الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » د. علي القاسمي : الـحمامة

د. علي القاسمي : الـحمامة

ali-alkasimi-2كانت الشمس تلوح في الأفق البعيد صفراءَ شاحبةً تتهاوى ببطءٍ إلى مرقدها، حينما عُدتُ وابنتي الصغيرة ـ بعد تمضية عطلةِ نصف السنةـ في طريقٍ طويلة مُقفِرة، ترامتْ على جانبيها أرضٌ كالحةٌ رماديَّةُ اللون، نسيتْ طعمَ المطر منذ سنين، واستحالتْ فيها الأشجارُ إلى هياكلََ عاريةٍ عجفاء، هجرتْها خضرتُها وعصافيرُها، لتواجه وحيدة مصيرها الحزين. وودعتِ المياهُ السواقي والأودية، واختفتْ قطعان الماشية، وصمتتْ مزامير الرعاة.
في غرفة الجلوس بالطابق العلويّ من المنزل، أثارتْ انتباهَنا حركةٌ مريبة خلف النافذة. اقتربتْ ابنتي بحذر منها، وما إنْ رفعتْ الستارةَ عنها حتّى طارتْ حمامةٌ مذعورةٌ بعيدًا في الهواء، ثُمَّ ما لبثتْ أن حطَّتْ على سطح المنزل المقابل. فأطلقتْ ابنتي صرخةً جذلى :”آه! لقد عشَّشت تلك الحمامة هنا، أثناء غيابنا، وخلّفت بيضتَيْن.” وأخذتْ تتأملهما ساكنةً لوهلة. ثُمَّ عادت لتجلس إلى جانبي، حيث دسّت رأسها الصغير في صدري، وأنا أواصل قراءة كتابي، وأُمسِّد شعرها الناعم الطويل. وسرعان ما عادتِ الحمامةُ إلى النافذة، بعد أنْ اطمأنّتْ إلى ابتعاد الخطر، لتحضن بيضتَيْها.

وظلّت بُنيتي تتردَّد على تلك النافذة تراقبُ الحمامة التي أخذتْ تعتاد على اقترابها المسالِم، ولم تعُدْ تفزع لمرآها. وأحيانًا، كانت تجد البيضتَيْن فقط، وقد تغيَّبت الحمامة، لتحمل بعد برهةٍ، شيئًا من القش أو الغُصينات، تنسّقها في عشّها.

وفي المساء كنتُ أتابع نشرةَ الأخبار التي يبثّها التلفزيون، في حين وقفتْ ابنتي قرب نافذتها الأثيرة. وتوالت الأنباء من جميع أقطار الوطن العربيّ: فيضاناتٌ مروعة تجتاحُ بلاد الصومال التي أنهكتْها المجاعة والحرب الأهلية، وتقتلُ المئات من الأطفال والنساء والعجزة… مذبحةٌ جديدة تقترفها الجماعات المسلَّحة في الجزائر يذهبُ ضحيتَها أربعـمائة وخمسون قتيلاً في قريةٍ واحدة، جلُّهم من النساء والأطفال والشيوخ… مئات الأطفال يموتون يوميًّا في العراق، بسبب الحصار ونقص الحليب والغذاء والدواء… وفجأةً تصرخ ابنتي:
ـ ” انظرْ، البيضة تَفْقِس، الفرخ يكسرها برأسه، بمنقاره الصغير، إنّه يخرج منها بصعوبة… انظرْ إلى المسكين، ما أضعفه! ما أصغره! ما أملسَ جسمه الخالي من الريش..! لم يخرج من البيضة تمامًا … إنّه يرتمي بنصفِ جسمه على الأرض… لا يتحرّك … إنّه هامد، أخشى أنَّه ميّت… يا إلهي! أين أُمّه؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ بابا ، كيف نستطيع مساعدته؟”
وعندما أويت إلى فراشي تلك الليلة، لم أستطع النوم؛ فقد كانت الحمامة في النافذة المجاورة تنوح وتنوح نوحًا شجيًّا بلا انقطاع طوال الليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *