كريم الثوري: وديع شامخ طلسم .. فكيف نقرأهُ ؟

مجموهة شعرية جديدة للشاعر وديع شامخ صادرة عن دار التكوين في دمشق للعام2008
وهي المجموعة الشعرية الثالثة بعد- سائر بتمائمي صوب العرش- ودفتر بغداد- ولصعوبة بمكان أرتأينا ان نتطلسم لكي نقترب ولو قليلاً
في مركب ابحاره ، ونطوف بمحاذاة قصيدته التي هي عنوان ديوانه الاخير .
كان بودي ان اكون علامة استفهام؟
استفهامية تتصدر ظهر الغلاف تحت صورته شأنهُ شأن السيف والخنجر
والرغيف :
( السيف علامة استفهام الخنجر علامة استفهام الرغيف الذي لا يستدير بيد الخباز علامة استفهام ).

****

(الطلسمات : اسماء وكلمات وحروف وارقام ومربعات مجهولة المعنى لغير السحرة فيقوم الساحر بكتابتها بطريقته الشيطانية…..ومنهُ ما يربط بأجنحة الطيور وأرجلها).
***

المدخل:

أن تكون طلسماً فهو بحد ذاتهِ تمويه وايحاء لكي يتاح لك ان تعيد تشكيلك من جديد بلغة وادوات مبتكرة جديدة تستجيب معها المغاليق دون ان يطالك التجريح ( تطير- تحط ـ تفصح – تمتنع) هذا في العموم وعند وديع شامخ المسألة ابعد من ذلك فهو قد تكلفَ بترحاله الطلسمي الى المستحيل – اللانهائي غير المُعرّف- لنقرأ ونكتشف ذلك من خلال الابيات التالية:

طلسما أطوّح الهواء، وأتنفس المساءات الثقيلة بجناحيّ
وكأيّ عابر الى المستحيل
لابد من سنارة وغشاوة عيون
وعظم هدهد
وكرسي
…..
أهبطُ …
نافخا قربتي وقروني ..
نازلا من أبراج عاجي وسماواتي الحامضية
المدججة بالأوحال
أمطر ..
أمطر
غير آبه بسورة الغياب .
أتعثر بجثث كانت تطير قبل صعودي
أشرب ماءً من زمهرير الأجساد،
ومن عَرقها يتفصد الزمن .
كيف كنت أطيرُ وتلك المأساة تطنّ على جناحيّ كقارِ زورق مثقوب ؟؟..

….

إذن ادوات ترحاله هي:

السنارة : الصيد

غشاوة العيون: التنكر

وعظم الهدهد :المُغايَرة

واذا ما اردنا استنطاقها وجَبلها في بوتقة واحدة نكون قبالة الترتيب التالي:
السنارة: للصيد ولكن اي صيد لابد انه صيد استثنائي بدليل الاسناد المرادف اللاحق:

غشاوة العيون: لان شاعرنا المُحلق في عنان السماء وإن شاء نزل هابطاً لا يريد ان يرى مشاهد بعينها لعظيم ما ينوي صيده

عظم الهدهد: يريد ان يقول لنا شامخ بانه سوف يكون مثابة اللغز الاسطوري الموكل باعادة توليف الاشياء على حقيقتها بعد ان تمادت في نفورها ونشازها

لكنه هبط…
نافخا قربتي وقروني : النفخ مداد الروح الجديدة ليمطر وايِ مطر – غير ابه بصورة الغياب- وليفصح عن معناه الجديد :

أتعثر بجثث كانت تطير قبل صعودي
أشرب ماءً من زمهرير الأجساد،

لاكتشاف كيمياء فسادها والتعثرمن الارتباك وهي دلالة على كونهِ قد تجاوز محطات فشل فيها الكثير ممن لم يسعفهم التطلسم قًَبله فتحولوا جثثاً كان يتعثر بها لذلك كان عليه التسلح بـ (لابُدَ):

لابد لكَ اليوم من حماقة لتدوين السفر قبل الهرم
لابد لكَ من قوام جديد تنحتُ به رؤياك
لابد لكَ من شمس تحرق شمع أجنحتك ونزق جليدك.
لابد لكَ من إسئلة تواريكَ التراب
وتهيل عليك الحجارة
…..
أنتَ ابن تلك الطرقات وهذه الشمس التي لم تكن منخلا
وأنتَ ابن القمر الذي لم ينحنِ ساجدا لسطوة الشموع
كلها الليالي
“تموع” في عقد
وتنصهر في ليلة
وتتجمد تحت أرقكَ
لابد ناتجة من قصور وشحذ الهمم وهو استنجاد له ما يبرره بعد ما تجاوز محطات الجثث التي كان يتعثر بها بعد ركوبه موجة

المستحيل ولِيُبررلمترصدهِ ويقنع بعض دواخله المُمتنعة من أن قوامه القديم لم يعد صالحا وهذه دلالة تطال المنظومات الفكرية والسلوكية بل يزيد ذلك الى شمس ربما استثنائية وهي دلالة الاشراقات الفكرية والتجديد على مستوى المتبنيات الايديولوجية لكنه في النهاية يتنبأ بالنتيجة لرحلة المستحيل وهي إن اجوبة الاسئلة المستحيلة سوف تواريه التراب وتهيل عليه الحجارة.
يحاور روحهُ المُلتهب مُذكرا ومستذكراً عِبرَ:
….
أنتَ اللائذ بمدن كنت تحسبها سماوات
أنتَ العائد من قيلولة العقل وسيف رطانته
طلسما تتجول في الهواء
تفك أسراركَ للريح
وتفتح جرحكَ المتقيح لشهوة الحكايات
تعالي : يا آلهة الكلام
ويا حوريات الليالي
تعالي يا “سعلوة الطفولة”
و”ياكربة الشط”
تعالَ يا أرقي
وتعالي أيتها النابتة على أهدابي ، كزغب يتصابى
تعالوا: اليّ……………….

تعالي يا سمكة الحلم
لنصطاد الطُّعم ونبتلع الدموع خلسة..
لا تفزّزي العصافير
ما زلت أحلم في نهارات أشد بريقا من هذا الطلسم

….

ها هو يستنجِد ببقاياه الشاخصة في وجدانهِ الضاحك المشرق بمملكتهِ التي انتجتهُ وانضجتهُ- فتعالي- فتحت له طواقم نجاة -الهة الكلام وحوريات الليل وسعلوة الطفولة وكربة الشط وسمكة الحلم -وكلها من متممات أرقه وللحبيبة مكان وهي بمثابة النابتة في الاهداب كزغب يتصابى

هذهِ المقاطع الجياشة بمثابة المقدمة التي تُفضي الى نتيجة متوقعة يكون شامخ قد ابتلع الطُعم والسنارة التي هيأها لصيده ‘مكيدة اعدها لما تبقى من ذاكرة ما زالت ترفس ويستدرك راجياً:
لا تفُزَزي العصافير
مازلت أحلم في نهارات اشد بريقاً من هذا الطلسم
رجاءُ مرير لان ثقلَ جَلجلة استدعاءاتهِ وموته بعد ابتلاعه الطعم الثقيل
وأنت النازل والهابط من طين سيوف المهزلة !!
تحارب مَنْ؟
قيلولة حلملك .. أم صراط نزوتك
أم خيبة التاج وعزاء هدهد حكايتهم!!؟
……
قالوا لك : أنت ابن ماء السماء
وابن التاج
وابن الطلسم ووارث الحكاية..
وأنتَ كما أنت ….
لا تاج لك ، لاحلم
لا كافر ولا ناقل كفر ….
أنت صاحب الأرق، وبوابة المدن المختومة بالغياب
غياب أبنائها وقوارب أحلامها وشمس أرصفتها
…..

النازل والهابط معنيان مختلفان فالنزول مع الارتياح والهبوط اضطراري وان تلازمهما ارتباكا ً لاقترانهما بـ ( طين سيوف المهزلة) فالحرب ما عادت مُعرفة بقوانين العدالة والشرف لذلك التفَ الشاعر في تساؤلهِ لنفسه: تُحارِب من؟
حلمهُ المستقطع او عقائده الموجعة
خيبة الكرسي(التاج) او المروي المسنود بما نقله لنا الهدهد واتخذناه قانوناً للتأسيس والانطلاق.
سيظل التنكر على شاكلة الطلسم واحدا من الدروب الملتوية الاقرب الى عالم الشعراء في عالم كل مافيه لايمكن استساغتهُ بسهولة ذلك هو ديدنهم وقد اطمأنوا فيما يبدو اليه
لخلق معادلهم الموضوعي.

ادلايد
Ka8rem@yahoo.com

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …