كريم الثوري: حنان الرجل الكامل على ازرق ارتجافها…

جنون قراءة في قصيدة سمر محفوض

زرقاء خصبة .. كمحيط

 على ازرق ارتجافها امرأة تنسج الكون من حنان الرجل الكامل

.بعض ما جاء في مسرحية بيت الجنون للكاتب الفلسطيني المغدور توفيق فياض ملمحا إلى حالة الإنحطاط والخذلان الذي تعصف بالواقع الانساني  / “مسكينة أمي، لم تجد غير المرحاض تسقطني فيه. . أليس هذا هو الإفلاس. . إفلاس العالم من قيمه الأخلاقية، أن تكون المراحيض مهود ولادة البشرية؟ /  و سواء كانت الولادات بشكلها ألمتعارف أو على طريق الاستنفار كما يحصل في شرقنا المتوسط المليء بالقصص الخرافية ، تظل ارحام الأمهات مشروع ايواء وبعث لانطلاق ، وتظل المواليد ترزخ في تخبطات الأمصار والأحوال

لكنها اورامنا الخبيثة تلقمتها الاجنة كما الأرحام، كلوثة خرافية عصية على الممحاة ،مُشرعة بالف لسان ولسان ، أسئلة تتفتق أسئلة ولا اجابات ، فالواقع في الذاكرة المتخشبة كُتب عليه الآ مفر. من هنا كانت ذاكرة الشاعرة السورية سمر محفوض مشحونة لحد الهلوسة يسوقها جموح تحطيم الواقع واعادة بنائه على طريقة ميلان كونديرا كون ذلك هو  / وظيفة الفن في تقويض التناسقية وتعطيل وظائف الانسان التي تنتج عيوبها في الواقع كونها أنساق مخاتلة / في محاولة منها لكسر بوابات المعاني الفاقد لمشروعية الأجابات الملائمة لصهيل الروح في اطار جدل الذات الجامحة، حتى نلحظ ونحن نسترسل في تأجج جنونها ، وقد انتقلت عدواها فيصيبنا شرار بعض ما تطافر الينا ، فتتحرك فينا حرقة الفطرة ، فنكتشف أن لنا لسان حال معطلاً ، وعقولاً تكدست فيها العادة اليومية ، تكلست بدمائنا ، ذلك هو الخوف من تخطي حدود المسموح به لعادات جبلنا عليها فوجدنا انفسنا كالببغاء ، نردد ما يلقى على مسامعنا

زرقاء خصبة… كمحيط

على ازرق ارتجافها امرأة تنسج الكون من حنان الرجل الكامل

لا غرابة في توحد معناها اللانهائي في بحث دؤوب عن اللامعنى وهي تطارده وقد اجتمع فيها متسعا –  الزرقة والخصوبة –  متبوعة في ماء المحيط  – كمحيط – ، فمن / يركب البحر لا يخشى من الغرق / ، لا يليق بها وقد تحررت بالكامل ، سوى أن تتبع خصوبتها المتشظية في ازرق المحيط ، قبل ولادتها وقد كانت شعورا غامضا ، على مقربة من ساحل اللاذقية في الشريط البحري من سوريا ، ترحل من طلة بيتها المشرف على ازرقي البحر والسماء ، حتى انطفاء التماعات السفن وقد ابتلعتها الامواج الجبارة، نما هذا الشعور كما ينمو الشيء وهو يتبدد في لذيذ اللاتشيؤ، يدعوها من بعيد اختفائه  لاستنهاض انوثتها الكاملة ، في ملاصقة حشدت عندها كل طاقتها المعطلة ، ، ذلك هو – الرجل الكامل – في حنانه كما وصفته عند التمهيد لعنوانها ، ملاصقا لرحلتها ، وتلك المسحة الصوفية صيرت منها مزيج لهفة واتباع ، بإنتظاره كي  يُفعلها ،وكلما لامس مخيلتها ، يُنشطها من جديد :

(على ازرق ارتجافها امرأة تنسج الكون من حنان رجل كامل)

فكيف يمكننا أن نفكك هذا التجلي المعنوي ونعيذه إلى عناصره الأولية ، لا لشيء فقط لنكتشف عمق اللذة التي عصفت بخلجات – ازرق ارتجافها – وجعلها امرأة أنثى تطمح نحو التكامل ، تُطلق كل شحنتها دفعة واحدة ، تستوعب الكون بكل تناقضاته ، تجيب على كل أسئلة اللجوج تحت لواء رجل – من حنان كامل –  ؟!

ما علاقة ازرق ارتجافها بحنان الرجل الكامل ؟

سؤال لا يستطيع الرجل الساكن في تفاصيل حياتها اليومية ، أن يجيب عليه قطعا ، فالحنان في مشاعر المرأة الأنثى لا متناه ، خلافه عند الرجل المذكرفي علاقاتها اليومية ، لنتسلسل الان في تفاصيل الجنون علنا نكتشف ، في رحلة عصية لكنها لذيذة ،  أشياء تقربنا من عنفوان جموحها .

                             عناصر رحلة الجنون
أجنُ .. نعم أجنُ ،
أو أدافع غالبا عن الجنون

اخلعُ حشودي، وأخترعُ جموعا…

ابتدأت سمر محفوض زحفها الهستيري جهة الجنون بإرادتها الكامنة ، بوعيها وهو يتسلق المنعطفات الحادة ، كمحترف لن يقبل عنه المترصد به دون ذلك ،  يدفعها دفعا ، منساقة بهوس لذيذ ربما للتكفير عن أخطانا بالنيابة  – ذكورا وأناثا – ، فمنذ البيتين الأولين تؤكد مسلكها النشاز في عرف العامة  (أجنُ .. نعم أجنُ ، ) و ( أدافع غالبا عن الجنون ) ، إذن هي لم تكتفِّ بجنونها فقط ، بل تدعو إلى الإقتداء بمسلكها ، وتدافع في الغالب عن صدقيته ، لدرجة تحفيز الحواس للاذعان والترقب ، متسلحة برؤى نزعتها الثورية لتوجج فينا وحشية اليفة محببة تناسيناها بفعل العادة ، ثم تعرفنا على منهجها الثوري الانقلابي منساقة بتفكيك بُناها المكبلة في طريق حريتها ، منوهة إلى عجز اللغة الدارجة عن اللحاق ،   فاختراقها للجموع وكدت أقول الجموح ، ونحن في متناول فلسفة التأويل ، من خلال تنازلها  الكلي عن – حشودها  – مقابل بديل غير مسبوق من لبيب – أختراعها – :

( اخلعُ حشودي، وأخترعُ جموعا… )

من هناء تبدأ الخطوة الأولى قي قتل اللغة أو تثويرها لذلك فالكلمات – تقترفُ الكلمات لتخونها – ، وما تقترف إلا لتخلع عنها القشور وقد ارادتها على طريقتها غير متكلسة:

اخلعُ حشودي، وأخترعُ جموعا ..
تقترفُ الكلمات  لتخونها
و لأن عمرا واحد ا .. لايكفي
أو حتى عشرة َ أعمار ٍ .. بمقياس رجاء
أنا المتقلبةُ ُ المتعبة ُ والمدعية ُ
لبطولات ِ الإنتظار..
أجن ُ قليلا و كثيرا أموت ُ.

في الأبيات الخمسة أعلاه وفق  ( مقياس رجاء )  تمارس الأخرى فيها تبادل الادوار ، تلك التي على مقربة من التردد ، التبرير جاء على شكل لسان محدثتها أو لصيقتها / ولأن عمرا واحدا لا يكفي ، أو حتى عشرة أعمار / وعبر سلسلة من تعابير ما يشبه المراجعة ما قبل التثوير / المتقلبة ، المتعبة ، المُدعية ،  أجن قليلا ، كثيرأ اموت / وكلها افعال مثبطة لمسعاها في رحلة الجنون ، لكنها ليست سوى مقدمات  في جدل المعرفة يراودنا جميعا قبل ركوب القرار ، لتنتفض الروح ، في مسعى منها لتتمة مشوارها الحركي بعيدا عن – مقياس رجاء – :

/ و لأن عمرا واحد ا .. لايكفي
أو حتى عشرة َ أعمار ٍ .. بمقياس رجاء  /                                                               

ألوان الجنون

حين تطرق الحكيم سقراط إلى العشق في حضرة الجنون مُفسراً  إياه على أنه  ألوان ، كما أن الجنون ألوان ، كان يعرف الابعاد الحقيقية لمسارات النفس في أشد حالاتها تمزقا 

هذه التلويحة تدعونا والقارئ الكريم ، لفك بعض الرموز الواردة من باب الاجتهاد فالنص يسير بخطى غير مألوفة ، عكس اتجاه عقارب الغفلة ، عليه سوف نقوم بإعادة  تشكيل الجمل الشعرية إلى ما قبل طبختها ونعقد مقاربات  علنا نتوصل إلى الحقيقة المظللة في عرف سمر محفوض:

بداية الجنون كما اشارت كان قليلا رافقه كثير الموت وما بين القليل والكثير محصلة كانت نهايتها ساكنة لصالح الكثير وهو الموت :

أجن ُ قليلا و كثيرا أموتُ

لو قلبنا هذه المحصلة بين قليل الجنون وكثير الموت نراها تنتهي لصالح الحياة برؤية مغايرة ، أي :

 أجن كثيرا وقليلا أموت

من هنا نرى الجنون ذا محصلة ايحابية

فقد انتصرت ارادة الحياة مع جنون على ارادة الموت بجنون اقل !

مجنون ٌ من يفصلُ
بين الحال ِ والمحال
مجنونٌ من يطوف
المرآة ِ خلف  أثر ٍ ولا أثرَ
مجنونٌ من يغلقُ الصيحة َ ،  قابَ الصوت ِ…
ويُسكبها بدمي.. 
مجنونٌ من يطرقُ باب َ النأي فاتحة َ احتراق ٍ
وبه ألق ُالروح ِ نحوها .. أمضي
بهذا الحرف او ذاك .
مجنونٌ من ينذر صداه
لهدهدة ِ اللحن ِ الممتد..
بهجرتك حتى الضوء

جاء في الامثال تحصيل الحال من المحال، كدلالة للربط بين مستحيل الإحاطة بحيثيات الواقع  – الحال – وبعيده المستحيل – المحال – ، فالعمر قصير، لكن سمر محفوض قوضت هذه المسافة ، مُعتبرة – من يفصل ُ – ، مقيدا بجنون باهت ، إذن نحن بين متعاركين كلاهما مجنون ، جنونها هو من يُحرك  قواعد اللعبة – بهذا الحرف أو ذاك – ، وجنون آخر لم تطلق عليه عنوانا ، جعلته حرا يلتصق بمن تنطبق عليه المواصفات ، تقديمها له صلة ولا صلة فمن تراه لا يرها ، يتبعها بانقياد الجاذبية – المرأة خلف أثرٍ ولا أثرَ – وما الطوفان حول المرأة سوى ضرب من الوهم ، هذه التخريجة تقودنا إلى حقيقة التصوف تذكرنا بقول الحلاج  والسهروردي في مناسبات مختلفة حول الأثر بين مسبوق وملحوق يتبادلان الادوار، وقد كانا يستخفان الطواف المتبع حول الكعبة  ، بل وزاد الحجاج في ذلك حين قال طافت الكعبة حولي ، وفي هذا دلالة على انها – الكعبة – تبعت اثره ، أو تقصته على طريقة سمر محفوض …

توليف – مجنونٌ من يغلقُ الصيحة َ ،  قابَ الصوت ِ… ويُسكبها بدمي
السَّكْبُ: صَبُّ الماءَ والدَّمْعَ ونحوَهما ، والكلام وما حوله المراد منه دلالات السكوت المريع الذي يلف محيطها الصامت بحكم كونها جزء لا تتجزأ في محصلة ال نحن ، لكنها – الصيحة – الحقيقة كما تراها ، تفور في دمها  لاستحالة خروجها لعدم توفر شرطها الموضوع ، فوعي الذات في محصلته النهائية منكوص لدرجة – يغلق الصيحة – فتعود ترتطم بالجدار العازل كما لو – يسكبها بدمي – ، وربما المراد هو تحرير اللغة  من قيودها عبر وسائل البوح المكتوب وما شابه.. وحجتنا على ذلك : أمضي بهذا الحرف أو ذاك .

مجنونٌ من ينذر صداه
لهدهدة ِ اللحن ِ الممتد..
بهجرتك حتى الضوء

يرتقي الجنون في هجرته نحو الضوء – التوحد بالنور على طريقتها في اللحاق ، والانصهار بهِ – والخطاب جاء بصيغة على لسانها بإعتبارها أنثى و – هجرتك – للمذكر ، لكن استحقاق ذلك باهض ومكلف – مجنون –

ف  – من ينذر – والنذر يجعله على نفسه نَحباً واجبا ، فكيف – ينذر صداه لهدهدة اللحن الممتد – ، ويعود الصوت سالما ؟ وقد يرتطم في هجرته بالأشياء الصلدة على نحو الجبال وغيرها مما يتعرض له الصدى في رحلته المتذبذبة غير المرئية ليندمج بالنور في رحلة  وصفتها بالهجرة ، والمعروف عن الصدى العودة ثانية ، لكنه هنا ملحوق بالهجرة ، مما يجعلنا نتخيل نوع العودة وكيفيتها وطول المدة ، ولم نجد امامنا في المحصلة النهائية غير الرغبة المكبوتة في اعماق الشاعرة سمر محفوض لنفي حضورها بعد جزع طال منظوماتها الفكرية – الغاء الزمان والمكان وتنشيط المخيلة – .

هنا نكون قد توقفنا عند المحطة الأولى في رحلة الشاعرة سمر محفوض وهي تحفر في اعماقها ، لتخرجنا من صمتنا  المريع ، عبر ضجيج الأسئلة ،  نتوقف عند ذلك لنكتشف قرب أو بعد المسافة ، ما يفصلنا عنها حقيقة أو وهم ، على فرضية هناك حقيقة وهناك وهم…

فهل نبارك جنوحها ، على اعتبار ما تمر بهِ هو – موعدا لسلام الروح – على طريقتها أو طريقتنا فالامر سيان مادام الجنون فنون في طريق الخراب الشامل أو السكينة النهائية .

تبارك هذا الجنون الجنوح..

مجنونٌ من يعري السرابَ من عطشِ الصحراء

مجنونٌ من يسرقُ الحلمَ.. لينامَ بنكهةِ قلب

مجنونٌ ومجنون ومجنون من يتعقّل..

أن يصيرَ الجنونُ ، موعداً لسلام الروح

مجنونٌ من ناجاكَ.. ومجنونٌ من ناداكَ،

ومن يبارك ما تشوّه منا

مجنونٌ هذا الكونُ أبداً..

نصلبُ فيه أو نجنُّ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *