كريم القاسم : (الجَنَّةُ لايدخلها منافق)

karim alkasem 4اوصاني احد اساتذتي الكبار رحمهم الله تعالى :
” إحترم مداد قلمك ، ولاتدعه يسيل في المنحدرات ، بل دعه يتفجر كالعيون في قُلَلِ الجبال “
واوصاني آخر :
” حروفك روح وجسد ، فهي تُرعى كرعاية الطفل ، فأبعدها عن مواطن الفَجَرَة “
هذه الضوابط والأسس هي الأرض التي نَمَتْ وترَعرَعتْ عليها اقلامنا ، مما جعلها دافعة لضريبة كبرى ، لوعُرِضَتْ على ناسكٍ لسال لعابه ولصافح الشيطان .
هذه المباديء هي التي ترسم طريق القلم ، وتعينه على مصارعة الهوى ، وبناء مَلَكَة نقية صافية لايعتريها الرَين أو يخالطها الزَبَد ، وهي التي تهذب النفس البشرية لتحيلها الى ذكرى خالدة تعيش الى ماشاء الله .
ما ان حططتُ بحقائب السفر حتى فاجأني خبر هبوط جائزة الدولة التقديرية في جيوب اقلام منافقة . لانريد التعريض والتَعرّض الى فُتاتِ الاقلام ، وكشف العورة ، فهم بحالهم اعرف ، إنما نتعرض للحال المزري الذي وصلتْ اليه وزارة الثقافة والاعلام في بلدي ، وكيف يمكن ان تنأى عن اقلام رصينة تعشق الوطن حد الذوبان ومازالت تنزف حروفاً سكرى مثقلة بماء دجلة والفرات ، منهم محتضن له ومنهم مَنْ يناجيه مِن بعيد . في الوقت الذي مازال البعض يتنقل بحروفه من بلدٍ الى بلدٍ ومن حالٍ الى حالٍ يمدحُ هذا ويقذفُ ذاك ، يعيش كراكبِ الموج ، يعلواذا عَلَتْ ويهبط إذا هَبَطَتْ ، لاأساس له ولا مستقر ، ولنا معهم تجارب كثيرة . فهم قد جندوا اقلامهم منذ البدء في خدمة اصحاب العرش وصاحب الصولجان في كل زمان ومكان ، لا لإيمانهم بعقيدةٍ أو فكرةٍ ما ، انما حالهم حال شعراء القصور في غابر الزمان ، قد دَرَّبوا اقلامهم على إستمراء النفاق حتى اصبحوا في خانة (لايستحي) . فإن ألَمَّتْ مُلِّمَة بالبلاد عَـقَّها ناكراً جميلها ولذيذ زادها ورغيد عيشها وغادرها خلسة الى بلدٍ مفعم بالحقد والكراهية ، وأناخ براحلتهِ هناك ليشارك الغربان نعيقهم وينهل من أجاج مائهم ، ذليلاً خاسئاً مندحراً . وما إن استقر الحال وهدأ السؤال لوى عنق راحلته راجعاً القهقري ، ليشحذ ضبَّة قلمه ، ويدوف قواتل سمومه ليطأ ارضاً قد انبتتْ عظمة وسترَتْ لحمه ، فيلاقيها بوجهٍ مَلِق مُتملِّق ، كعادته يجيد تسلق الحيطان العارية ، وينثر حروفه الغاوية ، ليغترف من جديد بيدٍ جذّاء ليس لها اصل أو فضل ، ولاتجيد إلا المداهنه والتزلف والرياء .
وصَدقَ سيد البلاغة والفصاحة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (كرّم الله وجهه) حين يقول :
“أحذّركم أهل النفاق، فإنّهم الضالّون المضلّون ، والزالّون المزلّون. يتلوّنون ألواناً ، ويفتَنُّون افتناناً . قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلاً ولكلّ قائم مائلاً، ولكلّ حيّ قاتلاً ، ولكلّ باب مفتاحاً ، ولكلّ ليل مصباحاً ، يتوصّلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، وينفقوا به أعلاقهم ، يقولون فيشبّهون، ويصفون فيموّهون ، فهم لُمَّة الشيطان ، وحُمَّة النيران : ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
والعتب كل العتب على المؤسسة الثقافية في البلاد والتي تزخر بأقلام تملك من الرقي والرشاقة والاناقة والالتزام مايوجب عليها الفخر والافتخار بهم كونهم عربون ثقة ومداد صدق وحروفهم رمز طهارة وعفاف ، لكن الفساد والافساد قد طَفَحَ ولَفَحَ ، واقطاب الجذب قد فقدت خاصيتها فاستحالت المؤسسة الى بيتٍ كبيتِ العنكبوت .
فمن لايحترم ذاته حَريّ به أن يعيش في مستنقع الضفادع ، وليبتعد عن مواضع الأَجَمَة فهي مرتع الابطال ومرابع الاسود .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أ. د. محمد عبد الرحمن يونس : “التَّبَايُنُ في الشعر النسوي العربي المعاصر” كتاب نقدي جديد للكاتب جعفر كمال .

 قراءة : أ. د. محمد عبد الرحمن يونس نائب رئيس جامعة ابن رشد للشؤون العلمية …

| د. جبَّار ماجد البَهادليُّ : تَجلِّياتُ الأُسلُوبيَّةِ القِصَصِيَّةِ, وفَنيَّةُ التَّشعِيرِ السَّردِي دِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ(بِئْرُ بَرَهُوْت), لجَابِر مُحمَّد جَابِر .

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي        إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *