أ. د. نادية هناوي سعدون : المنجز النقدي حول شعر السياب؛ دراسة في نقد النقد أو ما بعد النقد (ملف/16)

nadia-hanawi-2إشارة :
رحل شاعر العرب العظيم ومؤسّس الحداثة الشعرية العربية “بدر شاكر السيّاب” في يوم 24 كانون الأول من عام 1964 ،وكان يوماً ممطراً لم يعثر فيه الشاعر “علي السبتي” على بيت السياب في الموانىء بالبصرة فقد أفرغته الدولة من عائلته لعدم دفعها الإيجار، فسلّم التابوت لأقرب مسجد. وعلى الرغم من مئات المقالات والدراسات والكتب والأطروحات الجامعية التي كُتبت عن منجزه الشعري فمايزال هذا المنجز الفذّ مكتظاً بل مختنقاً بالرؤى الباهرة التي تنتظر من يكتشفها. تهيب اسرة موقع الناقد العراقي بالكتاب والقرّاء الكرام إلى إغناء هذا الملف عن الراحل العظيم. مجلة كلية التربية العدد الثاني 2004
الدراسة :
التمهيد
لا يختف اثنان في مدى شاعرية السياب وجدارته في الإبداع الشعري وقد كثرت القراءات النقدية حول هذا الإبداع حتى صار عالم السياب الشعري عالما متعدد المستويات ومتغير المحاور والدلالات وكأنه متحف لكل ما عرفه النقد من مذاهب واتجاهات ابتداء من التاريخية وانتهاء بالبنيوية وما بعد البنيوية وقد أكد هذا الوضع حالة من التناقض والتعارض تارة والمفارقة والتعدد والتنوع تارة اخرى .
وهذا ما جعل المنجز النقدي عن شعر السياب حالة نموذجية للدرس النقدي الذي يصطلح عليه اسم نقد النقد او ما بعد النقد أي النقد الذي يبنى على نقد سابق للتاكد من فاعلية المنجز النقدي ومدى نجاحه في توصيل المعنى او اعادة الصياغة ومصطلحاته وابنيته المنطقية ومبادئه وفرضياته التفسيرية وادواته الاجرائية .
ان قراءات ما بعد النقد تكشف عن تصارع التفسيرات او تعدد التاويلات او التباس الطروحات كما تحدد اشكالية التحكم في عمليات التفسير والتاويل .. وان عملية استقراء تلك القراءات وتحليلها يسهم في تنظيم عمليات قراءة النص ونقده والكشف عن المعوقات او الامكانيات او الانظمة والتوجيهات التي ينطوي عليها النقد العربي المعاصر مثلما تكشف عن المدارات القرائية التي يتحرك الناقد العربي في خضمها فتحدد اقواله وتوجه تفسيره وتتحكم بشكل واع او غير واع في تاويله للنص المقروء شكلا ومضمونا او دالا ومدلولا .
وقد اوضحت مدارس ونظريات التلقي والاستقبال ونقد استجابة القارئ ان قيمة النص الادبي تتوقف على القراءة ولا يمكن تصور انفصال النص الادبي عن القارئ باي حال من الاحوال فهناك النص الشيء الذي يمثل العمل الادبي في مظهره العادي والممكن وهناك ثانيا الموضوع الجمالي الناتج عن تحقق العمل الادبي بواسطة القارئ .badr 7
ولما كان النص الادبي المقروء اساسيا في توجيه عملية القراءة بوصفه مؤثرا او متاثرا وفاعلا ومنفعلا وذاتا وموضوعا فان عملية القراءة ـ حسب ما وجدنا بعد تفحص المنجز النقدي حول شعر السياب وبعد استقراء توجيهات النقاد ـ تتحرك في حدود انساق فضاءات ثلاثة فهي قد تبدا من داخل النص لتنتهي خارجه او تبدا من الداخل لتنتهي فيه بشكل دائري منغلق او تبدا من خارج النص لتنفتح على شبكة لا نهائية من الدوال والمنطوقات . وتاسيسا على ما تقدم ستكون مباحث دراستنا موزعة على ثلاثة فضاءات:

الفضاء الاول / توجيه القراءة النقدية الى ما حول النص الشعري
لم تكن العلاقة بين الادب والتاثير جديدة فمنذ ان ظهر الادب درس التاثير .. اذ لا يتحقق للادب نجاح الا بتاثيره في النفوس وقد عني نقاد السياب في تذوقهم لشعره بمدى علاقة ذلك الشعر بالواقع والمجتمع والحياة واستدعى هذا التوجه اسقاط القارئ لكل ما تختزنه ذاكرته من قيم وافكار وانفعالات حتى يغدو النص المقروء وثيقة فكرية او شهادة على الواقع وغالبا ما توظف المناهج الخارجية ذات السياقات التاريخية او الاجتماعية او النفسية ومن امثلة هذا التوجه النقدي في القراءة ما كتبه الدكتور احسان عباس عن قصيدة المومس العمياء مشيرا فيها الى جوانب موضوعية فكرية مثل العلاقة بين المعرفة والحياة كذلك فعل في قراءته انشودة المطر وغريب على الخليج وعرض في قراءات اخرى صور النشاط العلمي والفني للشاعر عام 1948 وما بعدها وقصة حب تخليد قصة حب في ديوان اساطير .
ومن القراءات الاخرى المماثلة قراءة مدني صالح التي تعرضت الى مراحل الشاعر التاريخية من البداية الى العذابات والاوجاع واعطى توثيقا احصائيا لقصائد السياب التي نظمها في لندن ودرم وباريس .
وتتبع قارئ اخر السياقات السياسية والاجتماعية في قصائد قافلة الضياع ويوم الطغاة الاخير وتوصل الى ان السياب اصبح اكثر احساسا بالعروبة واكثر تجاوبا مع قضاياها .
ودرس قارئ اخر الرواسب والمثيرات التي اسهمت في تطور شعر الشاعر ونرصد مثل هذا التوجه في قراءة اخرى تناولت التكنولوجي في شعر السياب وان السياب يعدـ من وجهة نظر القارئ ـ منسوبا الى المرحلة الثالثة حيث التكنولوجيا التحويلية وانه أي الشاعر عبر عن مواقف تجاهلها من ناحية انه صور جانبها السيء وحاول ان يشوه مزاياها وان هذا الموقف السلبي يعود الى العزلة التي عاش فيها السياب وتحدث هذا القارئ ايضا عن الترابط القائم بين الطفولة والزمن وكيف استغل الشاعر ذلك التعبير عن مراحل واقعية فيها
واذا كان السياق التاريخي والسياسي الواقعي موجها لقراءة النص الشعري فان هناك سياقا اخر لا يقل عنهما توجها للقراءة الا وهو السياق النفساني اذ يتم اسقاط الرؤى والافكار النفسية الخارجية على الشاعر وشعره لغرض ” تحميل النص الشعري وجهات نظر يراها الناقد من استعدادات الشاعر المستقبلية من دون ان يكون الشاعر دور في ذلك
ومن امثلة هذا التوجه ان يرى القارئ في قصيدة حفار القبور ” صورة قلقة احدثها الضجر من مهمة عامل بشري اختار مهنة صناعة القبر : الدالة المكانية المرعبة لدى السياب ”
ان القارئ لا يتحدث عن القصيدة من داخلها بل يسلط عليها رؤاه النفسية الخارجية التي تختزنها ذاكرته فيجد ان هناك علائق كامنة بين الشعر والقلق والشاعر والمرحلة
لاسيما ان هذا القارئ يدرك ان مساره القرائي موجه توجيها نفسيا خالصا فيقول :” ان الموضوع النقدي طاقة مستفيدة من مصادر عدة اولها النص نفسه ثم مرحلة الصلة بين الكاتب والناقد ثم الية الاستبطان التي يمر بها الناقد في مناقشة النص من فهم ذهنية الكاتب وقدراته ثم اثره في صيرورة المجتمع ”
وقد يتخذ القارئ من فكرة اليوتوبيا اداة لتفسير النص ليوكد ” ان الشاعر حاول ان يقيم ضربا من اليوتوبيا على غرار ما فعل اليوت في مواجهة المدينة وحضارتها الحديثة وذلك بالعودة الى الريف القرية رمز البراءة والنقاء والعلائق الانسانية التعاطفية كما فعل السياب في محاولة جعل جيكور رمزا لليوتوبيا المضادة للمدينة التي تصورها مثل رؤيا يوحنا ”
وانتهى الى ان السياب اخفق في بناء رؤية فكرية واضحة لفنه بالمقابل فتح لادخال الفكر في الشعر وكان ذلك في معرض رده على دراسة الدكتور احمد كمال زكي بعنوان السياب مفكرا قال فيها :” ان السياب فشل في بناء يوتوبيا خاصة به .ز” علما ان هذا القارئ كان قد اعاد ما عرضه في هذه القراءة في موضع اخر من كتاب اخر تحت عنوان جيكور السياب واليوتوبيا المستحيلة وخلص في قراءته هذه الى ان ” السياب خير من مثل العودة الى الريف جيكور حيث البراءة الاولى في الشعر العراقي الحديث وفي راينا ان هذه العودة لا تمثل مواقف فكرية بقدر ما تمثل حالات وجدانية فيها من ذكريات الصبا الشيء الكثير وفيها ازمات نفسية كثيرة ”
ويمضي القارئ في قراءته قائلا :” ان عودة السياب الى جيكور في انشودة المطر عودة عقلانية اي انها قائمة على اساس من الفكر المحض وهذا هو السياب ايضا بمحاولة اصطناع العودة هذه باللجوء الى الرمز متوسلا بالخرافات والاساطير كوسائل للتعبير غير المباشر عن جدوى العودة
وقد ياخذ القارئ من الشاعر نفسه موطئا وقادة لبناء اسقاطاته القرائية على النصوص الشعرية كما في هذه القراءة ” منذ ان فتح السياب عينيه عام 1926 على جيكور فتحت له هي احضانها كالام وارضعته الحب والفكر ففي جيكور احب اول مرة وفي جيكور اصبح عقائديا شيوعيا اول مرة .. وكان عمه الاكبر من اقطاب هذا الحزب وفي عام 1952 تبدلت افكار السياب يوم كان مطاردا في ايران فانسلخ عن الشيوعية وقد كانت المومس العمياء غبار الزوبعة التي ثارت في فنجان ثم كانت ترجماته ( مختارات من الشعر العالمي ) حد السكين الذي قبر كل الخيوط التي كانت تربطه بالشيوعيين ومن والاهم عندما هاجمته الثقافة الوطنية .
ومثل هذا التوجه القرائي في النقد قد يوصل القارئ الى ان قصيدة مثل الاسلحة والاطفال تشكو من التضخم والتوسع اللامجدي الذي يشرق ويغرب عبر رحلة يجمع فيها الاشباه والنظائر بدعوى عالمية الانفعال بقضايا الشعوب
فالقارئ لا يعنى بالنص بل يعنى بالشاعر فيتتتبع مثلا مراحل جهده وسيرته وهذا قد يفضي به الى نسيان النص موضوع القراءة نفسه ويكون جل همه موجها نحو الكم لا النوع نظرا لما تمنحه هذه القراءات من مجالات كتابية مقابل فلاغات فكرية او بالاحرى الى خواء نقدي ومثال ذلك القراءة الاتية ” تطور السياب من شاعر وصاف للطبيعة .. الى شاعر يحس بارتجاع رومانسي وحنين عارم الى جيكور محاولا المواجهة بن الفنان والعالم متوهما انه حل جزءا من المشكلة التي يعاني منها الفنان العصري وظل يدور في حلقة رومانسية معبرا عن حالة مرضية وذهنية وجسدية وبالعكس ، لانه ببساطة لم يفهم مشكلة الوجود الكبرى .. او انه فهمها فهما على غير حقيقتها او فهمها تخيله المادي لفنه وهو في جوهره طوباوي ولهذا اسبابه .. منها رؤيته للفن .. فالسياب الذي تقمص رؤيا الانسان الخاطئ تقمصته حالة من العجز واستحالة تغيير ما هو كائن في الوجود فاستسلم استسلام العاجز دون مقاومة تذكر .
وقد يؤدي هذا الافراط في الاهتمام بالشاعر الى طغيان فكرة الاستشهاد بمقولات الشاعر وتقديم المضامين على الاشكال ” كان السياب يحس ان انفعاله لا يستطيع ان يعيش في نطاق ضيق قصير ولهذا احسن من بعد انه اخطا حين كان يعمد الى ان يقول كل شيء لكنه قلما حاول النجاة من هذا الخطا لانه لم يكن يملك اشباع ذلك الانفعال او تسريبه في لمحات خاطفة او في ومضات سريعة تومئ الى المحتوى بلباقة خفيفة اليد ” .
وقد يؤكد القارئ هذا التوجه بان يتتبع طبيعة التوجه الشعري متكئا على دراسة واقع الشاعر في الريف والمدينة وعلاقاته وسيرته ومحطاتها فيقول :” وكانت القراءة بعد كتابة الشعر هي المنحى الثاني من مناحي نشاطه والحق ان الشواهد تشير الى ان ثقافة اخذت تتسع وتؤثر في تفكيره ..” لينتهي من كل ذلك الى ان الشاعر كان مفكرا يكثر من قراءة الشعر وان محصوله الثقافي ضعيف وقدرة الابداع في حياته قصيرة وشعره خلا من مواقف تاملية .
ان اقتناص مثل هذه المساوئ امر طبيعي لمن جعل من سيرة الشاعر ومحطات حياته موجها لقرلءاته وقد يفرض القارئ صوته على المقروء والمتلقي معا ليجعل من هذا الاخير مجرد مستهلك لما يورده اليه مستخدما ضمير المتكلم ” لست احب ان ابعد في الرمز .. ولكني اعتقد ان الاستاذ السياب قد اسرف كثيرا في تصوير الشهوات حتى خيل الى القارئ انه كان يريد ان يجعل قصيدته متنفسا للتعبيرات الشهوانية ” .
وقد يخاطب القارئ المتلقي متحدثا باسمه قائلا :” لعل القارئ قد لمح في هذه المراجعة التي تجنبت الحديث عن بناء القصيدة وانني جعلت اكثر الحديث متصلا بشخصية الحفار ثم المحت في سرعة الى بعض التفسيرات النفسية .. واليوم وبعد سنوات على كتابة هذه المراجعة اعود الة القصيدة مفصلا لا مجملا جاعلا القصيدة .. في موقفها الصحيح من حياة الشاعر وتطوره الفني ”
او يحلل القصيدة من منظور المتلقي واحساسه ازاء قصيدة ما فينقله لنا على هذه الشاكلة ” واذا غاص القارئ باحساسه الطبيعي في اعماقها وجد نهرا كانه صورة الخليج فيه اللؤلؤ والمحار وفيه الردي ايضا .. ولما كانت القصيدة صورة للولادة الجديدة فان الاحساس يملا النفس باستجابة غامضة تكاد تكون لا شعورية ولهذا كله امتلات القصيدة بصورة نابضة ومتفتحة ” وغالبا ما يكون هذا المتلقي قارئا بسيطا ” وهذه ملاحظات خاطفة جنبتها وسائل واساليب البحث التقليدية لانني لم اجد حاجة الى ان اعرف الذي اعرفه عن السياب وجنيت هذه الملاحظات اسلوب الدراسة الاكاديمية ”
الثاني / موضعة القراءة النقدية في باطن النص الشعري /
لكي تكون القراءةعنصرا حاسما في العملية الابداعية يتساوى فيها فعل النقد مع فعل الكتابة الذي يتلاقى فيه باث الرسالة بقارئها عبر ثنائية بنيوية بين الباث والقارئ فان الرسالة / النص تصبح الموجه القرائي الذي يرسم لها مسارها فتكون القراءة مثل الكتابة نتاجا واحدا بمعنى انها ترتب الانساق وتنظم الاشكال المتعلقة بالكتابة ، اذ تتموضع عند حدود النص / الرسالة شرحا وتفصيلا جاعلة من النص موضوعها وهدفها معا ويكون التواصل مع النص عقليا في اطار ثقافة جمالية موجهة الى النموذج المختزن في الذاكرة بصوره والوانه البلاغية .
وتتحقق فاعلية هذه العملية عندما يميز بين مرحلتين مرحلة القراءة السطحية التي تقرا من حيث انها عمق معرفي له علاقات متواصلة باطنيا وايقاعات خاصة متحركة وطبقات متداخلة قابلة للبحث والاكتشاف والاستبطان والتحليل والتفكيك والتركيبروالخوض في باطن التجربة وهندستها في ان واحد .
وقد سعى بعض نقاد السياب الى الاقتراب من نصوصه الشعرية عبر تحليل صوره الموضوعية والمنهجية لاستقصاء الطبقات الداخلية والابنية الكامنة في تلك النصوص حسب ما ياتي :
1) تحليل اسلوب بناء القصيدة في مفتتحها ومقاطعها ورسم ملامح البطل فيها ومن ذلك قراءة الدكتور محسن اطيمش لقصيدة غريب على الخليج التي تبدا بهذا المدخل :
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الاصل
وعلى القلوع تظل تطوى او تنشر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوابو بحار
من كل حاف نصف عار
فبين القارئ ان القصيدة قصصية افادت من فن القصة في رسم شخصية البطل وتصوره متخذة مدخلا تصويريا للقلوع التي تطوى او تنشر .. منتهيا الى ان السياب هو رائد المحاولات الاولى لكتابة القصيدة القصصية . ومن الامثلة ايضا قراءة بنية الصورة الشعرية في شعر السياب وتلمس مصادره واساليب تركيب فنه ورموزه .
2) تحليل تقنية القناع وتوظيفها في القصيدة السيابية فقصيدة المسيح بعد الصلب قصيدة قناع يتوحد فيها السياب مع تصوير حالة متخيلة للسيد المسيح تبتدئ بعد صلبه وبذلك ” مزج السياب بين تجربته الذاتية .. بمعاناة قناعه فجاءت الحالة متكاملة .. ونجد الشاعر قد اخفى صوته كليا في صوت قناعه ولم يلتزم تماما بالمضامين الدينية الشخصية للسيد المسيح ”
ويتلاقى تحليل هذه القصيدة مع تحليل قارئ اخر وجد ان السياب طور كثيرا كيفية استغلال الاساطير والرموز ليبني القصيدة كلها على الرمز الواحد وعلق قارئ على قصيدة سفر ايوب بهذه القراءة ” هناك شخصية تاريخية مستمدة من التراث الديني لها قصتها في تحمل الام الجسد والروح وثبات الايمان مع كل ما اصابها ذات شهرة انسانية خالدة قرن السياب لتصوير المعاناة المشتركة وقد تخلى الشاعر او حاول ان يتخلى عن صوته ليعل ذات قناعه الناطقةة تتحدث نيابة عنه
ثم وجد القارئ ان السياب في قصيدة تموز جيكور قد دخل مرحلة تالية في استخدام القناع يتوحد فيها الشاعر مع رمزه اذ ” اراد السياب في هذه القصيدة ان يظهر نعاناته باسلوب درامي معبر فيجعل تموز الاله العراقي القديم بديلا من ذاته فكان تموز هنا حالة الالام الانسانية المستمرة .
3) قراءة الرموز والمضامين التراثية في ديوان المعبد الغريق لاسيما قصيدة شباك وفيقة ” تطالعنا خطوات السياب الناضجة في رحلته مع الرموز والاشارات المختلفة التي حقق من خلال مزج ما تحمله من صور وافكار بافكاره الخاصة عوالمه الشعرية الجديدة … نجد السياب يستوحي مضامين ورموزا تراثية منها ايكار المغامر الجرئ الذي صنع لنفسه جناحين طار بهما .. لقد اصبحت وفيقة في لحظة مثيلة لعشتروت وهي تخرج الى الارض والخصب والحياة ورفيقة الحلم العذب الذي ما انفك السياب يتامله بحنان العاشق ولا يريده ان ينتهي .
4) تحليل جماليات الاستهلال في شعر السياب من ذلك مثلا هذه القراءة ” في اشعار السيب يجد القارئ انه متنوع الاستهلالات ففي كل مرحلة له بنية استهلال خاصة .. ان السياب يطور مفهومه للاستهلال بتطور اداته مرحليا فما دام شعره يعكس مواجهة استهلالية واضحة فيها شيء من التلقائية لكنها واضحة البناء والهدف . ووجد ان عنوانات القصائد تفرض سيطرتها المعرفية واللفظية على استهلالاتها ويعني ضمنا تاكيد فاعلية الاسماء في مد الاستهلال بانسيابية لفظية ومعرفية ثم تناول الوعي الفني في دواوينه الاخيرة والمبادئ الجمالية للاستهلال من حيث استعمال المجاز استعمالا لا شعوريا واحتواءه على لغة نثرية والمزاوجة بين الحس والحدس والواقع والمخيلة .
5) قراءة المعطيات الاسطورية ومعطيات الثقافة الدينية والفكر البروميثي ومن هذه القراءة ” لقد بدا السياب تعالمه مع اسطورة بروميثوس كعادته فمعظم توظيفاته للاجواء الاسطورية من خلال محاولته التوفيق بين معطيات اسطورة بروميثوس ومعطيات التراث الديني القصصي وخاصة معطيات قصة الخلق ” وقد لاحظ صاحب هذه القراءة ان قصيدة اللعنات محتواة اولية في التعامل مع الاجواء الاسطورية
6) تحليل البنية اللغوية الاستفهامية في شعر السياب من خلال الانماط التركيبية والزمن الاستفهامي وانماط المعنى الاستفهامي وغير ذلك من تطبيقات الزمن الاستفهامي في شعر السياب (الماضي الحاضر المستقبل ) وحللقارئ اخر التركيب اللغوي للشعر العراقي المعاصر ومنه شعر السياب من خلال دراسة الجملة الشرطية وادوات الشرط والانماط الشرطية والدلالة والزمن الشرطيين .
7) قراءة رموز البعث في ( انشودة المطر ورسالة من مقبرة فالاولى كانت تعبر عن نوع من الاحساس الصوفي والوثني في ان معا بروح المطر وعلاقته بتحقيق الانسان لذاته والتنعم بخيرات الطبيعة ومعاناة العقم والفقر بين يدي الوجود .. وتتخذ التجربة الشعرية عند السياب رموزا اخرى حينما تنحني على الاتجاه السياسي ويرد قابيل وهابيل ومشهد الصلب والنار الاولى التي تحيل الحياة الى رماد وتمثل القصيدة الثانية ” ذروة ابداعه في التجربة الانسانية السيتسية حيث فتق فيها رموز البعث .. وفي حنين الشاعر للانتصار على سربروس تطل علينا رموز الورد والالحقول والبراعم والبيادر والرعود والبرق والمطر والقمح والمهود ولقد تضافرت وتالفت فيها معاناة الخصب والانتصار من قلب الحياة
8) تحليل مقارن بين قصيدتي المومس العمياء وبنت المبغى لراضي مهدي السعيد ” فالقصيدتان تتحدثان عن امراة سقطت مرغمة في الوحل وكان الباعث على السقوط عوامل موضوعية متشابهة .. ” او ان يقارن بين توظيف التراث عند كل من السياب وعبد الوهاب البياتي اذ ” يتفق البياتي ويفترق في موقفه من الحالة التراثية المستخدمة في القصيدة عن السياب فقد كان فهمهما لتلك الحالة وطبيعة استخدامها يبدو متقاربا مما جعلهما يلتقيان في اسلوب التعامل معها ويشتركان في الرموز والمضامين التي ترد في شعرهما كاسطورة تموز ونزول عشتار الى العالم السفلي وما يماثلهما من رموز امثال اوزريس وايزيس وادونيس او في استفادتهما من مضامين حياة السيد المسيح او في استخدامهما الاساطير الاغريقية ورموزها الشعبية كسيزيف وبروميثوس واوديب وعوليس فضلا عن مضامين التراث الشعبي ”
او ان يقارن القارئ بين السياب وعلي محمود طه في استغلال الوسائل الدرامية في الشعر ففي ديوان الاخير ارواح واشباح نجد عناصر اسطورية وان ” استغلال الوسائل الدرامية يتم بشكل متفرق في شعر السياب وخاصة في قصائده التي تستخدم الاسطورة استخداما جزئيا كما ياتي متكاملا حين يستخدم الاسطورة اطارا عاما لقصيدة وفي كلتا الحالتين نجد اثر الدراما واضحا في اشاعة الحركة وبعث الحياة النابضة في العمل الفني ويستمر القارئ في تحليل شعر السياب بناء على المقارنة في المنهجية المعتمدة في توظيف الاسطورة في الشعر استخداما فنيا خالصا .
وقد يقارن القارئ بين السياب واليوت ومدى تاثر الاول بالثاني واستدل من خلال تحليل قصائده في اواسط الستينيات مدى تاثر السياب باسلوب اليوت واديث ستتويل وان على مستوى اقل من ذلك ففي قصائده مثل حفار تالقبور 1952ـ1954نجد الوجه الثقافي يلح على السياب الذي كان يكثر من الحديث عن اليوت في تلك المدة ونجد السياب مهووسا بالتناص الذي يتخذ عنده شكل التضمين المعروف في التراث الشعري العربي لكنه كان يجمع الى ذلك الاكثار من الهوامش والشروح والاحالات وهو بهذا كان يسير على منوال اليوت في الارض اليباب .
الثالث / استنطاق القراءة النقدية لما فوق النص الشعري
قد كانت القراءة الموجهة الى ما حول النص الشعري تفرض هوية القارئ / الناقد على المقروء وصاحبه والقراءة في باطن النص تغيب هوية صاحب النص ومتلقيه فان القراءة المستنطقة لافاق النص ومدياته تفرض الهويتين القارئة والمتلقي معا سواء عند القارئ الواحد ام بين القراء بعضهم بعضا وهذا ما عبر عنه ميخائيل باختين بالقول ” ان كلا من الهويتين ثابتة فليس هناك اندماج ولا تماه حيث تاخذ المعرف شكل حوار فيه انت مساوية لانا لكنها في الوقت نفسه مخالفة عنه ”
ويتحقق ذلك من خلال وجود سلسلة من الاشارات والتوجهات التي تساعد القارئ على استنطاق المقروء وتاسيس وضعية تلفظية تداولية تتحقق عبرها وظائف تاويلية .
وليس من اليسير تحديد تقنيات القارئ الناقد في استنطاق النصوص وضبط الاليات قراءتها وتاويلها لاسيما ان تعددها وتشابكها قد اوجد نوعا من الانفصال بين ما نظر لها وما طبق منها فبعض الباحثين ممن خاضوا هذه المسالة طرقوا فعل الاستنطاق في قراءة النصوص الادبية حصرا من حيث البنيات النصية مثلا او تعدد الاصوات واغفلوا النصوص النقدية باستثناء محاولات قليلة حاولت كشف انماط الاستنطاق مما يدخل في نقد النقد .
ومن اسئلة استنطاق النقد لكشف علاقات التشابه او المقابلة معها تارة او علاقات التنافر او التعاضد تارة اخرى قراءة د. عناد غزوان عبى قراءة د. جابر عصفور انشودة المطر في كتابه حركات اتجديد في الادب العربي ومما جاء في هذه القراءة ” ان دراسة الدكتور عصفور لانشودة المطر السياب نص نقدي تطبيقي يكشف عن اسرار القصيدة من الداخل من صورها ودلالاتها وافكارها ولغتها الشعرية وهو استمرار المدخل النقدي الجديد .. في تحليل النص من الداخل
وقد تلمس علاقةات التماثل في هذا النقد التطبيقي اذ بنى الدكتورعلي جواد الطاهر قراءة حاورت قراءة د. احسان عباس لقصيدة في السوق القديم من ديوان اساطير 1950 قال :” واحسن الدكتور احسان عباس اذ توقف وهو يبحث عن بدء بداية لانطلاق جديد في الشعر .. د. احسان عباس يعرف مثل غيره ان البحث فيما بحث عنه هو نفسه ما سماه بداية لانطلاقة جديدة .. يعرف ان الاساس في هذا البحث زمني والاساس في الزمن السنة الواحدة 1948 وما هو قريب منها جدا ملاصق لها ”
وجاءت قراءة علي الزبيدي لدراسة سامي مهدي عن ثقافة السياب على هذا المنوال :” اثار الشاعر العراقي المعروف سامي مهدي قبل اكثر من سنة ضجة وخلافا حادا بمقال نشرته مجلة افاق عربية عن ثقافة بدر شاكر السياب ومجمل هذا المقال ان السياب لم يكن ممتلكا ثقافة حديثة كاملة وان قصائده حقائق معروفة وانه تراثي اكثر مما يجب وكلاسيكي تظهر كلاسيكيته في ارتفاع مشاعره وفي تمسكه بالقافية وفي تركيب جملته الشعرية ..
وتتبع جوانب التعاضد والتنافر بينه وبين صاحب المقال في كون ثقافة السياب الحديثة قاصرة لم لا .
وجاءت قراءة الدكتور عناد غزوان حوارية ترد على ادعاء احسان عباس في قلااءته لشعر السياب وان هذا الاخير ” يظهر بجناح واحد وان شعره يخلو من مواقف تاملية وانه يتجه نحو الموضوع مسافرا في الكيان الكلي للقصيدة .. الا بعض التعمية في الصور الجزئية وان قصيدة اغنية في شهر اب فيها بعض اللمح السريع ورسسم الخطوط الكبرى ووترك التفصيلات في القصيدة ولم يحاول ان ينسج على منوال هذه القصيدة غيرها .. ان احسان عباس برز في الدراسات التاريخية والتراثية والحداثية وهو يجمع بين الموسوعية والتخصصية وان دراسة السياب خلاصة لمنهجه الاكاديمي .. باحثا في ازمة الشاعر ومواقفه التاملية ووضوح الصورة الشعرية وانه ينحو منحى طه حسين في استخدام منهج تكاملي شامل في فهم النص الشعري يجمع الانطباع مع الاكاديمية مع التحليل والتطبيق وانه صاحب حس نقدي رفيع وثقافة ادبية عميقة ومن هنا بدا منهجه النقدي في هذه الدراسة فنيا وتثقيفيا وتفسيريا
وحاورت قراءة د. محمد رضا مبارك قراءة محمد الهادي الطرابلسي عن الفضاء الصوتي عند السياب في قصيدة بعينها هي الاسلحة والاطفال .
وقد يستنطق الناقد بنيات الخطاب الشعري وذلك بفك سننه الكتابية في كلمات ما او ثنائيات او جدليات او قضايا .
او يتتبع الناقد النظم في ديوان قيثارة الريح لاسيما قصيدة هل كان حبا او يتتبع الرمز الاسطوري من حيث ضوابط استخدام الرمز الاسطوري او يتتبع التناص في قصيدة الاسلحة والاطفال او يتتبع الناقد التجديد في التشكيل والابداع بين الرسم والشعر او يتتتبع لغة الشعر في واحدة من اهم مجاميع السياب الشعرية انشودة المطر .
الخاتمة
من اهم نتائج هذه الدراسة :
1. ان هناك توجها قرائيا يقوم على اسقاط المؤثرات الخارجية على النص المقروء وبشكل يحوله الى مجرد وثيقة فكرية او شهادة على الواقع واحياة .
2. قد يوجه القارئ قراءته للنصوص الشعرية داخل البنية النصية حسب كالاسلوب والرموز والمعطيات اللغوية والثيمية مقارنة وتحليلا
3. تفاعل الناقد والمتلقي من خلال استنطاق الناقد لطبقات النص والحفر في اشكاليات الابعاد والافاق بحثا وتقصيا في اطار نقد النقد .

شاهد أيضاً

د. نجم عبد الله كاظم: المثقف .. والذات المسعورة (ملف/2)

بدايةً من جميل ما يتعلق بكتابتي لهذا الرد أنه يأتي مباشرةً بعد عودتي وزوجتي من …

الناقد الكبير د. نجم عبد الله كاظم.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

نجم عبد الله كاظم (1951- 31 تموز 2020) ناقد وأكاديمي عراقي.. يحمل شهادة الدكتوراه في …

التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *