علي لفتة سعيد : مثلث الموت (9)

ali lafta saeid 4-21-
أحمد وخضير لا يعلمان بما حل بصاحبهما..كلّ شيء مرهون بأن الأمور ستتوضح بعد ساعات، وإن اللقاء سيكون في المدينة وسيكون العتب هو المحصلة، وربما حسبا أن خلافاً سينشب بين الجميع..وحين وصلا الى بغداد كان انتصاف الظهيرة قد بدأ، وبدأت الحرارة تتصاعد في الشوارع..وهما يتحدثان عن تخلصهما بأعجوبة من الموت..ويؤكدان إنه لولا هروبهما وتركهما لسلام وحده في اللطيفية لكانا قد تم قتلهما، ولو كان معهم لقتل هو أيضا، ويعتقدان أنه أغلق هاتفه لزعله عليهما..ظلا يتنقلان في بغداد بين مقار الصحف التي يعملان فيها أو ينشران موادهما الثقافية والصحفية لقاء مكافآت مالية يجمعانها كل بداية شهر لكي يعيلهم على الحياة..لكن صورة سلام لم تفارق الإثنين.
وصلا الى مقر الجريدة وذهبا مباشرة الى غرفة الحسابات..كانت خطواتهما تشي بالإرباك، وهما لم يضعا حدا للأسئلة التي تتراكض في رأسيهما..ماذا سيجيبان أن سأل أحد ما عن سلام؟ أي كلامٍ سيقنع السائل ويقنعهما أنهما كانا على حق؟ لم يتفقا طوال الطريق على إجابة محددة، فقد كان رأي أحمد أن يخبرا من يسأل عنه الحقيقة وأنه نزل في منطقة خطرة وحصلت مواجهات..لكن خضير لم يوافق على هذا القول، لأنه يعني أنهما تسببا بمقتله..لكنهما وهما يدخلان غرفة الحسابات ويطلبان من الموظفة تسلميهما مبالغ المكافآت الشهرية..طلبا تسلّم مكافآت سلام..كان مسؤول المراسلين قد دخل الغرفة لتوه وسمع أسم سلام..فسألهما عنه..تبادلا النظرات المحيرة الخجلة المرتبكة..حتى أن أحمد قبض على أصابعه..فيما كان رأس خضير يدور هنا وهناك يبحث عن إجابة..كان جو الغرفة الصغيرة لمديرة الحسابات أصبح خانقاً بعد أن شعرا وهما يدخلانها ببرودة أجهزة التبريد التي طردت كل سخونة النهار الصيفي..كانت مسؤولة الحسابات تسأل إن كان هناك تخويل من سلام لاستلام راتبه والمكافآت التي حصل عليها جراء عمله المتميز..وقبل أن يجيبا بشيء أعاد مسؤول المراسلين السؤال عليهما..فبلع أحمد ريقه محاولاً أن يغيّب التشويش عنه.. ينظر الى عيني خضير لعله يسعفه بحجةٍ أو عذرٍ مقبولٍ للجميع..لكنه وجد نفسه يجيب أن سلاماً نزل في منطقة اللطيفية ليجري استطلاعاً أو تحققيقاً استقصائياً، عن أسباب ما يحصل في العراق من مواجهاتٍ مسلحة وعدم استقرار..وأنه هناك الآن، وأنهما حين عودتهما بعد استلام مبالغ المكافآت سيعودان الى ذات المنطقة ليعود معهما الى المدينة.
ابتسم مسؤول المراسلين وربت على كتف أحمد الذي شعر للحظةٍ أن كذبته قد كشفت وأنه لا يجيد فن الأعذار..لكنه سمع قولاً أراحه، من إن سلاماً كان قد أخبره من أنه سيقوم بمثل هذا التحقيق..وإنه سيختار جنوب بغداد التي قال إنها بالنسبة له تشكل مثلث الموت..ثم طلب المسؤول من مديرة الحسابات تسيلم راتبه الى زميليه، فهما أولاً لديهما الثقة وثانيا لأن سلاماً يقوم بواجبٍ كبير.
تنفس الأثنان بعمق..وهما يداريان ذنباً لا يريدان الإيمان بأنهما قد ارتكباه قصداً وعمداً..وأن الأيام بالنسبة لهما ستكشف حقيقة ما حصل لهما وهما يهربان من المواجهة .

*****
قال أحمد:
– أنا خائف على سلام..موبايله مغلق!
لم يجد خضير كلاماً يهدئ ذاته قبل أحمد،مكتفياً بأنه ربما انتهى شحن بطارية الهاتف..وربما ظل ينتظر سيارةً تقله الى بغداد،بل وجد عذراً آخر، أنه عاد الى المدينة، يحمل غضبه وربما يوزع شكاواه على الآخرين من أنهما تركاه وحيداً في منطقة ساخنة..لكن أحمد أصر على قوله من أن سلاماً ما زال في المنطقة وأنه محاصر..فهو يعلم أن سلاماً في العمل رجل صارم ومعاند لا ينسحب حتى يكمل عمله، لذا بالنسبة لأحمد أنه لم يزل في المنطقة..وأنه أغلق هاتفه حتى لا يكشف عن هويته من خلالهما، فقد كتب كلمة الصحفي بعد اسميهما، ولو أكمل عمله لاتصل بأحد منهما..سار أحمد في منطقة السعدون ببغداد بهدوء..باتجاه الجريدة الأخرى ليحصلا على المكافآت المالية عن موادهم الثقافية او الصحفية..كانت ملامحهما تشي بغربة تامة عن المنطقة يفكران إنهما بسيرهما الصامت قد يثيران العصابات التي تخطف إذا ما عرفا إنهما صحفيان..وإن الظهيرة القائظة لا ترتب إقامة جيدة لعدم الإثارة..فكانت خطواتهما أسرع لكي يدلفا في الشارع المحاذي لسينما أطلس التي تحولت الى مخازن للسكائر كما تحولت السينمات الأخرى في بغداد بعد التغيير الذي أوصل الأحزاب الإسلامية الى الحكم..سارعا ليندسا وسط محال الواجهات الرخامية الأمامية للبيوت والفنادق أو ألواح السيراميك المتنوعة، أو محال الثريات الكبيرة التي أخذت من الشوارع الفرعية أماكن لها ولمخازنها، فيما كانت الجريدة تتخذ من الشارع الآخر المحاذي لنهر دجلة مقراً لها..وهما يخطوان في استعلامات الجريدة كان الارتباك يصاحبهما وهما يضعان السؤال عن غياب سلام في الحضور معهما، لكنهما اتفقا على إن العذر الذي أسرا به مسؤول المراسلين في الجريدة الرسمية هو الأكثر إقناعاً..لكنهما حمدا الله..إن كل شيء سار بسرعة ..لم يمرا على أحدٍ.. استلما النقود وغادرا المبنى.

*****
أطلق خضير آهةً وهو يتلقف الشارع الفرعي، ويفلت من قبضته باب الإستعلامات الزجاجي كمن يهرب..مخلفاً الباب الحديدي الكبير الذي يغلقه حارسٌ مربوع كجزءٍ من متطلبات الأمان والخوف من مهاجمة إرهابيين أو مليشيات أو حتى جماعات مسلحة كتب أحد ما مقالاً في هذه الجريدة..خضير قرر التحكم بعقله وأنه لا يجب أن يبقى أسير الشعور بالذنب..أو حتى أسير الشعور بالخوف من ظهيرة بغداد.. أتفق مع أحمد على تناول الغداء..مستقبلاً شارع السعدون بروحٍ أخرى تقترب من اللامبالاة..كان ينظر بعمق الى المحال اليتيمة التي تفتح أبوابها لظهيرةٍ تطرق أجراسها بعنف..فيما راحت المولدات الكهربائية التي وضعت على حافة الرصيف تجأر بقوة لتحيل موسيقى هذا الشارع، الذي كان صاخباً بمحاله وسينماته وجميلاته وحتى بائعات الخمور والهوى، في زمن كانت هذه المنطقة تكتظ بالناس والجنود القادمين من الجبهات..قال لأحمد أن في هذا المكان الذي يبعد عن سينما أطلس كانت قوادة تجلس هنا تبيع قناني البيبسي المصنع محلياً، وتضعه في صندوق من الفلين فيما تجلس الى جانبيها بنات جميلات يرتدين تنّورات قصيرات ويمضغن اللبان ويتركن شعرهنّ على الأكتاف، ويكحلن عيونهن بكحلٍ يبرز ملامحهن ومهنتهن..وذكر له أنه مرة كاد أن يكون وليمة لمشاجرة تشبعه ضرباً، لأنه لم يعرف أن هذه المرأة قوّادة حين اشترى منها قنينة بيسبي..كان مثل معتوهٍ في منطقة تغص بالناس والشباب وشاربي الخمر وعصابات السرقة التي تجتمع ظهراً..قال: حاولت أن أبتسم وأداعب المرأة التي فتحت لي قنينة البيسبي بأن قلت لها شكرا لجمال روحك..وحين نظرت الى وجهي تبين لها أني ليس من النوع الذي سيأخذ فتاةً ليمارس معها ظهيرة في فندق قريب..فغضبت وعدت ما قلته لها خروجاً عن المألوف وأنها امرأة تبيع البيسبي المصنع في بيتها لتعيل عائلة..ويضحك خضير وهو يقول لأحمد:لولا أحد الشباب الذي سحبني من أمام المنطقة الملتهبة وهو يخاطبها على مهلك إنه غريب..وطلب مني المغادرة فوراً، وإلّا لكان الضرب كما وصفه (عمل شعبي)..وهمس في أذني..لا تقترب من قحبة إذا لم تكن قادرا على دفع المبلغ.
يضحك خضير وأحمد وهما يتنقلان على الأرصفة الفارغة من الشارع، حيث يقف تمثال السعدون الصغير الملون بالبرونز وحيداً في الظهيرة..وكان هناك بائع سكائر يتكئ على ذراعٍ مكسورةٍ ربما هو من بقايا الحصار الذين اعتشاوا على بيع أنواع السكائر، فاتفقا على شراء علبتين قبل الغداء.
لكن المطعم كان أبعد من إيجاده بسهولة، يتناسب مع المكافآت التي حصلا عليها وهو ما يجعلهما يبحثان عن مطعم يقدم الكباب الممتاز أو أكلة القوزي التي يحبها خضير كثيراً، أو حتى أكلة السمك التي يحبها أحمد..الشوارع التي كانت لا تنام في الليل أصبحت مخيفة في النهار..أرصفة بلا ازدحام وشوارع مكتظة بالسيارات،كأن ركابها يسرعون الخطى للاختفاء في البيوت..قال أحمد أن الناس رغم اليأس تحب الحياة..يحملون آلاماً معتقةً، والأرصفة أضاعت طريق تغزلها من قبل الشعراء..وكان رأي خضير، أن الأرصفة دائما تعني الإنتظار والغياب وهذه أرصفة بغداد تنتظر من غاب عنها بسبب الخوف والتفجيرات..الناس لا يبالون لكنهم يتوقعون انفجار سيارةٍ هنا أو انفجار لغمٍ أو عبوةٍ ناسفةٍ هناك.بل يتوقعون أن تحدث معارك بالسلاح في أية منطقة من بغداد..ثمة خوف يدركان أبعاده في النفوس لكنهما أكثر الخائفين الآن من أهل بغداد الذين تعودوا كيف يمر بهم الموت يومياً..الخوف حتى من ركوب سيارة أجرة، فربما يكون سائقها من المجاميع التي يطلق عليها ( العلاسة) وهو ما كان يخيف خضير أكثر لذا أصر على أن يأتي بسياراته..رغم أن أحمد كان يطلب أن يكون قدومهم الى بغداد عن طريق سيارات الأجرة، بحجة انه إذا ما حصل انفجار أو مواجهات مسلحة لا يحتارون بأمر السيارة بل يواصلون المسير والهرب..لكن حجة خضير،أقنعت سلاماً وأحمد من إنه يخاف صعود أية سيارة..فلديه أصدقاء وأقارب ذهبوا ضحية العصابات الإجرامية..بل كان يزيد على قوله أن الخوف حتى من سيارات ( الكيا) فربما يصعد انتحاري ويفجر نفسه..وكان سلام في المساء الذي اتفقوا فيه على الذهاب الى بغداد يؤيد خضير من أن الأمان الإبتعاد عن الآخرين قدر المستطاع.
فجأة دوى صوت رصاص في المنطقة، انطلق من بنادق يحملها مسلحون ملثّمون يرتدون ملابس سود وبساطيل من التي يرتديها الجنود الأمريكان..فرّ الإثنان باتجاه أحد الأزقة ومشهد المسلحين أزهق تنفسهما،وكأنهم يطاردونهما فقط..كانا مصدومين لا يعرفان ماذا يفعلان..كانت ساحة النصر كأنها ساحة معركة..فيما كان تمثال السعدون يبحث عن ظلٍ باردٍ في انتصاف نهارٍ ساخن..هربا باتجاه شارع أبي نواس..عليهما الركض سريعاً من الفرع الموازي لسينما أطلس حيث خرجا قبل فترة من الجريدة..كان عليهما الهرب سريعاً قبل وصول القوات الأمنية وإحاطة المكان، وربما تحصل مواجهات أكثر أو حملة اعتقالات..وهو ما حصل فعلاً حين سمعا صوت سيارات النجدة وإطلاق نار في الهواء لم ينقطع، جعل الناس تهرب مثلهما في الأفرع، للنفاذ الى الشوارع الأخرى..كان الوصول الى سيارتهما أمراً صعب عليهما،رغم أنهما صارا خارج مرمى النيران ، إلا أن الخوف كان أقوى وكأن الرصاص يلاحقهما ويعيق سرعتهما وهما يتحركان محنيي الظهر..كان أحمد يلهث بقوله لخضير أن يسرع ليصلا السيارة ومغادرة بغداد فوراً..حتى وهما يجلسان داخل السيارة التي أوقفوها في أحد الافرع المطلة على شارع أبي نؤاس..لم يصدقا نفسيهما أنهما يغادران المنطقة.
قال خضير
– ها.. ألم أقل أن المجيء بالسيارة أفضل!!
كان أحمد يفكر بالطريق الذي سيقطعانه وهو يوصلهما باتجاه فندق الشيراتون، فطلب منه تغيير المسار باتجاه شارع السعدون من الفرع المفضي الى ما تبقى من سينما بابل..كان يرى الطريق محاطاً بقوات الشرطة، ورأى سيارةً مسرعةً تجاوزتهما فأصابه حدس ما من أن هذه السيارة مفخخة..كانت سيارة لنقل الأزبال من تلك التي تستخدمها كوادر البلدية..فما كان من خضير إلّا أن امتثل لطلب أحمد والدخول فوراً في أحد الأزقة ومن ثم استخدم زقاقاً آخر مجاوراً للسينما ليبتعدا عن المنطقة، ويصلا الى ساحة الأندلس.. لكنهما وهما ينطلقان في الزقاق سمعا دوي انفجار كبير.
– أرأيت..أقسم إنها استهدفت الفندق..رصاص ساحة النصر تمويه..أسرع لنخرج..بعد ما أجي الى بغداد لو على قص رقبتي.kh-ali-lafta-2
-22-
دخل السكرتير يخبره أن منتظر يطلب مقابلته بإصرار..كان لتوه قد انتهى من مقابلة مجموعة من شيوخ العشائر..وقبلها كان في جلسةٍ حواريةٍ مع رجال دين جاءوا لمقابلته لأمرٍ يخص مهرجاناً دينياً يعقد في المدينة..كل شيء بالنسبة له منهك..يطرق رأسه فيكون ثقيلاً لا ينفع معه فناجين القهوة أو استكانات الشاي التي يشربها مع كل ضيف يدخل غرفته..لذا فكر بكيفية التخلص من هذه الزيارات وإنه وجد الحل بالإنتقال الى بيته الذي سينتهي من ترميمه في أحد الأحياء الراقية من المدينة.. ولن يكون فقط للقاءات المسائية بل حتى الاجتماعات في النهار سيعقدها في البيت ويتخلص من مشكلة الزيارات الخاصة التي لا يستطيع إيقافها.. لأنه في مكانٍ عام وحكومي، ولكن حين يكون في بيته فان ذلك يستلزم حصول موعدٍ مسبقاً.
دارت الغرفة به حين سمع إن منتظر يريد الدخول..فهو يعرفه..سيدخل حاملاً ابتسامة ماكرة، فيها شيء محمل بالظن..فهو لا ينسى استغلاله لخلاف رئيس الوزراء مع القناة الفضائية الحكومية حين راح يتذمر منها في زيارته للمدينة ويقدم معلومات على أنها قناة تحتاج إلى إعادة ترتيب بيتها..وتبين فيما بعد أن القناة رفضت تعيينه فهو يعمل مع قناة أجنبية لها توجهها الخاص بالعراق.خاصة وأن رئيس الوزراء يعلم أين كان يعمل منتظر حين كان معارضاً للنظام السابق وهو كان يصدر جريدة للمعارضة في سوريا.. فقال له ما طلبك فأسقطه بين يديه وهو يحمل طلباً وضعه في فايل من النايلون.
– أعرف أين كنت تعمل ..أنسيت أننا كنا في المعارضة..أنا لا أحتاج صوتاً للحكومة؟
تبادل رئيس الوزراء ابتسامة مفضوحة المقاصد مع المحافظ..أدرك منتظر معناها وعرف أن تملقه كان مقروءاً..لكن رئيس الوزراء أخذ طلبه وقال:
– هذه توصية بالتعيين لأنه ليس من حقي اتخاذ صلاحية قناة تابعة لمؤسسة مستقلة.
كانت تلك أولى علامات الخلاف التي استغلها منتظر ضد الحكومة..والأكثر غرابة بالنسبة للمحافظ هي ليست المعلومات التي يحصل عليها عن منتظر، وأنه كثيرا ما يسافر الى بيروت أو لندن وأربيل وأبو ظبي..بل إنه ذهب مرة الى الدوحة والى قناة الجزيرة لإجراء حوار هناك عن الإعلام بعد الإحتلال..وهي التسمية التي لا يقبل بها المحافظ..كان الأكثر تفكيراً بالنسبة له هي علاقة منتظر برجل الدين الكبير،وسر إصراره على نشر الحوار الذي جرى في مكتبه على صفحات الفيسبوك ،ونشره في أكثر من وكالة وموقع الكتروني.. مثلما تم عرضه في القناة الأجنبية التي يعمل فيها.

*****
لم يستطع منع انفلات سؤال يحمل السخرية،وهو يرى منتظر يتقدم نحوه بعد أن فتح له السكرتير الباب..كان يحمل ملفاً بين يديه..وكان يخبئ تحت عينيه شيئاً من المفاجأة..أشار له بيده أن أجلس:
– ها منتظر..ما وراءك..طلب..واسطة..لو هناك مفاجاة؟
ابتسم منتظر بذات السخرية التي فهمها ، سارع إلى تبديد كل الأشياء التي قد تفزعهم لمواقفه المعلنة ضد الحكومة..وقبل الإستجابة لطلب المحافظ بالجلوس قال له:
– العفو أستاذ..ما أحمله شيء مهم لا يقال في هذا المكان بل في الغرفة الخاصة.
شعر المحافظ بالإنكماش المفضي الى قلق غير مرتب، لكنه استسلم بدون أن يستفسر عن طلب منتظر، وقال المحافظ لسكرتيره ألّا يدخل أحد مهما كان ، وإن جاء أحد من مجلس المحافظة أدخله هنا ليجلس.. لا يدخل علينا في الغرفة.
الغرفة تقع في الجدار البعيد المقابل للباب الرئيس،تحتوي على سرير منضد بفراش جديد مرتب ينتهي ببطانية ملونة من النوع الفاخر لها لون أحمر..ربما لم ينم فيه المحافظ ليلة واحدة،لكنه هنا لحالات الطوارئ..ثمة منضدة بيضوية وكراسٍ ستة حول المنضدة،ولوحة كبيرة لآية الكرسي وثلاجة صغيرة ،وباب آخر مقفل على ممر يفضي هو الآخر إلى باب جانبي،يطل على داخل مبنى المحافظة..كانت هناك أيضا أواني زجاجية فاخرة موضوعة على المنضدة البيضوية..وكان هناك كتابٌ موضوعٌ على البطانية الحمراء..لم يتبين منتظر عنوانه لكن المحافظ سارع الى تبريد فضوله بقوله إنه كتاب صدام الحضارات..وقبل أن يفتح فمه راح يشرح له أهمية الكتاب الذي قرأه قبل سنوات، وكيفية فهم الصراع الذي تعيشه المنطقة..وإن السلطة والوصول إليها إضافة الى أهمية المصالح في إدامة السلطة كلها تؤدي الى البحث عن سبل السيطرة بما فيها النسبية..وعد المحافظ الصراع والصدام من كونه ثقافة أيضا..وهو ما يمكن أن يضيف الى أهمية قراءة الواقع الذي تعيشه البلاد..لم يستمر بالحديث عن الواقع ولم يجعله منتظر يبدد شكوك ما يريده..لكنه لاحظ إن هناك سؤالاً معلقاً في لهات منتظر كأنه يريد شرحاً تاريخياً لما يمكن فهمه من قراءة هذا الكتاب، وهو أحد قياديي حزب إسلامي يمسك بالحكم..لكنه اختصر الجواب:
– علينا أن نقرأ ما حولنا لنفهم دواخلنا ونتجاوز الأخطاء..إن أردنا النجاح.
لكن منتظر سارع الى طرح سؤاله بسرعة:
– وهل تؤمنون إنكم أخطأتم؟

*****
جلسا وشيء ما يصرخ في داخل المحافظ ليعرف بسرعة ما بيد منتظر..وفي داخل منتظر ثمة ما هو قلق ألا تكون خطوته مجدية وقد تكون النتائج عكسية..الاضطراب هو ما يداخل الإثنين معا..لا أحد يعرف كيف يطبق على الهدوء..شق السكون المحافظ حين أخبر منتظر إن العمل يتطلب استقبال الناس والضيوف والمسؤولين وإن لديه ارتباطاً مع أحد السفراء بعد نصف ساعة جاء لزيارة المدينة والإطلاع على مشاريع الإستثمار فيها..استدرك المحافظ محاولاً جعل الأمر طبيعياً، وإن لا شيء يقلقه.. فسأله عن سلام..أخبره بسرعة إنه وأحمد وخضير ذهبوا إلى بغداد.
جلسا على كرسيين متجاورين ينظران إلى ما يجري أمامهما من ملل الإنتظار..يداريان نظرات لا يريدانها أن تبدو كما نظرات الذئاب..يعدلان من جلوسهما وعينا المحافظ تسقطان عى الملف الموضوع بين غلافين من النايلون.
– ما بيدك منتظر؟
أزاح منتظر الغلاف النايلوني الأول،ووضع الملف أمام المحافظ ،على المنضدة وأخبره، إن هذا الملف وجده في دائرة الاستخبارات بعد سقوط النظام مثلما زوده بعض الأصدقاء خلال اليومين الماضيين بملفات ووثائق أخرى تتعلق بذات الموضوع،
وعلى وقع الإرتباك المتسارع للمعرفة، عدّل المحافظ في جلسته وراح يقلب في الملف..كان يقرأ ويتبادل النظرات مع منتظر الذي شعر هو الآخر إنه قدم شيئاً مفيداً للسلطة وإن شيئاً من الراحة سيحصدها حين يتأكدون إن مواقفه هي مع الموضوع وليس بجانب أحد أو ضد أية شخصية.لكن المحافظ سرعان ما أطلق ضحكة خفيفة وهو يغلق الملف ويضع راحة يده اليسرى عليه ويبعده عن متناول منتظر،وكأنه يخبره، إن مثل هذه المعلومات هل هي غائبة عن الحكومة.
– هل تعتقد أن أحداً لا يعلم بهذه المعلومات؟
– إذا كنتم تعلمون فلماذا كل هذا السكوت وكل هذه التطورات؟ أعتقد أن فيها ما يمكن أن يحدد الشفرات ويقول إنه ذاته الذي ربما أودعك السجن وكتب عنك كما كتب عن الآخرين..عليك أن تمسك الخيط هنا..
راح المحافظ يتذكر أيام تعرضه الى السجن وهروبه والتقارير لرجال الأمن المتخفين بهيئات عديدة..ساد الصمت لحظات استغلها منتظر بفطنة كاملة.
– سأخرج الآن لأن لديك موعد..ولكن عليك أن ترى الملف وما لديك أيضا، وتربط بين الشخصيات حينها ستعلم إننا كيف نعيش.
-23-
الوقت غير ناضجٍ بالحلول بالنسبة له.ولا يعلم لماذا طفح أمام تفكيره سؤال لا معنى له..هل الجريدة الرسمية التي يعمل فيها مراسلاً ستتذكره، وتنشر نعياً وتضع صورته على صدر صفحتها الأولى ،موشحة بخط أسود في أعلى الزاوية اليسرى للصورة ؟ وتحتها عنوان عريض ( مقتل مراسل الجريدة والعثور على جثته مقطوعة الرأس بعد اختطافه جنوب بغداد)؟..فيما تنشر الجريدة الأخرى التي يعمل فيها أيضا عنواناً آخر (العثور على رأس صحفي ملقى على قارعة الطريق الذي تسيطر عليه الجماعات الإرهابية جنوبي بغداد)..ربما وهو يفكر يقول..إن كل هذا لن يحدث ولن يذكره أحد فهو مجرد مراسل لا ينتمي الى أي حزب أو تيار، ولا يعمل في مقر الجريدة بل وربما حتى رئيس التحرير لا يعرف شكله، فهو لم يقابله إلا مرة واحدة حين طلبه ليحذره من مغبة الإستمرار بالعمل في صحيفة أخرى..مما اضطره الى العمل في الجريدة الثانية باسم مستعار.
– قُم.
أخرجه هذا الصوت من الهذيان ..قالها أحد المسلحيْن اللذين دخلا عليه، ثم أشار له بيدٍ غليظةٍ، مطالباً إياه بالوقوف، إشارة لا تحمل الهدوء لكنها لا تحمل الخشونة أيضا..كان ذلك بعد انتهاء آذان الظهر من تلاوة آخر تكبيراته..كانا متجهمي الملامح، تختلف عن تلك التي كانت أشبه بالصخر قبل ساعة..لكن الأمر الذي عده نهراً أعاده الى سكرة الخوف..يفكر أن مثل هذه الأوامر لا تقبل القسمة على اثنين..فهي واحدة لا تتجزأ سواء حملت الملامح الهدوء أو الخشونة..فكل شيء يقود الى الحتف المنتظر قال مع نفسه: أن الأشياء التي تتمرد قد تقود الى الحتف..عليه أن يكون مطيعاً بطريقة من يدرك إنه يعلم ماذا يراد منه..لكنه يدرك أيضا أن الخوف سلطانٌ قد يطيح به..لم تكن برهة التي مرت عليه بل كانت دهراً..ساح بها في دروبٍ عديدة..وحكايات تصورها آفلة، لكنها نشطت فحطت برحالها أمامه..كانت الأشياء مثيرةً وهي تحط تتقرب إليه..أطفاله وزوجته وأخوه وأبوه وحتى زوجة ابيه..أقاربه والصحفيين وكل الذاكرة التي تلعب معه أدوارها بشكل جيد، وكأنه أمام لحظةٍ قد تنتهي..حسبها أنها الخيار الوحيد..كان يرى،إن الحروب التي يخوضها الناس لا تعني سوى بطولةٍ فرديةٍ لأبطال موهمين بالسلطة..لكن الخطاب الذي يُستخدم يكون فيه استغلال الله والوطن والعقيدة.. هذه أولى علامات ما يمكن أن يصل إليه في تقصيه الذي لا يعرف إن كان سيتم أم سينتهي في كتابة العنوان فقط.. كانت مقدراته تحيل عليه عناوين كثيرة من الحروب التي خاضها..والكتابات التي كتبها عن الحروب سواء في مواضيعه الصحفية أم القصصية والروائية..وبالتالي فإن مشهد المسلحين يشبه ما كان قد تعرض له في الحرب مع إيران..حين كاد يقع في الأسر في قطاع المحمرة..يوم تمكنت القوات الإيرانية من اقتحام المكان وهرب الجميع من الجيش الشعبي والقوات النظامية..لتصبح بعدها أكبر عملية أسر في تاريخ الحرب..كان لحظتها نائماً..عاد لتوه من استطلاع للمكان لمعرفة أسباب الحرب..تاركاً عملية التدوين الى النهار الآخر..لكن مسلحاً صاح به بلغةٍ فارسية..أن ينهض..كان الموت قد هبط في رأسه وهربت القوة من قدميه..وكان يرى الحياة تختفي وتغوص في لجة صوت الرصاص،الذي بدأ يتعالى في أذنيه..كان الموضع أعمق من المواضع الأخرى..والمسلح يقف عند باب الموضع..وقبل أن ينفذ طلبه انفجرت قنبلة بالقرب من موضعه فأصابت المسلح وأردته قتيلاً.. فحمل سلاحه بسرعة وهرب باتجاه صحبه الجنود الذين تمكنوا من الوصول الى ساترٍ طويلٍ لتبدأ معركة أخرى أوصلتهم الى شط العرب ليعبروه

*****
– تعال توضّأ حتى تصلي.
سمع صوت المسلح..ومثل دجاجة عارية نهض من مكانه..تختفي من فمه الحروف،بل شاهد خوفه مرسوماً على جزء من مرآة معلقة على جدار قرب الباب، ذكرته بالمرايا التي كانت تعلق على جدران المواضع أيام الخدمة في الجيش، مثلومة الأطراف يحلق فيها ذقنه صباح كل يوم..كانت ملامح رجل يزداد خوفه كل دقيقة وكل حركة تأتيه وكل أمر مفاجئ، كهذا الذي دعاه الى الصلاة..عاداً إياها مصيبةً أخرى حلّت عليه الآن..كيف يصلي وبأية طريقةٍ.. والحرب الآن ، حرب أمكنة وطوائف ومذاهب وخوف وقتل وقطع رقاب.
كان عليه الإستسلام لما هو فيه..لا يجاهر بقوته فهناك قوانين للحياة تلعب وحدها بالمصائر، وهو يفهمها كقسمةٍ ومقسومٍ ونهاية مدركة.. لا يتدخل فيها كمن لا يؤجل ساعة لا رجعة فيها ولا ريب..لكن فكرة أن يكون هادئاً من الخارج راودته، وعليه تطويرها لتكون طريقاً له..في داخله اثنان من سلام ..الخائف الذي يجره للاستسلام..والصحفي الذي كان مقاتلاً وعليه ألّا يستسلم للموت، لأنه ليس شرطاً أن يكون هو النهاية..لكن القشعريرة تتصاعد من حيث لا يدري..والمساحة بين الجدار والباب صارت ضيقة لا تتسع لإيجاد عذر يقيه شر اللحظات الموقوتة بالمفاجآت الضارة..نوى أن يحمل شعرة الروح ويربطها في حيرته لعلها تقطع الشك من اليقين، وترمي له بالحل الذي يؤجل العذابات..قال لنفسه إنه أمر محير..هل هي نجاة من الموت..أم الإسراع نحوه؟ فأي جوابٍ هو الأجدى؟ الذهاب الى الوضوء حينها سينكشف وينكشف مذهبه، بل وخيبته فربما لا يعرف الوضوء في تطبيقاته الحرفية..وحينها سيتم اكتشاف أنه لا يصلي أصلاً..لكنه عزم على اختيار أفضل الحلول التي دهمته وأعلنت حضورها بقوة.
قال للمسلح الذي يمسكه من يده ليقوده الى أنابيب الماء:
– عفواً.. أنا لا أصلي.
كان يرتجف رغم إن الفكرة أراحته قليلاً،على الأقل ألّا يحسب على طائفة..يسمع كثيراً أن عمليات القتل أغلبها على الهوية والاسم والعشيرة ربما والشكوك التي تعالج بأسئلة عن كيفية الصلاة وعدد الركعات وأسماء صحابة الرسول وزوجاته،وإذا ما عرف الجواب فأن هذا يعني أنه يكذب وإن مذهبه ليس هو مذهب المسلحين..وهو ذات الأمر الذي يجري في تحقيقات المذهب الآخر لمسلحيهم في عدد الأئمة وأسمائهم وتسلسلهم وأوقات الصلاة والزيارات الدينية وأيام الوفيات..لكنه قال لأتخلص من كل هذا وأعلن الحقيقة وهي أني لا يصلي..حتى أنه رأى إمارات التجهم القصوى حين التفت إليه الحارسان بقوة ، كأن أفعى لدغتهما،فتراجع سلام خطوة واحدة الى الخلف..حتى أنه شعر بشرر عيونهم الأربعة تخترق مسامات وجهه.
قال المسلح الآخر:
– اللعنة عليك.
كان ينظر بشزرٍ..معلناً توهج الكراهية أكثر من حساباته التي توقعها ستكون أخف..وبدا المسلح لسلام وكأنه يكتشف أن هناك من لا يصلي في هذا الكون، متناسياً أن كثيراً من الناس في زمن صدام كان لا يصلي وربما هذان الحارسان كانا من ضمن الذين يشربون الخمر ويقضون لياليهم في ملاهي الطاحونة الحمراء في بغداد، احتجاجاً على الحروب والحصار الطويل والجوع والبحث عن لحظة آمنة في ظل قبضة مخيفة..فكر سلام لحظتها أن المسلح الذي أراد الله لعنه لأنه لا يصلي أن لا شيء في رأسه غير الإيمان، مدركاً أن كل ما هو فيه الآن، لا يعد عن كونه ردة فعلٍ لحالات سابقة، أو إنها جزء من التباهي والإنغماس في الواقع الجديد..كل شيء عدا الهواء لم يكن غير ساكن لا يمس غير آهة مغلقة على أنفاسها..فتهيج الواقع وتزيد من ملوحة الأوهام التي يعتنقها الكثير، الذين تعدوا كيف يتلوّنون مع الواقع الجديد الذي تفرزه الأحداث..ربما الآن، وكان هذا ما يذكره أمام أصدقائه أن الكثيرين ملّوا حتى الأدعية التي لا تنفع ولا تزيل تراكمات الوجع، حتى أن كلّ شيء ظل خانقاً..بدءاً من النظام ورجال الأمن وكتّاب التقارير والحروب التي لا تنتهي، والتي أفضت الى أن يعدم أخاه بسبب تقرير لفظ حروفه شخص امتهن العمل المخابراتي من الذين عملوا في المدينة للسيطرة على تحركات من يعتقدون أنهم معارضون حتى لو كان لمجرد أنهم لا يميلون الى التواجد في التجمعات والتظاهرات التي تهتف بحياة الرئيس والوطن المنتصر بالخسارات..في حين كان الأموات يحملون على ظهور المركبات الصغيرة في حالة استغلال بشعة لتشويه جرائم الحرب،وهي تعلن ضعف الإنسان الذي يقبل أن يفعل أي شيء كي لا يموت.. رغم أنه يحمل يافطات الموت في سبيل القائد والوطن والذهاب الى الجنة يبدأ من هنا..وكان يردد لهم أن الواقع هو ذاته.. الآن الموت في سبيل الوطن والدين يؤدي الى الشهادة والجنة حتى باتت الجنة طريقاً للغيبوبة التي طفت على سطح السياسة الجديدة..كان سلام يزداد خوفاً وارتجافاً..ربما يهرب من عذرٍ صغير ليقع في حفرةٍ أعمق..ينظر الى المكان..ويسرق نظرة من غرفة صغيرة بالقرب من الحمامات وأنابيب الماء فيجد حبلاً يتدلّى وكلّابات حديدية من تلك التي يستخدمها القصابون لتعليق الخراف المذبوحة..وثمة دم متخثر.. ارتطمت قدمه اليمنى بقدمه اليسرى وكاد يسقط..أو ربما وصل الى الإغماء..ثم صورة رهيبة حلقت في الظلمة من إنه سيعلق بتلك الكلّابات وتبدأ حفلة التعذيب..لا يمر شيء من الهواء سوى السخونة التي تشبه فرناً ملتهباً لا يتوقف عن نفخ المزيد..خطواته تجمدت وبدأت تنفض عليه غبار حلم الموت..كان يرى خيبته ويرى أيادي أهله وهي تلوح له بالوداع..فيما خرجت من بقعة الدم المتخثرة، وجوه المقتولين في حفلات الإعدام..ولم يعد قادراً على حمل جسده الواهن..أو يحرك رأسه المنفوش بشعرٍ غطى أذنيه..وفجأة شعر بالبرد.. تركض روحه ويريد إفلات يد المسلح ليحضن صدره ويمنح جسده الدفء..كان يتمنى لو هرول للحظة..ويعلم أن لا معنى لو توسل إليهما..فكل شيء هنا وكما سمع وقرأ، إن الرصاصة تخرج أسهل من خروج كلمة ترحيب في مجلس قروي..لم يفتح عينيه أو يغلقهما، ثمة ما يطبق جفنيه كمن يهرب من عرق تصبب بلذة مالحة..وكان يسرق نظرة الى المسلحين واللحيتين النابتتين بتجهم الرصاص..أفلت يده أو يده أفلتها المسلح وهو يوقفه في وسط الممشى المؤدي الى الغرف الأخرى، فيما دخل المسلح الآخر الى غرفة تضج بالأجساد.. لحظات وعاد المسلح وهو يسير خلف شخصية معتدة تسير بحركات كأنه ضابط كبير يقود فيلقاً لمعركة..يضع مسدساً في حزام عريض، هو ذاته الذي نزل قبل نصف ساعة من السيارة رباعية الدفع..لكنه هنا يرتدي دشداشة ويعتمر يشماغاً مثلما كان صدام يفعل في المعارك حين يلف يشماغا أحمر حول رأسه..في الصورة الرجل بلا لحية تبدو عليه إمارات الشباب وهو بلحية قصيرة ليست كتلك التي يطلقها المتزمتون في الدين..فيما كان سلام يقارن بين الوجهين في الصورة والتي أمامه حطّت ملامح قديمة أمام عينيه، جعلته يتذكر من كان مسؤولاً عن المنظومة الأمنية قبل سقوط النظام..مؤكداً لنفسه، إنه ضابط استخبارات أو مخابرات كبير، يعمل في تلك البناية الكبيرة التي تقع عند المدينة..وقد تم اقتياد أخيه في أيام الحصار، لأن أحداً سمعه يقول ..لماذا نتظاهر ونحمل أطفالنا نعوشاً للسياسة؟..حتى إذا ما حلت الليلة الأولى، داهمت البيت قوة عسكرية كبيرة، اعتقلت أخاه وغاب عنهم حتى سلم جثة منفذين به الإعدام بعد عامين من التنقل بين المعتقلات..ربما هو الذي نهر أباه حين توسل به أن يعتبره طفلاً زلّ لسانه دون أن يدرك معنى كلامه.
أخرجه المسؤول الكبير من لحظة المقارنة
– يا وَيلْ..ليش ما تصلي؟.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

فاروق مصطفى: من يشعل سراج الافتتان لسلالم ( القلعة ) ؟

تاخر اكتشافه لجانب الصوب الكبير من مدينته كركوك ، و عندما تعرفه وجد فيه روح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *