حسن سالمي : الرّواية العربية إلى أين؟

hasan salemi*تونس

للفنّ والإبداع ضروب كثيرة. كلّ ضرب منها يثبت جدواه بما يستطيع أن يضعه في صرحهما من لبنات. وإنّ من هذه الضروب، من ثبت في الأرض، وضرب بجذوره بعيدا في أعماق التّاريخ وفي أعماق النّفس التي انبثقت منه، واكتسب صفة الحياة المستمرّة المتطوّرة دائما..
تهتمّ هذه الورقة بمدى انطباق هذا السّمت على الرّواية العربيّة، وهي من ثمّ تعود إلى جذورها الأولى، وترصد حركتها وتطوّرها منذ ذلك الزّمن حتى وقتها الرّاهن، مسلّطة الضّوء على التحدّيات الجديدة التي تواجهها، نتيجة ما يحدث من تغيّرات عميقة في حياة النّاس واهتماماتهم.
– القبــس الأول:
أبرز الأصوات وأوسعها انتشارا، أنّ الرّواية العربيّة ولدت من رحم الرّواية الغربية، باعتبارها الأسبق إليها من ناحية، وباعتبارها جاءت على أجنحة حضارتها التي ساحت في كلّ الأرض، وأثّرت فيها بمناهجها وتقنياتها واختراعاتها، وسيطرتها وقوّتها وتفوّقها في كافة المجالات، من ناحية أخرى.
ولعلّ أوّل من ذهب إلى هذا الرّأي، ومنه بدأ بالانتشار، هو الرّوائي والنّاقد المصري “يحي حقّيّ” في كتابه “فجر القصّة المصريّة”، الصّادر سنة 1960.
رأى أنّ رواية “زينب” لمحمّد حسين هيكل الصّادرة سنة 1913، هي البداية الحقيقيّة للرّواية العربيّة. كتبها صاحبها في فرنسا متأثّرا بإبداع أوروبا. وهو يتمنّى- حسب شهادة هيكل نفسه- أن يوجد في أدبه القومي ما يوازي الرّوايات التي قرأها بالفرنسية والأنقليزيّة.. أمّا النّصوص التي ظهرت قبل هذه الرّواية فيرى “حقيّ” أنّها لا ترتقي إلى مستوى هذا الجنس، باعتبارها لم تدخل بعد، المرحلة الفنيّة، ولم تأخذ سمتها الذي يميّزها من الكتابات النثريّة الأخرى..
غير أنّ الدّكتور جابر عصفور يخالف هذا الرّأي، ويرى أنّ الرّواية العربية متأصّلة في حركة الواقع العربي. جاءت ضمن شروط تاريخيّة معيّنة، تتّصل بزمن الإصلاح، وبحداثة المدينة التي أخذت تنقسم على نفسها وتتداخل مكوّناتها، وتتجاور وتمتدّ وتنزاح وتتحوّر..
يقول في هذا الباب: ” وفي تقديري، إنّ إغفال عمليات التشكّل النّوعي للرّواية العربية في ابتداء زمنها، ومن منظور استجاباتها إلى شروطها، يؤدّي إلى نتائج غير دقيقة مضلّلة، تقترن بالهبوط على هذه الرّوايات بمعيار إبداعي خارجي، لا يراعي الخصوصيّة التاريخيّة..” (1)
“ومن هذا المنظور، تحديدا كان ابتداء زمن الرّواية(…) مرآة إبداعيّة لخطط المدينة العربيّة، التي جمعت بين القديم والجديد. الموروث والوافد. وخلطت بينهما بواسطة عمليات متعدّدة من المجاورة، والتّداخل والإزاحة والإحلال والامتداد والتّصوير في عمران المكان. وبالقدر نفسه، كانت روايات هذا الابتداء ساحة لصراع الاتجاهات المتباينة المناوئة لعقل الاستنارة ووعيها المدني. (…) و قد كانت النتيجة اللّماحة التي توصل إليها “روجر آلان” في كتابه عن “الرواية العربية” (…) دالة في هذا الاتجاه، خصوصا حين ذهب إلى أنّ تطوّر الرواية العربية نتاج عمليّة طويلة الأمد، جاءت كثمرة للمواجهة والالتقاء بين كلّ من الغرب بعلومه وثقافته من جهة.. وإعادة كشف الترّاث الكلاسيكي العظيم للغة العربية وآدابها، وإحيائه من جهة ثانية” (2)
ومن هذا المنطلق ذهب جابر عصفور إلى أنّ ابتداء الرواية العربية بدأ من سنة 1865 تاريخ صدور رواية “غابة الحق” لمؤلفها فرانسيس فتح الله المرّاش (1835-1874)..
إنّ عدم الاتفاق على معايير محدّدة للرّواية يفتح أبواب الاحتمالات على مصارعها، ويجعل فرضيّات ولادتها على طول الزّمن وعرضه “فجمال الدين بالشيخ “مثلا يرى أنّ “ألف ليلة وليلة”، رواية مكتملة الشّروط. فهل يعود زمن الرّواية العربية إلى ذلك التاريخ؟ وهذا المذهب ألا يشجع على الذهاب إلى أبعد من ذلك ويفتح الباب أمام ما يلي:
الحكاية هي البذرة الأولى للرّواية. منها استلهمت أشكالها وأطوارها وبعديها الشفوي والمكتوب. أليست الحكاية تتجاوز كونها مجرّد سرد لأحداث مّا. نبعت من بدايات الإنسان ومن حاجته إليها. وهي وفق ذلك تكتسب قدرته على النّماء والتطوّر. من هذا المنظور لا يصّح أن تطغى حكاية شعب على حكاية شعب آخر، وأن تكون إحداها تابعة والأخرى متبوعة. لا فضل لحكاية على حكاية، إذ كلّ منها ينبع من خصوصيّة التربة التي خرجت منها. قد تتجاور الحكايات وتتدافع، وتأخذ من بعضها بعضا، لكن لا تقدر إحداها أن تنفي الأخرى. فالرّواية العربيّة إذن بدأت من حكايات شعوبها منذ الزّمن الأوّل. وإنّنا حين نتوقف عندها فإننا نجدها لا تخلو من أشكال نعتبرها اليوم من روح الفن. فإلى جانب مكوّناتها الأساسيّة المتعارف عليها من مثل الشخوص والزمان والمكان والحدث والغرض والتّصوير، نلمح أيضا تحطيم بنية الزّمان والمكان والخروج بهما عن النسق الخطي. التشرذم والتشظّي، والتقطّع والخروج عن المحور العام، ثمّ الرجوع إليه عبر تفرّعات قد لا تمتّ إلى موضوعه بصلة، التّلميح والتّصريح والمراوغة والمفارقة والمفاجأة حسب وظائف السّارد وغاياته…
أليس هذا من بعض تقنيات الرّواية الحديثة ومبادئها الفنية؟ إذن كيف نسلخ هذه البذور عن الرواية العربيّة ولا نعتبرها القبس الأوّل !؟
* أطــوار ومراحــل
– الــرّواية التقليديــّة:
إذا كنا قد سلّمنا بأنّ الحكاية هي المبتدأ، وهي تتشكّل وتتبدّل حسب الشروط التاريخيّة والحضارية، وحسب بيئات الإنسان وخصائصها، وحسب ما توصّل إليه من مفاهيم وقيم، تتعلّق بعلومه وفنونه ومعارفه، فإنّ الرّواية العربيّة جاءت ثمرة لتلك الأطوار، وشاهدة على أنّها بلغت مرحلة مفصليّة في تاريخها، تعرف عند النّقاد بالتقليديّة.. عبّرت هذه الرّواية عن الواقع ووصفته بأسلوب فنيّ محدّد، منه نستشفّ رؤيتها للإنسان والفنّ والعالم…
ولقد استطاعت أن تهيمن زمنا طويلا على السّاحة الأدبيّة.. ولا يزال خطّها و نهجها بيّنا في بعض الرّوايات التي تصدر حديثا.. فضلها على الحديث والجديد، كفضل الأصل على الفرع، ولولاها ما كان للرّواية العربيّة الحديثة، وما بعدها من وجود. وهي بمثابة التربة الأولى التي احتضنت بذورهما، وحفّزّتهما على الانطلاق والخروج، قبل أن تستقلّ كلّ منهما بذاتها، وتستوي على سوقها، فيكون لها في السّاحة ذلك الفتح وذلك الباع.
من مزاياها: رسّخت عادة القراءة ووسّعت من قاعدتها، سيما وظهورها تزامن تقريبا مع اختراع المطبعة (3 (وما نتج عن ذلك من إنشاء دور نشر وتوزيع، وتعدّد وسائط القراءة من مثل الصّحيفة والمجلة والكتاب.
ولأنّ اللّغة هي العصب الأوّل الذي يقوم عليه عملها، ولأنّ اللغة العربية، اعتراها ما اعترها من اختناق وانحباس فرضهما الوضع العام الذي آل إليه العرب، فإنّ الرّواية في هذه المرحلة عملت على تحريرها من أطرها القديمة، ورفعت عنها قيود السّجع والبلاغة والّرنين الفارغ، وأكسبتها شيئا من المرونة، ممّا جعلها قادرة على الحركة والوصف، والتّحليل والتّصوير.
من هنا فان تقليديتها ليست سُبّة تحطّ من شأنها. وهذا اللّقب لا يعني احتقارها على الإطلاق. ولا يرمي إلى إخراجها من دائرة الإبداع..
التقليديّة تعني فيما تعني، الشهادة على مرحلة من مراحل الرّواية العربيّة، اقتضاها الظّرف والحال، والتّأكيد على ماهيتها ووظيفتها، وتحديد ملامحها المتمثّلة أساسا في التّعليم والتّقرير والتّسجيل والمباشرة والوعظ والإرشاد، واليسر والبساطة، وإسقاط الأفكار الجاهزة، والاهتمام بالوقائع والأحداث أكثر من الاهتمام بالشّخوص وعلاقاتها، وتداخل أدوارها بأدوار الكاتب والرّاوي، وأثر ذلك عليها، وما نتج عنه من ضعف لها أمام سلطة السّارد المسيطر على كلّ شيء. الجانح إلى الغياب والعلم المطلق. فضلا عن تحميل الرّواية أفكار الكاتب بلا مواربة. وعنايتها الفائقة بإبراز ثقافته وعلمه، أكثر من العناية بأيّ شيء آخر.
الــرّواية الحديثــة
استمرار التّجربة الرّوائية وتراكمها، يِؤدّي بالضّرورة إلى اتساع رقعة اهتماماتها، ومشاغلها وطرائق تعبيرها. وذلك استجابة لشرطين اثنين، يتمثل أوّلهما في إمكانياتها الذّاتية، إذ في صلب الشيء-من النّاحية الفلسفيّة -القدرة على الحركة والاستمرار، يُفضيان بالضّرورة إلى جديد يخرج من الرّحم الأول. ويتمثل ثانيهما في الواقع الموضوعي الذي تنبت فيه الرواية، وهو يتسم بالحركة والتغيّر والاتساع والتّأثّر، تفتر فيه الحاجة إلى قديم استنفد أغراضه، و يبرز فيه جديد تفرضه الضرورة الملحّة..
الرّواية العربيّة ليست بمنأى عن ذلكما الشّرطين.. أثبتت أنّها تتصف بصفة الحياة المتطورة المتغيرة.. المتأثّرة بما حولها، خرجت من رحم الحكاية إلى فضاء أكثر تحديدا يعرف بالمرحلة التّقليدية.. ثمّ لم تلبث أن تخلّت عن بساطتها وتقليديتها وانتقلت إلى مرحلة النّضج والتميّز.. أحدثت تغييرا جوهريّا في جنسها ونوعها، واشتغلت على التنويع من أغراضها وأهدافها.. وتجاوزت بهما العظة والتّسلية والتّعليم والتّرفيه إلى محاولة فهم العالم، وتغييره والمساهمة في بنائه عن طريق تحليل الواقع، وتفسيره. والاستشراف على المستقبل.. انظر مثلا رواية “خماسية مدن الملح” للرّوائي الكبير عبد الرّحمان منيف (توفي فيفري2004). أرّخت هذه الرّواية للخليج العربي، ورصدت حركة مجتمعه قبل وأثناء و بعد اكتشاف البترول.. شهدت على مفاصل التغيير في حياته.. من الصّحراء ووداعتها، وبساطتها وهدوئها، إلى المدينة وصخبها وسمتها الجديد، وعلاقاتها مع الأجنبي الطّامع. لم تكتف هذه الرّواية بالوقوف على الماضي والحاضر فحسب بل مدّت نظرها إلى المستقبل أيضا و صوّرته على فرض استمرار معطياته الرّاهنة..
هذا وإن الرواية الحديثة لم تعتن بالموضوع فحسب، بل اشتغلت أيضا على الجانب الفني وأولته عناية كبيرة، أحدثت ثورة على مستوى البنية والشكل. وصار هذا الجانب منها يحمل رؤية فنيّة متطورة، تجسّد فعليّا مفاهيم أدبية ونقديّة جديدة تتصل بوظيفتها وماهيتها وصلتها بالواقع ..فالأدوات، والتقنيات التي اكتشفتها، أعانتها على الحركة في كلّ الاتجاهات، وأمكنتها من التغلغل في الجذور و الأعماق، وفي ظواهر الأشياء و بواطنها.. أثارت أسئلة وأجابت عن أخرى.. وأدركت أنّ أسئلة الواقع وتحدياته وأزماته، على ما بينها من تباين وتنافر واختلاف يمكن مجابهتها والإجابة عنها.. ذلك أنّها ترى العالم في مجمله على درجة كافية من الوضوح والفهم، يستند في نموّه، وتماسكه إلى مبدأ العلّية. فكأنّها تحاول من خلال عملها أن تبني عالما مشابها للعالم المعيش، من حيث القيم والقوانين والرّوابط والعلائق..
ولأن الرّواية الحديثة، أنتجت طرائق وأساليب فنّية يضيق المجال لذكرها جميعا، فإننا نكتفي بإيجاز بعضها في النقاط التالية:
• تخليص اللّغة من التقريريّة المباشرة والاعتماد على التّصوير والإيحاء. ولإكسابها المرونة الكافية على التعبير والنّفاذ إلى المسميات والحقائق من أقرب طريق، حطّمت قداستها-نسبيّا-وطعّمتها باللهجات العامية وبعض المصطلحات الأجنبية.
• اختفى الكاتب من الواجهة، وصنع بدائل فنيّة تنوب عنه تقديم المادة الروائية بموضوعية كلجوئه إلى تعدّد الرواة والضمائر.
• تحطيم سلطة الرّاوي وتحديد مهامه حسب طبيعته، والزّاوية التي ينظر منها. مّما أكسب الشخوص استقلالية، وأعطاها القدرة على الحركة والفعل والقول وفق طبائعها، بعيدا عن الإسقاطات الفجّة للرّاوي أو الكاتب.
• تقسيم النّص إلى مساحات فنّية، تتقاسمها سلطات مختلفة، تتفاعل وتترابط دون أن تلغي إحداها الأخرى أو تدخل في مجالها. من هذه السلطات نذكر الكاتب، الرّاوي، الشخصية، الحوار، السرد بمستوياته المتعدّدة…
• اعتمادها على مبدأ الإيهام بالواقعيّة عن طريق الاهتمام بالتّفاصيل والجزئيات وتصوير أجزاء الحياة المختلفة. مما يوهم القارئ بأنّ العالم الذي يقرؤه هو عالم حقيقي وليس عالما متخيّلا.
• يمتاز بناؤها بتصميم هندسي يقوم عادة على التّرابط بين الأحداث، وتفاعلها مع الشخوص، وتحقيق التوازن بينهما وهي بهذا الشكل تحاول أن تناظر الواقع وتجد له تفسيرا يقوم على منطق التتابع والتسلسل والترابط والتراكم.
• من تقنياتها: التذكّر، الاسترجاع، التداعي، تيّار الوعي…
الــرّواية ما بعد الحديـثــة
مهما كان السبب الذي يعود إليه ولادتها، فإنّ الرواية ما بعد الحديثة، استطاعت أن ترسخ في الأرض ويكون لها وجود مستقل، وخصائص تتفرّد بها، تغري المبدع على الخوض في غمارها، والذّهاب بعيدا مع جنونها. ليس لها أفق محدّد، ولاهي تعتمد على لون بعينه، بل تحاول أن تعدّد منهما، ولا يضيرها التناقض ولا التباين. تهدف إلى جملة ما تهدف إلى تغيير عرف القراءة، فبدلا من أن يكون القارئ طرفا خارجا عنها، يصير طرفا فاعلا فيها. يشارك الكاتب التأليف والبناء، كلاهما يخوضان تجربة غامضة، يذهبان فيها، وإن لم يتبين لهما هوّيتها الأخيرة…
يتّصف عالمها بالغموض والفوضى والارتباك. ليس من شأنها أن تجذب القارئ، بقدر ما يهمّها صدمه بأسئلتها الكثيرة، وهزّ وعيه الجمالي، ودعوته إلى التفكير من جديد. وإلى اعتبار النّص الذي يقرؤه مجرّد عمل متخيّل. وإنّ القيم التي ترسخها هي قيم فنّية قبل كلّ شيء. محطّمة بذلك مبدأ الإيهام بالواقعية. لأجل ذلك نرى في بعض ملامحها عدم اهتمامها بالموضوع، مكتفية بإثارة قضايا جمالية وفلسفية، ولو كان ذلك على حساب الشّخوص والزمان والمكان وعناصر الرّواية الأخرى.. إنها رواية “اللاّ رواية “.. تتلاشى فيها الأحداث، و تموت حركتها، و تتحوّل الشخوص فيها إلى مجرّد أطياف وأشباح وأرقام. وأحيانا مجرّد حروف لا معنى لها…
عالمها لا يتّصف بالوحدة والتناغم والتماسك، كعالم الرواية الحديثة، بل هي ترفض بشدّة مبدأ العليّة في بناء الأحداث.. ولا ترى بالرّبط بين الظواهر، ولا تؤمن بالنّمو العضوي.. فكأنّها تفسّر التطوّر بالقيام على التجاور والتكرار بين وحدات منفصلة، لا يؤدّي بعضها إلى بعض.. حتى اللّغة فيها، فقدت روحها المعروفة، وانتهت إلى مستويات متعدّدة، متمرّدة على القواعد والتراكيب المألوفة أحيانا.. وسّعت من استلهاماتها إلى حدود لا تعرف النهاية.. ولعلّ تعدد مستوياتها، يعود إلى عدّة أنواع من السّرود. تشتغل عليها و تحاول أن تؤسّس بها أفاقا جمالية، وذوقيّة واسعة.. من بين هذه السّرود نذكر :

• السّرد الغنائي
يقوم أساسا على التّجاور والتّكرار والتّداخل والانحرافات والاسترسال والتأّمل. وتندرج هذه التقنيات ضمن مسمّى واحد يعرف بالتّصميم. ويعتمد غالبا على اللّغة المكثفة، الموحية، الرّامزة، المستلهمة من التراث الأدبي الشفاهي، والشّعر والمثل والسّينما والدّراما. وجميع صيغ التعبير الأخرى. ومّما يجدر ذكره أنّ حركة هذا السّرد تميل إلى البطء والسّكون، فلا تكاد تبين…

• السّرد الفسيفسائي
يتميز هذا السرد بتباعد وحداته، وعدم قيام رابط ظاهري بينه، فتبدو شخوصه وأحداثه وفصوله، وعناصره الأخرى، متناثرة، يحكمها الفوضى وعدم التناسق، ولا يعود إلى مرجعية واحدة. ولكي يتغلّب هذا السّرد على بطيء حركته، وما ينتج عنه من ملل وفتور في المتابعة، فإنّه يسعى إلى خلق إيقاع خاصّ تبدو اللّغة من خلاله منحوتة ومشعّة، تتصف بالرصانة والتألّق. (4)
من بين الأعمال التي تحسب على الرّواية ما بعد الحديثة نذكر:
– “الطّفل العقرب”، لإبراهيم درغوثي
– “المشرط”، لكمال الرياحي
– “ذات”، لصنع الله إبراهيم
– “مملكة الغرباء”، لإلياس خوري
هــــموم ومشاغــل
إنّ دعاوي التّجديد، والتّجريب، والمغامرة، والثّورة، والتمرّد على المألوف وإطلاق حبالها على الغارب، دون مرجعيّات علميّة أو فلسفيّة، وبمعزل عن التصوّر المسبق، أدّى إلى ظهور نصوص مغلقة معتّمة، مستعصية على الفهم، محلّقة بعيدا في آفاق مجهولة الشّفرات. الكاتب نفسه عندما يصحو من سكرته منها ويبعد به الأمد عنها، يصيبه ما يصيب القارئ، ويجد منها انغلاقا وتعاليا وعدم قدرة على المسك بمفاتيحها.
الرّواية قبل كلّ شيء لغة اتّصال بين طرفين لا غنى عنهما: المرسل والمرسل إليه.. ولكي تكون هذه اللغة بيّنة الدّلالة، قابلة للفهم لا بدّ من تعارف مسبق حول معطيات شفراتها ومقابلاتها بين طرفي الاتصال، وإلاّ كان العمل ضربا من اللّغو لا يؤدّي إلى شيء.
وإذا كان بعضهم يتعلّل بالبحث عن ذائقة جديدة تتناسب والواقع الجديد، الذي يسمونه بالمتاهة والغموض والفوضى، والارتباك، والعبث واللاّجدوى، ومن ثمّ يبنون عالمهم الرّوائي وفق ذلك. فإنّ في هذا الاتّجاه مغالطة صارخة ينّم عن عدم فهم القوانين التي تتحكّم بالواقع والعالم الذي يعيشون فيه. ولا يفرقون بين انطباعاتهم عن الواقع والواقع في ذاته.. ذلك أنّ الانطباع مرتبط بمزاج وظرف وحالة المبدع، وهو يتّسم بعدم الاستقرار والثبات، لا يمكن أن يعوّل عليه العلم والبحث إلاّ بقدر جانبي، لا يغيّر من حقائقهما الرّاسخة. ولا أظن عاقلا ونور العلم يسعى بين يديه، يظن أنّ هذا العالم تقوم قوانينه على الفوضى والعبث واللاجدوى.. لو كانت هده سمته الكبرى، لذهب العلم وتلاشت خيوطه وما كانت حضارة هذا الإنسان. و بدلا من أن يكون معتنق مذهب العبث واللاجدوى وغيره كاتبا متحضّرا، يكتب ويفكر، لكان وحشا آدميّا مكانه الدغل والكهف والصّحراء.. ومن يدري ربّما أكله الانقراض وذهبت ريحه !
ثبات قوانين الكون. وتناغمها وتناسقها ودقّتها المتناهية هي التي تجعل الحقيقة العلميّة واحدة، وإن اختلفت السبل إليها. من هنا فإنّ الفوضى التي يستمسك بها بعضهم كملهم وحيد لبناء عالمهم الروائي، لا تصلح أن تكون مبدأ عاما ينهض عليه النّص.. الفوضى ليست مبدأ في ذاتها بل حالة عرضيّة تنمّ عن خلل في النّظام، وهي من الناحية الفنّية طريقة للتعبير عن حالة معيّنة، وفق ظرف معين، ضمن شروط إبداعية معيّنة، لا تتّصف بالإطلاق ولا ينتهي عندها أفق الجمال..
ما يزال في جعبة التناغم والتّماسك والتناسق، ما يغري على البحث والتنقيب، وإنّ أرضه ما تزال تشهد مناجم غنية لو وطأته مجاهر الاكتشافات لأضافت الكثير..
رغم اتساع الآفاق التي ارتادتها الرّواية عموما والرّواية العربية خصوصا. ورغم ثراء تجربتها، وقدرتها على خلق بصمة مميّزة لها في عالم الفنّ والفكر والأدب. رغم تاريخها الحافل بالاكتشافات والفتوحات وتبدّل الأطوار. فإنّ ذلك لا يعفيها من مواجهة أزمات وتحديات فرضهما الواقع الذي نشطت فيه وتيرة التغيّر والتبدّل، واتسم بانقلاب أنماط العيش والحياة.. إني أراها على خطر، ما لم تعد طرح أسئلتها وترتب أولوياتها من جديد.. من هذه الأسئلة:
كيف تستطيع أن تمسك بالعصا من الوسط وتقيم معادلة رابحة بين قارئ أدار لها ظهره، وجذبته وسائل أخرى، ولعبة إبداعية لا تملّ التّطور والتشكل والتمرّد والجنون؟
كيف يتسنى لها أن تلعب بنار التّجريب دون أن تحترق بها، وتذوب في أنماط تعبيريّة أخرى راهنت على استلهام أدواتها وإعادة استثمارها؟
هل يجب عليها أن تعود إلى قواعد الانضباط، وإلى أيّ مدى يمكنها أن تتخلّى عن جنونها حتى تتمكن من تمييز الأرض التي تبذر فيها، دون أن تقع ضحيّة لاختيار تربة ميّتة، لا يتخلق في رحمها شيء، تأكل الوقت والجهد؟
هل آن لها أن تتخلّى عن استعلائها وتدرك أنّ جهدها لا يمكن أن يثمر دون قواعد جماهيريّة. تلك القواعد التي اضمحلّت في طلب الرّغيف وسحقتها ضغوطات المعيشة، ويهدّد وجودها الحرب والوباء. قواعد استفردت بها عوالم الفضائيات والانترنيت والألعاب الرّقمية، وهجم عليها طوفان الصّورة؟
هل آن لها أن تعي صرخات النّاس ولسان الحال يقول: أنيّ لامرئ أضناه تعب اللّيل والنّهار أن يجد ضالته في كتاب مغلق، معتم يورّث الصداع والضّجر، أكثر مما يسري عليه ويدفعه إلى التفكير والتأمّل؟
أنّى له أن يجد الوقت ليقرأ وعالم الانترنيت يختزل الزّمن في رأسه، ويدفعه إلى ركوب أمواجه، كلّما بلغ شاطئا، ناداه شاطئ آخر؟
كيف له أن يفقه لغة متعالية، تدقّ وراء مداركه وهو يجد في واقعه ألف وسيلة ووسيلة، تبتلع وقته تنازعه النوّم والطعام؟
أنّى له أن يستمر في القراءة، والذي كتب له النّص كأنّما كتبه لمخلوقات أخرى، في كوكب آخر. لا يرى نفسه فيه، ولا يجد بين سواده ما يعبّر عن همومه وأحلامه وآماله؟
هل أزمتها إذن أزمة كتابة، وعدم فهم لقواعد اللّعبة التي يفرضها واقع متعدّد النّوافذ والأبواب؟
ماهي المرايا البديلة التي تنظر فيها إلى وجهها، حتى تتعرّف على مناطق ظلّها ونورها، وعلى نارها تجد هداها في طريقها الطويل، والنّقد عموما قد خذلها، وأصابه من انفجارها وتشظّيها وفوضى انتشارها على مساحات مائعة عمى الألوان والعجز والرّكود، فضلا عن اعتلاله ودخوله في معارك جانبية، تتّصل بالشّخصنة والسّمسرة والعصبيّات، والنّزاعات الذاتية، والحسابات الضيّقة. يسكت في مواضع الحق، ويشهد شهادة الزّور؟
كيف تواجه أزمة النشر، وهو يراوح مكانه، مستندا إلى ما يشبه الأعراف والتقاليد، أكثر مما يستند إلى مرجعية قانونية جديدة تواكب الواقع، مّما حدّ من انتشارها وصارت الثلاثمائة نسخة، هي مبلغ طموحها في عالم يسكنه أكثر من ستة مليارات نسمة. اختزلت فيه المساحات وتحطمت حدوده؟
كيف لها أن تبلغ هدفها وتحقّق غايتها وهي مقصوفة الجناح، تعجز أن تنتشر في أرضها العربية، وتعجز أن تكسر من حولها الطّوق حتى تسافر إلى الأرض الأخرى، وتسجّل موقعها على خارطة الفنون والآداب العالمية؟
وإلى أيّ مدى تستطيع أن تغيّر في العالم نظرته النمطيّة إلى الأدب العربي، تلك النّظرة المسجونة في غياهب الجنس والفلكلور وأجواء الخرافات والعجائب؟
الملخّـــص

الرّواية العربية ليست وليدة خالصة للرواية الغربية. تتجاور معها وتتأثر بها. و لكن تظلّ لها خصوصيتها التي تستمدّها من تراثها العظيم.. أثبتت عبر تاريخها الطّويل أّنها تتّصف بالحياة المستمرّة المتطوّرة. مّما جعلها تمرّ بمراحل أطوار غاية في الأهميّة. لكن التّحديات التي يفرضها العصر يستوجب عليها إعادة طرح أسئلتها وإعادة ترتيب أولوياتها، لأنّ الخطر بها محدق. وقد يؤدّي بها جنونها إلى الانتكاسة وربما الاختفاء..
(1) عن ندوة أدبية ضمّها كتاب الرواية العربية ممكنات السرد.. ص 165
(2) المصدر السابق.
( (3القول بتزامن الرّواية العربيّة مع ظهور المطبعة في زمن متقارب، ينفي ضمنيّا الزعم بأنّ زينب هي أوّل الروايات العربية ظهورا، وذلك ببساطة لعدم الاتفاق على محددّات معينة للرواية، سيما الفنية منها.. لتظل تلك المحددات والمعايير نسبية تنفتح عن احتمالات كثيرة. من هنا لا يمكن أن نسلخ النصوص التي ظهرت قبل هذا التاريخ عن سياق الرواية العربية.. وإتماما للفائدة نذكر منها،-“صائبة” لأليس البستاني صادرة سنة1791 -“الساق على الساق” لأحمد فارس الشدياق صادرة سنة 1855روايات جرجي زيدان التي بدأت ما بين 1891و 1914 – “علم الدين” لعلي مبارك صادرة سنة 1882 – “الدين والعلم و المال” لفرج أنطوان صادرة سنة 1903 – “ليالي سطيح” لحافظ إبراهيم صادرة سنة 1906 و القائمة تطول…
(4) بعض ما جاء في الأطوار والمراحل، هو ملخّص شديد وإعادة صياغة وتصرف فيما ذكره الدّكتور” شكري عزيز الماضي” في كتابه أنماط الرواية العربية الجديدة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

تعليق واحد

  1. رواية (خماسية مدن الملح ) رواية أرشيفية ، لم تكن كما أسلفت جنابكم الكريم ((هذا وإن الرواية الحديثة لم تعتن بالموضوع فحسب، بل اشتغلت أيضا على الجانب الفني وأولته عناية كبيرة، أحدثت ثورة على مستوى البنية والشكل. وصار هذا الجانب منها يحمل رؤية فنيّة متطورة، تجسّد فعليّا مفاهيم أدبية ونقديّة جديدة تتصل بوظيفتها وماهيتها وصلتها بالواقع ..فالأدوات، والتقنيات التي اكتشفتها، أعانتها على الحركة في كلّ الاتجاهات، وأمكنتها من التغلغل في الجذور و الأعماق، وفي ظواهر الأشياء و بواطنها.. أثارت أسئلة وأجابت عن أخرى..)) سيدي الفاضل ان هذه الرواية لا تمتلك حتى شخصيتها البطلة ؟ إذ ان المؤلف كان يتنقل من شخصية إلى أخرى وكلما غادر شخصية ما انتهى دورها !! انها حالة من اللاتماسك ، فقدت الرواية هذي وحدتها العضوية ، فإذا ما تقمص الروائي دور المؤرخ ، عليه أن يلتفت للجانب الرمزي في تحديد الهويات والمسميات (مكان – زمان ) كي لا تتحول الرواية إلى مقالة طويلة تتحدث عن حقبة تاريخية ، ان علاقة التاريخ بالرواية ليست علاقة توثيقية !! بل هي علاقة فنّية يشتغل فيها الروائي على ثيمات محدودة تتقمص السائد والرائج والمشهور واقعيا بمحاكاة ومحايثة ، لا نختلف ان البطولة ليست شرطا في الرواية ، لكن لابد من وجود مركز لها ( شخصية ) سواء كانت من الخارج أو من الداخل ؟ حتى ان قصة شخصية (خريبط) فيها كانت فنطازية تشبه قصص الف ليلة وليلة ، أو الزير سالم في حرب البسوس ، المحارب الشجاع الذي يفتك بكل من واجهه ، في النهاية أعتقد ان قولك فيه مبالغة نوعا ما ، هلا تتفضل عليَّ مشكورا بـكشف هذه الـ ((فالأدوات، والتقنيات التي اكتشفتها)) الرواية لا تتقن أبسط مقومات الرواية الحديثة ، انها رواية الأدب الواقعي ، رواية الرجل العربي القاسي المخيف السفاح القاتل ، تفتقد إلى الكثير من تقنيات السرد الروائي (زمن الكتابة – الحاضر – الحدث ) الضمائر السردية ؟ ، فالكتابة تنهض على مستوى المتخيل ، اي ما يراه في ذهنه وليس ما يعرفه عن الحدث الواقعي ؟ عموما ما تفضلت به في الكثير من الاشارات والعلامات المهمة في تاريخ الرواية العربية ، لكنني لا أعتقد الرواية الخليجية قد استفاقت من غيبوبتها للآن ، وليس في هذا الوصف منقصة ؟ معاذ الله ، لكنه الواقع سيدي الكريم .
    تقديري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *