محمد حسين الأعرجي: خطرات عن “جمال الدين” والدنيا

إشارة:
هذه المجموعة من المقالات والوثائق التي ننشرها متسلسلة عن العلامة الراحل “محمد حسين الأعرجي” ، تأتينا من العزيز الشاعر “حسين القاصد” الذي احتفظ بها كتعبير عن وفائه لأستاذه ، والتي سيقوم بإصدارها في كتاب مستقل .. فشكرا للعزيز أبي علي .

وأبو إبراهيم شاعر كبيرٌ، ولكنّ مجتمعه لم يعترف بشاعريته إلاّ في أواسط الستّينات يوم انعقد مؤتمر الأدباء العرب سنة 1965في بغداد؛ فألقى فيه قصيدته العامرة:
  بغداد ما اشتبكت عليك الأعصُرُ إلاّ ذوتْ ووريقُ عُمركِ أخضرُ
فهزّت المحافلَ الأدبية العراقية، والعربيّة.
ولعلّ من الطريف أن أذكر أنّ هذه القصيدة لم تكن من بنات عام 1965؛ لأنّه كان قد قالها بمناسبة احتفال العراق بعيد بغداد الألفي، والفيلسوف الكندي الذي دعا إليه الزعيم الوطنيّ الشهيد عبد الكريم قاسم.
وكان أن تألّفت لجنةٌ للإشراف على الاحتفال، وكان منها المرحوم الدكتور ناجي الأصيل ـ ولعلّه كان رئيسها ـ فقدّم الراحل قصيدته، وقدّم معه صديقه الشاعر المرحوم جميل حيدر قصيدة، فرفضهما الأصيل معاً بحجّة ضعفهما ممّا دعا جمال الدين أن يقول وهو في طريق العودة إلى النجف الأشرف خائباً من الاعتراف بشاعريته:
  الخزيُ والعارُ يا ناجي الأصيل لكمْ  والخزيُ والعارُ يا ناجي الأصيلُ لنا
وتوالت المناسباتُ والدعوات اللائي شارك فيها، فكان يُحسب له حسابُه، وكان يُحسب للجواهريِّ الكبير قبلَه.
وأظنّ ظنّاً يُشبِه اليقين أنّ الجواهريَّ كان يحسُب له حسابه، وأنّ بدوي الجبل كذلك.وإنْ من طرف خفيّ.
فإن لم يكن الحساب من همومهما فقد كان من هموم، وأفكار مستمعي جمال الدنيا، وليس الدين وحده؛ وحسبي دليلاً على ذلك أنّه يوم انعقد مهرجان الشعر العربي في دمشق سنة 1970، وكان الصراع البعثيّ بين سوريا والعراق على أشدّه رأت بغداد أن تُفسد المهرجان العربيّ بمهرجان أبي تمّام الذي انعقد في الموصل، ولعل القائمين على الثقافة في بغداد كانوا يجهلون أن الموصل لا تشرّف أبا تمّام؛ لأنّه قضى فيها نحبه، وهو رئيس جهاز مخابراتها الذي كان يُسمّى ” جهاز البريد “، ثمّ صرَّح الحوضُ عمّا فيه من وحل فصار يُدعى : ” جهاز البريد والخبر “. وأستغفر الله أن أتّهم كلّ جهاز مخابرات بما أتّهم فيه أجهزة المخابرات العباسيّة، والأجهزة التي تعلّمت منها القذارة.
وأعود إلى ما أنا في سبيله فأقول: إنّه تبارى في دمشق ثلاثة من الشعراء هم عراقيان، وسوري، فألقى الجواهريُّ قصيدته في رثاء عبد الناصر التي مطلعها:
  أكبرتُ يومك أن يكون رثاءا الخالدون عهِدتُهم أحياءا

والبدوي بائيته في حفيده ” محمد ” التي يدلّ على فخامة شاعريّتها مطلعها وما بعدَه إذ يقول:
 سلي الجمرَ هل غالى وجُنَّ وعُذِّبـا كفرتُ به حتنى يشوقَ ويعذُيــا
 هبينيَ حُزناً لم يُجرِّبه عاشـــقٌ   فما كنتُ أرضى منكِ حُزناً مُجرَّبا
فما كان من أحد الحاضرين وهو من عائلة الأمين اللبنانية المشهورة إلاّ أن يتوجّه إلى صدر ملعب دمشق الدوليّ، حيث يقف أبو إبراهيم وهو يهتف: ” وهل رأيتَ أديباً غيرَ شيعيِّ ” ؟!
هذا ما كان من أمر شعر المُصطفى في أوائل الستينات وما بعدها إلى تأريخ فجيعتنا به سنة: 1996م، أمّا ما قبل هذا فكان شاعراً رومانسيّاً حالماً؛ لا أشكّ في أنّه تأثر بشعره الرومانسيّ القصصيّ الأول بإيليا أبي ماضي ـ وقد طبع ديوان أبي ماضي: ” الخمائل طبعة مُبكِّرة في النجف الأشرف وأُعيد طبعُه أكثر من مرَّة ـ  أقول: إنّه تأثّر بأبي ماضي، ومواطنيه من اللبانيّين.
وكان مصطفى مثقّفاً منهوماً في القراءة، وإذ رشحّني أن أكون عضو الهيأة الإدارية في جمعية الرايطة الأدبية والعلمية في النجف الأشرف التي كان يرأسها، ورأيتُ المكتبة التي هي من إهداء الملك غازي بن فيصل الأول إلى الرابطة عرفتُ جزءاً من منابع ثقافته الشعرية، والأدبية، والفكرية؛ فقد كان من مقتنيات المكتبة على ما أتذكر مجلاّت التنوير المصرية، ومنها ” المقتطف ” التي كان يُصدرها في مصر الأستاذ يعقوب صرّوف، ومنها مجلّة ” أبولو ” المجدِّدة التي نشر فيها الجواهري، وأبو القاسم الشابّي، وشوقي، ومن إليهم من أساطين التجديد الرومانسي في الشعر العربي.
ويبدو أن قراءاته هذه، والجوّ السياسيّ ، وأربعينات شعر الجواهري قد قادوه إلى التمرد على الأوضاع القائمة يومئذٍ، ولكن كيف سينقلب مرجع الشيعة الأخباريّ على إرثه الدينيّ، وعلى تربية جدّه السيد عناية الله، وعلى تقى والده السيد جعفر، وجدّه الأعلى المرزا محمّد؟!
ولا أعني بالانقلاب ـ والعياذ بالله ـ المروق من الدين، ولكن مما شابه، أو يشوبه.
ويبدو أنّه حزّ في نفسه ـ ومصطفى حُرّ العقيدة غارقٌ في حبِّ وطنه ـ أن لا يكون لرجال الدين دَورٌ بارز في الحركة الوطنية العراقية، كما لليسار العراقيّ، وللعلمانيّين، وإذ استغرق في أسباب ما آلت إليه الحال استقرّ على أنّ من أسبابها مناهجَ الحوزة العلمية التقليدية فدعا إلى تغييرها وانتخاب مناهج لها علاقة بالعصر بدلاً عنها، ولعل أوضح شاهد على ذلك قصيديتُه في الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، في أوائل خمسينات القرن الماضي، القصيدةُ التي استعادها الشيخُ واقفاً.
ومن هنا كان من أشدّ المتحمّسين لدعوة العلاّمة الشيخ محمد رضا المُظفّر إلى تأسيس جمعية منتدى النشر لإصلاح الخطابة الدينية، ومناهج الحوزة العلمية، ولكنّني لا أزعم، ولم أره كان يزعم بأنّ دعوات الإصلاح هذه قد أتتْ أُكُلَها.
والمُهم في كلّ هذا الذي سردتُه أنّ السيد مصطفى كان قد تأثر في هذه المرحلة بشعر الجواهري، وفي ” الديوان ” الذي لا أمتلك نسخة منه في مُغتربي العراقيّ الجديد ـ بسبب التهجير الديموقراطيّ ـ والذي أهداني هو نسخةً منه شواهدُ وشواهد.
وإذ اعتُرف لمصطفى بالشاعرية التي هي أهلٌ له انعقدت بينه وبين بدويّ الجبل علاقة كان من ثمراتها ـ ولم يكن للبدويّ يومئذٍ ديوان مجموع مطبوع ـ أن صار يكتب ما يتلوه عليه البدويُّ بخطهِّ ثمّ نسمعه منه ونحن في مجالس الرابطة؛ وربّما كان للطلبة اللبانيّين الذين وفدوا إلى النجف لدراسة العلوم الدينية ـ وكانوا من أحلاس الرابطة الأدبية ـ من أمثال السيد هاني فحص، وعلي بدر الدين، والسيد محمد حسن الأمين، والسيد كاظم إبراهيم، وسواهم دور في نقل شعر البدويّ إليه؛ فبلغ من إعجابه بشعره أن أهداني يوم غادر العراق إلى لندن، ومنها إليّ في الجزائر فالكويت أقول أهداني ديوان البدوي ( طبعة دار العودة سنة: 1998) فكتب في إهدائها يطلب منّي أن أعيد النظر في تقويمي شعر بعض الشعراء، ويقصد بـ ” ببعض الشعراء ” الجواهري؛ لأنّ كانت دارت بيننا جلسةٌ ونحن في شقتي بالجزائر ناقشنا بها المفاضلة بين شعر الرجلين؛ فذهبتُ إلى رأي في البدويّ لم يرضَه، فقد كان من رأيي أنّ البدويّ على لغة القدماء يقول البيتَ وابن عمِّه، على حين يقول الجواهريُّ البيتَ وأخاه؛ فتأتي قصيدتُه نابضة بالحياة متدّفقة.
ومن هذه المرحلة ابتدأتْ الأناقةُ المُرهفة في استعارة جمال الدين الشعرية فكان من استعاراته ما هو مُدهش كمثل قوله:
  ألم يتسلَّق شبابُك عُمْـ  ـري فيقلبَ عوسجَه سَوسنا
وكمثل قوله في الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام:
  وعليٌّ إشراقةُ الحبِّ لو شِيبَ بسودِ الأحقاد كـادتْ تُنيـــرُ
وعليَّ أن أقول هنا: إنّ مثل هذا الخيال غريبٌ على شعر مدينة النجف الأشرف؛ لأنّ معظم شعرائها الذين هم من جيل شاعرنا يتّكئون على حافظتهم الشعرية أكثر ممّا يتّكئون على خيالهم. وهو من نمط خيال البدويّ.
وتهيّأ لجمال الدين بفضل قراءاته الواسعة أن يجمع بيبين تدفّق الجواهري، وشبوب انفعاله وأناقة البدوي فخرج من كلّ ذلك بشخصية شعرية لا تنتمي إلاّ إليه.
على أنّ هذا لا يعني أنّه اقتصر في قراءاته على هذين الشاعرين، ولا يعني أيضاً أنّه أهمل التراث العربي الشعريّ، فقد كان معجباً ببعض شعر شوقي، من المعاصرين، وبعض آخر من شعر نزار قبّاني،وطرف من شعر أبي ريشة، وهكذا.
وبجملة واحدة أقول: إنّه كان يتذوق الشعر الجيد بغض النظر عن قائله، وعن موقفه منه. وما أقوله عن معاصريه يمكن أن أقوله عن الشعراء القدامى، ومن يعرف السيد مصطفى يعرف ملازمةَ دفترِ اختيارته الشعريةِ ” جيبَ ” جُبته الداخليَّ الأيسر، ويعرف مدى تنوّع مشاربه في هذا الدفتر الذي لم يكن يفارقه. هذه المشارب التي تبدأ بالمتنّي وتنهتي  بصديقه وابن قريته الشاعر المرحوم جميل حيدر في قوله متغزّلاً:
  يا للسماء أهكذا تدعُ النجو مَ بغــــــيرِ سُلَّمْ
ويمتدّ إعجابه إلى قول صديقه الذي كان أستاذي في الابتدائية، أعني الأستاذ الشاعرمحمد الهجري. وقد ذكر هذا الإعجابَ أكثر من مرَّة في مجالسه الخاصة وكرّره في مقدّمة ديوانه: ” الديوان “.
وينبغي أن أُفصِّل ما أروي؛ فأقول: إنّ الهجري من ” هجر ” التي لا يُنقل إليها التمر، وإنّه كان يدرس في النجف الأشرف العلوم الدينية، وإنّه انخدع بدعاوى البعث القومية فانخرط في صفوف الحرس القوميّ سنة: 1963، ثم لمّا حدث انقلاب تشرين الثاني 1963 عاد إلى المملكة العربية السعودية، واصطنع له اسماً لا أُريد أن أذكره فكتب إلى مصطفى إجابة عن قصيدة شكا فيها شاعرُنا ، وشكا معه الشاعر الراحل الأستاذ محمد صادق القاموسيّ عزيز فراقه عليهما، فقال يتشوق إلى العراق مجيباً:
  يا مَن تُغنّي عندهم دجلةٌ  أغصاننا غنّتْ عليها الكلاب
  ألم تزل هناك في أرضكمْ  شُميسَةٌ ولو لنشرِ الثياب ؟!
  وذاك لا أذكر ما إسمُـهُ  يُضيءُ في الليلِ زوايا العتاب
  فشمسُنا قد نسيتْ لونَها  وبدرُنا يحثو علينا التـراب
وقلت: ” كرّره ” لأنّني سمعتُه منه أكثر من مرّة، ولكنّ هذا التعبير لولا ” الكلاب ”
ولكنّ هذا الغموض المُرقص في الحنين الذي أنسى الشاعر شعاع الشمس، ولون القمر، وهذ الكناية الجميلة عن القمر بأنّه ” يضيء في الليل زوايا العتاب ” من مطربات شاعرنا لم يُنقص منها أنّه ممّا قاله شاعر مُعاصر غير مشهور هو الأستاذ الهجري.
أمّا اختياراته من الشعراء الآخرين المتقدّمين من مثل الرضيّ، وكشاجم، ومهيار، وعبد المحسن الصوري، وأمثالهما فقد كان يغوص على مئات الأبيات ليلقط لك دُرّة لم تكن تحسب أنّها موجودة في دواوينهم. وإن أنس لا أنس مدى إعجابه بقول الرضيّ:
  يا ليلةً ماكان أقصرَها  لو آنَّ الليلَ بـاقِ
  كان اتّفاقٌ بيننـا    جارٍ عى غير اتّفاق
  حتى إذا نسمتْ رياحُ الصبح تؤذنُ بالفـراق
  بردَ السوارُ لها فأحميتُ القلائــدَ بالعنـاق
وللسيد مصطفى طريقةٌ في السخرية ربّما كان يتفرّد بها من بين أقرانه، فإذ تقوم السخرية على اختلاف حاليْن في الهيأة، أو في الموقف ممّا يجعلها واضحةً لا تحتاجُ في فهمها إلى عناء كبير نجدها عند أبي إبراهيم سخرية تعتمد البلاغة العربية في المقام الأول فتختزن من هذا الباب كلَّ ما حذقه من ثقافة في البلاغة وفي سواها، ويكفيني هنا أن أسوق مطلع قصيدته في سبطه يقظان الذي فرّ أبواه إلى رفحاء بعد انتفاضة سنة 1991 المجيدة، فكان لهما أن تضعه أُمّه في تلك الصحراء القاحلة البخيلة الموحشة فما كان منه إلاّ أن يسخر من نظامين بائسين، ولكن سخريةً عالية مُبطّنة لا تبعث على الابتسام بمقدار ما تبعث على الحُزن المؤلم يقول فيها:
  أنبأوني يا مَن برفحاء بانوا  كيف يغفو بليلها اليقــظان؟!
  كبف هزَّتْ عواصفُ الرمل مهداً
      ضجرتْ من بكــائه الأوطانُ
  ضاق فيه حضن الفـراتيْنِِ ذرعاً
      فتلَّقتـــه هذه الكُثبـــانُ
  فرشتْ جمرَها له مُهجُ البيـ ـد، وجادتْ بشوكها السَّعدانُ
  وتولّته بالرضاعةِ أثـــدا ءُ السواقي،وهــدهدته الرِّعانُ
  ثمّ غطّاهُ من لظى القيظِ لفحٌ أريحيٌّ تغارُ منه الجنــــانُ
  … وهنيئاً لحاضني ( القائد الرمز)وما يحضنون هــذا الرّهـانُ!!
  نام أطفالُهُ لديـه، وغصَّتْ ببقايا أطفالنا الوديــــانُ
  غير أنّا على الصحارى وما هُنّا، وهم في ذُرى القصور وهانــوا!
وبمقدار ما ترى خوف الجدّ على سبطه أن يهون، وأن يتعذَّب عذاباً لا يدري بمحتواه ترى التورية البارعة في أن أن ينامَ اليقظان في صحراء، وأن ترضعه السواقي التي لا وجود لها أصلاً، والرعان التي هي قِمم الجبال، وأين الجبال في رفحاء لتكون منها قمم تهدهد سبطَه؟!
على أنّ هذه السخرية تنتهي بتفاؤل المجاهد الواثق ممّا يفعل، وممّا يقول، فتكادُ أن يكون اليومَ البيتَ الأخير اليوم نبوءة، كُشِف عنها البصرُ فإذا هو حديد.
ويقول في تأبينه السيد أحمد الصافيَ النجفيَّ:
  وعكفنا عليكَ عُبّادَ شِعــرٍ القوافي صلاتُهـم والأذانُ
  وبهمسٍ سألتَ كيف أرى الدُّ نيا إذا لم يكـن بها لبنانُ؟!
  كيف بي لو رأيتُ جنّاتِ عَــــدنٍ
      يتولّى خرابَها رضـوانُ؟!
  وصدقتَ الرؤيا فها هي جنّاتُك في كفّ حاقـدٍ نيـــرانُ
  الهضابُ التي عشقتَ استقرّتْ والبساتينُ عِطرهُنَّ الدّخانُ
ويقول ساخراً أمرَّ ما تكون السخرية المؤلمة في قصيدته التي يُحيي فيها ذكرى الشيخ المفيد:
  مساكينُ أبناءُ اليهودِ تقطَّعتْ أكفُّهمُ من طولِ ما ذبحوا العُربا!
أمّا متى تُفصح السخرية عن نفسها سافرة غير محتجبة ففي القصائد التي يداعب بها أصدقاءه على سبيل الإخوانيات، وإذا كانت إخوانيته التي أشرتُ إليها ، ولم أسردها ، في صديقه الهجريّ، والتي أثبتها هو في مقدِّمة ” ا لديوان ” فإنّ ممّا لم يُثبته قوله في تهنئة صديقه الشاعر محمد صادق القاموسيّ وقد عاد من الحجّ عن طريق بيروت:
  كما يركلُ اللوريُّ في حملةِ الرجّي  أتينا نزفُّ التهنئــاتِ إلى الحجّي
إلى أن يختمها بقوله:
  ولم أرَ مثلَ اليوم مثلَكَ حَجيّــاً  أراقَ ثواب الحجّ في ساحة ” البُرجِ ”
و” أراق ” من استعاراته البدوية، وحاشا لأبي رشاد أن يُريق ثواب حجّه في ساحة، ولكنّه قعد في طريق قافية المصطفى.
وقُدِّر لي أن أقعد في طريق قافيته من طريق صديقة جميلة هي غاية في الجمال فقال فيها يسخر ممّا هو فيه، ومن الوضع العربيّ برمّته، وكان رآها حين كان ضيفي في الجزائر:
    ساميةٌ يا حلـوة العـينينِ
    يا باقة الورد عـلى رُديني
    وصدرَها المائجَ بالنهـدينِ
    كأنّه القصيدُ ذو الشطرين
    لحّنه الموجـيُّ مَــرَّتينِ 
    وشَعرها المائجَ في الكِتفينِ
    لو صُفَّ والحريرَ خصلتين
    لاخشوشنَ الحريرُ في اليدين
    أفديكِ يا رائعــة الخدَّينِ
    بالحسن الثـاني وبالحُسينِ
    وبالقـاديّين في القُـطرينِ
    وبالسلاطين ذوي الوجهين
    من تونس الخضرا إلى البحرين
    أُقسم بالله بغـــير مَينِ
    لو أنّ مولانا أبا الحُسينِ
    رآكِ لانشقَّ إلى نصفينِ
    مُعلِّقاً في القلبِ صورتيْـنِ
    صورتها وصورةَ الخُميني
وأظنّ أن ليس من حقّ أيِّ سياسيّ ـ مهما علا شأنه أن يعترض على ما قال؛ لأنّ من وظيفة الشاعر أن يتناقض تناقضاً إيجابياً مع السلطة التي يظنها وطنية، وأن من وظيفته أن لا يداهن أحداً؛ لأنّه ترك المداهنة، والمداورة للسياسيّين، ولكلّ شيخ ـ كما يقول المسرحيُّ الإيطاليُّ بيراندلّو ـ طريقُه، وإن شئتَ فطريقة!
ورحم الله المصطفى أن يُدرس رسالة ماجستير في السعودية، ولا يكاد يُذكر لولا هذه الذكرى في العراق،  وأن يبحث ابنُه حمّودي إلى الآن في ظلِّ العراق الجديد عن لقمة عيش بأن يُعاد إلى وظيفته ضابطاً برتبة شيعيّ عربيّ في الجيش، فلا يجد.
ونمْ أبا ” الحسونيّات ” هانئاً؛ فما زلنا عند ” حسون ” يُغنينا ” ولكن بصوت فيروز هذه المرّة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.