جواد عبد الكاظم محسن : عزيز السيد جاسم كما رأيته (ملف/3)

jawad abdulkadum mohsenإشارة :
رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا وروائيا ونقديا ضخما يستحق الإحتفاء والتحليل العميق مؤسسا على شخصية إنسانية رائعة وسجل نضالي أبيض وتاريخ صحفي حافل. لقد كان مؤسسة قائمة بذاتها. ولكن، وباستثناء الجائزة السنوية المسماة باسمه والتي أطلقتها صحيفة الزمان الغراء إدراكا منها لقيمته الفكرية والوطنية الفذّة لا نجد احتفاء رسميا يليق بقامته الشامخة وعطائه الفريد وكأنه ليس من تراب هذه البلاد المقدّس. بمقالة الأستاذ قحطان السعيدي الجميلة هذه يفتتح موقع الناقد العراقي ملفه عن الراحل الكبير ويدعو الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.

المقالة : 

رأيت الكاتب والمفكر عزيز السيد جاسم عيانا وتعرفت إليه في مكتبة الفلفلي في منتصف عقد الثمانينيات بواسطة صديقنا المشترك صاحب المكتبة محمد الفلفلي (استشهد في حرب الخليج الثانية سنة 1991م) الذي عرّف بيننا عندما التقينا في مكتبته ، ومنذ اللحظة الأولى شعرت بشخصيته المرموقة وسعة اطلاعه ، وشدّني بأسلوبه الجميل وطبعه الهادئ ، وكنت قد قرأت له قبل ذلك مجموعة غير قليلة من مؤلفاته ومقالاته المنشورة في الصحافة المحلية ، ومازلت احتفظ ببعضها في أرشيف مكتبتي الخاصة ؛ كما شعرت بارتياح عزيز السيد جاسم لي ورغبته بالتواصل والحديث معي ، وكان حديثنا عاما وقصيرا في عالم الكتب والمؤلفين .

لم نتحدث في السياسة على الإطلاق وتحاشينا الخوض فيها رغم حديثنا عن كتب ذات طابع سياسي أو قريبة منه ، فقد ابتعدنا عن الحديث السياسي لأن الأوضاع العامة لا تشجع على ذلك ، وقد ارتسمت أمامي المضايقات العديدة التي تعرض لها عزيز السيد جاسم بسبب كتاباته التي لم تعجب السلطة ، وما مرّ به من معاناة شديدة ، وخاصة عند صدور كتابه (علي سلطة الحق) .

كنت قد قرأت الكثير من كتب الفكر السياسي الصغيرة لعزيز السيد جاسم ، ولم أتفق مع بعض ما ورد فيها ، وقرأت له في الثمانينيات كتبا أخرى منها : (الاغتراب في شعر الشريف الرضي) ، و(محمد الحقيقة العظمى) ، و(علي سلطة الحق) ، و(متصوفة بغداد) ، فوجدت نفسي أقرب إليه ؛ كما كنت أتابع ما ينشر في جريدة العراق من مقالات قيمة ودراسات معمقة وكتابات لا تخلو من جرأة في طرحها ؛ فضلا عن روايته (الزهر الشقي) التي نشرت على حلقات قبل ظهورها كاملة ، ورأيته كما وصفه الناقد الكبير شكيب كاظم فيما بعد ((عقل باهر وفكر زاخر منذ بواكير كتاباته المعرفية)).aziz %

وأذكر مقالة مؤثرة بعنوان (خواطر عن النخيل أكرم الشجر) نشرها يوم 12/6/1985م في جريدة العراق ، وهي محفوظة في أرشيفي إلى الآن لشدة إعجابي بها ، وقد جاء في مقدمتها ((لم يحدثني أحد عن صوت النخلة الذبيحة ، فقد سمعته بنفسي ، فعندما يحز المنشار عنقها فإنها تصرخ صرخة العاتب الحزين الذي يتألم للذابح لا للمذبوح ؛ إنها تقول “آه” مرة واحدة ، ثم تصمت إلى الأبد)) ، ويضيف ((إنه صوت يصعب أن تجد له مثيلا في وصفه – أذن – إلا من باب استدعاء الأوصاف في اللغة ، ومن بين عشرات ومئات الأصوات الكسيرة ، المتألمة ، المعذبة ، التي تودع الحياة على مشرعة القتل ؛ يظل صوت النخلة التي احتز رأسها الصوت الأكثر تفجعا ، الأكثر امتلاء بـ “الليش” والأسى والشفقة ؛ إنه الجئير الآتي من أعماق الأبدية ، وهل أعجب من عناق من عناق النخلة للأبدية ؟)) ، وتضمن المقال أحلى وأعمق عن عمتنا النخلة والوصية بإكرامها من قبل النبي (ص) ، وصدق أخوان الصفا ((وهم أهل علم وموجدة وألفة وصحبة واختيار حين اعتبروها أرقى مرحلة في تطور النبات ، وأول مرحلة في صعود النبات إلى مملكة الكائنات الحيوانية ، فهي في سلم التطور آخر ما وصل إليه النبات من رقي .kh aziz 10

أثار كتابه (علي سلطة الحق) ضجة كبيرة ، وقد بحثت عنه واقتنيته ، فلم أجد فيه على محاسنه ما استوجب تلك الضجة ، ولكني علمت بعد حين أن هذا الكتاب المعروض في المكتبات العراقية هو المطبوع في بغداد بعد حذف فقرات كثيرة ، وهو غير الكتاب المطبوع في بيروت الذي أثار تلك الضجة ، وتسبب في سخط السلطة وأثارت دوائرها الأمنية ، فصبت جام غضبها على مؤلفه ، وأعتبر رسالة تحد صارخ لها في زمن شاع فيه الخوف والصمت الرهيب ، وليس هذا فحسب بل اشترت الكتاب ومسوداته من الناشر قبل توزيعه ، ونفذت فيه حكم الإعدام !! ولكن تسربت نسخ منه ، فأعيد طبعه وصدر .

لقد كتب عزيز السيد جاسم على الصفحة الأولى كلمة الإهداء التي قال فيها ((رحم الله أبي كان يشطر رغيف الخبز بيننا وبين السائل ، فكان نصيبنا منه السهم الأقل)) !! وكانت لـ((هذه الفرادة التي قدمها المؤلف والتي عكس فيها همجية السلطة وفوضى سياستها)) دفع ثمنه غاليا فـ((نال وسام الشهادة والخلود في تاريخ الثقافة العراقية الملتزمة)) كما قال محقق الكتاب صادق جعفر الروازق .kh aziz 11

عاش عزيز السيد جاسم محنة شديدة مع النظام لم يعرفها مثقف آخر غيره ، فقد حوصر وحورب واحتجز ، ولكنه بقي صامدا يؤدي رسالته ، وصار أكثر دفاعا عن الحق والإنسانية والقيم السامية ، وكانت له ((جولة وكلمة حرة مع ما سجل من مداد خالد ، وهو يُعلّم ويُخبر الطغاة بمنهج علي عليه السلام)) .

وفي ذاكرتي لقاء مميز معه في العام الأخير من حياته أي في صيف 1990م حين التقينا في شارع السعدون مصادفة ، فقد استقبلني عن بعد بقامته المديدة وابتسامة المرحبة ، وتصافحنا بمودة وكان سلام بيننا وسؤال عن الحال والأحوال ، وكأننا عشنا الحياة معا منذ عقود وليس بضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وكان أملي أن أتواصل معه في قابل الأيام فقد ارتحت له كثيرا ، وارتاح لي أيضا كما بدا من ملامح وجهه الطيب وكلامه الجميل ..kh aziz 10

ذلك اللقاء مازال مرتسما أمام عيني ومحفورا في ذاكرتي على الدوام ، وما دار بخلدي أبدا أنه اللقاء الأخير بيننا .

جواد عبد الكاظم محسن

*عن مركز النور

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *