fuad kandil 7إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة الثالثة والعشرون
(23)

كان شاغلي الأول بعد أن توليت العمدية هو رفع المعاناة عن الأهالي.. لن أسمح أبدًا بأن يُجلد شخص ولا أن يُجر مع الآخرين بالحبال ولا أن يُطارد بالبنادق والهراوات.. سوف أعمل بكل جهدي على إنهاء هذه المهزلة.. حق كل إنسان في الحياة الكريمة مسألة مصيرية تستحق التضحية والكفاح والصبر.
اضطررت للسفر إلى قنا عدة مرات لمقابلة الحكمدار ومساعديه حتى يقبلوا بمقترحاتي ويوافقوا على أسلوبي في العمل الذي يعتمد على فكرة رفع يد الحكومة عن الأهالي، وعدم التعامل مع أي شخص منهم مباشرة.. كل طلب وكل أمر وكل مشكلة لا بد أن يكون حلها من خلالي.. يجب وقف أي إهانة يتعرض لها أقصري.
أبلغتهم ألا يتم طلب ضرائب من أحد عن طريق الجنود الأتراك أو الألبان ولا عن طريق الصيارفة أو الملتزمين.. على المالية تحديد المطلوب من ضرائب على الحيازات الفعلية بعد حسابها بحضوري ومن اخترتهم كمساعدين متطوعين، وتتولى العمدة التحصيل والتسليم للصيارفة.. لا بد من تحديد موعدين بينهما شهر على الأقل.. الأول للإبلاغ والثاني للسداد.. رفضت تمامًا جمع الشباب بالقوة للحروب وحفر الترع ولكن بالإعلان عن ذلك قبلها بشهر مع تحديد الأجور والمزايا.. قال الحكمدار:
– أتفق معكِ في كل ما عرضت وسوف أرفعه للباشا.
قرأنا «الفاتحة» بحضور خالي الذي سعد جدًّا بالخبر.. قلت له:
– أرجأنا قراءتها عندما علمنا بنيتك زيارة الأقصر.
– هذا أجمل خبر سمعته منذ جئت.
خطرت ببالي المدرسة فطلبت منه أن يتولى أمرها بعد أن يعد قائمة بمقترحاته للتطوير.. وعد بأن يفعل على ألا يكون عملاً دائمًا ولكن بعض الوقت. اندهش وأغدق عليّ الثناء لما رأى من إضافات على البلد في السنة الأخيرة حتى من قبل العمدية. الطلمبات والإضاءة والأشجار.
لكن العمدية لم تمنعني من لقاء «يوسف» سواء في المدرسة أو في الدوار أو في المركب، فبعد الخطبة لم أجد حساسية في الجلوس مع «يوسف» وبعض زملائه من الفرنسيين.. لقد انتهوا من عملهم تقريبًا وقاموا بكل ما يلزم لتجهيز الباخرة للسفر. اتفقنا آخر مرة على الالتقاء بمعبد الكرنك بعد العصر.. كانت كل الأمور مستقرة، وليست هناك مشكلات عاجلة.. اشتقت إلى أن أقضي لحظات في حديقة المشاعر والمناجاة والحياة الناعمة.. هل يمكن أن يكون هناك تعارض بين الحب والعمدية؟ هل ستكون العمدية ضد الحب؟ أشعر أني بحاجة إليهما معًا.. لقد حققت لي العمدية توازنًا كبيرًا حتى أنفذ بعض أفكاري لأهل بلدي، كما أن الحب وسادة رائعة للقلب المنهك.. كلما التقيت «يوسف»، المخلوق خصيصًا لأجلي، استشعرت أهمية الحب.. أهمية أن تعثر الأنثى على قرينها وصنو روحها.. فولة وانقسمت نصفين ولا يستطيع نصف أن يهنأ دون الآخر.. حكمة الله في خلقه.. لكن السؤال الأهم.. كيف يمكن لطرف أن يعثر على شريكه أو نصفه المناسب تمامًا مثل المفتاح والقفل؟ المفتاح الخشبي إذا وضعناه في بيته بـ«الضبة» يعجز تمامًا عن فتح الباب لو انكسرت منه سِنة أو انحشرت فيه لأي سبب نصف حبة قمح.. لكي تزدهر الروح لا بد من الانسجام الكامل بين الطرفين.. «يوسف» مريح للغاية وقابل للتشكيل ومتسامح ومثقف وقلبه متأهب دائمًا للاستماع إليّ.. أحب أن يكون قلبه قريبًا مني. يُنصت إلي.. يتحرك حسب نبض قلبي. قلت له:
– عد مرة ثانية لتزويدي بالكلمات المنتقاة من الكتب، أو خلاصات لقراءاتك وخواطرك وأفكارك.kh fuad kandil 7
عاد فعلاً إليها، وكم أسعدني هذا! أفكار الكتاب والفلاسفة ملهمة بشكل غير عادي.. أظن أن الناس من دونها تعيش في عمى.. إضاءات رائعة تلك الأقوال والحكم.. خصوصًا أنها خلاصة تجربة العقول الكبيرة مع الحياة وليست تأليفًا مجردًا.. أشكرك يا رب على ما غمرتني به.
تواعدنا على اللقاء عند المسلة المواجهة للمدخل.. كان المعبد خاليًا تمامًا إلا من الأعمدة والتماثيل.. استقبلني بالزهور.. قال:
– تظنين أنكِ أول عمدة؟ كنت قد زرت هذا المعبد من قبل مرتين وحدي وتأملت ما على جدرانه من رسوم وأحسب أنها رسوم لملوك قدماء.. هل تعرفين ذلك؟
– حدثنى خالي عن شيء من ذلك.
– كان بينهم نساء.. إما ملكات وإما أميرات.
– أود من كل قلبي أن أعرف معنى المكتوب على هذه الآثار.
– سنعرفها قريبًا، وبخاصة بعد أن كشف العالم الفرنسي شامبليون سر اللغة الهيروغليفية وهي اللغة المكتوبة على الجدران وتحت التماثيل.
– انظري إلى هذا التمثال.. أظن أنه لامرأة.
– فعلا تبدو من ملامحها وجسدها أنها امرأة.
– وطبعًا لن تكون امرأة عادية.. ملكة مثلاً أو أميرة.
– ولماذا لا تكون حبيبة؟
ضحك وقال:
– وارد جدًّا.
تنقلت نظراتي بين الأعمدة.. قلت:
– أعمدة كثيرة جدًّا وعالية.
– مائة واثنان وعشرون عمودًا، ارتفاع كل منها يزيد على واحد وعشرين مترًا.
اندهشت وسألته:
– هل أحصيتها؟
– نعم.. الأعمدة موزعة على تسعة صفوف وواضح للمتأمل أن هناك عدة معابد في معبد واحد كبير ربما تبلغ مساحته ستين فدانًا أو أكثر بما فيها البحيرة.
قلت له:
– لم أجد معابد في القاهرة.
– القاهرة مدينة حديثة.
رفعت رأسي عاليا.. اضطررت لثني رأسي تمامًا إلى الخلف.. قلت:
– أظن معظم المعابد في الصعيد.
– نعم.. وأكثر قرية بها معابد هي الأقصر.. هناك معابد كثيرة لم أرها بعد في البر الغربي، ويجب أن نزورها معًا.
– سنفعل بعد الزواج إن شاء الله.
انقطع الكلام لحظات، ثم قال:
– من الضروري يا حضرة العمدة وجود مركب يصل بين البر الشرقي والغربي.
أظنه على صواب، لكني قلت:
– البر الغربي يا حضرة المواطن غير مسكون، ولا مزروع.. الأهالي كلهم هنا ولا بد من تحسين أحوالهم أولاً.
– لك أن تفخري بما فعلت.. لقد أجريت بعض التطوير المهم على شكل الحياة هنا، ولا يزال مطلوبا الكثير.
– التطوير مرتبط بأشياء كثيرة مثل الإمكانات المالية والحكومة، كما تعلم، لا تساعد بمليم، بل تأخذ فقط، والأهم أن التطوير مرتبط بالثقافة والتعليم. ومرتبط بعدد السكان.
– سيتغير شكل الأقصر تمامًا لو تم رفع الأتربة المتراكمة على الآثار ومعرفة المكتوب عليها وتعبيد الطرق.
– كل شيء بوقته إن شاء الله.
تناهى إلى سمعي صوت جميل صاف ورخيم.. عصفور ملون يطير في السماء بنعومة ومزاج ويكاد يرقص على الموال. عصفور غير متعجل على طعام أو سكن.. عرفت صوت «بيبرس» الذي يقيم بالقرب من بحيرة الكرنك.. صوت بديع.. منحة من رب العباد وونس للعبد الفقير تغنيه عن كل شيء إلا الأنثى التي يتمناها.. أعاد مواله وكأنه يلبي رغبتي دون أن يعلم:
«يا بت جَمَلك هبشني
والهبْشة جت في العبايا
رُمان صدرك دوشني
وخلى فطوري عشايا».
أمسك يدي وطلب أن نسير قليلاً لنبتعد عن حصار الأعمدة.. مضينا نحو عمق المعبد الكبير.. قال:
– أخشى أن يؤثر منصبك على خططنا.
– لا أظن..
سحب أنفاسًا شجعه عليها النسيم العليل للغروب الجميل بعد أن عبرت الشمس النيل ولامست أرض البر الغربي.. قال:
– متى تتوقعين أن يجمعنا بيت واحد؟
لم أفاجأ بالسؤال لكنني رأيت أنه جاء مبكرًا قليلا.. قلت:
– لا تتعجل.
قال:
– البعثة أنهت عملها وسترحل خلال أسابيع على الأكثر.
تلفتُّ حولي لأرتب كلامي، قلت:
– لا بد أن أتأكد من حبك.
– نعم؟!
– لا بد أن أتأكد أن لا أحد غيري في حياتك ولا حتى أمك.
ضحكنا معًا.. قلت له وأنا أبتعد قليلا وأختبئ خلف أحد الأعمدة:
– لا تزال لدي هواجس حول صدق مشاعرك.
– بجد؟!
– بجد.
– ما نوع الهواجس؟
– كما قلت لك لا يكفيني أن تحبني بقلبك فقط.
أسرع يقول:
– هل للإنسان وسائل أخرى للحب؟
– نعم.. بالقلب والعقل والأعصاب والبطن والصدر والظهر.
ضحك وقال:
– أنا سعيد بحالتك اليوم.
– لا أداعبك ولا أقول نكتة.. يجب أن أطمئن أنك تحبني في صحوك ومنامك وأنت تأكل وأنت مع الأصدقاء.. بخيالك وفكرك وأنت في الباخرة وفوق الجبال.
– بنسبة كبيرة هذا يحدث.
– هل أزورك في الأحلام؟
– نعم.
– هل أخطر ببالك وأنت مع زملائك؟
– معظم الوقت.
– وهل أظهر بين السطور عندما تقرأ كتابًا؟
– يحدث كثيرًا.
– وماذا تفعل؟
– طبعًا أتخلص بسرعة من طيفك حتى أواصل ما أنا فيه وحتى لا تسوء العواقب.
دنوت ولكمته في صدره فأمسك بي وأخذني بين أحضانه واعتصرني.. عانقته ولم أحاول الهرب.. انتفض جسدي في البداية فلم يعانقني غير أبي والنساء من كل المستويات والأعمار.. لكن الغريب مستحيل يلمس يدي.. بقيت ساكنة وحالمة ومندهشة.. رقص قلبي لأول مرة في حياتي.. حضن مختلف تمامًا.. شعور جديد وجميل.. شعرت ببدني يخف حتى لم أعد أحس به.. عزمت ألا أتخلص منه حتى لو ظهر أبي.. استقبلت أنفاسه بترحيب وشممت عطره الفواح الذي تتخلله رائحة الخوخ.. تصورت أني نمت أو ابتلعتني غيبوبة.. لا أعي جيدًا حالي ولا ماذا حولي وأين أنا.. شعور غريب ولذيذ وناعم.. وعندما حط شفتيه على شفتي كنت لا أزال غير مدركة ما يجري.. لكني بعد لحظات تنبهت على طعم الشفتين وما يطلقانه من لذة وما يستفزانه من المشاعر والأحاسيس الجسدية العارمة.. حالة محمومة من المتعة التي يجب أن لا يتخلص منها أحد ولا يشبع منها.. مضيت أنهل من الحالة وأتذوق القبلة الشهية ونداها الذي يتسلل إلى كل أعصابي وخلاياي حتى تراخى جسدي وأدركت أني أوشك على التداعي والسقوط.. انسحبت بهدوء واستندت على قاعدة تمثال.. التقطت أخيرًا أنفاسي وكأني كنت غارقة في بحر عميق لكني لم أفقد الوعي تمامًا وإن كنت قد كتمت أنفاسي حتى لا أفقد حياتي.. همس «يوسف» ببعض الكلمات وهو لا يزال ممسكًا بيدي فلم أتنبه ولم أفهم.. جلس إلى جواري وهو لا يزال ممسكًا بكفي.. بدأت أسترد الوعي. قلت بنصف شرود:
– هيا بنا.
– ألا يجب أن نتحدث عن مستقبلنا؟
همست دون قصد:
– لا.
ضحك.. قمت وتقدمته نحو المدخل الذي بدا بعيدًا.. لحق بي وأمسك بكفي.. أوقفني وحاول تقبيلي فرفضت برقة ومضيت.. بلغني صوت «بيبرس» الشجي يشدو في الخلاء لحبيبه ويستعين بكل ما خلق الله ليحافظ له على محبوبه ويبقيه دائمًا إلى جواره:
«وحق من أطلعك يا فجر متحني
تخلي قلبي على المحبوب متهني
سايق عليك النبي يا ليل تحوش عني
آدي أنا والحبيب وآدي المُدام والكاس
لو كنت تعرف مقام الحب يا ابن الناس
ما كنت تجري على التفريق متعني».
لا أدري لماذا أحسست بالرغبة في البكاء.. موال جميل وغناء كنسمة صيف، ناعم ويمس القلب، لكني سألت الله أن يحفظ حبي ويحفظ «يوسف» وتكتمل التجربة بالسعادة وتبتعد تمامًا عنا رياح الاختلاف.
ركب معي «الكارتة» ونزل قبل الدوار بقليل، مضيت كالمسحورة. رفضت الدعوة للعشاء.. سقطت على السرير ولم أستيقظ إلا عند الفجر فصليت وصعدت إلى السطح لأشهد الشروق وأفكر قليلاً بصحبة «يوسف» الذي ما إن فتحت عيني حتى وجدته إلى جواري في الفراش.. يمر بأصابعه الرقيقة الطويلة على خدي..
أرسلت نظراتي إلى معبد الكرنك.. سألت الأعمدة:
– هل أفشيت سرنا المقدس أيتها الأعمدة المهيبة؟
سألت نفسي: ما الذي جرى وكيف؟ حاولت استعادة ما جرى.. تحولت المواقف والنظرات ولمسات الأكف ونبضات القلب إلى مشاهد ضبابية.. ماذا قلت وماذا قال ملاكي الحارس الذي عاد مجددًا متجسدًا في شخص الشاب المصري – الفرنسي الوسيم؟ هل تجاوزت حدودي وهل تجاوز؟ يجب ألا أقترف ما يغضب الله مني.. فهل اقترفت ما يتعارض والحب، هو أيضًا لا يجب أن أغضبه.. عليّ أن أفعل كل ما يرضيه.. لا أظن أن ما يرضيه يمكن أن يغضب الله.. سأفعل ما يرضي ربي وحبي.. هل أجاب «يوسف» عن سؤالي دون أن يقصد؟ هل أنا فعلاً أشغل كل قلبه وكيانه؟ وهل هو يشغل كل قلبي وكياني؟ أظن أنه يشغل قلبي وكياني لكنه بالطبع لن يشغل مساحة كبيرة في عقلي ولا وقتي لأنهما للناس وللمسئولية ولأهلي. يبدو لي صادق المشاعر.. أدركت ذلك من لقاء المعبد.. قبل هذا اللقاء كانت العلاقة في ظني عابرة. طعام دون دسم ولحم.. علاقة تشبه مرور عصفور من فوق شجرة أو رؤية قمر بالنهار.. علاقة تشبه صلاة بغير خشوع وتهجد.. علاقة كأنها نملة تمر على الروح.. أو مثل شخص نام دون حاجة عميقة للنوم توقظه همسة، ويصحو إذا رفت حوله أجنحة بعوضة. أصبحت الآن بحاجة إليه.. هذه بالضبط هي الحالة التي كنت أبحث عنها وأجهلها.. أحس بها ولا أدري ما طبيعتها.. أتمناها رغم غموضها.. حالة تشبه ملاكي الحارس. أشعر به ولا أراه ولا أملك الفرصة للمسه. أنا الآن أعرف طعم حب «يوسف»، إذا كان للحب طعم.. أنا الآن أعيش دفء مشاعره.. أنا الآن أحسه نائمًا في ردهات روحي.. مستسلما لخفقان قلبي.. الآن فقط صارت لي أجنحة أستطيع بها أن أطير إلى الجنة وإلى حدائق السعادة وإلى بحيرات العشق قبل أن أبلغ غابات الجنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *