بشير حاجم: مفهوم “القراءة” يثبت تميّز “حاتم الصكر” وتفرده

بغداد/ أمجد صلاح
إستضافت جمعية الثقافة للجميع الناقد بشير حاﭼﻢ ليلقي محاضرة بعنوان (تصاعدية القراءة في نقدية حاتم اﻠﺻﮕﺮ) تحدث فيها عن اشتغالية المناهج النقدية لدى الناقد العراقي المقيم في صنعاء د. حاتم الصكر في اصبوحة ثقافية اقيمت على قاعة فؤاد التكرلي في مقر الجمعية ببغداد وادارها الشاعر علي حنون العقابي.
افتتح حاجم محاضرته بالحديث عن مفهوم “القراءة” الذي يثبت تميز نقدية الصكر وتفردها عن النقديات الاخرى مشيراً الى انه يمتلك تصاعدية قرائية في نقديته “إكتشفتها من خلال قراءتي الجادة لجميع كتبه” ومتناولا ثمانية كتب للصكر سلط الضوء على اهم ميزاتها وخصائصها.
ففي ما يتعلق بالكتاب الاول (الأصابع في موقد الشعر ـ مدمات مقترحة لقراءة القصيدة/ 1986) ركز حاجم على منهجه ودوافعه وهدفه. ونقل عن الصكر بخصوص المنهج قوله “ان المقالات التي يضمها هذا الكتاب في جانبه التطبيقي تقدم مقترحات للقراءة تنطلق من الايمان بما اسميه منهج النص” مستنتجا أنه من اوائل نقادنا العراقيين الذين اشتغلوا على منهج النص في الوقت الذي لم يكن هذا المنهج مرغوباً فيه على صعيد النقد العراقي الذي كانت المناهج السياقية سائدة فيه “بل حتى مبدعينا من شعراء وروائيين وقصاصين لم يكونوا يستسيغون أي منهج نصي”. وأضاف أن منهج النص عند الصكر “يعتمد التحليل والتأويل احتكاماً الى معطيات النص وما يمكن ان يتركه في نفس قارئه وما يشكل من صور” عادّا ذلك علامة مهمة في نقديته. أما عن الدوافع فقال حاجم إن منطلق الصكر فيها “الاحساس بغربة الشعر عموماً والقصيدة الحديثة خصوصاً عن القارئ” مبينا أنه يعني بـ”القصيدة الحديثة” قصيدة التفعيلة الاخيرة وقصيدة النثر الاولى اللتين كانتا مهيمنتين آنذاك “ذاك الاحساس بالغربة كان يشعر به القارئ بعد ان تقهقرت قصيدة العمود التقليدي، التي كانت تستدرجه إلى فخها الصوتي، ولم يعد لها وجود تقريباً في الساحة الشعرية العراقية على الاقل”. وتابع “إن الصكر في كتابه هذا يفكر بالقارئ في الدرجة الاساس لكونه طرفاً مهماً في العملية الشعرية فضلا عن أنه يقول بأن (النقد يجب ان يكون عوناً للقارئ، قبل ان يصدر احكامه الاخلاقية او ينشغل بالتنظير، واذ يفعل ذلك فانما يقدم عوناً للقصيدة الحديثة ذاتها)”. ثم تطرق حاجم إلى الهدف من المنهج النصي عند الصكر قائلا إنه “الكشف للآخر عن ثروات النص الداخلية التي لا يراها عابراً وهي دون شك لا تظهر على السطح بسذاجة مباشرة نظراً للبناء الخاص للقصيدة الحديثة المعتمدة وسائل شتى في التوصيل” موضحا أن “الآخر” لديه “هو القارئ دائماً” ومتحصلا على ان هذا الكتاب يتعلق كلياً به منهجا ودوافع وهدفا.
وفي ما يتعلق بالكتاب الثاني (الشعر والتوصيل ـ بعض مشكلات توصيل الشعر من خلال شبكة الاتصال المعاصرة/ 1988 ) قال حاجم إن الصكر فيه ركز بشكل كبير على القارئ ايضاً “إلا انه يبحث هنا عن القارئ الذكي لا القارئ الكسول الذي اعتاد على الاستماع الى قصيدة العمود فقط ومن ثم استلامها عبر الأذن وليس من خلال العقل او العاطفة.. وقراء كهذا موجودون بكثرة وهم يتحسرون على تاريخ هذه القصيدة العمودية مع انهم لا يفقهون منها الا صوتها عند قراءتها على مسامعهم”. ولاحظ ان “قارئ” الصكر في هذا الكتاب صار قارئين: قارئا انبهاريا وهو الذي ينبهر بالقصيدة من خلال صوتها وايقاعها فحسب وقارئا تأمليا تصله القصيدة بالتأمل لا بالانبهار.
وفي ما يتعلق بالكتاب الثالث (البئر والعسل ـ قراءات معاصرة في نصوص تراثية/ 1992) قال حاجم إن الصكر كان تحليليا فيه “اقرب الى الممارسة النقدية منه الى الفهم والشرح والتفسير في الخطوات التأويلية التقليدية”. ولفت إلى أن في هذا الكتاب نقلة نوعية جديدة لاشتغال الصكر تحليلا وتأويلا “فهو يشتغل على نصوص قديمة بمنهج حديث في حين ان الكثير من نظرائه لا يستطيعون حتى الاشتغال على نصوص حديثة بمنهج حديث إن لم أقل إنهم ما زالوا يشتغلون على النصوص الحديثة بمناهجهم القديمة”. ثم استشهد بقول الصكر “لم اسلط على النصوص قراءتي فقط، بل كانت توصلاتي ووسائلي الى تلك التوصلات آتية من شعاع النص نفسه، من جرمه الذي يدور حولي ويفرض علي رؤية فضائه” منبها إلى أن قولا كهذا يقودنا نحو الخوض في استكشاف العنوان الأول للكتاب “فالبئر في متنه هو النص تحديدا، حيث ان البئر عميق وغائر لا نتمكن من معرفة ما في قعره الا بالوصول اليه ومن ثم إخبار الموجودين على السطح بما اكتشفناه في القعر، بينما العسل في هذا المتن هو القراءة تقريبا، بدلالة إقرار الصكر: كان عملي انصياعا لأقدار تلك النصوص مما جعله نوعا من الاكتفاء بالعسل (اللذة التي تتيحها القراءة)”. كما عرج على قوله “ان التحليل التأويلي يفترض اولاً ان ما في النص قد انفصل عن مؤلفه” مؤكدا أنه “الشيء الجديد” من الصكر في هذا الكتاب “أود ان انوه هنا الى ان نظرية (موت المؤلف) ليست بجديدة، فهي نتاج ميشيل فوكو ورولان بارت منذ العامين 1967 و1968، الا انها لم تؤخذ على محمل الجد مبكراً من النقدية العراقية، بما فيها قطبها النصي، فكان الكثير من نقادنا ينظرون اليها بعين الشك، والريبة، باستثناء عدد قليل من النقاد النصيين أحدهم حاتم الصكر الذي يحاول في (البئر والعسل) ان يقدم لنا معنى للنص يختلف عن المعنى الذي يريد المؤلف تقديمه”. وخلص إلى أن الصكر بقوله “ان النص ناقص دوماً وما سيضفي عليه القارئ بأفقه الخاص هو الذي يمنحه وجوده بالفعل” يريد ان يعطي للقارئ “تكميلية إستثنائية” عوضا عن “كمالية إعتيادية”.
أما في ما يتعلق بالكتاب الرابع (ما لا تؤديه الصفة ـ المقتربات اللسانية والاسلوبية والشعرية/ 1993) فإن حاجم قد ذهب كما الصكر إلى أنه “محاولة للانفتاح على المقتربات المنهجية المقترحة للوصول الى فضاء النص وبنائه” مجددا معه القول بأن “إنطلاقته نصية أولا مقترنة برؤية نقدية تسبق اختيار المنهج او التصويت له واختيار النصوص على أساسه”. ولاحظ ان الصكر في هذا الكتاب يدخل في علاقة بينه وبين القراء الاستثنائيين، وليس الاعتياديين، سيما النقاد منهم “فثمة حوار منهجي مع الملتزمين بالنصية (يستند الى ما يمكن أن تقدمه مناهجهم لفهم النص وتأويله وكشف نظمه وقوانينه الداخلية) أي أنه حوار نصي أولا وحوار نقدي ثانيا ليس سواهما من سبيل لتعميق النقدية وسيلة للقراءة”. واستنتج برؤيته الميتا نقدية أن الكتاب ذو قسمين “الاول: موجهات القراءة المحايثة للمتن النصي.. والثاني: اجراءات التأويل الداعمة للقراءة النصية” ما يعني أن الصكر فيه “يوجه القارئ الى ان يشتغل على اجراءات التأويل لا على الاجراءات التقليدية”.
ثم رأى حاجم في ما يتعلق بالكتاب الخامس (ترويض النص ـ دراسة للتحليل النصي في النقد المعاصر، اجراءات ومنهجيات/ 1998) أن الصكر فيه ينتقل انتقالة باتة وحاسمة الى النص بمنأى عن القارئ فإذا بالنص والناقد هما طرفا العملية الابداعية ولا شأن للقارئ بها. وقال إنه هنا يشبه النص بالأسد والناقد بالمروض “فالاسد حين يكتشف انه اقوى من المروض سيفترسه في الحال لذا يعمد مروضه باستمرار الى جعله في غفلة عن كونه اسدا”. واستدرك “صحيح أن الصكر يستمد هذا التشبيه من تيري إيجلتون لكن ناقدنا لم يستمده فقط بقدر ما أنه اجتهد في الاضافة اليه على مستوى التحليل النصي”. واستشف ان الصكر في هذا الكتاب “يدعو الناقد الى حمل الشاعر على الاعتقاد بأن الأول في نصه اعرف من الثاني بنصه، وهو بذلك يولد لدى القارئ انبهاراً اكبر من انبهاره بالشاعر، ويجعله يشعر ان الناقد اهم منه، بمعنى ان النص النقدي اهم من النص الادبي”.
وتابع حاجم محاضرته مشددا على المعنى الأخير بالقول “هذا أيضا ما حاوله الصكر في الكتاب السادس (مرايا نرسيس ـ قصيدة السرد الحديثة في الشعر المعاصر/ 1999) وفي الكتاب السابع (حلم الفراشة ـ الايقاع الداخلي والخصائص النصية في قصيدة النثر/ 2004) فضلا عن الكتاب الثامن (غيبوبة الذكرى ـ دراسات في قصيدة الحداثة/ 2009). وقال “في هذه الكتب الثلاثة يبحث الصكر عن القارئ الذي يؤمن بالناقد اكثر من ايمانه بالشاعر لأن الناقد يعطيه فضاءات اوسع من تلك التي يعطيها له الشاعر”.
وخلص حاجم في المحاضرة إلى أن هذه الكتب الثمانية، خصوصا، تبرهن على أن حاتم الصكر ناقد عربي “بمعنى أنه تجاوز محليته العراقية” مؤكدا “إن ثمة نقادا قليلين لا بدّ أن يذكروا حال ما تذكر النقدية العربية الحديثة والصكر واحد من أهمهم”.
وقد أعقبت محاضرة الناقد بشير حاجم مداخلات بخصوصها للروائيين نضال القاضي وحميد الربيعي والشاعرين حذام يوسف الطاهر وعبدالستار الأعظمي والكاتب حسن حافظ والتشكيلي قاسم العزاوي وغيرهم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بعد 21 عاماً: شاعرٌ قَذَفَ عام 2001 جواربَهُ إلى السماء تضامناً مع مَنْ لا يملكون الأحذية. فيُمنع من المشاركة في مهرجان شعري هذا العام 2022.

وصلت للشاعر العراقي المقيم في لندن عدنان الصائغ دعوة من (مهرجان بيت الشعر العالمي الثالث) …

| علاء حمد : تظاهرة دولية بجهود الصحافية البرازيلية : زينيته سانتوس إس Zenaide Santos SA‎ وذلك بمناسبة عيد المرأة العالمي ومن أجل السلام.‏..

بدعوة من الصحافية البرازيلية زينيته سانتوس إس، لكتاب وشعراء من جميع أنحاء العالم لتكريم اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.