علي لفتة سعيد : مثلث الموت (8)

ali-lafta-saeid-2-18-
كان سلام وحده في محل رجلٍ عجوزٍ يرتجف من الخوف ، على عكس ما يقوله من شجاعة وصبر وثبات..والرصاص لم ينقطع منذ أن بدأ المسلحون بمهاجمة رتل الهمرات الأمريكي..المواجهة لم تترك له فسحة للإطمئنان..فكل الذاكرة موبوءة بالخوف، تمنحه مرة الضحك ومرة تمنحه البكاء والإختناق..وتجره إلى الندم..كل شيء هنا لا يوحي بالإطمئنان..حتى وهو يدخن كثيراً ليهدئ من روعه،حامداً ربه على إنه لم يمت بالرصاص أو الانفجار، إلا إن الأسئلة معلقة في رأسه، تحاول الحصول على إجابة عن أحمد وخضير..ربما كان يفكر بطريقتين متعاكستين..الأولى أن الأمر بسيطٌ وستعود الأمور إلى طبيعتها ولن تكون هناك مواجهات مستمرة لأن القوات الأمريكية لن تبقى في المنطقة لتواجه حرب عصابات..فهي تستخدم الشوارع للوصول إلى أماكنها أو لتنفيذ مهمة ما وتعود أدراجها،ولن يكون هناك داعٍ لاستهدافها من قبل الجماعات المسلحة..وهو ما أكده صاحب المحل .حين قال له بكلمات لم تزِل منه ارتعاشة نطقها:إن الصمت سيعود بعد ساعة وإنه كان على الأمريكان أن يفكروا جيدا وألّا يمروا من هنا.
والثانية التي يفكر بها سلام،هو أن المسلحين ربما يداهمون المكان في أية لحظة ،ويلقون القبض عليه ويعدونه جاسوساً في أقل تقدير..وهو مشروع قتل على الهوية..فكل شيء يختلف عنه في هذه المعادلة التي يمكن لها أن تكون صحيحة..فهو صحفي يعمل في جريدة حكومية وجرائد ووكالات،وكذلك هو من مدينة مقدسة وعضو نقابة الصحفيين وعضو في اتحاد الأدباء..وكل هذا يجعله هدفا للاختطاف أو القتل..بل كثيراً ما قرأ عن جماعات مسلحة قتلت صحفياً أو صحفية.
يتذكر سلام..إن الروايات التي قرأها عن الحرب لا تمنحه دفعةً من الواقع الذي كان فيه..ولأن أغلب هذه الروايات وحتى الأفلام السينمائية كان مصير الأكثر منهم هو الموت..الدخول الى مناطق خطرة يعني الاستسلام الى الموت..وقد ورد في ذهنه إنه الآن بعيدٌ كل البعد عن تلك الحرب التي كان يخوضها في السواتر مع إيران والتي أمضى فيها ثمان سنوات يمنّي نفسه أن يشم هواء العالم النقي..العالم الأخضر الذي يسافر إليه ويطلع ويرى.. ثم تأتيه صحراء الكويت وحربي عاصفة الصحراء ثم الاحتلال الذي لم يكن محملاً بالورد بل كان كما يقول دوماً أنه المصير المشؤوم، لأنها الحرب الألعن في التاريخ..فقد دخلت الى غرف النوم.
كان يحلم بالمدن النظيفة التي لا يكون فيها ما يشبه الدمية..مربوط الى ماضيه الذي يعلن عليه الحرب دوما في تفسيراته وتأويلاته..فكان يندفع كثيراً نحو الحلم..فينظم ما يراه اكتساباً للحظة قادمة تكون فيها الأضوية ساطعةً على حياةٍ تمنحه إمكانيات الإنطلاق في الكتابة الواعية..العمل بالنسبة له كفيل بفتح أسرار العالم وأنه سيكون بين أحياءٍ عديدين، يستقيمون في مأوى التفكير حتى لا يبدو السقوط لهم مجرد هاوية في قبر..كان الحلم أنه لن يخوض حرباً أخرى..فالحروب ابتعدت وصارت ذاكرة، لأن من كان يعلنها انتهى وغاب وألقي القبض عليه وحوكم..فلا تأريخ تعاد كتابته..وستكون الروايات التي قرأها أو التي يقرأها هي لصيانة ما تبقى من العمر.
*****
كان سلام منشغلاً بمراقبة الرجل، والرجل منشغلٌ بارتباك سلام الذي يبحث عن إيمان فكرةٍ واحدةٍ تفضي الى معرفة ما حل بصديقيه..يومئ الى نفسه أن يتحرك الى ما يشغل باله في الوقت الراهن..مصير أحمد وخضير..كان يقلّب أفكاره مستغلاً صمت الرجل..ويشرب جرعة ماء ويفتح زر قميصه الأعلى ليزيد من فتحة صدره، ليمر الهواء لعله يمنحه لحظة انعاش خافتة..يحاول ربط الأجزاء التي دفعته لأن يكون هنا..يحفظ التأريخ الذي يمهد لكتابة قادمة ربما، حيث ستكون الأفكار هنا سبايا الحروب.مطعونة من ظهر التغييرات التي طرأت على مشهدٍ كان هشاً وإن كان مقيتاً وكابساً على الأرواح..لا شيء يشبه مرض الذات التي لا تستطيع التفكير بصورة صحيحة، حتى لكأن روحه سقطت في وحل روما حيث يقرأ التاريخ أو لحظات احتلال المدن في حرب إيران..أو اللحظة التي جعلته يعود حافياً من حرب الكويت..هي ذاتها الحروب التي مكنته من مقاومة الخوف دون دراية أو تخطيط..وعلمته البقاء مع الخوف لكي يحصد البوح بالنجاة فيحصل على إنقاذٍ في نهايةٍ قريبة من الموت..لقد أراد التأكيد من أن زميليه لم يغادراه هرباً ويتركانه وحيداً، لأن مثل هذا التفكير متعب..يفضي إلى أن الصديق تعرفه وقت الشدة فيكون ما بينهما عبارة عن معرفة أسماء وليست علاقات شخصية وعائلية.
جلس على كرسي خشبي بلا مساند..يفكر بفوضى محتشدة بالرصاص،بكيفية الخروج من هذا المأزق، ويدعو ربه للحصول على سيارة تقله الى بغداد أو تعود به إلى مدينته..لكن لا مجال لمغادرة المحل حتى يخبره صاحبه ان الوضع عاد الى طبيعته..لكنه أراد ألا يسقط، فما يحمله جزء من مدينة الرب الواسعة التي تمنحه العقل، وأن في داخله كنز مخبوء، عليه استثمار ما جاء من أجله،فلا شيء آخر يمكن أن يأتي بشيء جديد..اقترب من الرجل وسأله:
– حجي..من المسلحين الذين فجروا الهمر ببسالة؟
كان السؤال مفاجئاً للرجل الذي كان مشغولاً بترتيب صمته والتفكير ربما بحال الضيف الذي كلما مر الوقت صار ثقيلاً ومخيفا، جعل الرجل يقح..فالسؤال يحمل ازدواجية..فهو لم يقل مقاومة،وقال مسلحين. وأيضا لم يقل إرهابيين أو جماعات مسلحة..سارع سلام إلى قطع دابر تفكير الرجل الذي حدس أنه يبحث عن قناعته الشخصية،وإلى أي اتجاه يميل..تشاغل الرجل بإيقاد سيكارته:
– هؤلاء أبطال..يواجهون الإحتلال بقوة.
ترك الرجل الكلام في لهاته..وظل يستمع بجد إلى ما يقوله ضيفه الذي سقط عليه من سلة الخوف.
– لا أحد يقبل أن يحتل بلده أبدا إذا كان يحبه.
نفث الرجل دخان سيكارته براحةٍ بدت وكأنه يقرأ كتاباً أعاده من شروده..وكان سلام يعرف كيف يعزف على وتر القناعة.. وكثيرا ما أخبر أصدقائه إنه حين يكون في مكان غريب عليه، أن يكون دائما مع الطرف الآخر حتى لا يكون محط شبهة واشتباه وشك وظن وليتمكن من الحصول على المعلومة أو الوصول بأمان..لكن الصمت الذي تدرب عليه الرجل والذي من جهته لا يريد أن يكثف الحوار معه، فله أيضا ظنونه وشكوكه من أية شخصية تكون بقربه، أو من يكون بقربها..فهذا زمان لا أمان به كما يردد لأولاده..ويزيد إن كان هناك غريب لا تتحدث كثيرا لأنك ستكشف كل شيء وهو ما يحتاجه..فربما كان مندساً أو جاسوساً أو منافقاً..
لم يكن البوح من صفات الرجل،ولم يكن الصمت من صفات سلام، الذي كلّما مرّ الوقت عاد الخوف إلى مفاصله وأفكاره.. فالصمت بالنسبة للرجل ضمانة لأمان مفقود وبالنسبة لسلام هدوء يسبق العاصفة..لذا كان يصيخ السمع لعله لا يسمع صوت سيارة أو رصاصة أو حتى مواء قطة..يريد كل شيء صامتاً في الخارج..فهذا الصمت الوحيد الذي يريده الآن قابضاً على الزمن لكي يتمكن من الهرب..فهذا الرجل لا يتكلم ولن يكون بميسوره الحصول على أية معلومة..كانت فرائصه تتحرك بقلقٍ واضحٍ فهو يهز ساقيه برفع مقدمة أصابعه كمن يناغم عزفاً موسيقياً يردده الفراغ الكبير.
ابتدع ضحكة يتيمة وقال:
– حجي..اليوم أزعجتك كثيراً..إعذرني ..إذا هدأ الوضع سأغادر،لأن الوقوف الآن في الخارج يهدد الحياة.
ضحك الرجل مبادلاً إياه الإبتسامة اليتيمة..مبتلياً بتنازع روحه القروية التي تطالبه بالضيافة لأي شخص غريب،وبين الواقع الذي أفضى إلى الخوف من كل غريب.
– لا تهتم..نحن جميعاً نمر بظرف عصيب..الفرج من الله.
كان يشبه صلصالاً لا يستقيم على حالة يتمنى فيها الانتهاء من نفخ لحظة الإطمئنان..هو الذي جاء ليكتشف الأشياء ويضع أجوبة لأسئلته المكوكية في رأسه،ويفكك كل هذه العلاقات المتشابكة بين ما يجري هنا وما يجري هناك..الأسئلة المبثوثة التي تبز رأسها وتختفي، كلما حصل انفجار هنا أو مواجهات هناك..فتتحول اللحظات إلى ولادة عقيمة لا تنجب إجابات قادرة على توضيح الحقائق.ربما يبحث عن خيط من البوح لكي يستدرك لحظة االمعرفة..إن المستقبل أفضل، بدلا من هذه السوداوية التي تعتم على المشهد،وتجعله بلا روح،مثل صلصال الواقع المتربص بالناس من قبل تيارات دينية..حتى أنه الآن صار أقرب إلى قناعاته الشخصية من أن كل من استغل الله والدين سهل عليه استغلال الإنسان..حتى إذا ما استلم السلطة صار أقسى من الطاغية..هذه القناعات التي أراد الآخرون أن يحشروه في اتهامات متعددة لينزعوا عنه مهابة التفكير، من أن كل تجارب العالم عبر العصور كانت فاشلة حين تدخل الدين.. وكان يضرب مثلاً عن عصر النهضة.كان يقول لخضير،إن الكنيسة حين كانت هي الحاكمة كانت أوربا متأخرة بل كان الكثير من الناس عبارة عن رقيق..وحين تم القضاء على عصر الكنيسة تقدمت أوربا..خضير الصحفي الذي يصدق ما تسمعه أذنه كان يقول له..أن الأمر مختلف هنا،لأن الأحزاب الدينية تعتمد على فقه الأولين وقابلة للإبتزاز والتأويل المتعدد بحسب قناعات من يتولى زمام الأمور..دون أن يتمكن من الإجابة على سؤال..أي فريق وأي فقه وأي ملّة يمكن أن تقود بلداً وسط كل هذه النزاعات على الكرسي؟.كان خضير يقول..أنه لا يريد التفكير كثيراً، بقدر ما يفكر أن يومه هو أن يكون صادقاً وأن يعتمد على الفكر الذي يضخ له ،من أن ما يؤمن به هو الأصح دون أن يكون قاسيا مع الآخرين..عاداً الأمر على أنه ثقافة .على العكس من أحمد الذي كان يصلي لكنه لا يؤمن بكل ما يمكن أن يكون طريقا لتسنم الأحزاب الدينية مقاليد الناس..كان يضحك على خضير وينتقد سلاماً الذي يصر على أن لا تقدم للبلد وسط النزاعات الدينية،لم يستطع سلام من إقناع أحمد من أن الصلاة تعني إنك والله معا..لا مع رجل يقول أنه يفهم الله..وكان يعاند إن الله لا يحتاج إلا إلى من هو صادق في عمله،فإنه سيكون قريباً منك..كان النقاش إذا ما حضره منتظر فإن النهاية معلومة بالنسبة للجميع، حين يهتف بطريقة المخمور:
– بَيكْ عرق يساوي كل كنوز الدنيا.. الخمرة في الجنة حلال فلنجعلها في الدنيا علاجاً من أدران السياسيين.kh-ali-lafta-2
-19-
المحافظ شخصية جاذبة متأنق دوماً..هكذا يعرفه الجميع..يقول عنه منتظر أنه سياسي محنك وله مستقبل كبير ولن يبقى محافظاً، فربما يكون عضواً في مجلس النواب المقبل..وكان يقول عنه خضير ،إنه إنسان جميل ولكنه مراوغ ولن يرشح للإنتخابات التشريعية ،بل سيكون مرشحاً من حزبه لأي منصب وزاري ،وربما يبدأ العمل بأن يكون وكيل وزير في الحكومة المقبلة..وكان يقول عنه سلام إنه شخصية جذابة يعجبني فيه إنه مثقف ويحب الأدب ونادراً ما تجد مسؤولاً يقترب من الثقافة والأدباء..ولخص أحمد قوله عنه،أنه شخصية سياسية يعلم كيف يكون جيداً في أي وسط يكون فيه،وحين ينتهي من المسؤولية تفضحه الخصوصية الأصلية.. المشكلة التي يقول عنها منتظر إن المحافظ لم يغادر روح المعارضة في عمله فما زال الظن يسكنه من أي شيء حتى إذا أخبرته بشيء لصالحه فانه يشكك فيه.
المحافظ يضحك حين يستقبل سلاماً ويتبادل معه الشعر والأدب،ولم يكن لقاؤه بأحمد أو خضير يحمل مفاجآت،فالإثنان يجريان تحقيقات صحفية أكثر من متابعة الأخبار، وكان حضور منتظر يزرع الشك، وكما أسر لسلام أنه لا يضع قدماً في مكانٍ دون مصلحة.. فهو يقف بالضد من الحكومة في وسائل الإعلام وصفحته في الفيسبوك،ويشارك في التظاهرات..لكنه أمامنا يكون ناعماً جدا ويقول..لا عليكم، هذه مواقف للناس..الوضع يتطلب أن يكون الجميع هكذا كما السياسيين.
يكتب سلام في أوراقه ما تحدث به المحافظ عن تأريخه الذي أراد أن يوثقه في تحقيق صحفي طلبته الجريدة بمناسبة الذكرى السنوية لأحداث عام 1991 وهو يبحث عن الأسماء التي شاركت فيها وعن الأحداث الحقيقية..كان يقول سلام للمحافظ،أن الأحداث كثرت وصار الجميع أبطال البلد..وضاعت الحقيقة التي سيكون أثرها سيئاً على التأريخ ذاته..يشير المحافظ وهو يشرب فنجان قهوة في منزله الذي يقع في أحد الأحياء الجميلة المحاطة شوارعها بالخضرة والجزرات الوسطية التي تكثر فيها أشكال أشجار الياس..إنه ومنذ أن كان عمره 16 عاما منتمياً للمعارضة، وأنه كان مسجوناً وهو في الصف الخامس الإعدادي وكان أبوه معارضاً أيضا..كانت المدينة ملتهبة في ذلك العام وبعد انهزام الجيش في حرب الكويت، لم يكن الناس يملكون غير الخروج الى الشوارع ويحطمون ما يصادفهم وكأنهم ينتقمون من أنفسهم..كانت النار تحرق الكثير من المباني..كان المحافظ يعمل حلقة وصلٍ بين المرجعيات الدينية وبين ما يحصل في المدينة..لكن كل الأشياء لم تعد تنفع..
كان يرى الناس وهي تمور من الغضب..شباب تتحرك بخوفٍ تصاحبه الريبة، من أن كل شيء قد ينقلب وبالاً عليهم في أية لحظة..ثمة طائرات تقصف المدن..كانت أمريكية تريد إسقاط النظام..وكان الناس يحملون أسلحتهم وتهاجمون آليات العسكر لإسقاط النظام..لا يعلم في حينها لما شعر بالخوف وسرت في رأسه فكرة مفادها أن كل شيء لن يكون سهلاً..وإن هذا الهيجان الذي جاء بعد مذابح الصحراء في الإنسحاب من الكويت لن يكون هانئاً للناس بعدها..أمتار تلك التي يتحرك فيها ثم ينطلق بسرعة من دارٍ الى دار لإيصال الرسائل بين من يعدهم قادة للتحرك من قبل الحزب..فكان تحركه في الشوارع بين مدينتين مقدستين لا تمنحه سوى عملية نفض التراب لن يكون التبر بين يديه..كثيراً ما كان يرى الأمر بطريقة مختلفة،أن المواجهة مع النظام لا تكون بطريقة أضرب وأهرب، لأن هذا النظام قادر على إبادة مدنٍ ودولة..بعد أسبوعين من تلك المواجهات لم يجد تلك القوة قادرةً على المواصلة وإن المدن الجنوبية الأخرى عادت لتكون تحت تهديد الخوف والقتل والإعدامات وأخذ الناس بالمركبات المكشوفة الى صحراء المدن لدفنهم..يعلم الآن إن المقابر الجماعية التي تم كشفها فيها أحبة له..لهم عيون كانت تتطلع الى الأمان والعمل والخدمة..كما هو الذي تيسرت له حالته ليهرب من دولة الجحيم كما وصفها لسلام..لكنه الآن لا يعلم إن كان الدور الذي أراده للبلد أن يكون هكذا..أمريكا هي التي تحتل البلد وأن جيشها هو الذي يعلن لحظة خوض العراق لحروبٍ أخرى تارة مع الجماعات المسلحة وتارة مع القاعدة ويعلم أن ما سيأتي هو تنظيم أكثر دموية من كل التنظيمات الإرهابية الأخرى.فوجئ مرة بسلامٍ يسأله:هل ما كنت تحلم به تراه واقعاً..أم أن الأمور خرجت من موازينها وأصبحت أمراً ميئوساً منه كما هو حال الناس؟ لم يجبه بالصراحة التي يريدها سلام وهو لا يمكن له أن يجيب بما يعلمه ويراه، لأن هذا يعني الإيمان بالخسارة وان تجربتهم في الحكم فاشلة..لكنه أجاب بما هو متداول إعلاميا:أن لكل بداية هفوات وإن عمر التغيير قصير.
يطلق المحافظ حسرةً أليمةً ثم ينظر إلى سقف الغرفة التي تغير لونه وصار قي منتصفها ثريّا كبيرة بلون ذهبي..في هذا البيت، شهد واحد من ثلاثة اجتماعات عقدت في المدينة،قبل البدء بالتظاهر ولكن كل ما خطط له انتهى.
– أعرف ما تريد سؤاله..النظام السابق يعرف كيف يخترق الجميع لكنها كانت محاولة لإسقاطه وبدلاً من الإستفادة منها راح الجميع يدعي إنه البطل وإنه الأحق فضاع الطريق من الجميع..ورحنا ننتظر أمريكا لمدة 12 عاما لكي تسقطه.

*****
يلتقط سلام صورة فوتوغرافية للمحافظ وهو يطلق حسرته الجديدة، فيما ترك جهاز التسجيل على منضدة في جانبه،ويبدأ المحافظ بالتذكر كأنه يقبل ذاكرته بقليل من السيطرة والأبهة مخافة أن يفلت منه خيط..فيبدأ بسرد التفاصيل التي يعتقد إنها دقيقة..مبتدئاً بلحظة هروبه باتجاه الجنوب..كانت قوات الحرس الجمهوري تطارد الهاربين من المدينة،وكان الواشون كثيرين وكانت الإستخبارات تعمل على ملاحقة الجميع..لكن ما أوقف سلام،هو أن المحافظ ذكر،أن بعض رجال الدين كانوا ضمن عسس النظام، بل وذكر، كان هناك رجل دين في الشارع ذاته حضر أحد الاجتماعات التي كانت تعقد في بيت أبيه للتهيؤ للانتفاضة وهو الذي كتب جميع الأسماء في تقريره..وحين سأله سلام عن أسم هذا الرجل نفى المحافظ علمه..بل أنه لم يركز على معرفته لإن ما كان يهمه هو كيف الإستمرار بقيادة العملية السياسية.
– أقول لك الصدق..ضاع علي الاسم من بين العشرات..النظام السابق يستخدم الرموز ..لا يذكرون الاسم..ولكن حقا نبهتني لكي أعرف من هو هذا الرجل الذي ساهم بإعدام أخي.
المحافظ يواصل سرد حكايته التي يوثقها سلام ولم تخرج من حقل أوراقه الى الصحافة بعد.. ليصف رحلة هروبه الى الحلة ثم الديوانية ووصوله الى السماوة..كان الطريق محفوفاً بالخوف وكانت الدبابات تطاردهم وكانت الصحراء محط الرحال للجميع..لا شيء بقي لهم غير الهروب،حاصدين الفشل والحسرة..ولأن المدن حوصرت جميعها بالدبابات والجيش.. كان السير حفاة هو الذي يسر لهم الوصول الى منطقة صفوان جنوب البصرة..قبل التحاقه الى الكويت مر بمنطقة العبدلي..كان تعباً وقدماه يسحلهما سحلاً..وجد بدوياً وحيداً مع عائلته وسط الرمال التي تنتظر المطر..كان الجو بارداً يضرب بعظمه,وساقاه الترفتان ببنطلون مزقه المسير وسترته أحالتها الريح الى نوافذ مفتوحة للحصى الصغيرة..حين فرش له البدوي فراشه المتواضع،أخبره إن هذه ليلته الأولى في هذا المكان ، لذا فأن الخيمة غير مهيأة لصد البرد..لم يكن أمامه أن يرفض أو يواصل المسير،فهذه الخيمة أهون عليه من البرد الشديد والعواصف المنذرة بالمطر والليل المخيف..لم يتركه البدوي بلا طعام لكنه تركه لينام ويترك الأسئلة الى النهار حين يواصلان معا الطريق الى الكويت..لكن الليلة لم تمضِ معه في النوم..فأحلام الكوابيس كانت تلاحقه وكأن العسس قد عرفوا مكان اختبائه فهجموا عليه..كانوا يمطرونه ماء ويخوضونه في الوحل وهو يختنق على فراشه ليبعد الأيادي الكثيرة التي بدأت تلفه بالماء حتى كادت إحدى الأرجل أن تركله بعيداً وتغرقه في المياه..وحين فتح عينيه وجد بعير البدوي يدوس فوقه،وفراشه في الوحل..كان المطر مدراراً
– تخيل ..لم أتخلص من الخوف..وبدلاً من أقدام النظام داستني قدم البعير.
وقف عن الكلام مطلقاً ضحكةً خفيفة،ليخرج علبة سكائره ،مخالفاً طريقته ألّا يدخن أمام الناس في وقت العمل..وكثيرا ما كان يقول أن لا وقت محدد للعمل،حتى في بيته فهو يستقبل الناس حتى ساعة متأخرة من الليل..ويجري أيضا الحوارات الصحفية..حاول أن يبدو بصورة طبيعية، وأنه غير راضٍ عما يحصل الآن من واقع سياسي جديد، لم يجعل العملية السياسية تسير بصدق، ولم يستثن أحداً من السياسيين الجدد الذين يتصارعون بين الإمساك بالحكم وعدم التنازل عنه وبين العودة الى الحكم والقتال في سبيله كما قال لسلام..كان يبدو وكأنه لا يرضى على كل الجهات التي لم تدع الأمور مرضية حتى أنه عرج على رجال الدين والمراجع الدينية التي لم تتفق على بلورة المواقف خاصة المراجع التي لديها أحزاب..بل إنه قال بشكل هامس،أن بعض رجال الدين لديهم مجاميع مسلحة وهو يشك بان أحدهم ربما يكون رجل أمن في زمن النظام السابق..وأنه سيعمل بجد هذه المرة على أن يعرف من هو هذا الذي كتب تقريره الذي أودى بحياة أخيه وموت الأم حسرة.
– عفوا سيادة المحافظ..ولكن السؤال هو..هل وصلت الكويت أم تم إلقاء القبض عليك؟
في تلك اللحظة، ظهرت تعابير ممزوجة ما بين الارتياح والحسرة معا..وهو يتحدث بشيء من البطولة الخائفة..كان يريد تعليق الحديث على لحظة الانتقال من منطقة جنوب العبدلي الى إيران وليس الى الكويت..كان وهو يقطع المسافات يفكر بأبيه وأخوته الذين فارقهم وهو لم يزل صغيراً..وبأمه التي لا يعرف كيف هي الآن.. وبين أن تكون كل تلك الرحلة نحو المجهول الذي أريد له أن يكون معلوماً بعد سنوات إلا أن الخيبة تحصد كل شيء..يعبر له عن حزنه العميق عما وصلت إليه البلاد من تصارع بين الذين كانوا معهم في الغربة وبين من كانوا في الداخل..حتى توزعت البلاد الى مصالح لا أحد يستطيع أن يقرر أو يتنبأ بما سيؤول إليه الحال.. أخبره أنه حين وصل إيران لم تكن تلك وجهته فقدم عن طريق الأمم المتحدة طلب اللجوء ..مغادراً الى سوريا ولبنان ليحصل من هناك على اللجوء الى بلد أوربي أمضى فيه سنين الحلم كي يعود إلى العراق.
– لم يمض على سقوط النظام غير شهر واحد حتى حزمت حقائبي وجئت لأخدم البلد ولكن الآن أصطدم إن خدمة البلد تعني إن السكوت هو الأفضل.

-20-
كان سلام يتمنى لو طال الوقت به مع الرجل في محله..وإن بالإمكان إجراء حوارٍ صحفيٍ معه، يفيده بموضوعه الاستقصائي..شعر أن في داخل هذا الرجل ما هو أكثر وطنية من الآخرين وأنه غير راضٍ عما يجري سواء هنا على أرضه التي أخذت طابعاً لمذهبٍ حمل السلاح..أو ما يجري في المدن الأخرى التي كونت لها ميليشيات تواجه بعضها البعض لإثبات الوجود..وكان محقا قي ذلك إذ أخبره الرجل وهو يتأمل غيمةً وحيدةً تتحرك في نهارٍ مشمسٍ قائض..مطلقاً لقامته المتوسطة أن تعتدل قليلاً من انحناءة الظهر..ليضع يده المتراخية على مقبض المجمدة لتبرز شرايينه مزرقّة من جلدٍ ينبض بآخر العمر..وقال بسرعة كمن يخاف أن يسمعه أحد غيرهما:
– ما كنت أتوقع ان يحصل هذا الصراع بين السنة والشيعة وخاصة هنا في هذه المنطقة.
لكن سلاماً أجابه أنه كان يتوقع ذلك وأن هذه المنطقة كانت حتى في زمن النظام السابق منطقة التناقضات بين الولاءات للسلطة للتحول الى ولاءات مذهبية.
سقطت قبضة الرجل من المجمدة..وركز بصره بوجه سلام..محدقاً لبرهةٍ في فضاءات بعيدة..كأنه يقف أمام شخصيةٍ تريد معرفة الأشياء..فحسه العسكري جعله يفهم أن وراء شراء علبة سكائر حكاية أخرى..فتشاغل بإيقاد سيكارة له..وكانت وقفته ساخنة أكثر من سخونة النهار الصيفي..لكن سلاماً لم يمنحه وقتاً للتفكير، مذكراً إياه بأنه صحفي جاء ليعرف لماذا كل هذه المواجهات التي تحصل ويقتل العراقي أخاه العراقي..وقال له أن هناك أجندات خارجية تقف وراء نزف الدم..كان عليه ألّا يسير في طريقٍ ضيقٍ فيضيق التفكير على الرجل فيتهمه بما يجرّ عليه الوبال..فأخبره أنه عراقي مثله لا فرق بينهما والعبادة طريق للوصول الى الصدق..شارحاً له وجهة نظره أن العبادة لا تعني الصلاة والصوم والتعكز على التاريخ بل هي الصدق..وإن محبة علي وعمر تأتي من محبة الدين.. وإن كان هناك خلاف فليأخذ التأريخ مجراه، أما هم فعليهم مواصلة الحياة بصدقها والتقرب الى الله..كان يرى توسع أسارير الرجل، فتهدأ أعصابه وتختفي بعض الشرايين التي أزرقت..وكأن نسمة هواء مرت عليه..أخبره أنه كان عسكرياً وكان أغلب الجنود لديه من الشيعة..وأنهم كانوا مخلصين له..وأخبره أن آمر وحدته العسكرية من أهالي الجنوب كان أكثر الناس قرباً إليه..لم يكن أحدٌ يفكر من أي مذهبٍ هذا الذي يتقاسم معه الموضع أو حين يلقي التحية..كان الرجل وهو يتحدث يعدل من استقامة صدره..يتوسع في الحديث ويسحب دخان سيكارة كأنه ينفث غلاً في داخله مما وصل إليه الوضع الراهن.. تحدث لسلام كثيراً عن الأيام السابقات.. لكن الواقع الحالي تداخلت فيه أمورٌ كثيرة..قال له:إنه الصراع على السلطة..أعرف يا بن عمي إنه صراع على السلطة..وأكثر الطرق الموصلة لـتأجيج الصراع هو الطائفية..كانت نائمةٌ..أعاد الرجل قوله: كانت نائمةٌ وأنت محق بقولك إنك كنت تعلم إنها ستبدأ من هنا.
كان سلام يجمع الكلمات في رأسه..رغم إن الرجل كلما وصل الى منطقةٍ حرجةٍ في الحوار، كان يخفض صوته مخافة أن يسمعه أحد..رامياً اللوم على الجميع بلا استثناء..لكن سلاماً ترك الرجل يتحدث وهو يصغي إليه..لعله يصل الى معرفة من يقف وراء كل الرصاص المنهمر في هذي البلاد.
*****
لم يستطع سلام المكوث أكثر في المكان..خاصة بعد أن اشتعلت المنطقة بأزيز الرصاص والصراخ والانفجارات..كان يحاول أن يخاتل لحظةً ليمد رأسه من فتحة المحل مطلاً على الشارع الفرعي، لعله يرى حركة سيارات عادية أو يرى وجه أحمد أو خضير..بل تمنى لو رنّ صوت هاتفه النقال..لكنه لم يتوقع إن شيئاً جديداً متربصاً به مختبئاً خلف هذا الزمن الطويل الذي أمضاه في المحل لأكثر من ساعة وكأنه دهرٌ طويلٌ جداً..أخبر الرجل أنه سيغادر المحل، وعليه التأكد من أمان المنطقة أولاً ومن ثم يغادر..ساوره ظن من أن زميليه قد غادرا المنطقة وأنهما لم يستطيعا البقاء وإلا لقتلا أو اختطفا..ربما عليه أن يعطيهما الحق..ولكن لو كان هو كما ردّد مع نفسه ما تركهما أو لعاد إليهما في الوقت المناسب..كان بالإمكان التوقف في مدينة المحمودية ومن ثم الاتصال به والعودة إليه لنقله..رفع رأسه الى السماء لتمنحه الأمان.
وقبل أن يفتح عينيه ويكمل الآيات القرآنية،اقتحم المحل ثلاثة مسلحين ملثمين يحملون بنادق آلية يصوبونها نحوه..اختفى الصوت من بلعومه ، تخيلهم جيشاً كاملاً وإنه ميت لا محال وإن سيل الرصاص سينهمر فوراً..لم يكن الرجل صاحب المحل أفضل حالاً من سلام، فارتجفت فرائصه تحت دشداشته واحمر وجهه..بلع سلام ريقه مخرجاً صوتاً من بلعومه..محاولاً ترطيب الحروف الصاخبة في رأسه والرافضة الخروج لكي يستقيم الكلام..كل شيء بالنسبة له يقود إلى الموت..الأسم والمدينة والهوية الصحفية ..كل العناوين تؤدي به الى وضوح المذهب..لا شيء يساعده عى التفكير،حتى أنه لم يدر في باله أنهم ربما دخلوا صدفة،وأنهم مسلحون في المنطقة دخلوا ليشتروا شيئاً..لكن احمرار وجه صاحب المحل زاد من هلعه..تخيل إن رصاصة ستخترق رأسه وسيتم ربطه على عامود كهرباء أو بدن سيارة كبيرة ويتم حرقه.
سمع صوتاً :
– من هذا في محلك؟
ربما بلع الرجل ريقه للمرة الألف خلال دقائق معدودة..كان دخولهم المفاجئ يشبه صاعقة كهرباء..ولم يملك غير أن يتبادل النظرات مع سلام الذي يفكر في كل شيء إلا الهرب من هذا الموقف، لأن كل الطرق تؤدي الى قتله..كانت عينا الرجل مثل دجاجة تنظر الى ناحرها فلم يملك سوى أن يردد:
– أنه …إنه..إنه.
صاح به صاحب السؤال.
– شبيك..أصابك الخرس..من هو؟
ليس بمقدوره إخفاء الحقيقة فهي قد تنتزع من سلام حينها سيعدونه كاذباً ويقف بالضد منهم.
– جاء ليشتري سكائر..إنه صحفي.
نطقها سريعاً بعد أن رأى الشرر يتطاير من عيني الجميع،وقبل أن يكمل جملته المرتجفة الثانية، كان الملثمان الآخران قد سحبا يدي سلام وقيداه الى الخلف فهبط قلبه تحت قدميه.
لم يكن الأمر مربكاً فقط، بل كان مميتاً..وحسب حقا أن نهايته قد حانت، وأن رقبته ستتدلى وترمى بين الأقدام،والصور تتلاحق في مخيلته، صور أطفاله وزوجته وأخوته وحتى أقاربه، صور طفولته المعذبة وأبيه الذي فارق الحياة مختنقاً بحزن إعدام أخيه الأوسط بعد أن كتب أحدهم تقريراً أنه اشترك في أحداث عام 1991.. صور الهروب من المدينة الجنوبية الى المدينة المقدسة لكي يسكن متأملاً الواقع الجديد الذي فرضه الحصار ومن ثم الذي فرضه كل هذا الواقع الذي يشهده بعد عام 2003..صور متلاحقة وهو يئن منها ..تخنقه فكلها تؤدي الى صورة واحدة ..هي أنه لن يرى الناس بعد الساعة..لا يعلم كيف تأتيه الصور التي قطعها صوت المسلّح وهو يوجه إنذاراً للرجل:
– إغلق المحل الآن..وإذا شفناك نقتلك؟
من زاوية عينه كان يرى الشارع يضيق به وهو يقاد من أيادٍ لا يعرف عددها..ووجوه يرى ظلها وهي ترقبه في خطواته التي قطعت الزقاق الفرعي الى بيوت أكثر بعداً..أركبوه سيارة وجعلوا رأسه مطأطئاً نحو قدميه.. بالضبط مثلما يرى مثل هذه الحركات في الأفلام والبرامج الإخبارية التي تنقل حالات الخطف أو الإعتقال..ربما تفاجأ أن لا أحد وضع كيساً برأسه..الشيء الذي أحس به متشابهاً هو انطلاق السيارة بسرعة كبيرة ،وهو يسمع صوت احتكاك العجلات.
كان الجو حاراً جداً..ووجهه مبلّلاً لزجاً..امتزج عرق الخوف وعرق الحرارة القاتلة من بطن السيارة فيما كان لهاثه أعلى من صوت السيارة في خارجها..حين انزلوه بعد وقت، أجلسوه في غرفةٍ صغيرةٍ قريبةٍ مطلةٍ على ساحةٍ واسعة ،واقفلوا عليه الباب..أخذ نفساً قليلاً،ربما لم يحن بعد قطع رأسه الذي تخيله أنه سيكون على حافة رصيف لتنزل عليه سكين غليظة مثل تلك التي قطعت رأس أخيه حين نحروه مثل بقرة..كل شيء يخنقه حتى أنفاسه التي حاول أن يسيطر عليها فلم يتمكن..إلا أنه كان يرى من خلال النافذة المطلة على الساحة الكثير من الرجال..في الغرفة ثمة صور عديدة، كانت واحدة منها كبيرة جدا لصدام حسين، فيما كانت الثانية أصغر حجماً وفيها صورة لصدام ومعه ضابط كبير لم يتبين رتبته بشكل جيد، إلا إنه ميز في أسفلها سيفين متقاطعين..لا يعلم لماذا شعر أن لا رقبة تقطع له الآن على الأقل..فثمة تحقيق سيجري معه وأن مثل هؤلاء يكون الموت تحت أيديهم رمياً بالرصاص.
جلس على حصيرةٍ ممزقةٍ فيما كانت البلاطات الرخامية توحي غنى الحالة المادية..فقال مع نفسه ان هذه الحصيرة لمن يأتون بهم الى هذا المكان..تمنى أن يدخل عليه أحدهم ليكلمه.. وإنه ليس من المتعصبين وليس مع الإحتلال وإن اختطافه لن يكون مهماً ولن تتحدث عنه الصحف كثيراً، وإنه إنسان مسالم لا ينتمي إلا للحياة كما كان يقول..لذا فإن من يسمعه سيتأكد حتماً من مواقفه..وإنه لا يعمل مع أية جهةٍ إن كان في زمن النظام السابق أو النظام الجديد الذي حصل بعد عام 2003..لم يكن منتمياً لحزب البعث ،ولم ينتم الى أي حزب جديد..فمهنته الحرف الذي لا يقبل الإنتماء..تمنى للحظة أن يعيدوا له هاتفه النقال ليخبر زوجته وأطفاله أنه ما زال حياً.
أمام الباب توقفت سيارة رباعية الدفع سوداء اللون وترجل منها أربعة اشخاص..وقف لينظر من الزاوية البعيدة فلمح وجهاً يشبه وجه الذي يقف الى جانب صدام حسين..فزاد خفقان قلبه وهو يرى صف الرصاص يحيط بأجساد مرافقيه الذين يسيرون خلفه فيما كان يضع مسدساً في حزامه العريض..ويسير في رتل عسكري مضبوط..كان الجميع يرتدي الدشاديش متحزّمين أيضا بأحزمة الرصاص وهم يحملون أسلحة حديثة بأكف متأهبة لإطلاق الرصاص.
سمع صوتاً:
– العفو سيدي.. موجود في الغرفة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الدرقاوي : من تكون  سناء ؟.

اللحظة  فقط يفتح عينيه  ، المرئيات من حوله غير ما ألفها قبل  ان تطويه غيبوبة …

| هند زيتوني :  شيءٌ  من الحب .

اعتراف يشبه القول: إنَّ القلب الذي لا يعرف الحُبّ، هو صندوقٌ خشبي أجوف. يعتريه وجع الفراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *