رياض الدليمي : الشاعر عيسى حسن الياسري يكتب مرثيته الاخيرة في المحاويل (ملف/82)

reyad aldolaimiإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :

سنة واحدة ( الشاعر عيسى حسن الياسري ) وهجرة وطنه وبين أمسيته الاحتفالية التي ضيفه فيها منتدى المحاويل الثقافي عام 1997 وقد استعرض خلالها مسيرته الابداعية طيلة ثلاثة عقود ونيف .
هذه الامسية ربما كانت آخر أمسياته وندواته في العراق قبل هجرته الى منفاه الى ( مونتريال في كندا ) وقبلها احتضنته عمان عام 1998 وبعدها طلب اللجوء الانساني .
لقد جاء ( الياسري ) الى مدينة المحاويل من بغداد وكنا باستقباله وخشية منا على سلامته كنا قد رافقناه من بيته في العاصمة وحتى عودته اليها .
لقد احتفت به جماعة ( الآن ) وهم أعضاء المنتدى أبهى احتفاء وتكريم من خلال الوقوف على تجربته الرائعة واعتزاز جماعة ( الآن ) بمنجزه الشعري والروائي والصحافي ، وتقديم الشهادات الثقافية بحق تجربته ،والتي سلطت عليها الاضواء ، وابتهج جميع الحضور بالشاعر ( الياسري ) بمحبة واعجاب واحترام وما تلاه من شعر وحديث شيق لسيرته الابداعية .
لقد بدأ الشاعر يسرد سيرته منذ ولادته في ميسان وكيف خطف الموت أخاه الاصغر الذي تعلق به ومناغاته وجلوسه الطويل قرب مهده ، ولكن الموت الواقعة الاشد دون ان يعلم ماهيته وسر والنهايات ، فعمدت أمه الى وضع يد ( الجاون ) أو ( الميجنة ) ولفتها بالقماش وارقدتها بدلا من أخيه المتوفي في المهد لتوهمه بان أخيه هو النائم . كان يحكي لنا الشاعر بشفاهية وبلغة شعرية شجية وشفيفة وبصور شعرية يقشعر لها البدن مما أبكى كل الحضور ، كان يتحدث ودموعه تنهمر بغزارة ، وأنا لم أر وأحضر أية امسية في حياتي كالتي حضرتها مع رفاقي بالمنتدى من خلال الجو المفعم بالشعر والبكاء والاحتفاء .
( عيسى الياسري ) طاقة شعرية مهولة امتهن الحفر في لغة جذور القصب والبردي والاكواخ التي غادرت مياهها بفعل المدافع والصواريخ التي زلزلت الارض والحياة والاهوار معا ، لقد ساهمت الحرب الثمانينية وما لحقها من دمار لحضارة الاهوار وهجرت السومريين من وطنهم الذي سكنوه من آلاف السنين وحتى الحرب والحصار والتجويع ، لقد استطرد ( الياسري ) في حديثه كثيرا في قص حكايته مع وطنه الام ( الاهوار ) ومأساة المعدان والفلاحين وأهل ميسان والبصرة والناصرية وما لحق بهم من ظلم تاريخي مأساوي جرد الجنوبين من فرحهم وطقوسهم الحياتية وتحولوا شتاتا في داخل الوطن وخارجه ، وأصبحت مراعيه وأرضه الخصبة ومياهه الدافئة التي تعد – بيئة غنية بالطيور والاسماك والحيوانات – ومصدر عيشها الوحيد الى ارض جدب ويباب لا حياة فيها لأنسان ونبات وطائر وحيوان .aisa 11 (2)
لقد قرأ ( الياسري ) في أمسيته الاخيرة وربما عشاءه الاخير في وطنه العراق أجمل قصائده من دواوينه الشعرية ، وبعدها تداخل عدد من النقاد والادباء بنقدهم وشهاداتهم بحق تجربة الشاعر وأثره بالمشهد الشعري باعتباره واحدا من أهم المجددين بالفن الشعري العراقي والعربي على حد سواء .
الشاعر ( الياسري ) حضر الى المحاويل وكان المرض قد تمكن منه شيئا فشيئا فكان يتكأ على عكازته ويلبس نظارة سميكة وأخذت أطرافه ترتجف قليلا ونالت منه الجلطات والسكري وتركت لها مساحات في جسده الوهن ، كان طويلا وممشوق القوام ، لقد اعددنا له وتكريما لمجيئه الينا رغم تعبه ومرضه مأدبة كبيرة لكنه اكتفى بكأس ماء وقدح شاي وترك كل أنواع الطعام بسبب حذره الشديد من تناول الاطعمة الدسمة التي قد تؤذيه .
لقد لاحظت على الشاعر (عيسى الياسري ) دماثة خلقه وتواضعه واحترامه للآخر ومستمعا لحديثه بكل اصغاء وتهذيب .
ان للشاعر ( الياسري ) رؤيته وقناعاته بشان الاصالة في الشعر والحداثة فهو يقول في حوار أجرته ( استبرق العزاوي لصحيفة المثقف ) :
(ان مشهد النتاج الشعري العراقي الشاسع فهو مشهد نستطيع أن نفخر به ..ونضعه بمصاف الأبداع العالمي .
الحداثة ..ومن ثم مصطلح ” ما بعد الحداثة ” أعتبرها بدعاً .. وحذلقات لا ترتبط بأي تقنية علمية أو ابداعية .. إنها من مبتكرات عصر ” العولمة ” ..هذه المبتكرات التي تحاول أن تلغي هوية الأبداع “المحلي ” .. وتدمغه في ختمها .. لا يوجد إبداع لا يتسم بصفة حداثية منذ عهد ” الأغريق ” إلى يومنا هذا .. بل من عهد ” شعرائنا السومريين ” ..وكل أمة لها سمة حداثتها المميزة التي تحمل طابعها القومي والوطني .. وإذا ما عدت إلى تصفح شعرنا العربي الخالد في عصر ” ما قبل الإسلام ” لوجدت أنه يحتوي على مكون حداثي باهر .. ولو قارنت بين لوحات الفنان السوريالي العالمي ” سلفادور دالي ” وبين معلقة الشاعر العربي “امرئ القيس ” لوجدت أن هذه المعلقة ..وفي معظم بنائها الفني والتشكيلي ماهي إلا لوحات سوريالية باهرة .. ولو كان “دالي “يجيد اللغة العربية لما توانينا عن اتهامه بتأثره في سورياليته بسوريالية ” امرئ القيس ” .. الحداثة سمة متوفرة في الأبداع من أقدم عصوره وحتى يومنا هذا .)*
ان شعر وسرد ( الياسري ) هما عبارة عن معزوفة وجع وحزن ومراثي يكتبها للوطن وللإنسان الذي لم يعرف ولم يذق طعم الحرية والاستقرار والعدل لذا جاءت تجربته الادبية متوائمة مع هذه الابجديات التي عاشها العراقيون بمعاناة حقيقية غير مبالغ بها وانما صارت أحزان العراق هي الهوية الجامعة لشعبه (الشعر والألم توأمان . المبدع كائن محكوم باللعنة والشاعر هو حامل أوجاع العالم في كل بقاعه ، الشعراء السعداء لا يكتبون الشعر أبداً ).
لقد رفض الشاعر تسمية شعراء الداخل والخارج لهذا تراه يقول : ( اعتقد أن تجزيء الشعراء إلى داخل – خارج هو تجزيء لامنطقي ومفتعل ولا يتصف ” بالبراءة ” .. إن أدباء الخارج لا يقلون انشغالاً بهموم بلدهم واهلهم عن انشغال شعراء الداخل بهذه الهموم ) .
لقد شعر الشاعر بغربة قاسية وهو في داخل وطنه رغم ساهم بشكل فاعل بالحياة الثقافية والعراقية وعمل بمراكز مرموقة في الحقل الاعلامي والثقافي لكن لم يعط المكانة التي توازي ابداعه واخلاصه ووفائه للوطن ، لهذا عانى ما عاناه من الانتهازين والمحسوبين على الادباء حتى هجرته القسرية من وطنه فيعرج عن كيفية تشبث الانتهازيون على مقاليد الحركة الثقافية في العراق : ( ان ” لوقيانوس ” يذكر فيها ما ينطبق عليهم ” حيث يقول:
” هؤلاء المهرجون والدجالون الجهلاء .. الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم .. وولدوا للذل .. وعاشوا للهوان .. وفطموا على المسكنة .. إذا استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين .. فلن يجدوا لأنفسهم أيّ عملٍ آخر .. لأنهم لن يصلحوا لسواه .. وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر ” ) .
جاءت الغربة لتضيف الى أوجاعه وجعا آخر فيصبح منشطرا ما بين وطنا جديدا احتواه كانسان ومبدع وحقق كرامته المهدورة في وطنه والى وطنه الام هذا الوطن الذي تنفس غباره ورطوبته وريحانه وشرب ماء فراته وسحن جلده بشمسه واستظل بظلال نخيله . ولم يتردد ( الياسري ) أن يفصح عن مدى ألمه وفرحه بذات الوقت وكيف أثر منفاه وبعده عن وطنه على شعره : ( في “كندا ” يضاف عامل جديد للتأثير على قصيدتي ..حيث بعد المكان الجديد الذي يختلف في تضاريسه .. وتشكيلاته الجمالية .. عن المكان الأول .. وهذا ما يمنح لغة الشاعر تنويعات مكانية جديدة .. ويغني قاموسه الأول الذي تأسس وفق ابنية لغوية مميزة .. وعلاقات عائلية واجتماعية مختلفة .. ولكن .. ليس بمقدور جماليات المكان الجديد .. والانبهار به في المواجهة الأولى معه أو حتى بعدها أن تلغي هرمية المكان الأول .. وعمق أسسه البنائية التي تبدأ من الطفولة لبنة الحياة الأولى .. نحن في أول مواجهة لنا مع المغترب ..او أسميه أنا المنفى ..لأن المغترب يتم بطريقة إرادية ..أما المنفى فهو قسري ..تفرضه ظروف وحشية ..أقول إن أول لقاء لنا مع المنفى علينا أن نعود أطفالاً نتعلم المشي .. إنه يحاول أن يقطع جذورنا مع المكان الأول أيضاً .. ويصهرنا في بوتقته .. ومن هنا يبدأ صراع نفسي بين الشاعر وبين مأزق المنفى .. قليلون هم أولئك الذين حافظوا على انتمائهم للحاضنة الأم .. وأقاموا تعادلية متوازنة .. تعطي المنفى من موروثها الضارب عميقا في منطقة الجذور .. وتأخذ منه ما تراه مفيدا لإغناء هذا الموروث .. وإثرائه .. وقد حاولت أن أوفق في قصيدتي ما بين ما أعطي المنفى ومأ آخذه منه ) .

* ( مقاطع وردت من الحوار الذي أجرته الاعلامية استبرق العزاوي مع الشاعر عيسى حسن الياسري والمنشور في صحيفة المثقف عام 2012 )

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: مازلتُ أبحثُ عن تفاصيل وجهك…!!!
الى/ روح الصديق الراحل الحاضر الغائب الفنان التشكيلي الكبير لوثر إيشو (ملف/18)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو.. شقيقه بولص ادم يقول: اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
حاوره: سامر الياس سعيد (ملف/17)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

 الطوب احسن لو مكواري دور الاهازيج باشعال الحماس بين الجماهير
مريم لطفي (ملف/3)

تعرف الاهزوجة على انها نوعا من الاناشيد الشعبية الغنائية، وهزج المغني  اي ترنم في غناءه …

4 تعليقات

  1. عيسى حسن الياسري

    ما اسعدني وانا اعيش في ذاكرة استاذ ومبدع له بصمته الواضحة في الثقافة العراقية الاصيلة .. هذا شيء مهم بالنسبة لي .. ويمثل مواساة تخفف من قسوة منفاي البارد والموحش .. اخي وصديقي المبدع الاستاذ الدكتور رياض ابراهيم الدليمي .. كم جميل صباحي هذا وانا التقي مقالتك الجميلة التي اعادتني الى تلك الامسية النادرة التي جمعتني باصدقائي ادباء المحاويل .. وجماعة – الآن – الثقافية .. الامسية التي غيب المنفى الكثير من تفاصيلها وليس جوهرها النبيل .. وها انت ايها الكبير .. تسردها هنا وكانها حدثت بالامس القريب .. تحيات لك ولكل اصدقاء تلك الامسية تمتد من مونتريال حتى المحاويل .. المدينة التي تنتعل عشب الحقول .. وتستظل بغابات النخيل الباسقة .. وتغفو على ثرثرة مياه السواقي الشبية بثرثرة طفل في الصباحات المبكرة .

  2. رياض الدليمي

    انا سعيد بهذا اللقاء المتجدد مع قامة شعرية وتجربة تركت بصماتها واضحة في المشهد الشعري تمنياتي لحضرتك استاذ عيسى الياسري بالصحة الدائمة والتواصل في سوح الابداع ومحبتي وشكري موصول الى الدكتور حسين السرمك الصديق الرائع

  3. علوان حسين

    مقالة جميلة لشاعر منصف موهوب ومثقف هو رياض الدليمي الصديق النبيل عن قامة شعرية كبيرة تستحق التقدير والحب المتجدد كعطائه وحضوره البهي , محبتي خالصة ً للشاعر رياض الدليمي وللمحتفى به شاعرنا العذب عيسى حسن الياسري مع خالص الود .

  4. رياض الدليمي

    وافر الشكر والامنان صديقي الشاعر الجميل استاد علوان حسين كل التقدير لحضرتك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *