علي لفتة سعيد : مثلث الموت (7)

ali lafta saeid 4-15-
جلس منتظر من النوم متكاسلاً،ربما يشعر بشيء من الراحة بعد مواجهة كادت تودي بحياته حين علم رجل الدين القصير مِنْ أنَّ مَنْ نشر التقرير في إحدى الفضائيات هو نفسه منتظر ، الذي راح يدافع عن نفسه من أنه جاء إليهم طالباً توضيحاً من مكتب رجل الدين الكبير، وأنه إعلامي اشتكى له عدد من الناس،من وجود مضايقات في المنطقة التي يوجد فيه مكتبه.. إلا أن أحداً لم يستقبله..راح يشرح أهمية الصحافة وإنه لم يقصد شيئاً من وراء نشر التقرير المصور بل إنه لم يشر إلى صلة المقر أو الأتباع بأي شيء، إلا أن الأمر لم ينطو على الآخرين الذين عرفوا أن التقرير يقصدهم.
لم يطرق عليه الباب،وهذا الصباح الثاني الذي يمر عليه دون مشاكل من متابعةٍ ظلّ يخافها وتودي به الى الموت ورمي جثته في أقرب مبزلٍ في المدينة..كان يحلم أو تتراءى له صورٌ شتى بعد أن سمع كلاماً من زملائه من أن حتفه صار قريبا لأنه نشر التقرير وأن الجميع بات يعرف أنه هو من صوره وأرسله للقناة الأجنبية..ولأنه أمضى الليلة الأولى بتفكيرٍ أعمق فان اليوم الثاني والليلة الثانية كانت أخف وطأة..لذا حين استيقظ هذا الصباح تمغط براحة مشوبة قليلا بالقلق وشرب سيكارة ثم نادى على زوجته أن تجهز له الفطور..كانت الساعة لم تتجاوز التاسعة، وكانت السماء صافية تحمل نسمة صغيرة فيها لذعة برد لم يتعود عليها، فأحس أنَّ الله راضٍ عنه خاصة وأن جميع الصحفيين انتقدوه على الخطبة التي ألقاها أمام الجموع،وكأنه يبيع ولاءه من أجل حفنة من المال أو الإستفادة من موقف معين دون أن يدركوا إنه أراد أن ينقذ رقبته من ضربة سكين أو رأسه من رصاصة وحيدة ترديه قتيلاً في المياه الآسنة..قال مع نفسه: ليقل ما يقل الآخرون المهم إنها أنقذت..يشعر بدغدغة جعلته مرتاحاً ليظلّ هادئاً، حتى إن زوجته وهي تضع صينية الفطور أمامه وفيها صحن فيه قيمر عرب وآخر فيه مربى عسل وحبات من الزيتون وصمونة واحدة، شعرت إنه على غير عادته، حين يجلس صباح كل يوم يدخن ويستعجل في كل شيء، ليخرج إلى العمل منادياً بصوت مرتفع على أولاده تشغيل السيارة العتيقة وينظفوا زجاجها الأمامي.
ضحك بوجهها وأخبرها أن شيئاً من الغمّ والهمّ أزيل عنه لذا يشعر بالراحة..فتمتمت المرأة وبسملت، ودعت له أن يحفظه الله من كل مكروه،قبّلها ودار بها دورة واحدة في الغرفة هامساً في أذنها، أن يكون الليل مناسبة فاخرة حين تضع العطر الإنكليزي الذي جلبه لها في آخر سفرة. رآها خجلة فهمس بإذنها من أن سبب طلاق النساء العراقيات أو الزواج عليهن هو أنهن لا يعرفن كيف يمنحن حق الرجل بطريقة تريحه بلا خجل..وقف أمامها فاتحاً عينيه باتساعٍ مريبٍ عرفت مغزاها..كان الوقت بالنسبة لها غير مناسبٍ وهو يرى حركاتها التي تطلقها من عينيها ورأسها.. من أن أحد الأولاد يدخل الآن..فسارع الى الباب ليغلقه وقفله بالمفتاح بعد أن مدّ رأسه الى داخل البيت فلم يسمع شيئاً..دفعها على السرير فانكشف امامه بياضها وكمن يراه لأول مرة.. اندفع سريعاً الى ثني ساقيها الى الأعلى ويبقيها عارية تماماً كعريه السريع.
– دعيني..أشعر أن الحياة بدات الآن..أريد أن أحيا هنا بين ساقيك أفضل من الموت بين يدين لا تعرفان الحياة.
*****
بعدما أنهى شرب شايه الثاني وأوقد سيكارة ربما هي الثالثة، وكان يرى الفرح على محيا زوجته..اتصل بسلام ليعلم منه إن كان هناك شيء جديد..فتفاجأ إنه في الطريق إلى بغداد.سأله عن السبب طالباً منه التفصيل في الإجابة فعرف منه إنه ذاهب لاستلام الراتب والمكافآت من الصحف الأخرى..أخبره بما كان قد شاهده في المنطقة من عمليات قتل..فنبهه من أن المنطقة خطرة وإن هناك عمليات قتل طائفية، وعليهم إلا يحملون أية هوية توضح عملهم ، فالجهات المسلحة تبحث عن هكذا فئات وشخصيات أما لتخطفهم أو تقتلهم..فطمأنه سلام من أن الجميع يحمل هويته المدنية..ثم سأله إن كان بالإمكان أن يمر على منطقة الميدان ليشتري له مشروباً روحياً..فما كان من سلام إلا أن يرد عليه بشيء من الضحك الذي يعرفه منتظر، من أنه ليس بنادل ثم كيف له أن يشتري ( الويسكي) ويأتي به إلى المدينة المقدسة ؟ فأعلمه أن لخضير خبرة في إخفاء ( القنينة) عن أعين السيطرات تحت مقعده أو تحت قدميه..ثم إن رجال السيطرة يعرفونكم ولن يتم التفتيش..وهو حين يسافر إلى بغداد يدخل (مشروبه) بهذه الطريقة..فلم يمنحه سلام جواباً ورفض أحمد الفكرة وهو يشير الى سلام ألا يقبل وفعل كذلك خضير الذي أقسم أنه ترك الخمر منذ خمس سنوات ولم يعد يتعاطاه..فمازحهم منتظر الذي أدرك أن سلاماً قد فتح صوت الهاتف النقال ليسمع الجميع، فقال لهم:
– جميعكم أدْعي عليكم بالموت..مجموعة مسلحة تنصب لكم سيطرة وهمية وتقتادكم وتقتلكم.
ثم أردف مكرراَ مزاحه:
-لو تشربون ( العرق) لن يصلكم أحد ولو تشترون لي الويسكي فلن تخطفكم المجموعات المسلحة لأن الشيطان يمنعهم.
لم يستطع منع نفسه من أن يكون فرحا بعد أن أغلق هاتفه النقال مودعاً أصدقائه بشيء من السخرية والنكتة اللاذعة، وراح يحكي مع نفسه في إنه سيذهب اليوم إلى المقهى ليدخن النارجيلة..لم يمنع نفسه من أن يمسكها كي لا يكون بهذه الخفة وهو يغني خلال قيادته لسيارته..تاركاً رأسه يتمايل مع صوت فيروز الواطئ الذي لا يسمح برفع الصوت في المدينة التي تنتشر في أغلب شوارعها صور لرجال الدين وأقوالهم وتوصياتهم العديدة..شاهد صورة رجل الدين الكبير تحتل مساحة كبيرة من جزرة وسطية واسعة وهي توصي المسلمين بإتباع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..أرسل نظرة إلى الصورة التي تغطي وجه الشمس، مهرولاً إلى الخوف مرة أخرى..الخوف الذي يتربص به أن يكون في أية لحظة تحت مطرقة المفاجآت العديدة التي يزخر بها هذا الزمان..وكأنه تحت وطأة طعنة التفكير،واتته الفكرة ليذهب بعيدا وعليه أن يركل الخوف جانباً ويكون صحفياً يتقصى ما يمكن الحصول عليه من معلومات ويجيب على الأسئلة ذاتها التي طرحها سلام حين همس له:
-من أين جاء بكل هذه القوة والمال وكيف اقتنع به كل هؤلاء ليكون قدوتهم ويفدونه بأرواحهم وحياتهم؟
أخذه التفكير صوب طرق عديدة كي يصل بسهولة إلى مبتغاه الجديد..مفكراً أن لا شيء خارج إطار ما يمكن أن يفضي إلى وجود ارتباط كبير في الذعر الجديد الذي اجتاح البلاد..ترك الأفكار تلعب في رأسه ينظر إلى المرآة التي تعكس له الشارع خلفه مسطراً ما يمكن أن يكون الحركة الأولى له وهو البحث عن ملفات قديمة أو بيانات أو حتى وثائق تسهل له الوصول الى الحقيقة لعله يكشف في ضربة صحفية كبيرة قد تتناقلها كل وسائل الإعلام في العالم وتترجم إلى أغلب اللغات من أنه تمكن من وضع يده على حقيقة كل هذا الذي يجري في البلد من موت مستمر لا يريد لأحد إيقافه.
أخذ نفساً عميقاً ومسح شعر رأسه..مقلباَ ما يتذكر من كلمات خطت في الأوراق التي عثر عليها بعد سقوط النظام في مديرية الاستخبارات وهو يقول مع نفسه: هنا أجد ضالتي..معتمداً على حدسه الصحفي الذي يقول عنه أنه لا يخطئ وهو الأساس لأي صحفي..يتذكر قوله في ندوة أقيمت له في نادي الصحافة عن الإعلام:الذي يريد أن يكون صحفياً عليه أن يتمتع بمزايا عديدة أولها الحدس وثانيهما الخيال وثالثها الكفاءة ورابعها المقدرة على الوصول إلى الحقيقة بأقصر الطرق وأيسرها وهو ما يتعلق بالشجاعة..ويتذكر أنه قال أشياءً غير مطروقة في عالم الصحافة كما عبر عنها نقيب الصحفيين في المحافظة حين عقب على أن الصحفي عليه أن يحتفظ بأي شيء يجده فقد يكون وثيقة مهمة ذات يوم تنفعه لكي يكمل التحقيق أو يبدأ به.
وقال حينها نقيب الصحفيين:
– إن الشجاعة تبدأ حين لا تقف عن الوصول إلى الحقيقة.
في هذه اللحظة شعر إن عينه اليسرى بدأت ترف وتزعجه ، وتعكر مزاجه ، جعلته يلاحق صوراً لا يريد أن يتصورها حقيقة..راح ينطق عبارات خجلة توسوس فيه وتجعله بين يقين ما يعرف عن رفّة العين، وبين وعيه الذي يرفضها..فانساق الى تبديد الخوف بضرب جفن عينه سبع مراتٍ باحثاً عن عود صغير ليضعه فوقه لعله يبدد الفواجع المنتظرة..دخل في ممازحة، ماراً على أكثر الشخصيات التي يعرفها من أصحاب المحال وأصدقائه الآخرين من خارج الوسط الإعلامي والثقافي لعله يبدد الإرتباك الذي هبط عليه..قال مع نفسه..يا الله أزل عني رفّة العين..سلك طرقاً أخرى لا تؤدي إلى العمل الصحفي ممتنعاً عن الاتصال بمصور القناة ليستعلم منه عن وجود أية فعالية..مكتفياً بتناول فطور آخر في مطعم للكباب..حاول كثيراً ممازحة روحه بالضحك الكثير من الآخرين..وأن يكون سعيداً لأنه تخلص من الكابوس الذي أقلقه أياماً.حاول ألا ينتبه..الفرح عنوان الحياة كما هي طريقته التي تبناها من زمن حتى لو كانت هذه الطريقة تحتاج الى الكثير من المراوغة والعمل بطريقة لا يقبل بها الآخرون..الفرح هو أن تحصد ما تعمله لا أن تقول فقط أني أريد الفرح لأن به يمكن أن تتقدم خطوات.هكذا كان يقول لسلام حين ينتقده..الآثام بالنسبة له هي ألّا تتحرك وألّا تكسب ما تخطط له لتكون أنت، حين تراعي حقوق الآخرين على حساب حقوقك فإنك تتراجع وهم يتقدمون، ولن يقول لك أحدهم شكرا. وكان يعيد الكلام على سلام ،من أنه كثيراً ما تراجع عن حقه لفائدة الآخرين ولكنهم تركوه خلفهم بل ضربوا يده ولم يحصد سوى الخيبة والندم والعتب الذي لا ينفع..كان يقول له: أنظر إلى الزملاء الذين تراهم كثيرين وهم يقفون أمام المكتبة لتبادل الحديث أو لمعرفة الأخبار التي لديهم..كم واحد منهم يطالع لكي يثقف نفسه وكم واحد لا يقرأ حتى الصحيفة التي يعمل بها..مشبّهاً هؤلاء مثل الزوار للأماكن المقدسة وهم لا يصلون وكان يؤكد أن هؤلاء كثر..لم تنفع محاولاته في تدارك وساوسه، حتى حين التقى العديد من الأصدقاء وتناول معهم الشاي..ما الذي عليه فعله كي يتخلص مما هو فيه.. ولا يعلم لماذا يربط كل هذه الأشياء بسلام وخضير وأحمد، وإن كان سلام بدرجة أكبر..ثمة قلق وخوف انتابه، وهم في الطريق إلى بغداد وتمنى لو منعهم الان ..وعادوا أدراجهم ..خاطب عينه وهو يضربها بشدة: لماذا لم ترفِّ ليلة الأمس لمنعته من السفر..ظل مرتاباً كثيراً لا يلوي على فعل أي شيء، وكأن عزرائيل معه الآن وخاطبه أن ثمة موت سيحصل..كان أذان الظهر قد حان وسمع بشكلٍ جيدٍ ما يصدح من المئذنة..رفع رأسه إلى السماء،كأنه يريد إيصال صوت حروفه إلى ربه مسلّما كل مخاوفه إليه كي يتلطّف بها ويكذب ما يفكر به..التفكير في الأمر أخذ يثير عاصفة وذكريات عجيبة تلك التي جمعته مع سلام وقليل منها مع أحمد وخضير فتهيج بعضَ وقائعه التي تبرز إليه..لأول مرة يشعر أن وجود سلام يمنحه غبطة كبيرة،وأن كل الأشياء المتناقضة التي تحدث بينهما تحمل المحبة والحب والتقدير فهو لا يشك بمقدرته وبمحبته للعمل وصدقه في الحياة..لا يعلم كيف سينتهي حال التفكير بهذا الامر، ربما يعود الأمر إلى أنه بحاجة الآن إلى سلام، لكي يطلعه على ما وجده من وثائق ومعلومات ويبدآن بتفكيك الرموز ومعرفة الاشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها..وبرسم خارطة اقتلاع التدوين لأشياءٍ مضى عليها عقد أو أكثر..كان يمني نفسه لو أن سلاماً ظل اليوم في المدينة لأنه يعلم أين سيجد الأماكن هذه التي تورد المعلومات الحقيقية، فهو يعمل في جريدة شبه حكومية وخلال السنوات الماضية تمكن من اللقاء بعشرات من المشاركين في أحداث عام 1991 مجرياً معهم تحقيقات صحفية كلما مرت ذكرى سقوط النظام،وما تبعها من أحداث أطلق عليها فيما بعد الانتفاضة الشعبانية..قال لأنتظره فهو وحده الذي يمكن أن يعينني وهو الوحيد الذي يمكننا أن نصل الى المشترك في تحديد هوية الأسماء.. فهذا الذي يعرج في رأسه ويمشي باضطراب سيكون سائراً بخطوط مستقيمة حين يقرأ سلام الأمور.
مرت الساعات ثقيلة عليه ولم ينتبه للظهيرة القائضة التي جعلت العرق يتصبب من فوديه..ولم يعثر على هدوءٍ له..فعثر صدفةً على ورقةٍ في جيب بنطلونه,وعليه الآن الجلوس أمام جهاز الحاسوب ويفتح صفحته في الفيسبوك ويكتب رسالة الى صديق له في الأردن يستفسر فيها كيفية الحصول على لجوء الى أوربا..هذا الامر الذي لم يعلم به حتى أهله وأولاده..يدرك أن القصص العديدة التي يمكن له أن يسردها عن حصوله على تهديد من سياسيين ورجال دين وحتى الحكومة هي التي سيقدمها له الآن،مشفوعة بالأدلة المذكورة في أكثر من وكالة أنباء،سبق أن خاض معاركها..طرد من رأسه كل شيء بما فيها الوساوس والقلق على سلام واتجه من فوره إلى أقرب مكتب للأنترنت..وأطلق زفيره بفرح كبير وهو يقرأ الرسالة التي حملت له ما كان يتمناه،أن عليه الإنتظار وقتاً آخر لكي يكون حاصلا على ما كان يسميه الحلم.وعليه أن يبدأ بترتيب أفكاره ليحولها الى واقعٍ تكون دليلاً على أقواله.kh-ali-lafta-2
-16-
في الوقت الممتد من ارتماء الضحى الى احضان النهار، كان سلام يحاول طرد الخوف من رأسه،فهو الآن يطأ أرضاً يسكنها الموت..هنا قال في نفسه تبدأ الحقيقة ومعرفة التفاصيل..فكثيراً ما كان يردد من أن الحرب الأهلية تبدأ من هنا، لأنها الأرض الموبوءة بالصمت والمفتوحة على الجهات غرباً الى الانبار وجنوباً الى الحلة وشمالاً الى بغداد..ولأنه معني بمزاحمة أفكاره كي تهديه سبيلاً ليتعرف عن الأسباب..وفي الواقع كان هو يبحث عن نقطة ارتكاز لينفذ ما وعد به قوله في أمسية نادي الكتاب من أن الاستقصاء وحده يمكن من خلاله معرفة أسباب كل ما يجري في العراق ومن يقف وراءه..كان يرى صف النخيل الواسع الممتد على عمق يساره وعمق يمينه كمن يخفي بين ظلاله كل شيء مخيف..حتى لكأنه لم يطأ هذه المنطقة من قبل ولم تكن هي مسرحاً لكل ذهابه وإيابه من والى بغداد العاصمة التي يعشقها..أشار إلى خضير أن يوقف السيارة ليشتري علبة سكائر، تاركاً الاثنين فاغري أفواههما من هول ما سيفعله وهو مصمم على معرفة الحقائق بطريقة جنونية لا تمت إلى الواقع الصحفي العراقي بصلة ،كما قال خضير لأحمد..كانت عيون الاثنين تراقبانه وهو يتحرك ببطء..كانا يلمحانه من خلال زجاج السيارة وهو ينزل من الشارع العام المرتفع بكتفه عن الشارع الخدمي للمدينة القريب من البيوت المواجهة للشارع العام كخط متوازٍ طويل..كان سلام يحمل ارتعاشةً بدأت تتصاعد كلما وصل الى صف البيوت، مبتعداً عن رفيقيه وعن الشارع العام الذي يوصل الى بغداد..تأكد أحمد أن سلاماً لن يتراجع عما في رأسه وأن علبة السكائر كانت الخطوة الأولى التي ستفضي إلى حكايات عديدة ومواضيع مختلفة ودقائق مبعثرة ربما ستغير بعد ذلك من شأن الكتابة والقناعة والحقيقة.
كان كل شيء في صف البيوت يدعو الى الوحشة فكل الأبواب مغلقة ولا حركة أمامها،والريح الساخنة تصفر وهي تحمل أوراقاً متطايرة وأكياس النايلون كأن خواءً حلّ هنا..كل شيء يلهث في المنطقة حتى سعفات النخيل التي تتحرك كانت تتقي حرارة الشمس وتخفي هلعها وتئن من الرصاص الذي نخر جذعها..ويد سلام تتكئ على واحدة منها وهو يرى الثقوب العديدة في الجذع كأنها تحكي عن المعارك التي كانت شاهدة عليها وشاهدة على حاملي السلاح وهم يختفون خلفها..كان صوتٌ جاف يأتيه لا يحمل سوى خوفه وخوف البيوت التي رآها ميتة..يرى الثقوب الكثيرة على جدران البيوت لشظايا ورصاص ودخان اسود لإنفجاراتٍ عديدة حصلت..يرفع رأسه فيرى النوافذ مهشم زجاجها، حتى أنه تساءل: كم من المعارك شهدتها البيوت وكم من أجسادٍ ذهبت الى المقابر..وكم من العوائل هجرت من مناطقها ..يعلم إن الحرب الطائفية انطلقت من هنا، من هذا المكان الذي يقع جنوب العاصمة ويحاذي خطين متعارضين في الدين..لقد كانت الأخبار تنقل لهم أن هجمات عديدة تقوم بها جماعات متعصبة في مواجهة ميليشيات مسلحة وكأنها هجمةٌ مرسوم لها أن تستمر..لم يكن أمامه سوى التقدم ليرى ما يمكن رؤيته ويفيد موضوعه الاستقصائي..ربما وهو يخطو الخطوات الغارقة بالخوف كان يشعر بشيء من الإندفاع الذي لا يجعله يتراجع..لا شيء يفسد اندفاع وفي رأسه تدور محنة وطنٍ تطلّع الى الحرية فأصبح على بركةٍ من دمٍ لا تهدأ..كان يكتب على صفحة في الفيسبوك..أو في مقالاته الصحفية أو المناقشات التي يجريها في الأماسي الثقافية.. أن البلاد تقف على فوهة بركانٍ وهناك من يؤجج الجمر ليحرقها..لم يكن هيناً عليه ألّا يستمر في المشي وإن كان مصيره مجهولاً..فالبغض الذي يغلف الكلام والدم الذي يسيل لا يعقل أن يكون بحسب تفكيره، مجرد صراعٍ على السلطة بين جهتين متضادتين..بل هناك ما هو أكثر إيلاماً يقف وراء كل ما يحصل..كان يتساءل كثيراً وهو يتجه الى أول شارعٍ فرعي..كأنه يخلف الشمس خلفه..وفي دخيلته أن المجهول الغامض لابد أن يمنحه استثماراً جيدا لمعرفة من يقف وراء الجهة الثانية من الصراع.

*****
بعد بيتين من بداية مدخل الشارع الفرعي..وقف ينظر بعمق، كاشفاً عن خبايا الهلع الذي داس المنطقة بأسرها وكأنها منطقة أسيرة للحرب والمواجهات،كان ظلّه يتناقص طوله وهو يسير الى جانبه..فيما رأى في نهاية الشارع، في عمق المنطقة، ثمة سيارات تنطلق بسرعة باتجاه البساتين البعيدة، مثل تلك الحركة التي يراها في تقارير المعارك وهي تترك خلفها غيمةً من غبارٍ يتطاير..نظر الى جدران البيوت فوجد الغبار قد حولها الى لونٍ كالحٍ ممزوجٍ بخواءٍ مطبقٍ على المكان وما أسماه في دخيلته عاصفة الخنوع..لا شيء يتحرك سوى الكلاب السائبة والقطط، ودجاجة وحيدة قفزت من سياج أحد الدور الى دار أخرى، نبهته أن ثمة محل هناك مفتوح بابه، وأعلمته أن ثمة حياة في هذه الدار على الأقل..تقدم خطوتين وهو يعلم أن عيوناً أربعة تراقبه من داخل سيارة الماليبو بقلق كبير، وربما يعض أحمد أصابعه ويطلق خضير آهة الندم لأنه توقف في هذه المنطقة التي سمعوا عنها ..أن من يقف على أرضها لدقائق لن يحصد سوى الموت.
اقترب بهدوءٍ من باب المحل وهو يعصر أصابعه متهيئاً لأية مفاجأة..فرأى رجلاً يجلس على كرسي حديدي قديم..حاسر الرأس، ملأ الشيب شعره وفوديه، مجعد الخدين، عينان بيضاوان من عمر أمضاه في ضنك.. يرتدي دشداشة غير مرتبة مفتوحة الأزرار تكشف عن فانيلة متسخة وشعر صدره الأبيض،تبدو عليه إمارات التعب والإرهاق..فيما كانت أغلب رفوف المحل فارغة من البضاعة..كان الرجل منشغلاً بهش الذباب الذي يهجم عليه من أكوام نفايات تنبعث منها رائحة تشي أن أكثر من شهر مر عليها ولم ترفع من مكانها.. سلم على الرجل الذي اعتدل بجلسته ورد السلام عليه بأحسن منه..أشعره بالاطمئنان،وأن لا خوف منه.
– أريد علبة سكائر .
كان الرجل يتطلع الى وجه سلام ربما بريبة..زاوية عينه جعلها مخروطية يمكنها اختراقه بحسه العسكري القديم أن هذا الرجل القادم إليه ليس من أهل المدينة وليس من المسلحين..الرجل استغل بطء حركته لينظر الى سلام الذي كان يرتدي تي شيرت أزرق اللون وبنطلون أزرق قاتم ويمسك نظارة شمسية سوداء مع جهاز موبايل أسود بيده اليسرى..وشاهد قلماً يخرج غطاءه من حافة الجيب العلوي..فيما كان حذاؤه الأسود يعلوه التراب، ويعرف الرجل، إن المنطقة لا تجعل أحذية الناس تحتفي بأصباغها بعد أن تحولت حتى شوارعها المعبدة الى حفر وأتربة وأوساخ..كان سلام يدرك أن الرجل يراقبه..وأنه وإن كان بطيئاً إلّا أنه ربما ارتاب منه ومن حضوره المفاجئ..فحاول سلام ممازحة الرجل:
– بعدك شباب حجي.
– يا شباب وأنت تقول لي حجّي والعمر كضّينا حربْ بْحرب وحصار واحتلال الآن.
– هذا حظنا وقدرنا حجّي المهم نحن نتنفس وعيوننا بعين الله.
لم يجد الرجل بداً من الموافقة على قول سلام وهو يذكر الله والقدر الذي تمنحه السماء..وعلى وقع خطوات هادئة تسرب الخوف من بدن سلام وهو لا يرى شيئاً مخيفاً في الرجل أو حوله، مجاملاً إيّاه بعدم استلام مبلغ علبة السكائر التي أزال عنها النايلون الملفوف حولها ثم أخرج واحدة، وقدمها للرجل الذي شكره..وقال له أنه مكتفٍ بالسكائر التي حوله والدخان الذي ينبعث من الحروب..أخذ سلام يتجه الى عمق المحل الذي على ما يبدو أنه جزءٌ من حديقة منزل الرجل..لا يتعدى عمقه ثلاثة أمتار..توقف بالقرب منه فرأى فانيلته الداخلية متسخة فيما كان شعره الأبيض الخفيف يشي من خلف رقبته أنه لم يحلقه كما لم يحلق لحيته أو يشذبها منذ فترة..مرت عينا سلام على فتحة الباب، فتذكر أن صاحبيه ما زالا في السيارة وأن عليه أن يبدأ بالحوار مع الرجل لعله يحصل على معلومات تعينه في تحقيقه الاستقصائي.
– أين الناس ؟
الرجل يهشّ الذباب بقطعة مربعة من كارتون ربطها بعصا، فصارت مروحة يدوية من جهة ومضرب لقتل الذباب من جهة أخرى..فكان يحاول ألّا يجيب على السؤال، فهو أيضا مرتاب من وجوده في محله..فاتخذ طريقاً له أن يكون غير منتبهٍ له أو أنه لا يسمع..فأعاد عليه السؤال بطريقة أخرى.
– أرأيت ما يفعله الإحتلال بنا..جعل الناس خائفين ولائذين بالبيوت أو هاربين منها .
اعتدل الرجل في جلسته ثم وقف أمام سلام كمن أطمئن له، فهذه الجملة تعمد أن يطرحها فأي كلام ضد الإحتلال الأمريكي يعني مقاربة أولى للروح الوطنية للكثير من العراقيين الذين قد يختلفون على كل شيء لكن أغلبهم يجتمع على إن ما حصل كان احتلالا..وهو ما سمعه من الرجل وهو يوجه له السؤال أيضا إن كان حقا يعد ما حصل في العراق احتلالاً..فهز سلام رأسه ثم اعقبه قولاً بتأييده..بل وزاد عليه ليدخل الإطمئنان الكلي الى رأس الرجل وتفكيره: إن من لا يقول هذا احتلالٌ فهو لا يحب بلده حتى لو كان ذلك من أجل التغيير لما كان..نفث سلام دخان سيكارته ونفثه بعيداً باتجاه فتحة الباب..فحدثه عن العراقيين وعن أيام الدراسة وكيف كان الجميع يعيش مع بعض بل ذكّر الرجل بالحروب التي كانت تجمع في مواضعها العراقيين من كل المدن والأديان.
وقبل أن يسأل سلام سؤالاً آخر، سمع صوت انفجارٍ بعيد..جعله يلتفت بشيء من الخوف.. ممسكاً بحافة مجمدة قديمة منطفئة، فيما راح الرجل يهدئ من روعه.
– انفجارات تعودنا عليها كل يوم..وتشابهت علينا النيران.
ربما أدرك المعنى وهو يستقبل الكلام بلسان عربي له عباراته الدالة على الفوضى والضجر والحيرة في الوصف..لم يكن المجال متاحاً لكي يستمر في استقبال الكلام لأن الرجل أعطاه علبة بيبسي تتمتّع ببرودةٍ كاذبة في دلو مملوءٍ بالماء لتخفيف حرارة المشروب قليلاً بطريقة يعلمها جيدا،أيام الحرب مع إيران حين كان عليهم البحث عن طريقة لتخفيف حرارة الماء بوضعه في ظل ويمر عليه الهواء.قال الرجل
– إنه صراع الموت.. الإحتلال بحاجة إلى مقاومة،والمقاومة بحاجة إلى موت والعنوان هو القتل.
ربما استمع إلى فلسفةٍ من رجلٍ لا يبدو عليه سوى الضعف والشكوى من ضيم الحياة..تخيله وكأنه نائب ضابط في الجيش العراقي أيام الحرب..فسأله عن عمله قبل أن يبيع الحلويات والسكائر والعصائر..وقف الرجل عند باب المحل وصوب عينيه إلى السماء،وفأخبره أنه قارئ جيد لكل ما يقع بين يديه حتى لو كان صحيفة قديمة، وانه يحتفظ بمكتبة جيدة في بيته تضم كتباً فلسفية وأدبية..لكنه أخفى عنه الإجابة الصحيحة التي كان قد توقعها بين نفسه.
أنهى سلام شرب علبة البيبسي التي تبرّد حرارة جوفه المتأثر بحرارة المكان التي بدأت تتصاعد كلما تحركت عقارب الساعة الى العاشرة..مدركاً في الوقف نفسه إن هذه المنطقة هي مصدر الخطورة..ويكرر سلام قوله مع نفسه والآخرين دوما من إن الحرب الأهلية تبدأ من هنا في زمن النظام السابق..لما كان يسمعه من صراعٍ خفي بين السكان سواء منه الصراع العشائري أو المذهبي..كان يسمع عن ذلك الصراع القاتل المسكون تحت فوهة بركان انفجر ما أن أزيل عامل الضغط الأمني وقوة السلطة..لم يتوهم سلام من أن الوضع في خطورة تامة وإن عليه أن يستثمر هدوء الرجل ورفضه لكل ما هو مخالف للحياة لمعرفة ما جاء من أجله، حتى أنه نسي أحمد وخضير وهما يلوكان القلق وكأنهما يعيشان وحدهما في ظلمة قاتمة.
-17-
حين كان رتل الهمرات يتحرك في الإتجاه المعاكس من الطريق ويتخذ من وسط الشارع مساراً له حتى لا يتجاوزه أحد ولا يسمح لأحدٍ بتجاوزه.. كانت المدينة صامتة لا يُسمع فيها شيء سوى هدير محركات السيارات وهزيز الريح وهبوبه الذي يصطدم بالأشجار والأبنية، فيحرك معه التراب اليابس من قلة المطر في الشتاء الذي رحل بيباسٍ يشبه يباس البلاد..كان كل شيء يسير ببطء وأيضا بسرعةٍ كبيرةٍ لمواجهة نهار موبوء بالترقب..وكان الإنتظار بالنسبة لأحمد وخضير هو الأكثر إزعاجا، رغم إنهما لا يعلمان أن هناك من يراقب الرتل الذي فات من أمامهما وصار خلفهما..في وسط سكون رهيب ربما هو السكون الذي يسبق المواجهة والموت.
قال أحمد:
– ها خضير..ماذا ترى؟
لم يرد عليه..ليس باستطاعته الضغط على دواسة البنزين لينطلق، فثمة تعليمات يعرفها،أن أي رتلِ إذا ما فات في الشارع فإن على جميع المركبات التوقف في الإتجاه الآخر من الشارع ، والابتعاد مسافة 100متر.. تناول خضير قنينة الماء وكرعها في جوفه، مفرداً من وجهه إشارة مريبة إلى أحمد،ثم أشار إلى الجهة الأخرى برأسه، كمن يضع أصبعه على جرح يسيل دماً ويخفيه..كانت ثمة رؤوس تخرج من خلف جذوع الأشجار وأسيجة البيوت..وجوه ملثمة ملفوفة بيشاميغ حمر..كان الإثنان في حالة استرخاء ممل ينتظران سلاماً متى يعود..فاستعدلا في جلستيهما يغافلان ارتعاشة خوفٍ بدأت تدبّ سريعة، تصاحبهما خفقات قلب..كانت نبرة خضير تشي بالرعب،وأكثر ما أثار فيه الخوف حين رآى من خلال المرآة الجانبية له ثمة مسلح يبرك خلف السيارة..أشار الى أحمد إن المعركة قادمة، وإن المواجهات ستكون قريبة منهما .
المسافة ما بين الرتل الأمريكي والمسلح الذي يبرك خلف السيارة كأنها المسافة الفاصلة ما بين الموت والهلع من رؤيته..كان المسلح قد أشار إليهما أن اخفضا رأسيكما..وكان أحمد يرى مسلحاً آخر قد قبع خلف مظلةٍ قديمةٍ مستهلكةٍ، أصابها الصدأ بانكسارات العمر وغابت مقاعدها وخلت جوانبها من الزجاج ، يمسك بيده جهاز لاسلكي من النوع الحديث وربما عينه كانت باتجاه السيارة..أخذ خضير يرتجف فيما ظن بأحمد أنه قد مات مغمضاً عينيه خلف نظارته الطبية.
– وِلَكْ سلام..
لم يجبه لكنه رأى تحرك شفتيه فعرف أنه يقرأ القرآن،ليبعد الخطر الذي داهمه بغفلة وقوف في المكان الخطأ..لم يجد بدا من مجاراته في تلاوة ما يحفظه من الآيات..أية آياتٍ تأتي على لسانه فهو ليس بالخبير ولا بالحافظ في القرآن..وكان يسمع صدى كلماته يتردد في داخله..فجاءته فكرة أن يحرك سياراته وينطلق بالاتجاه المعاكس أو يتخذ من شوارع المدينة الداخلية طريقاً للهرب..لكنه احتاج الى إخبار سلام من أن عليه أن يأتي فوراً وإلا تركاه وحيداً.

*****
أحمد كان يخفي ارتجافته باحتضان ساقيه..وخضير كان مرتبكاً..قدمٌ على دواسة الوقوف بلا حراك ويدٌ تمسك المقود بغضب جعلها تتعرق..ولأن سلاماً يقف بين التحرك والبقاء ففكر أن يخرج هاتفه النقال ليجعل للتفكير نهاية..مدّ يداً مرتبكة الى جهازه وقبل أن يفتح الإضاءة.. حصل انفجار قوي استهدف إحدى الهمرات ..وراح الدخان يتصاعد ليحرق كيانهما ويجعلهما يرتجفان أكثر ،وهما يشاهدان مسلحين يخرجون من تلك الدور الصامتة باتجاه الرتل لتبدأ مواجهة ضارية سرعان ما سقط فيها قتلى من المسلحين أمامهما بعد أن تمركز الجنود خلف عجلات رتلهم..صاح أحمد بخضير أن يتحرك ألى الأمام :
– أطلع يمْعوّدْ تريدنة نموت؟
– وسلام؟
– يبحث عن الحقيقة في هذا الظرف..أطْلع سأتصل به.
هرع سلام الى بداية الشارع ليطمئن على زميليه فوجد السيارة تبتعد عنه، هاربة من لعلعة الرصاص الذي أعاده الى داخل المحل، ليجد الرجل يضحك بهدوء وسخرية قاتلة.
– مو قلت لك لا تطلع خارج المحل.. في الانفجارات إبقَ في مكانك لتسلم هكذا علمتنا الحروب.
كان الرجل يقرأ الأسئلة، محاطاً بحيرةٍ هبطت عليه في هذا النهار الحزيراني..فأخبره إن كل شيءٍ سيعود إلى مكانه،وأن الأمريكان سيغادرون المكان وقد أخلوا جرحاهم ثم يأتي المسلحون ويخلون جرحاهم أيضا.
– أما أنا فلا أفكر بغلق المحل لأنه لو مع كل انفجار أو مواجهة في الجهة الثانية من الشارع أعزّل.. يعني يومية خمس مرات يجوز أعزّل.
لم يسمع سلام من الرجل ما قاله في آخر الكلام،فقد كان يشكو من قلق رهيب على زميليه..لماذا غادرا المكان..كان بالإمكان المجيء اليه وأخذه معهما..تمنى ساعتها لو أن ما رآه من مغادرة الماليبو ليست هي سيارة خضير بل سيارة ثانية..كان منهكاً في التفكير جعلته يجلس على الأرض داخل المحل ولم يزل صوت الرصاص مستمراً وإن كان متقطعاً..جفل حين سمع صوت جهازه النقال، نهض كمن يبحث عن شيء مفقود في جيوبه..صاح بأعلى صوته دون النظر إلى أسم المتصل،فقد كان حدسه أنه أحمد.. صاح بأعلى صوته:
– ألو.
كان أحمد يتكلم من بطنه الموجوعة،يتصبب عرقاً جعلته يفتح أزرار قميصه العليا مرتبكا، يناجي الهدوء بأدعيةٍ مخفيةٍ في رأسه..سمع صوت أحمد وهو يكفر بعصبية ظاهرة في نبرة صوته:
– أنت مجنون..مجنون رسمي..وتريدنا أن نكون مجانين مثلك.
وراح يحدثه عما شاهداه من موت وكيف خرجا منه بأعجوبة..كان الانفجار خلفهما..لكن المسلحين ظهروا من أمامهما لمواجهة الرصاص الذي يطلق من عشر همرات..كانت سيارتهما هي الوحيدة بين الرصاص..هما الآن في مدينة المحمودية يلتقطان أنفساهما بصعوبة،وأن عليه أن يغادر المكان فوراً، ويتجه إليهما ،بل أن أحمد زاد الطين بلّة حين أخبره أنهما لن يكونا بانتظاره في مدينة المحمودية وعليه إيجاد وسيلة تقله الى بغداد والى مقر الجريدة مباشرة.
– حين تصل الى بغداد إتّصل بنا لا تكن مجنوناً وتبقى ..أنْعل أبو الصحافة التي تضيع عمرنا ولا أحد يتذكرنا أبدا.
ظل سلام ينظر الى الرجل الصامت وهو يعلم إن لا وسيلة الآن تخرجه من هذه المنطقة إلا بعد ساعة على الأقل.لا يستطيع أن يمد رأسه خارج المحل وعليه أن يبقى صامتاً كما الرجل.
– كيف تتركاني وحيداً أحمد..هل هذه الصداقة؟
– ولكْ أنت مخبّل،صار الإنفجار قريبا منّا والمواجهات حاصرتنا من كل الجهات..الأمريكان خلفنا والمسلحون أمامنا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *