في ذكرى رحيل “جليل القسيي”: آخر لقاء أجراه معه الشهيد “رعد مطشر مسلم”

ملاحظة :
——–
أجرى هذا اللقاء الصحفي والشاعر الشهيد “رعد مطشر مسلم” مع المبدع الكبير ” جليل القيسي ” عام 1994 ، ونُشر في جريدة “القادسية” في عددها الصادر يوم 19/كانون الأول/1994.
أنا مع الآخرين – دائماً – عبر بارود من الكلمات
جليل القيسي :(المجد في مدينة مدججة بالريش)
حوار أجراه: رعد مطشر مسلم
* رعد : العزلة، هل هي حالة نفسية، أم فلسفية يلجأ إليها (جليل القيسي) في ساعة التعب.. أم أنها عزلة الشهرة (كما يفسرها البعض) أو أنها (كما أظن) الحساسية العالية والخجل الشديد اللذان يسيطران على حياة (جلـيل القيسي).
* جليل القيسي : أكثر من ثلاثين عاماً وأنا في شرنقة العزلة لقد ضربتها حولي بطريقة درامية مشوبة بالسادية . أشك أن تستطيع أية قوة أن تحررني منها، لأنها أصبحت فردوسي.. وبحكم السنوات الطويلة سلّمت نفسي إلى قواها الأصيلة.. للعزلة قداسة غريبة إذا ما عرف الإنسان كيف يتمدد على صليب معاناتها.. العزلة تهب شحنات من القوة الديناميكية لشعور، ولا شعـور الإنسان . في العزلة  استلم نداءات دافئة من العالم، ومن أقطاب جسدي، ويتأجج ضرب نادر من نار لذيذة في الجوانب الأكثر استيحاشاً في داخلي.. يحترق داخلي مثل طائر السمندر لكنني أشعر بالسعادة.. إن إنساناً مثلي يا رعد : طيب إلى درجة الضعف بحاجة مجنونة إلى عوالم مسحورة, وإلى أخيلة مجنحة لا يستطيع العيش بهدوء مع الآخرين . من هنا، إن عزلتي هي نفسية، وفلسفية ألجأ إليها لأنني فيها أزدهر.. أما الشهرة كما يفسرها البعض فتبدو لي مضحكة. ما الشهرة؟.. قال«دستوفسكي» قد تكون ذبابة، أو عنكبوتاً.. أنا مع «نيتشه» الذي يقول «لست أكثر من صانع ألفاظ.. ما قيمة الألفاظ؟ ثم ما قيمتي أنا كصانع ألفاظ؟». في العزلة  أحسّ بنفسي، بصفائي.. ربما هذا قدري.. الشهرة كلمة مضحكة..
*رعد : المسرحية بطبيعتها فن اجتماعي تكتب لتمثل، في معظم الأحيان، وأهم ما يميزها؛ الحوار. فهل يلجأ (جليل القيسي) إلى تفريغ ما في نفسه (من حوار يعج ويضج في دليله) على الورق كبديل عن عدم تمكنه من لقاء الآخرين. أم أنه العمل الأدبي ولغته التي تجعل الكاتب شخصاً من شخوص عمله؟
*جليل القيسي : لا علاقة للحوار الذي أكتبه في مسرحي مع عدم تمكني من لقاء الآخرين. إنني في كل عمل مسرحي، أو قصصي أحاول ككاتب الوصول إلى أقاليم جديدة لقلب الإنسان.. أشعر أن لدي الكاتب دائماً طاقات لجعل العالم أن ينسى متاعبه، أحزانه، آلامه.. وهذا الحوار الذي تتكلم عنه ليس بديلاً البتة عن عدم تمكني من لقاء الآخرين، إنما هو لقاء فروسي وشجاع من أجل قداسة جميلة. إن حيائي الغريزي الذي يسبقني حتى في الأمور البسيطة ويشل أحياناً قدرتي على التعبير، يفسر على نحو خاطئ.. أنا دائماً مع الآخرين، عبر بارود من الكلمات..
*رعد : هل تعتبر شخصيات (جليل القيسي) إسقاطات لما يعتمل في داخل الكاتب نفسه؟ تتشظى على الورق فتعاني الحزن والإحباط والعوز المادي في داخل العمل ككل؟.
*جليل القيسي : الكتابة عملية معقدة جداً، وذات الكاتب حتماً تتشظى هنا وهناك، وأحياناً مع هذه الشخصية أو تلك.. ثمة شخصيات لها إشراقة الماس تأتي لترفع جوانب الغسق من مشاعري، وعواطفي، وأفكاري لتضعني في الشمس، وهناك شخصيات ترشني بلهيب من شعلتها المقدسة . لقد تألمت إلى درجة النـزف لجنون (نجنسكـي)، ومن وحي عذاب وجنون هذا المبدع كتبت مسرحيتي (نجنسكي ساعة زواجه بالرب) ومن اللهيب البركاني لمعاناة وإبداع (فنسنت فان كوخ)، كتبت مسرحية (وداعاً أيها الشعراء)، ومن الموت المجاني (للوركا) كتبت مسرحية (الليلة الأخيرة للوركا). والموت البطولي النادر (لأرنستو غيفارا)، كتبت (غيفارا عاد، افتحوا الأبواب).
*رعد : هل هناك تخطيط مسبق وفق قياسات مرسومة في ذهن (جليل القيسي) قبل البدء برسم تلك الشخصيات؟
*جليل القيسي : أبدا .. أبدا .. لا أعرف متى وكيف وأين تأتي الأفكار ، والمواضيع ..لكنها تأتي بخطوات حبيبة ، أو كما يقول الشاعر «هولدرلين» (هكذا تهبط النجوم في وقت تتألق الوديان سكرى لضوئها..) تأتي ويبدأ السكر الفكري والعاطفي..
* رعد : مسرح (جليل القيسي) يخلو (بقصدية) من الديكور والإكسسوار، بل سمته الواضحة هي التعامل مع الطبيعة ورمزها الجميل (الشجرة) الكزر، بوكالبتوس، سرو.. متنـزه.. فهل الشجرة (الطبيعة) هنا أداة استبدال عن شيء ما في لا وعي المؤلف؟
*جليل القيسي : جئت لأخرج المسرح العراقي من البيوت، من الغرف الكئيبة، من الدوائر، والدكاكين.. المسرح عالـم لا متناهٍ، علينا أن نأخذ المشاهد، القارئ ليسبح في أروع ارتعاشات المتعة الروحية، والفكرية، والنفسية، إلى الطبيعة حيث النشيد الأزلي، إلى الموسيقى الخرافية، إلى الأشجار – أجل.. السرو/الكرز/بوكالبتوس.. إلى الصحراء.. لكن لم يفهمني أي واحد هنا، وفهمني بعمق ذلك الرائع (عبد الكريم برشيد) فقط!
*رعد : كيف يستطيع الكاتب أن يفك لغز نفسه، ولغز الآخرين ليوصلهما إلى القارئ، أو المتلقي؟
*جليل القيسي : سأدع (دستويفسكي) الذي تعب طويلاً مع بطل روايته (المزدوج) – الذي يشبهه تقريباً هو الذي يتحدث .. كتب (ديستويفسكي) إلى أخيه (ميشيل) رسالة بتاريخ (8/10/1845) يقول فيها: (إنّ بطل روايتي (جاكوف بيتروفيتش غوليادكين، هو ذو حظ سيء، متحفظ تماماً، لا يستطيع فعلياً تدبر أمره، لا يتقدم خطوة واحدة لأنه دوماً يؤكد على عدم استعداده أنه ليس شيئاً بعد، لكن باستطاعته إن كان ضرورياً أن يكشف عن شخصيته الحقيقية، إذاً لماذا لم يفعل؟..) تأمل كم.. برفق، وتعب، يفك الكاتب لغز بطله.. هكذا نعمل في لغز  أنفسنا، ولغز الآخرين، عمل فيه الكثير من التأني والصبر.. اللغز صعب.
* رعد: تعرية المشهد القصصي أو المسرحي، تعتبر جزءاً من طريقتك في الكتابة، وهذه الطريقة هي جزء من حياتنا اللا معقولة، حيث التعرية، والتجريد الدائم للشخصيات والأشياء، وكأن الأشياء والأسماء لم تأخذ مكانها الصحيح في الحياة، فضلاً عن مكانها في إطار العمل الكتابي، فهل يعتبر (جليل القيسي)، مجيئه أو مجيء شخوصه تمّ عن طريق الخطأ؟!
* جليل القيسي: قلت في جوابي عن سؤال سابق، إن الأفكار، ثم الشخوص كما يقول (هولدرين)، (هكذا تهبط النجوم في وقار..إلخ).. أما أنا فلم آتِ خطأً، أنا أوجدني الزمن مثل أي كائن، لكن بوسعي ككاتب أن أعطي قيماً للزمن.. أما شخصياتي فتأتي ناقصة، أي خامة أتريث معها، وأفهمها ومن ثم أحاول أن آخذ بيدها.. إن (شكسبير) هو الذي أعطى (هاملت) صفات مثل عدمي/فشل عقلي/عدم القدرة في التواصل/عدم الحزم/الكآبة/ فائض من العاطفة..إلخ.. أجل عبر التعرية، والتجريد، والتجريب نصل إلى نتيجة..
* رعد: واللغة أداة توصيل بين الكاتب وقارئه، وإن (لغة الكاتب يجب أن تكون مضخمة بثورة حقيقية) صافية كالزجاج الشفاف، متى يضطر الأديب المبدع إلى الكتابة بلغة (الزجاج المشجّر)؟!
* جليل القيسي: ها أنت بكلماتي أنا ذاتها توجه لي أسئلة.. ثم ماذا؟.. الكاتب المبدع لا يمكن أن يكتب بلغة الزجاج المشجر، إلا إذا أصيب بزلزال في الفكر والروح.. إن الكاتب المبدع إضافة إلى خياله الرائع يمتلك إحساس شاعر. اللغة المتخشبة. الجافة، المشجرة بعيدة عن عالمه.. المبدع حتى في جنونه يكتب كالزجاج الشفاف، واقرأ معي هذه الأبيات (لهولدرين) وهو في ذروة جنونه..
«يا هدوء عالم الظلال
إني لراضٍ، وإن لم يصحبني عزف على الأوتار                                                                     
فلقد عشت ذات مرة كالآلهة
ولست في حاجة إلى المزيد»..
* رعد: هل تكون اللغة قبل النص أم النص قبل اللغة في أدب (جليل القيسي؟).
* جليل القيسي: ما جدوى النص من غير لغة مضمخة بثورة حقيقة.. وما جدوى لغة مضمخة بثورة حقيقة من غير نص متين.. نص بمثابة كاتدرائية.. الأدب مثل السيمفونية، كل الآلات تعزف من أجل إخراج لحن بطريقة هارمونية رائعة، الأفكار، العواطف، اللغة، الشكل النص..
* رعد: المدينة (أرنجا) الاسم السومري لمدينة (كركوك)، هل هي المعادل الموضوعي للمرأة في حياتك؟
* جليل القيسي: من المستحيل فصل الحقوق عن الأخلاق، لأنه منطلق الشعور بالتماسك الاجتماعي. وأنا تجاه (أرنجا) مثل الحقوق والأخلاق، لا معنى لي، ومع (أرنجا) مثل القوس والقزح.. فيها أزداد لمعاناً حتى لو تكاثرت الغيوم من حولي.
* رعد: هل تتمرد عليك الشخوص في مسرحك وقصصك، فتراها ترفض كاتبها، تعاكسه، تغضبه تتصرف بفوضوية، ماذا تفعل حينها؟، وأي عامل عاكستك فيه الشخصيات رافضة الانصياع لك ولقلمك؟
* جليل القيسي: الحياة تصنع الحقائق والأكاذيب أيضاً.. هكذا الكاتب يصنع الاثنين، وإبان هذه الصنعة يواجه تمردات، وعقوقاً، وغضباً من هذه الشخصية أو تلك، أو من هذه الحقيقة أو تلك.. مثلاً، تنمو شخصية ما في قصة أو مسرحية بطريقة عفوية للغاية، دون إقحام أية عوامل خارجية سوية مع نمو الحدث، والأجزاء المنفصلة كلها خاضعة بدقة للكل، فإذا بشخصية تريد أن تنتحر، أرفض.. تصر.. وأخيراً تنتحر.. كموت بطلة قصتي (غرفة الحب الصغيرة)، وانتحار بطلة قصتي (أمم من الفرح) هناك أمثلة كثيرة.. إنها لعبة جميلة لكنها صعبة للغاية.
* رعد: جماعة (كركوك)، ما دورها الأدبي في تاريخ حركة الأدب العراقي؟ وهل هي تسمية نبعت من جغرافية المكان؟، أم أنها تسمية نبعت من تجمع أدبي مبني على أسس شعرية وأدبية مدروسة؟؟
…………… ( اللقاء مبتور) !!!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمنة وناس : حواري مع الشاعر و الأديب اللبناني مطانيوس ناعسي .

السلام عليكم و عليكم السلام كل القصائد تراسله، فالحرف لجنانه مطيع، القلم يسائله، عن حلم …

| د. صابرحجازي يحاور الشاعر السوري أحمدعبد الرحمن جنيدو

       في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها  بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *