء، ينبغي أن نشير إلى أن القول الذي يزعم لنفسه امتلاك جواب ساريّ المفعول valable وكلي عن سؤال: ما هي الفلسفة ؟ لا يمكن له إلا أن يكون جواباً دوغمائياً ومتضمناً على قصور كبير أيضا. لأنه على مدار التاريخ، لم يكن ينبني تعريف الفلسفة في كل مرة يجري فيها ذلك، إلا على أساس تفضيل وإعلاء حُجَج خاصّة بأنساق أنظمة فلسفية معينة مقابل الاستبعاد والحطّ من الحُجَج المعارضِة لها.

-إشكالية الكينونة والوجود: جدل الأسطورة واللوغوس
في مؤلفه الشهير من الأسطورة إلى اللوغوس Vom Mythos zum Logos (1)، عرض الفيلولوجي الألماني فيلهلم نِستل (1865-1959) لتلك القضية عندما أشار إلى أن ولادة الفلسفة عند الإغريق جاءت بأسم المعرفة الحقّة/الصائبة والموضوعية والعقلانية rationnelle للكينونة l’être والطبيعة، بمثابة رد فعل تجاه هيمنة كل من الخطاب الأسطوري التقليدي والرأي العام المليء بمتناقضات الدين اليوناني الصالحة منها والطالحة. ومن خلال الاستناد إلى التعارض القائم بين حقيقة الشيء ومظاهره apparences؛ والمعرفة مع الرأي، زعم الفلاسفة أنهم نجحوا في تقديم صورة عن الكون ترتكز على العقل ويمكن لها في مقابل ذلك أن تؤسس قاعدة لبناء الحكمة التي يمكن أن تقود الحياة الإنسانية نحو الفضيلة والسعادة.perlman 3

وفي الوقت الذي تبنَّى فيه الفيثاغوريون نعتهم بالفلاسفة في بواكير الفكر اليوناني ماقبل السقراطي، كان زينون الإيلي (490-430 ق.م.) قد شارف على إكمال صياغة كراسه الذي أطلق عليه: ضد الفلاسفة Contre les philosophes وذلك في سعي منه لتحديد معنى مفهوم الفيلسوف بعدما جرى مماثلة هذا المفهوم –أي الفيلسوف– مع الفيثاغوري ليمتد وينسحب ليس فقط على أتباع الفيلسوف فيثاغورس (580-495 ق.م.) بل وعلى خصومه كذلك. وهكذا، وبعد نقاشات مطولة بين المدارس الفكرية آنذاك، صار يُطلق لقب الفيلسوف على كل منْ يكون قادراً بواسطة اللوغوس Logos (= العقل بوصفه الحامل لمجمل الحقائق والمثل المطلقة، ومن خلال التأمل العقلي يصل الإنسان إلى إدراك تلك الحقائق الواحدة تلو الأخرى. هذا المعنى لمفهوم اللوغوس كان هو السائد خلال تلك الفترة تحديداً. م.م.) على التأمل في جميع الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالكينونة؛ الطبيعة؛ الإنسان؛ الخير والشر؛ علاقة الإنسان بالآلهة المقدسة؛ قيمة الفرد داخل المدينة la cité؛ العلاقة الجدلية بين العقل والتقليد في تشريع القوانين، وكل شيء يمكن له أن يكون موضوعاً لمعرفة تستند إلى قواعد عقلانية. وتبعاً لذلك، ظهرت تدريجياً علوماً تخصصية مستقلة، كانت علوم الرِّيَاضَة في مقدمتها، لتأتي بعدها التخصصات الأخرى المتكونة من الفنون السبعة والمجتمعة في كودريڨيا quadrivium (= علوم الحساب والهندسة والفلك والموسيقى م.م.)؛ وتريڨيا trivium (= علوم النَّحو والبلاغة والجدل م.م.). وبينما ستظل الفلسفة معنية ولفترة زمنية طويلة بدراسة الطبيعة في كافة مظاهرها المختلفة، سنرى أن الميتافيزيقيا (الفلسفة الأولى سابقاً م.م.) بعد أن كانت علماً لا يليق إلا بالحكيم فقط، ستأخذ مفهوماً آخر مع أرسطو في كتابه الميتافيزيقيا لتشير إلى علم المبادئ الأولى وهي الانطولوجيا ontologie أي علم الوجود كما هو موجود؛ والى الثيولوجيا أي علم دراسة الوجود الإلوهي(Métaphysique, 982, 1026).

وفي مقابل صعود فلاسفة الطبيعة وتعالي أصواتهم المطالبة بضرورة تمجيد طريق البحث عن الحقيقة vérité والنزوع نحو الحياة التأملية، ظهر كبار السفسطائيون sophistes من معلمو البلاغة وبرز معهم خطاب الشك والارتياب تجاه المد الفلسفي اليقيني الذي عمل على إنتاج الحقائق المطلقة بخصوص عالم الطبيعة وعالم الإلوهية وبالطريقة التي تجعل من تلك الحقائق مُتضمنة في نسيج الممارسات الخطابية العامة ومُغلِّفة إياه بأشكال وصور مختلفة. لهذا السبب، اهتمّ السفسطائيون بتحليل الخطاب السياسي والقانوني وبإعادة قراءة تاريخ الفلسفة والأدب. ومن هنا، كان لهم دور رئيسي في نشأة وتطوير الفلسفة الإنسانية philosophie humaniste. وتمّ استعادة حُجَجِهم في بداية الحقبة المسيحية تحديداً من قبل أولئك الذين عارضوا الاعتقاد الدوغمائي بالعلم؛ والإلهام بالعقل.

وفي وقت لاحق، وبعد أن كانوا من اشد خصوم الفلسفة ومعارضيها، ركز المفكرون المسيحيون جهودهم على التوفيق بين الفلسفة والدين في رؤية للواقع تتخذ من فكرة الإله حجر الزاوية في بناء نظامها الخاص. وعملوا على بسط الأفكار الواردة في نهاية الكتاب السادس من الجمهورية République حيث اكدّ الفيلسوف أفلاطون على وجود ما دعاه بواقعة تتخطى قدرات الإدراك العقلي، وهي تمثل في الوقت نفسه شرط إثبات قيمة الحقيقة والحقّ والعلم – وهو مفهوم لطالما عمد إلى تطويره الفيلسوف أفلوطين وأتباعه من بعده – وسيكون لذلك فيما بعد الأثر الكبير على تكوين توليفة بين المسيحية christianisme والأفلاطونية المحدثة néoplatonisme. كما توضح ذلك مع القديس أوغسطين، عندما أوضح أن عشق الحكمة والبحث عن السعادة يفضيان في نهاية المطاف إلى حب الإله الذي يعد شرطاً اساسياً للوصول إلى الحكمة وتحقيق الخلاص الأبدي. وكما أننا سنشهد في القرون اللاحقة، تبعية الفلسفة لعلم اللَّاهوت، ستكون هناك فيما بعد ثمة محاولات جادة لرؤساء أقسام الآداب في الجامعات القروسطية Universités médiévales ترمي إلى تحرير الفلسفة من سيطرة ذلك البرادايم الثيولوجي.
-امبريالية الخطاب العقلاني ونقد المركزية الغربية
عقب الحركة الإصلاحية الدينية في أوروبا الغربية، أفضى ظهور المذهب البروتستانتي وخطابه الثقافي الجديد مع اكتشافات العلم الحديث خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين إلى حدوث حروب دينية دامت لفترات زمنية متعاقبة وطويلة؛ وأدت كذلك إلى تحفيز الفلاسفة على بذل مجهود متزايد لغرض التأسيس لحقائق دينية يجتمع على القبول بها والرضوخ إليها كل الناس دون استثناء، وذلك لكونها حقائق تنبني على الاستدلال المنطقي العقلاني الذي لا يحتمل الشك أبدا. غير أن طبيعة النزاع بين الفلاسفة وشدة اختلافهم في الرأي، وصل إلى الحد الذي أصبح فيه هذا الأمر مثار سخط كبير. أضف إلى انه في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين كانت قد سادت حالة من عدم الرضا وانعدام القناعة الكاملة بين المفكرين بالنتائج غير اليقينية البتة لفلاسفة، أمثال ميشيل دي مونتين، كانوا يبحثون عن إعادة إصلاح طرقنا المعتادة في بلوغ المعرفة لغرض القضاء على مصادر الوهم والخطأ؛ وفي إعداد وتطوير منهج علمي سليم وصحيح لقيادة العقل البشري؛ وبالطريقة التي تضع الفلسفة في مَصافّ العلوم الِرّياضية وخطاباتها اليقينية البحتة مثلما هو الحال عليه في الهندسة والفيزياء. وكانت هذه الغاية تحديداً هي الهدف الذي سعى إليه الفلاسفة من أمثال فرنسيس بيكون؛ توماس هوبز؛ جون لوك وديفيد هيوم في بريطانيا، وكذلك كل من: رينيه ديكارت؛ باروخ سبينوزا؛ غوتفريد ليبنتز ونيكولا مالبرانش في أوروبا. وفي حين استند هؤلاء الفلاسفة العقلانيون rationalistes على منهج علوم الهندسة في بناء نظامهم الصُنعي الهائل والذي أصبح فيما بعد موضوعاً لجدال لا متناه، سيمثل الفلاسفة التجريبيون empiristes الانجليز بدء من بيكون وحتى هيوم بنزعتهم الأشد صرامة وإحكاماً،أصولَ تاريخ الاتجاه الوضعي positiviste الحديث الذي يتعارض مع النزعة الامبريالية l’impérialisme عند الفلاسفة العقلانيين، وذلك بتأكيده على وجود محددات جوهرية للمشاريع الفلسفية لا يمكن تخطيها أبدا. وأفضل مثال على ذلك، نجده في هذه العبارات التحريضية التي ختم بها الفيلسوف التجريبي الانجليزي هيوم كتابه (تحقيق في الذهن البشري): ((إذا ما وضعنا أيدينا على أي مجلد من مجلدات في علم الثيولوجيا أو الميتافيزيقيا الأسكولائية على سبيل المثال، وطرحنا على أنفسنا هذه الاسئلة: هل تحتوي أي منها على استدلال مجرد يتعلق بالكميات أو الأعداد؟ ويكون جوابنا بالنفي. وهل تتضمن على استدلال تجريبي يخص سؤال الواقعة أو الوجود؟ ونجيب بالنفي أيضا. فألقِ به إلى النار، فليس فيه إلا المغالطة والوهم )).

وقبل أن تحقق النزعة الوضعية positivisme انتشاراً واسع النطاق مع الفيلسوف الفرنسي اوغست كونت دام حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الفلسفات ذات التوجه العقلاني قد شهدت منعطفاً في غاية الأهمية مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط والفلسفة المثالية l’idéalisme في القرن التاسع عشر.
فقد باشر كانط، بعد هيوم، نقده للعقل النظري والعملي على حد سواء. وكان رده على السؤال الإشكالي حول: الشروط الواجب توفرها لتأسيس علم في الطبيعة، وتلك التي تجعل من إقامة علم الأخلاق امراً ممكناً؟ هو تأسيسه لفلسفة متعالية philosophie transcendantale ستضع حدوداً معينة لإمكانية المعرفة البشرية. وهي ستوضح فوق كل شيء، أن فكرة الإلزام والواجب obligation إنما تُفرض علينا بكامل حريتنا، وهذا ليس بناتج عن أي خبرة كانت ولا عن وجود صلة تحليلية بين الأفكار، وإنما عن كونها فكرة تفترض مسبقاً وجود أحكام تركيبية/صُنعية قبلية jugements synthétiques a priori.

في الواقع، أن كان التحليل النظري الكانطي قد عكس وبشكل جليّ سبب فشل الأنظمة الميتافيزيقية التقليدية والكامن في تجاوزها غير المسوَّغ لقدرات الإنسان المعرفية. فهو قد سلط الضوء كذلك على قضية في غاية الأهمية تتعلق بمجال العقل العملي، وذلك حينما توصل إلى أنه من غير الممكن العثور على أساس فكرة الإلزام أو الواجب الأخلاقي لا في عالم الظواهر phénomènes ولا في علم الطبيعة أيضا. فقد كان لهذه النتيجة فيما بعد الأثر الكبير في تغيير مركز اهتمام فلسفة العقل النظري نحو العقل العملي؛ ومن دراسة الطبيعة إلى البحث عن الأسس الميتافيزيقية في الأخلاق والقانون.

وعلى الرغم من محافظتها على التمييز الكانطي بين فلسفة الطبيعة وفلسفة الحرية، إلا أن الفلسفات مابعد الكانطية postkantiennes حسمت أمرها في آخر المطاف لصالح فلسفة الحرية. وبقدر ما كانت تسعى نحو إقامة فلسفة في الطبيعة تختلف عن العلوم الطبيعية، فلم تتمكن من تحقيق تلك الغاية، بل وفشلت فشلاً ذريعاً. غير أنها ومن خلال أطروحاتها المتميزة في مفهوم الحرية liberté بوصفها مظهر من مظاهر الوعي والعقل والروح l’esprit في التاريخ، ساهمت بشكل جوهري في إحداث تطور هائل في مجال العلوم الإنسانية.

وبينما شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتصار خطاب العلوم الطبيعية وتقدماً متواصلاً للنزعة الوضعية، فأن نهاية هذا القرن نفسه ستؤسس لبداية نهضة جديدة ومغايرة للفلسفات العملية إضافة إلى فلسفات الحرية والفعل. وسيجري فيما بعد، عقد نظام مترابط بين ذلك التمييز الذائع الصيت في القرن العشرين وهو: أحكام الوقائع العيَّان jugements de fait (التي تطلق على الخواص الصفات التجريبية propriétés empiriques القابلة للملاحظة. م.م.)؛ وأحكام القيمة jugements de valeur (التي تقوم على أسس العُرف ومعايير الأخلاق والاستعمال المتداوَل la coutume, les mœurs, l’usage. م.م.) من جانب، وبين ذلك التعارض الجوهري بين العلوم والفلسفة من جانب آخر. لتكون مهمة العلوم هي بناء أحكام الواقع بمساعدة قوانين البرهان démonstration والتحقق vérification. ولتقع على الفلسفة مهمة تأسيس مبادئ أحكام القيمة.

-أيديولوجيا الاستدلال: بين صعود الوضعية وهيمنة الكونية الشمولية
غير انه علينا أن نتساءل هنا، كيف يمكننا تأسيس مبادئ تلك الأحكام؟ إذا كانت طرقنا الوحيدة في الاستدلال والمأذون بسريان مفعولها على الدوام valables، ما زالت هي: الاستنباط والاستقراء؛ التجربة وعمليات الحساب الرياضي. وإذا كانت جميعها غير قادرة على تشكيل أحكام القيمة، ألا ينبغي إذن السير على خطى موعظة الفيلسوف هيوم في وجوب حرق كتب الفلسفة كلها باستثناء ربما بعض أعمال أولئك الوضعيون الذين نجحوا بفضل اعتمادهم على مناهج التحليل اللساني والمنطقي analyse linguistique et logique في الكشف عن مغالطة الكثير من استدلالات الفلاسفة غير الوضعيين non-positivistes وبهتان اغلب مزاعمهم؟

في هذا المناخ الفلسفي من عام 1929، وهي السنة نفسها التي صدر فيها البيان الرسمي لحلقة ڨيينا وأُعلن فيه عن تأسيس الوضعانية الجديدةnéo-positivisme ، كنت قد بدأت أتلقى تعليمي الفلسفي. وقد كانت الفلسفة آنذاك مجرد تخصص مكمل للعلوم الأخرى، وجرى اختزالها ضمن حدود مبحث القيّم الاكسيولوجيا axiologie لتقوم بوظيفة دراسة أحكام القيمة بطريقة منهجية نسقية نظامية. وتعرضت الفلسفة بسبب ذلك إلى موجة انتقادات شديدة من الوضعانيون الذين لاحظوا أنها تُنازع بلا جدوى بين حدوس غير قابلة للفهم ولا للتواصل incommunicables من جهة، وتعبير أدبي عن مشاعر ذاتية subjectives خالصة من جهة أخرى. ومع هذا الحال، أصبح من المستحيل تشييد فلسفة عقلانية متكاملة، لأنها مسألة تقتضي الاختيار بين منهج عقلاني لا ينتج سوى فلسفة خالية من أي محتوى؛ وبين مناهج بدت ذاتية غير عقلانية irrationnelles في ذلك الحين، لكنها رغم ذلك تفضي إلى بناء فلسفة أكثر نفعاً وقيمة. ومن ناحية أخرى، كان من الصعب للغاية الخضوع والتسليم للاتجاه الوضعاني لا سيما بعد إعلانه أن جميع أحكام القيمة هي أحكام اعتباطية، في تلك الفترة حيث كنا نثور فيها جميعا ضد الأيديولوجيات التوتاليتارية idéologies totalitaires التي ضربت بكرامة الإنسان عُرْضَ الحائط، وانتهكت القيّم الجوهرية لحضارتنا في العقل والحرية. لكن، كيف يمكن الخروج من هذه المُعضِلة، إذا ما تبين أن المناهج العلمية سواء الاستنباطية منها أو الاستقرائية لا يمكن أن تكون قاعدة لتشكيل أحكامنا القيّمية، ومن ثمة، للانتقال بنا مما هو كائن من وضع تراجيدي راهن إلى ما ينبغي أن يكون عليه؟

على مشارف نهاية الحرب العالمية الثانية من عام 1944، كنت قد انصرفت إلى تحليل فكرة العدالة justice بروح وضعانية كلية. وكنت قد تمكنت من الإحاطة بنواة قاعدة العدالة الشكلانية القائلة بوجوب معالجة القضايا المتشابهة تماما بطريقة متطابقة، حسب مبدأ قياس الغائب على الشاهد. وكنت أرى جيّداً أن كل حكم قانوني من أحكام القضاء والتشريع لا يعدو كونه تنفيذاً وإنجازاً لأحكام قيّمية عُرفية مُسَلَّم بصلاحيتها مسبقاً. لكني بقيت أتساءل، ماذا يجب علينا القيام به لو أننا شهدنا صراعاً بين مجموعة من الأحكام القيّمية المختلفة ضمن حدود قضية بعينها؟ هل يمكن للفيلسوف أن يرشدنا إلى طريق معقول بوضع حلول مقبولة إلى حد كبير يمكن أن ترضي جميع الأطراف المتخاصمة؛ أم يجب علينا الخضوع إلى حُجّة مَنْ هو الأكثر قوة بوصفها الأفضل دائماً كما يُقال عادة؟

للإجابة على هذا السؤال الأخير، سعيت إلى البحث عن منطق الأحكام القيّمية. ولأنني لم اعثر عليه حينها، بدا لي أن على العقل الفلسفي الاعتراف بعجزه في تعريف القيّم وتحديد ما ينبغي أن تكون عليه، وذلك بعدما هجر البحث فيما هو كائن وتخلى عنها لبقية العلوم الأخرى. وانه مثلما صرفت الفلسفة النظر عن دراسة الطبيعة، كان يجب عليها بوصفها تخصص خطابي discursive قابل للتواصل أن تنصرف أيضا عن ابتكار القيّم والمعايير التي تحثنا وتحفزنا على الفعل، وان تنكر معه كذلك إمكانية أي تأمل مسوَّغ حول السياسة والقانون والأخلاق والدين.

وأثناء بحثي عن استكشاف منطق الأحكام القيّمية، تبدّى لي أن المنهج الذي سار عليه عالم الرياضيات الألماني گوتلب فريغه (1848-1925) هو من أفضل المناهج التي استطاعت تجديد علم المنطق الحديث. وكنت قد تصورت انه مثلما عثر فريغه على المنطق الشكلاني logique formelle بواسطة التحليل الدقيق للاستدلال الرياضي raisonnement mathématique، قد يمكننا نحن كذلك العثور على غايتنا في التّحرّي والبحث عن منطق التفضيل/ما هو مُفَضَّل logique du préférable، من خلال تحليل الاستدلالات التي تعالج القضايا حسب منطق الأفضلية والأسبقية في المرور لجوهر الشيء على ظاهره؛ لصدقه على كذبه؛ لحقيقته على زيفه، وغيرها من أزواج الثنائيات المؤِلفة لمجموعات من المفاهيم التي تنبني عليها الأحكام القيّمية المحدِدة لكل ما هو أجدر وأحسن وأفضل قيمة؟

بعد مرور عشر سنوات من البحث الذي أجريناه بالاشتراك مع الزميلة عالمة السوسيولوجيا البلجيكية لوسي اولبرخت–تيتكا Lucie Olbrechts-Tyteca (1899-1987)، تثبَّتنا بالدليل القاطع من عدم وجود منطق خاص بأحكام القيمة. غير أن تحليلاتنا أتاحت الفرصة لنا للعثور أو بالأحرى من إستعادة تقنيات الحِجَاج والإقناع persuasion التي بحث القدماء فيها لا سيما الفيلسوف أرسطو في مؤلفيه: الطوبيقا، والبلاغة.

-من تفكيك سلفية المنطق الشكلاني إلى تفعيل الحِجَاج الفلسفي
كما نعرف، أن المنطق الشكلاني يدرس تحديداً الأدلة المستنِدِة على العمليات الحسابية؛ والاستدلال ألبرهاني raisonnement démonstratif المستنِد إلى مقدمات/مُسلَّمات بديهية تؤدي إلى نتائج صائبة بطريقة شكلية مجردة. أما طريقة الاستدلال المستعملة في نقاشاتنا اليومية أو في حواراتنا الخاصة سواء عندما نقوم بنقد أو تبرير قضية معينة ونحتاج فيها إلى عرض أسباب تأييدنا أو رفضنا لها؛ أو عندما نسعى إلى تقديم حُجَّتُنا مثلاً في دّيباجة تتعلق بمشروع قانون ما أو بالباعث على إصدار حكم ما. فكل ذلك لا يدخل ضمن اهتمام عالِم المنطق الحديث ولا يكترث لجميع التقنيات المستخدمة في تلك المواقف، مكتفياً بتحليل الاستدلال الشكلاني raisonnement formel البحت وحسب(2). في حين أنه من المعتاد أن نلجأ إلى الاستدلال في جميع تلك الحالات، وانه لا غنى لنا عن أن نستدلّ في مثل تلك المواقف السائدة في المجتمعات البشرية. وهذه حقيقة لم تكن غائبة عن واضع أصول المنطق الشكلاني أرسطو نفسه، فقد أولى أهمية كبيرة لمثل هذا النوع من الاستدلالات تحديداً. لذلك نراه مثلما سعى إلى دراسة الاستدلالات التحليلية raisonnements analytiques من قبيل الاقيسة المنطقية syllogisme ، كان قد أولى عناية كبيرة للبحث فيما أطلق عليه بالاستدلالات الجدلية raisonnements dialectiques التي نستعملها في نقاشاتنا وحواراتنا العادية. وأفضل انموذج يعبر عن هذا النوع من الاستدلالات يمكننا أن نجده في المحاورات السقراطية للفيلسوف أفلاطون الذي اعتبر أن الجدل هو المنهج الخاص بالاستدلال الفلسفي، وهذا لان مجال تطبيقه المحدد والأساسي –كما قال في محاورة اوطيفرون (7 à 9) – لا يختص بالخلافات التي يمكن تسويتها ببساطة عن طريق معرفة حاصل معادلة حسابية أو إلى قياس أو وزن الشيء موضوع الخلاف، وإنما يتعلق بالاختلافات الحاصلة في الرأي حول مفاهيم الخيِّر والسيئ؛ الحق والباطل؛ المحمود والمذموم من التصرفات والأفعال البشرية، أي بكل ما يخص نقاشاتنا حول القيّم الإنسانية(3).

سعى أرسطو في كتابيه الطوبيقا ومَدْحوضات سفسطائية Réfutations sophistiques إلى تحليل التقنيات الحِجَاجية وبما يتيح لنا معرفة الرأي المعقول والمُفَضَّل وتمييزه في مجادلاتنا وحواراتنا عن بقية الآراء الأخرى الناتجة عن استدلالات مغالطِة وغير صالحة. غير أن معيار قوة الحُجَّة l’argument أو ضعفها لا يقوم على أسس عمليات الحساب ولا على القياس، وإنما يستند على طريقة التقييم appréciation والحكم على موضوع النقاش من قبل الشخص المخاطَّب/والمخاطِّب، وعلى ما يبلغه من حالة تثبُّت من الحُجَّة إلى حد القناعة لنكون قد وصلنا إلى أقصى مراحل الاستدلال الجدلي. وهذا يعني أن التثبُّت أو التيقُّن conviction ليس إلا شكلاً من أشكال الإقناع persuasion الذي لا ينتج عن تأثير فعل إغواء معين يُمارس تجاه رغباتنا وعواطفنا، بل سيكون مبنياً على الإثباتات والاستدلالات الجدلية. من هنا، فأن البلاغة أو فن الإقناع بفضل التقنيات الحِجَاجية الخطابية التي وضعها أرسطو، لم تكن تتجاهل الايتوس ethos (=تمثلات représentations الخطاب الأخلاقي. م.م.) ولا الپاتوس pathos (=تمثلات الخطاب الانفعالي. م.م.) ودورهما في الإقناع، بقدر ما كانت تؤكد على أهمية اللوغوس logos بوصفه خطاب discours يتألف من مجموعة استدلالات تنبني على حُجَج عامَّة ومشتركة تدعم الرأي الذي نراه الأفضل على الدوام حسب الاعتقاد السائد.

وبينما قد لا يبدو أن هناك بَوْن شاسع بين تقنيات البلاغة المستعملة في الاستدلال وبين تلك الخاصة بالجدل. إلا أن الفرق واضح وكبير بينهما، لا سيما وان البلاغة الكلاسيكية rhétorique classique لا تستعمل تقنيات الجدل السقراطي في السؤال والجواب المحددين، وإنما تستند إلى الخطاب المتواصل وغير المحدد بفترة زمنية معينة، وهذا ما جعلها تضع المشاكل الخاصة بجمهورها المخاطَب ضمن مركز اهتمامها. في الواقع، أن أي خطاب إقناعي discours persuasif هو أشبه بعملية تكيف وتأقلم مع نمط الجمهور المتلقي، ولهذا السبب عرض أرسطو في كتابه البلاغة وبإسهاب لتقنيات حِجَاجية شاملة لأنماط مختلفة من جماهير المخاطَبين.

وبالمقدار الذي يبحث فيه المتكلم المخاطِب عن الإقناع بواسطة الخطاب، وان يحقق تأثيراً يتسم بدرجة من الفاعلية لدى جمهوره المخاطَب، لا سيما عندما يتوجه بخطابه إلى جمهور لا يكون على درجة متساوية من الوعي وسريع التأثر أيضا، كما هو الحال مع الجمهور المكتظ عند ساحة أثينا أگورا l’agora، ينبغي عليه حينئذ أن يستعمل أقصى ما عنده من قوة بلاغية pouvoir rhétorique. هذه الأخيرة هي ما أدانها أفلاطون في محاورته گورجياس حينما أشار إلى استسلام الاثنيين لإغواء الديماغوچيين. لأنه بالنسبة لفيلسوف مثل سقراط يبقى أمر الوصول إلى الحقيقة أهم بكثير من النجاح في إقناع الجمهور بخطابه. وحتى لو جرت إدانته من محكمة الشعب، ستظل الحقيقة هي قضيته التي لا غبار عليها.

لكن، يبدو أن معاداة أفلاطون للبلاغة الديماغوچية rhétorique démagogique، لم تكن تشمل جميع أنواع البلاغة. ففي إحدى محاوراته المكرسة لموضوع البلاغة وهي فايدروس، يخبرنا فيها عن وجود بلاغة لا تليق إلا بالفيلسوف والتي من خلالها فقط يمكن له أن يكون قادراً على مواجهة الأرباب أنفسهم وحثهم على الاقتناع برأيه. وهذا مما يجعل من الحكم على قوة خطابها لا يتم بالقياس على درجة فاعلية أدائها، بقدر ما ينبني في الأساس على تميّز هذه الفئة من الجمهور المخاطَب، ومن ثمة النجاح في إقناعها. لذلك، إن ظهر لنا أن محاورة دفاع سقراط قد عرضت لخطاب حِجَاجي بلغ مرتبة التثبُّت أو التيقُّن conviction لدى اغلب الحاضرين من الجمهور، في الوقت الذي لم يفلح فيه بإقناع persuasion القضاة أنفسهم، فذلك لأنه كان عليه أن يستعمل التقنيات الحِجَاجية وبالطريقة التي تؤهله إلى أن يمارس تأثيراً يعادل مستوى الوعي والتفكير الاستدلالي لدى ذلك الجمهور من اجل أن يحفزهم أكثر على الاستجابة للقضية التي يدافع عنها. من هنا، يمكن القول أنه كلما تحررنا من فكرة الانغلاق على فئة محددة من المخاطَبين، يمكن أن نمهد إلى تعميم خطاب الحِجَاج البلاغي، ومن ثمة، إلى تفادي صور الإدانة الموجهة بشكل تقليدي إلى البلاغة.

في الواقع، أن مظاهرة الازدراء التي يبديها الفلاسفة عادة تجاه البلاغة، إنما ناتجة في الأصل عن أن التقنيات الحِجَاجية التي طوَّرها أرسطو وأتباعه من بعده لم تكن موجهة لإقناع جميع المخاطَبين على اختلافهم، وإنما كانت مخصصة لجمهور بسيط للغاية. وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن السبب في عدم ابتكار نظرية عامة théorie générale في الحِجَاج تستند إلى بلاغة قابلة لأن تتلاءم وتنسجم مع جميع أشكال خطابات الجماهير المخاطَبين، وبطريقة يمكن أن تتيح لها أن تتولى مهمة إنتاج فاعلية الأداء التاريخي للخطاب المتلازمة مع إنتاج نوعية الجمهور نفسه بوصفه عنصر متفاعِل وفاعل أساسي في تقييم حُجَّة ما؟ وهذا ما كانت تعلّمنا إياه، على سبيل المثال، منهجية méthodologie التخصص العلمي أو القانوني عندما كانت تشرح لنا ما هي أنواع الحُجَج وأنماط الأدلة التي تبدو الأكثر تثبُّتاً بالنسبة لأصحاب ذلك التخصص. واقرب مثال على ذلك، نجده مع الصورة النمطية التي اندمج معها الخطاب الفلسفي حينما جرى النظر إليه وعلى مدار تاريخ الفلسفة التقليدي بمثابة نداء إلى العقل، فجعلته يتسم بعدم القدرة على التلاؤم إلا مع جمهور مثالي auditoire idéal لا يتجسد إلا بوساطة إلوهية مقدسة حسب رأي أفلاطون وأصحاب التفكير الديني أيضا. وأنا أرى انه من الممكن أن نطلق على ذلك الجمهور المثالي اسم جمهور كوني auditoire universel، لا سيما وان الخطاب الفلسفي يستوحي رؤيته في حقل الحِجَاج تحديداً من مقولة الواجب الكانطي وهي: ينبغي على الفيلسوف أن يُحاجِّج بطريقة تضمن لخطابه تحقيق التأييد والدعم المناسب من الجمهور الكوني حسب رأي كانط(4).

أن تعريف مفهوم الحِجَاج الفلسفي argumentation philosophique بهذه الطريقة، يُعيد الصلة بينه وبين فكرة العقل على نحو آخر ومختلف. فلم يعد مفهوم العقل مجرد أداة للبحث عن الحقيقة، بل أصبح ممارسة لها تأثير كبير في مجال الفعل action. ولم يعد مقتصراً على المناهج العلمية المحدِدة لشروط المعرفة العقلانية، بل امتدّ ليشمل كل مجال من مجالات المعقول raisonnable على اختلافها وتعددها، وهو ما يمنح معنى وقيمة لفكرة المثال الخاص بالعقل العملي raison pratique.

وعند مناشدته العقل أو الجمهور الكوني، لا يمكن للخطاب الفلسفي أن يبني استدلالاته إلا على قاعدة من الفرضيات والحُجَج التي حتى وإن لم يحصل التوافق عليها من قبل الجميع، فأن على الفيلسوف المضي في حواره ألحِجَاجي لا سيما وهو يدرك تماماً بأنها حُجَج تفرض قيّمها وأحكامها على جميع المعنيين من المختصّين. وذلك لأنه يقوِّم بنية خطابه الفلسفي ألحِجَاجي على أساس ثقافة الحس المشترك sens commun والخبرة العامة، ولا يجد حرجاً في الإشارة إلى الحقائق والوقائع؛ والإحالة إلى البديهيّات من الأوّليات والضروريات من الأمور التي تعتبر من المسلّمات لدى الجميع. وهنا، تتضح أبعاد عملية التواصل الفلسفي communication philosophique ألحِجَاجي غير المتعالي وغير المجرد، لكونه لا ينطلق إلا من المبادئ المشتركة؛ والمفاهيم الشائعة والحُجَج العامَّة. وهنا، من المهم للغاية، التركيز على مصطلح مشترك وعام « commun » والذي يكوِّن في الأساس مجمل ثقافات الجماعات المحلية communautés والتي بفضلها يمكن لخطاب الفيلسوف العثور على الافتراضات المسلَّم بصلاحيتها عند الجمهور الكوني.

ومن الملاحظ هنا، أنه من الممكن أن تكون المبادئ المشتركة التي ينظر إليها الفيلسوف بوصفها من المسلَّمات المتوافق عليها كلياً، ليست سوى تعبيراً عن الرأي المسيطِر في محيطه الثقافي الخاص، وعن الايديولوجيا السائدة في عصره أيضا. ورغم ذلك، نجده يصرّ على الزعم القائل انه ينبغي على الجميع الاعتراف بها.
أما فيما يتعلق بالطابع الكلي الخاص بالمفاهيم الشائعة فهو الآخر ليس محل جدل كبير. وذلك يعود لما تتسم به تلك المفاهيم من تنوُّع diversité ناتج عن مظاهر التباين والاختلاف في المعاني multiplicité des sens التي تشير إليها والتي تدفع بالكثير منها نحو التحول إلى مفاهيم مشوشة وملتبسة confuses للغاية. وقد عبَّر الفيلسوف الرواقي الروماني ابكتيتوس خير تعبير عن هذه الفكرة عندما أشار إلى رأي الرواقيين Stoïciens القائل بحضور المفاهيم المسبقة prénotions في العقل البشري منذ سنّ السبعة أعوام، وذلك في هذا النص من كتابه محادثات Entretiens:

((تعد المتصوَّرات والمفاهيم المسبقة من الخصائص المشتركة بين جميع الناس. فلا يقع أي احد منها في تناقض مع الآخر. فمَنْ منا لا يسلِّم أن الخير يعبر عن كل شيء صالح ومأمول فيه، ويدعونا للسعي إليه والبحث عنه في كل الظروف؟ ومَنْ منا لا يعترف أن السليم أو الصائب هو شيء نبيل ومتلائم مع العُرف؟ فمتى يمكننا إذن الوقوع في التناقض؟ بالطبع، عندما نقوم بتطبيق تلك المفاهيم المسبقة على وقائع معينة، وحينما يقول احدنا: لقد تصرف هذا الإنسان في منتهى الصدق والأمانة، انه حقاً شجاع. بينما يرد عليه الآخر بالنفي قائلاً: على العكس، انه مجرد شخص أحمق وغير جدير بالثقة. وبهذه الطريقة، يبدأ الناس في النزاع فيما بينهم. كما حدث ذلك مع اليهود؛ السوريون؛ المصريون والرومان عندما دخلوا في نزاع تجاهلوا فيه واجب احترام قيمة القداسة والبحث عنها في كل ما هو موجود حولنا في هذا الوجود، فهذه مسألة لم تكن في محور اهتمامهم أبدا. وانشغلوا بدل ذلك في السؤال عن ما إذا كان في أكل لحم الخنزير أي تدنيس لحرمة القداسة. والشيء نفسه يُقال مع أمر الصراع بين أبطال ملحمة الإلياذة الإغريقية أجاممنون وآخيل. وإذا ما حاولنا أن نستعيد القصة في هذا الحوار بينهما. آخيل: ما هو رأيك يا أجاممنون؟ ألا يتعين علينا أن نتصرف دوماً بصدق وحزم؟ يرد عليه أجاممنون: نعم ينبغي علينا ذلك، وأنت ماذا تقول؟ هل توافق على ذلك الرأي؟ فيجيبه آخيل: نعم، بكل تأكيد.
إلى هنا، قد يبدو أن كل شيء على ما يرام. لكن، ما أن ننتقل إلى تطبيق جميع تلك المفاهيم المسبقة على ارض الواقع، حتى يبدأ الصراع))(5).

من هنا، يتوجب على الفيلسوف الذي يتخذ من تلك المبادئ والمفاهيم السائدة قاعدة في بناء خطابه ألحِجَاجي، أن يُعيد قراءتها والبحث في أصول تعريفاتها والتحري عن معناها. ليتمكن على سبيل المثال من تحديد قيّم العدالة والدين، وبطريقة معقولة تحول دون وقوع مثل تلك الصراعات والنزاعات بين الإيديولوجيات المحلية المختلفة القارّة في مثل تلك المتصوّرات الشائعة.

وعلى نحو مماثل، تكون الحُجَج العامَّة لا سيما تلك التي اصطلحنا عليها في كتابنا (مصنف الحِجَاج)(6)، حُجَج التفضيل العامَّة lieux communs du préférable وهي حُجَج تتألف من مجموعة الأسباب الأكثر عموميَّة في استعمالات الناس اللغوية العادية وهي تتيح لهم تبرير تفضيلهم لاختيار معين على آخر في كافة المجالات. ومن بين الأمثلة التوضيحية عنها، نسوق من حُجَج الكَمّ quantité تلك القائلة: (شيء واحد نافع هو أفضل من كثرة بلا نفع)؛ ومن حُجَج الكيف qualité تلك القائلة: (شيء فريد ومتميز هو أحسن من تلك الأكثر شيوعاً)؛ ومن الانتظام والتسلسل ordre في الحُجَج تلك القائلة: (العلِّة سابقة على المعلول. مثلما نُحاجِج عادة بالقول أن المبادئ والقوانين اسبق على الوقائع)، وحُجَّة الجوهر essence التي تمنح الأولوية للموجودات الأفضل تجسيداً لنماذج وأنماط ومعايير محددة…الخ.

إنَّ الحُجَج العامَّة généraux تتعارض مع الحُجَج الخاصَّة spécifiques، لكونها وعلى العكس تماماً من هذه الأخيرة، ليست مرتبطة أو محدَدَة بتخصص معين كعلوم القانون أو الأخلاق، وإنما هي حُجَج عامَّة قابلة للتطبيق على جميع التخصصات. وهي، فوق ذلك، غالباً ما تكون حُجَج متضادَّة antithétiques ومتخالفِة، بحيث أن اختيار نوع من الحُجَج يؤدي لا محالة إلى ضرورة اتخاذ قرارات لاحقة بشأن استبعاد نوع آخر من الحُجَج المقابلة للأولى. بمعنى آخر، أن التوافق على تفضيل حُجَج معينة دون أخرى غيرها، يتحول فيما بعد إلى نمط من التفكير قد يغلب على حقبة بأكملها، مثلما أتاح لنا البحث في الاستعمالات المتباينة لحُجَج الكَمّ والكيف، التوصل إلى التمييز بين روح الفكر الكلاسيكي وروح الفكر الرومانتيكي(7).

إن ما يميز الاستدلال الفلسفي عن بقية الاستدلالات الاستنباطية والتجريبية، انه استدلال غير بُرهاني؛ غير قسري ولا قطعي. وحتى وإن انصرف إلى التثبُّت احياناً، فإنه يبقى استدلال حِجَاجي إقناعي من الطراز الأوّل. وفوق ذلك، انه استدلال ينبني على المبادئ المشتركة والمتصوّرات والمفاهيم الشائعة والحُجَج العامَّة مما يفسح المجال أمام التعددية في التأويلات والتعريفات والتطبيقات على حد سواء. وهو ما يسمح لنا نحن كذلك بتوضيح خصوصية الفلسفة وأسباب تميزها عن مفاهيم الأديان والعلوم والفنون الأخرى.

حيث تختلف الفلسفة عن الدين بكونها لا تعتمد على فكرة الرؤيا أو الوحي المقتصِرة على المؤمنين وحسب، وإنما يقوم خطابها على مجموعة من الاستدلالات والإثباتات المقبولة والمسلَّم بصلاحيتها عند جميع الناس العقلاء المنضوين تحت إحدى ثقافات الحس العام. ومن جهة أخرى، نلاحظ أن ما يميز الفلسفة عن العلم، هو عدم استناد خطابها في إثبات فرضياته لا على العمليات الحسابية ولا على أدوات التجربة والملاحظة العلمية، وهو ما جعل من فرضيات الخطاب الفلسفي نفسها غير مقبولة من الجميع كلياً ولا يمكن أن تحصل على الإجماع التام بين مختلف العقول. بعبارة أخرى، أن ما تقدمه الفلسفة من رؤى معقولة حول قضايا العالم والإنسان، لا يعني بالضرورة أبدا أن أي واحدة بعينها سارية المفعول والبقية الأخرى غير صالحة بالمرَّة.

ومن خلال هذا الرؤية لمفهوم الاستدلال الفلسفي، يمكننا أن ندرك جيّداً مدى فشل الجهود القائمة في التوفيق بين مزاعم الفلاسفة في امتلاكهم الحقيقة الواحدة من جهة؛ وبين ظاهرة التعددية المزمِنة والملازِمة للأنظمة الفلسفية من جهة أخرى. فإذا أمكن للعديد من الخطابات الفلسفية الادعاء بإمكانية الحصول على التأييد الكوني بالكامل، لان كل واحد منها يعتبر أن خطابه هو الأسلم والأفضل طريقاً في الوصول إلى الحقيقة العقلانية المطلقة. فهذا لا يعني بالضرورة أبدا، اعتبارها جميعا فلسفات صحيحة وحقَّة وصالحة في كل زمان ومكان، لمجرد أن كل توافق لواحدة منها مع واقعة موضوعية محددة يمكنه أن يفضي إلى وضع معيار يجري القياس عليه والحكم بواسطته على مطابقة هذه الفلسفة للشروط وعن مدى كفايتها أيضا. في الحقيقة، أن اعتماد كل فلسفة على واقعة عامَّة محددة من وقائع الحس المشترك، إنما يمهد لتشكيل واقع فلسفي خاص بها يستند إلى حُجَج عامة محددة أيضا، لغرض تطوير مقاربات تأويلية تعددية لرؤية قابلة للتصحيح وبالشكل الذي يتلاءم مع واقع الحياة البشرية المتغير(8).

لو كان في الإمكان اعتبار كل نظام فلسفي أشبه بعمل فني مماثل لكاتدرائيّة ما أو سيمفونية ما(9)، فلن يتبقى سوى التركيز على مسألة تبرير بناءه الفلسفي بواسطة تقنيات الحِجَاج ألإقناعي، والطريقة التي يمكنه فيها الاستعانة بأدلة يأمل أن تكون مقبولة من الجميع، حتى يبلغ فيها درجة من التثبُّت. لأنه مثلما لا يمكن تصور الفلسفة إلا بمثابة نداء إلى العقل، فأن مفهومها الخاص بالعقل لا ينفصل هو الآخر عن رؤيتها أو مشروعها الفلسفي برمته.
***
أن ورقة البحث الوجيزة هذه، والرامية إلى مناقشة أطروحتنا حول الطابع البلاغي للاستدلال الفلسفي مع كل ما يلحقها من نتائج، لا تدّعي إثبات حقائق علمية غير قابلة للنقاش. بل على العكس تماماً، أن قراءة ما يمكن أن تعرضه من صور قد توحي بخصائص المعقوليّة والإثبات المنطقي العقلاني، إنما هي تقوم في الأساس على طريقة الفهم المعتمدة لدينا في تحديد مفاهيم مِفصلية ومتصلة بين بعضها البعض مثلما هي عليه في الفلسفة والبلاغة والحُجَج العامَّة.
ولقد سعيت على مدار خطابيّ السابق إلى أن نتشارك معاً، محاولتنا في عرض تلك المفاهيم بطريقة غير اعتباطية، وبقدر ما تستجيب فيه لانشغالات الإنسان في عصرنا وثقافتنا الراهنة.

الهوامش:
(**) ورقة بحثية لفيلسوف البلاغة الجديدة شاييم بيرلمان (1912-1984)، وهي جزء مقتطف من نشرة الأكاديمية الملكية البلجيكية:
Ch. PERELMAN: Philosophie, Rhétorique, Lieux communs, Extrait du Bulletin de l’Académie royale de Belgique (Classe des Lettres et des Sciences Morales et Politiques), 5e série – Tome LVIII, Imprimé en Belgique
1972, pp. 144-156.

(1) Krônerverlag, Stuttgart, 2e éd., 194.
(2) Cf. Ch. PERELMAN et L. OLBRECHTS-TYTECA, Traité de l’argumentation, La nouvelle rhétorique, 2« éd. Bruxelles, Éditions de l’Institut de Sociologie, 1970, Introduction.
(3) Cf. J. MOREAU, Rhétorique, Dialectique et Exigence Première dans le volume collectif: La théorie de l’argumentation, Louvain, Nauwelaerts, 1963, p. 207.
(4) Cf. ma communication. Raison éternelle, raison historique, in Justice et Raison, Bruxelles, Presses Universitaires de Bruxelles, 1963, pp. 95-103.
(5) Les Stoïciens. Textes traduits par Emile Bréhier, édités sous la direction de Pierre-Maxime Schuhl (Bibliothèque de la Pléiade, vol. 156). Paris, Ed. Gallimard, 1962, I, XXII.
(6) Cf. Ch. PERELMAN et L. OLBRECHTS-TYTECA, Traité de l’argumentation, § 21 à 24.
(7) Cf. Ibid., § 25.
(8) Cf. Ch. PERELMAN, Le réel commun et le réel philosophique, in Le champ de l’argumentation, Bruxelles, Presses Universitaires de Bruxelles, 1970, pp. 253
(9) Cf. E. SOURIAU, L’instauration philosophique, Paris, Alcan, 1939 ; M. GUEROULT, Leçon inaugurale au Collège de France du 4 décembre 1951; G. GRANGER, Sur la connaissance philosophique, in Revue Internationale de Philosophie, 1959, pp. 96-111.

(م.م.) رمز يشير إلى أن التوضيح الوارد ما بين القوسين “من المترجمة”.

*باحثة ومترجمة من العراق-متخصصة في الدراسات الفلسفية والحِجَاجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *