أحمد الحاج : يوم إستهدفوا ساعة النعمان إيذانا بتوقف الحياة والزمان !!

ساعة النعمان بعد ضربة الأمريكان الغزاة
ساعة النعمان بعد ضربة الأمريكان الغزاة

لي في بغداد العراقة ست عشيقات أصيلات من ربات الصون والعفاف لطالما همت بحبهن وسحرهن اﻵخاذ وسأهيم ماحييت، ست عرائس، منهن كنت ومازلت أستهلم نبض الحياة وأستدل على حركة الزمان وحيوية المكان ويا لكثرة ما وقفت امام شموخهن وشبابهن المتجدد متضائلا، أمعن النظر طويلا في حركة عقاربهن وأنصت الى نبضهن – تك تك تك – وﻷ أجمل سمفونية على وجه اﻷرض، تلكم المعشوقات اللائي وكلما نظرت إليهن ايقنت ماقيل قديما في عظم الوقت وأهميته، ان ” أوقية من الذهب لا تشتري دقيقة واحدة من الزمن”، وقولهم ” اعتن بالدقائق وسوف تعتني الساعات بنفسها، واعلم ان قيمة الدقائق أكبر من المال فانفقها بحكمة” .
انها ساعات بغداد التراثية الجميلة وأولاها ساعة القشلة
التي نصبت عام 1898 م والتي كنت ألقي عليها التحية في كل يوم جمعة وانا خارج من مقهى الشابندر عقب اداء صلاة الجمعة في جامع الاصفية العريق المجاور للمدرسة المستنصرية اﻷعرق – مغلق حاليا ومنذ خمس سنين لخلاف بين الوقفين السني والشيعي بشأن عائديته مع ان كتب التأريخ برمتها تشهد بعائديته الى اﻷول وﻻ شأن للثاني به ﻻ من بعيد وﻻ من قريب والغريب ان صلاة الجمعة والجماعة وحلق الذكر قد توقفت فيه كلية بعد قرون طويلة منذ مصادرته لتغرب شمسه كما غربت من قبله شمس بغداد
– ثانيها ساعتا المحطة العالمية و تعتليان برجين يرتفعان على ابواب محطة القطار المركزية ويعود تأريخ نصبهما الى عام 1955 وكنت أمر بهما في طريقي الى الموصل الحدباء شمالا والى البصرة الفيحاء جنوبا.
تليهما ساعة مسجد الشيخ عبد القادرالجيلاني 1898م وكم مرة مررت بها وضبطت ساعتي اليدوية عليها واجمل لحظاتي معها في رمضان حيث التراويح والتسابيح وابتهالات المتصوفة التي تفيض عذوبة بنسق تهيم به الارواح شوقا في عالم الملكوت (يامتجلي ارحم ذلي، يامتعالي ارحم حالي، ياالهي غيرك مالي، فأنا عبدك ربي وكلي ارجو رضاك ..الله ..الله ..الله ).
وساعة بغداد في ساحة الاحتفالات التي انشئت عام 1994 والتي استلهمت منها، شهد الراوي، روايتها التي حملت الاسم ذاته.
وﻻشك ان أم الساعات وتاجها جميعا هي ساعة جامع ابو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي والتي تم نصبها عام 1958م على برج عال وهذه تحديدا لي معها ذكريات وحكايات وحوارات وتحقيقات .

ساعة النعمان أيام عزها
ساعة النعمان أيام عزها

في مثل هذا اليوم من نيسان 2003 كنت جالسا استمع الى اﻷخبار وأمام ناظري تمر جحافل – المحوسمين – وهي تسرق وتدمر وتعبث بمؤسسات بلادها كالجراد وتحرق كل شيئ تمر عليه واذا بالملعونين ” بوش الابن وذنبه الراقص توني بلير ” يوجهان رسالة مشتركة إلى الشعب العراقي نصها : « أن العراق الجديد لن تحكمه بريطانيا ولا الولايات المتحدة بل الشعب العراقي. وان أموال النفط العراقي ستكون أموالكم وستستخدم في توفير الرخاء لكم ولأسركم !!” – واصل جايكم وبوشكم – قالها قبلكم الجنرال مود يوم دخل بغداد على رأس القوات البريطانية مستعمرا وكان في استقباله كالعادة القنصل الايراني في العاصمة ورئيس الطائفة الموسوية – اليهودية – بعد عاصفة هوجاء هبت عام 1917 تماما كتلك التي هبت عام 2003 حين قال ” جئنا محررين ﻻفاتحين !!” فنفق بعد شربه الحليب خلال دعوة وجهت لتكريمه في مدرسه الاليانس اليهوديه تبين انه حليب ملوث بنوع من الكوليرا ان لم يكن مسموما !!
فوجئت في هذا اليوم المشؤوم وتعرضت الى صدمات عدة كان من ابرزها ظهور اطفال صغار يحملهم آباؤهم وهم يحيون ويلوحون للمحتلين في سابقة ﻻ نظير لها تأريخيا، شهداء مدنيون وعسكريون بالعشرات يدفنون حيث قتلوا مع عبارة تكتب على أقرب جدار مجاور تتضمن اسمه ومواليده منقولة من هوية الاحوال الشخصية التي يحملها في جيبه كي يتسنى لمن يعثر عليه دفنه ﻻحقا كما ينبغي لعراقي في ارضه ان يدفن، وتعرض حبيبتي ساعة النعمان الى قصف صاروخي جوي ايذانا بأيقاف الحياة والزمان في عموم العراق وقد كان، اذ ان استهداف الساعة بطائرات دول عادة ما تهتم بساعاتها احتراما للوقت والتراث على حد سواء ولعل ساعة ” بيغ بن ” خير شاهد على ذلك بما تحمله من قيمة مادية ومعنوية وفلوكلورية، له معنى كبير عندي وﻻيمكن ان يمر مرور الكرام، القصف أعقب معارك عنيفة جرت في محيط الجامع الكبير استمرت لساعات عدة بدأت منذ ساعات الفجر الاولى واسفرت عن استشهاد العشرات دفنوا جميعهم في الرواق الخلفي للجامع ومن ثم في حديقة مجاورة كانت متنزها لطالما لعبوا بين حدائقه الغناء واشجاره الباسقة ونخيله السامقة اطفالا ودفنوا تحت ثراه كبارا، حتى تحولت ايام الطائفية السوداء 2006- 2007 الى واحدة من اكبر مقابر بغداد كثمرة من ثمرات – التدمير – الذي يحلو لبعض الانتهازيين والمنتفعين والفاسدين تسميته تحريرا، صحيح ان حبيبتي الساعة قد اعيد تأهيلها لاحقا اﻻ ان استهدافها بصاروخ عمدا ﻻخطأ كان له معناه ومدلولاته البالغة، الظاهرة منها والمستترة و خلاصتها وعلى حد وصف فولتير : ” هناك أربع طرق لإضاعة الوقت وايقاف عجلة التأريخ، الفراغ و الاهمال و إساءة العمل و العمل في غير وقته” وأضيف و” تدمير الساعات التراثية او عطلها بغير اصلاح وﻻ صيانة ” .

*عن صحيفة المثقف

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : عجيبة بيت أبو بشارة .

– عجيبة، يا أم بشارة.. استيقظي.. القديسة العذراء الممتلئة بالنعمة… بارك الله اسمها… باركت بيتنا. استيقظي …

| خالد جواد شبيل : الشاعر عزالدين المناصرة سلاماً.

في نهاية الستينات من القرن المنصرم، حطّ بين يديّ كتاب شعر يحمل عنوان ” يا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *