الرئيسية » نقد » ادب » حسين سرمك حسن: الخراب طريقا للفردوس

حسين سرمك حسن: الخراب طريقا للفردوس

رواية “مأتم” – 1998- هي الرواية الثالثة للروائي العراقي “طه حامد الشبيب” بعد روايتيه الهامتين “إنه الجراد- 1995″ و”الأبجدية الأولى- 1996”. وقد نشرنا دراسة مطولة عن روايته الأولى “إنه الجراد” على صفحات ملحق “ألف ياء” الزمان الغراء بعنوان “الإطاحة المقدسة بالعقل”. وتدور وقائع رواية “مأتم” -التي أعيد نشرها عن دار فضاءات عام 2009 – حول حياة وسلوك طاغية هو “سعيد المالك” المتعجرف السادي المزاجي الذي لا يشغله سوى إشاعة “صيت البلدة” بين البلدات الأخرى حتى لو كان ثمن ذلك أنهار من دماء وحيوات أبنائها. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يشن هذا الطاغية ستّ حملات تنتهي كل منها بهزيمة وخراب يحوّلها إلى نصر زائف يتغنى به الناس الذين تغيّب وعيهم ممارسات الإحتفالات الصاخبة وإقامة النصب بلا حساب في ساحة المدينة الكبرى. إشعال حماسة الناس تنبري له بحماسة فرقة الطبول التي يقودها الشيخ المساوم الإنتهازي ماسح الأكتاف هزاز الرؤوس.. في الفرقة ضارب الطبل –الذي لا يحمل إسما إمعانا في تعميم أنموذجه- وهو السارد الأول والأخير الذي يحكي لنا وقائع الرواية. ضارب الطبل هذا كان اصلا عازف عود مقتدر.. تحول إلى ضارب طبل ضمن عملية الإنمساخ الشاملة التي يتعرض لها البشر وكل شىء في البلدة. وبطبيعة الحال لا تمضي الرواية بمثل هذا المسار السردي المستقيم. فلكي يمعن الكاتب في تقبيح صورة الطغيان والدكتاتورية التي هي قبيحة أصلا نجده يتحرك في عدة اتجاهات درامية متساوقة ومتناغمة تلتقي كلها عند شخص الراوي وأولها اغتيال ابنه الأكبر على أيدي شرطة المالك. لكن هذه الحقيقة يصعب استقبالها من قبل الأب المتصدّع نفسيا وذهنيا. هذا ما يستهل به الشبيب الصفحة الأولى من روايته: (أُنبئت حين أفقت أنني كنت متزوجا ولي أولاد، وقد بلغ أكبرهم الثانية والعشرين من عمره قبل أن يعثروا على جثته بين جثث أودعت برادا مكشوفا ذا عجلات، انتهى في الباحة الخلفية لمستشفى الأمراض العقلية). من هنا ينطلق خيط سردي مدمر ومتصاعد حيث وضعت الجثث التي صفتها أجهزة الطاغية في براد متاح لأصابع ورغبات المجانين العابثة.. مجموعة من المجانين تبدأ بالتلاعب بجثث الشهداء بلا رحمة .. وتكون جثة الإبن المغدور (غيّام) وهذا اسمه من حصة المجنون (مالك) الذي تتناقض أفعاله معها من العبث إلى الحنو فإلى المقاومة المستميتة دفاعا عنها. يبرع الشبيب في نقل أبشع صور العبث بجثة غيام وجثث الشهداء الآخرين، وخصوصا الكيفية التي يغطس فيها المجنون مالك أصابعه في ثقوب الرصاصات الأربع في صدر غيام وسقوط مخاطه في مركز الزهرة التي يصنعها من اتصال الثقوب الأربعة. والرواية متخمة بكل نتاجات المرحلة الشرجية والفمية المنفرة من براز وبول وقيح ومخاط وغيرها وهو أمر ليس في صالح الرواية في بعض المواقف. ومن يسلّم جثث الشهداء ليعبث بها المجانين بلا رحمة هو “الرجل المهيب” كما سمّاه الكاتب. وهو أنموذج آخر للطغيان العابث المتجبر الذي لم يكتف بإعدام مجموعة الشباب حسب بل سلّمها بأيدي المجانين. لكن الأمور تنقلب على يدي الكاتب بصورة معاكسة حيث تنشأ علاقة حميمة ووثيقة بين المجانين و”جثثهم” .. علاقة توصل المجانين إلى رفض أوامر “الرجل المهيب” والدخول في معركة دامية مع رجال الدرك تنتهي بمقتل الرجل المهيب والمجانين.. وإنقاذ جثة (غيام) من قبل (زاهد) ، وزاهد هذا هو سارد مركزي ثان كان متخفيا خلف البراد يراقب ، ويبدو لأيام طويلة، عبث المجانين بجثث الشهداء ثم سرقة الملف الخاص بهم من الرجل المهيب، تقرير تقول ديباجته: (كان الموت بحقهم قليلا فلا أقل من أن يتسلى بهم مجانين البلدة)، فالمعركة الدامية تحت المطر العاصف .. ثم إنقاذ جثة الإبن التي أجرت البلدة لها مأتما سريا، يسرد لنا الأب في كل مرة أنه لا يعرف أنه كان له ولد اسمه غيام ولا حقيقة أنه كتزوج من “سريرة” لمدة 23 عاما ولا أن لديه ثلاثة أولاد منها!! وهذا يتناقض مع واقع أنه يروي وبالتفاصيل الدقيقة كل وقائع الرحلات الخمسة وما دار فيها من اشتباكات وخسائر وصراعات حد الإلتقاطات التي تتطلب ذهنا يقظا جدا وذاكرة شديدة التماسك. ومن نلك التفاصيل ممارسته الجنس مع “فاحمة العينين” في الحملات وسط انشغال الآخرين بالمهمة المركزية التي يحددها المالك (تجفيف النهر، إطفاء الحرائق .. إلخ). وكانت نتيجة المواقعات حمل المرأة وولادتها طفلا تنذره لخدمة إبن الزوجة الرابعة للمالك التي جيء بها من الغرب وصارت منامات وليدها هي مفاتيح المالك التي يحدد بها مواقيت انطلاق الرحلات، منامات ينعشها عزف الراوي على العود بعد أن صار مقربا من المالك ، وتتخللها محاولات لمواقعة الأم زوجة المالك على الأرض والصبي نائم. هذا الولد المنذور كبر ليصبح مرافقا لابن الطاغية. لكن من الغريب أن الأم فاحمة العينين التي نذرت ابنها لابن الطاغية تهاجم هذا الولد حين يقتحم بيت الأب المثكول وهو أبوه لكن لا يعرفه مطالبا بجثة الشهيد غيام وهو أخوه من أبيه!!. وهناك الكثير من المفارقات غير المقنعة في الرواية منها على سبيل المثال لا الحصر: -يذهب “امرد” كبير الحاشية والساعد الأيمن لسعيد المالك في رحلات يعود بعدها ممزق القدمين.. أو يركب السفن في حين أن هناك طائرات في البلدة!! – يقف سعيد المالك على السطح ويضع كفه على عينيه ليرى القادم بالطريقة البدائية وفي بلدته طائرات وأسلحة ورجال إطفاء وحتى مجلات جنسية!! – ولع الراوي المثكول بمؤخرات النساء (منهن زوجته “سريرة” وفاحمة العينين ) حتى في أحلك لحظات الحزن في المأتم!! – من غير المعقول أن يقوم الأب المثكول بالرقص في مأتم ولده الشهيد الذي ضرب راسه بحجارة المغسل من أجله!!. ومن مقاتل الفن السردي لدى الروائي الشبيب هي: – التكرار – التفاصيل التي بلا وظيفة – والإفراط في الوصف. هناك تكرار لمشاهد استنفدت أغراضها.. وهناك استعمال متكرر لمفردات معينة لها بدائل مثل: أنفذ الأمر، سحقا.. سحقا.. إلخ. لكن رغم كل شيء فإن ما يحسب للشبيب هو أنه نشر رواية – وكل رواياته التي زادت على العشر نشرها على نفقته الخاصة- تعالج موضوعة الطغيان والدكتاتورية في واحدة من اشد مراحل العراق السياسية حلكة ورعبا، مرحلة كان من الممكن أن يؤول فيها أي عمل أدبي بما لا تحمد عقباه وقد يؤدي إلى نتائج جسيمة مدمرة. لقد قدم هذه الموضوعة بصورة هي مزيج من الكوميديا والتراجيديا الساحقة (الكوميديا السوداء). معالجة كان واحدا من وجوهها المتفرّدة هي الكيفية التي تُغسل بها أدمغة البشر – بضمنهم الراوي الأب المثكول- ليتحولوا إلى أدوات للضجيج تتحرك نحو حتفها وخراب مصائرها دون أن تدري. من حملة إلى حملة ووفق عاصفة التحشيد النفسي لنشر صيت البلدة/ الوطن، يتم تخريب كل شيء في البلاد خطوة خطوة والناس تعد الخراب طريقا للفردوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *