الرئيسية » نصوص » شعر » مالك الواسطي: قتيل الورد

مالك الواسطي: قتيل الورد

أَنا يا عَليْ 
وَجْهٌ تَعَثَّرَ في خُطَاه 
جَسَدٌ تُسَامِرُهُ الفَجِيعَةُ
يَحْتَمي في ظِلِّه ، حِيناً ، وحِيناً في ثَراه
كالشَّاةِ تُنْحَرُ في ثَنايا البيتِ ، تَنْكُرُهُ يَدَاه.
والرَّأْسُ مَقْطُوعٌ
يُرَدِّدُ صَوْتَ طِفْلٍ قَدْ بَكَى
والقَلبُ مَرعُوبٌ تَراه.
أَنا يا عَليْ
أَشْكِيكَ ما فَعَلوهُ بِيْ.
 
 
*** 
اليَومَ ، أُقْتَلُ باسْمِ مَنْ خَلَقَ النَّواةَ ، وسَاقَ نَجْمَ الصُّبْحِ فَوْقَ دَفَاتِري كَقَطِيعِ مَاشَيَّةٍ ، تَجُرُّ بِها الوعولُ ، يَحِيطُها عَسَسُ الزَّريبةِ ، يَدْفَعونَ كَلابَهُمْ نَحوَ الحُقولِ ، وفي الزَّريبةِ يَلهَثونَ كَظِلِّهم ، يَتَرقَّبونَ بأَنْ تُغَطِي الرِّيحُ في هَيَجانِها بيتاً خَجُولْ. وفي قُرانا الغافياتِ ، تَنَامُ في غَنَجٍ حِكَاياتُ الفُصولِ ، ظِلالُها ، ضَحَكاتُ فَلَّاحينَ مُبْتَهِجينَ في يومٍ ظَليلٍ ، سَامروا نَجْمَ الصِّبا ، وتَنَهَّدوا في ضَوءِ مُصْباحٍ ومَأدُبَةٍ ، يُغَنُّونَ المنَازِلَ بينَ أَطْيافِ الأَصيلْ.
اليَومَ ، أُقْتَلُ ،
يا تُرى
كالشَّاةِ في عَصْرٍ جَميلْ !
 
***
أَنا يا عَلِيْ
أَشْكِيكَ ما فعَلوهُ بيْ
كُلُّ الشَّوارعِ أَغْلَقَتْ أَبْوابَها
وتُرِكْتُ في بَيْتٍ يَخافُ ويَخْتَلي
وَحْدي تُغَسِّلُني الدُّمُوعُ
والقَلبُ يَلْهَجُ يا عَليْ
مَذْعُورةً كاللَّيلِ كُنْتُ
وكُنْتَ لي
مُتَخَبِّئاً في دَفْتري.
***
عُرسٌ من الكَلِماتِ ، دَوَنْتُ العَشِيَّةَ ، دونَ أَنْ يَدري أَبي ،
وَغَفوتُ في رُكنِ الحَديقَةِ بينَ أَزْهارِ القُرُنْفُلِ واِبتسَاماتٍ يَفِيضُ بها عَليْ ، وتَرَكْتُ قَلْبي في يَدَيْهِ لاهِياً وهَمَسْتُ في  غَنَجٍ وفي سِرٍّ إليه: يا عَليْ دَعْني أُدَلْلُّكَ السُّويعَةَ في اِرْتِجافاتٍ تَمُوجُ بِها يَدي ، وأَظُمُّ قَلْبَكَ فَرْحَةً لِصِباي ، تَسْكُنُ مَنْكَبي.
في دَفْتَري ، سَفَرٌ وتَاريخٌ وطَيفٌ طافِحٌ فيه الخَيال ،
رِيْحٌ تَجيءُ بحُزنِ مَنْ عَشَقوا الجِّبال
عِطْرُ البَنَفْسَجِ ثَوبُها
ورَحِيقُها طَعْمُ السَّفرجلِ واِبْتِهاجاتِ الوصالْ.
 
 
***
أنا يا عَليْ
أَشْكِيكَ ما فَعَلوه بيْ
قَدْ عَلَّقُوكَ وعَلَّقوا قَلْبي معي
كالشَّاةِ تَسْبِقُني جُفوني بينَ أَوراقِ الشَّجرْ
ورَأَوكَ تَمْرَحُ في عُيوني
فَرْحَةً لضُحًى تَلَبَّدَ في جُفوني
يا عَليْ
مَذْعُورةً كاللَّيلِ كُنْتُ
وَكُنْتَ لي
وَطَناً تَخَبأ في ثنايا دَفْتَري.
 
 
***
 
قَدْ أَرعَبوني ، قالَ دَفْتَرُ ذِكْرياتِ صَبيَّةٍ في الأَعظَميَّةِ ، أَدْرَكَتْها صَرْخَةُ الجُنْديُّ وهي تَلِفُ في خَجَلٍ عَباءَتها عَليها، كَانَ بابُ البيتِ مَجْروحاً من الكَدَماتِ ، تَصْرَخُ أُمُّها ، ويَئِنُّ في خَجَلٍ أَبوها ، كان كُلُّ اللَّيلِ مُزْدَحِماً بأَحلامِ الطُفُولةِ والصِّبا وعَليُّ في قلبِ الصَّبيةِ غافياً كالظِّلِ يَحْلَمُ باكْتِئَابْ.
وعلى جَبينِ الصُّبحِ ، تَرسو لهَفةُ العِشْقِ المُدَلَّل
بينَ طِياتِ السُّحَابْ.
عِطْرٌ يَجِيءُ به النَّسيمُ
زَمَنٌ يَمُرُّ وآخرٌ يَأتِي ، وأَغْصَانُ الحَدِيقةِ ، لَمْ تَزَلْ
حُبلى بعِشْقٍ قد تَناهى في تَجَاعِيد الجَسَدْ
طَيفاً تَجِيءُ بِهِ الرِّياحُ
يَرفُو عَلى صَخْرٍ جَلي
ثَوباً لِعرسِ صَبيَّةٍ في الأعظميةِ لم يُفَارقْها عَليْ.
حَلَفَتْ كما حَلَفَ الضُحى
ظلِّين قد كُنَّا ،
وكَانَتْ هذه الدنيا تُرَدِّدُ ما يُرَدَّدُهُ الصَدى
عِشْقٌ يَفُرُّ به الغُروبْ
ومَحَبَّةٌ ،
عَلَقَتْ بها الكَلِماتُ ، خائفةً ، يَطوفُ بها الشُّحوبْ.
وعَلى حَديقَةِ بيتنا ، عَلَقَ النَّهارُ بِنَظرةٍ
وتَنادبَ الزَّمنُ القَّديمُ
ورَدَّدَ البيتُ الخَلي
هُوَ ليس لِي
أنا مِثْلَهُ
عَلياءُ يَسْكُنُ في خَمَائلها عَليْ.
 
 
***
أنا يا عَليْ
قَدْ قَطَّعوا أوصَالَ قَلْبَكَ في زُقَاقٍ
قَطَّعوا فيهِ يَدِي
مَا هَكَذا يَرِثُ الحَبِيْبُ حَبِيْبَهُ
دَمْعٌ عَلى الشُّرفاتِ
يَصْرَخُ يَسْتَغيثُ بهِ العِرَاقْ
والبَيْتُ مُنْكَسِرٌ يُمَزِّقُهُ هَدِيرُ مُدَرَّعاتٍ
قَدْ أَتَتْ كالظِّلِّ تَسْكُنُ في الزُّقاقْ
والطَّيفُ مَا بَيْنَ الجَوَارحِ
غَارقٌ في الحُزنِ ، فَرَّ بهِ الفُراقْ
وأنا هُنَا
زَمَنٌ تَكَدَّسَ في خُدُودِ المَاء
أَمْوَاجاً لِدِجْلةِ
لا يُفَارقُها اشْتِياقْ
أَنا يا عَليْ
وَطَنٌ يَخَافُ ويَخْتليْ.
 
 
***
اليومَ ، تَقْتُلني الصِّفَاتْ
وأَعُودُ مُنْكَسِراً حَزيناً
خَانَهُ شَوقُ الصَّحَارى وابْتِهَاجَات الفُراتْ
لا طَيْفَ يَسْكنُ في المَحَبَّةِ
لا خُطاً في الظَّلِ تَخْطو
لا وَ لا في الرِّيحِ تَسْكنُ ذكرياتْ
أنا في المَحَبَّةِ
لمْ أُغَادرْ ظِلَّكَ المَرسُوم في عَينيَّ
لم أَبغِ التَّرَحُّلَ في الشَّتَاتْ
أنا قَائمٌ فيكَ
وفِيكَ لا تُقِيمُ سِوَى الصَّلاة.
 
 
***
وَجْهُ عليْ
مِرْآةُ صُبْحٍ مُمْطرٍ في الأعْظَمية
دُمُوعُهُ غَطَّتْ سِياجَ حَديقتي
رَكَدَتْ على وَجْهِي رَضِيَّه.
 
نابولي … شتاء عام 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *