نوميديا جرّوفي : ” و اسألهم عن القرية” للقاصّ ” أنمار رحمة الله”

nomedia-jrofi*نوميديا جرّوفي، شاعرة ، باحثة و ناقدة

( و اسألهم عن القرية) عنوان الكتاب جميل و يحمل في صفحاته مجموعة من القصص الجميلة ذات الحكم و العبر الرائعة.

قصّة الرسّام:

اختار القاصّ المبدع أنمار الرسّام قبيح الشّكل، لكنّه مبدع بريشته حيث يرسم كلّ ما هو جميل، يُجسّد الجمال بأنامله السحريّة رغم قُبح مظهره، لكن رغم شكله القبيح يحملُ روحا طاهرة و طيّبة.
و من هنا نتذكّر أنّ الجمال الحقيقي هو جمالُ الأرواح و ليس المظاهر التي تكون خادعة أحيانا.
دخل الرسّام قرية كلّ أهلها متديّنون و متعجرفون، يرون أنفسهم منحوتون بالجمال و الضيّاء من السّماء، كما أصحاب العمائم في بلداننا الذين يتظاهرون بالتقوى و التديّن المتعصّب الذين يرون أنّ النّور يسطعُ من وجوههم و يلفّهم. إنّه الخيال العقيم الذي جعلهم يلقون غشاوة على الشّعوب و أصحاب النّفوس الضعيفة الذين يُؤيّدونهم دائما في نفاقهم و بهتانهم، و هم أكبر المنافقين على وجه الأرض.
دخل الرّسام القرية طامحا في تجسيد جمال أحد الوجوه الجميلة هناك، لكنّه استُقبل بالرّفض و الطّرد و التّجهّم من قبل أهل القرية لقُبح وجهه و هُمْ أصحاب الوجوه و القلوب القبيحة باطنا و ظاهرا، مثل القول الماثور:
“الجملُ لا ينظُر أبدا لحدبته و لكنّه ينظرُ لحدبة غيره”.
و يقول شارلي شابلن في هذا الصدد أيضا:
” لن تجد قوس قزح ما دُمت تنظر للأسفل”.
و لذماثة أخلاق أهل القرية تلك كانت عاقبتهم موت كلّ طفل يولد.
قرية من دون أطفال!
قرية تنعدمُ فيها البراءة و الجمال الطّفولي!
جاء المغزى العميق هنا من الطفولة مُجسّدا العنف، الدّمار، اليُتم المبكّر بسبب فقدان الأهل في الحروب غير المنتهيّة منذ أعوام و أعوام في بلداننا الشرقيّة.anmar
انتقل بنا بعدها لرقصة المطر للرسّام، تلك الرقصة التي يهواها الأطفال. في تلك الرقصة البريئة له تحت المطر جنّ جنون أهل القرية و هُمْ يتفرّجون عليه و هو في أبهى سعادته و فرحته لأنّه الوحيد بينهم الذي كان يسمع موسيقى المطر الجميلة، كما قال نيتشه يوما:
” الذين شوهدوا و هم يرقصون كانوا معتوهين في نظر الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى”.
هنا انقشع السّتار عن وجوه أهل القرية الحقيقي بزوال الأصباغ عن وجوههم، و كأنّ القاصّ أنمار نزع عنهم أقنعتهم المزيّفة ليظهروا بوجوههم القبيحة الحقيقية، فصاروا جميعا سواسيّة من حيثُ المظهر و القُبح ناهيك عن خُبث الخُلق.
الجمال الحقيقي هو جمالُ الرّوح، لأنّ جمال المظهر و الوجه يؤول للزّوال، هذا ما قدّمه لنا ماركس العظيم في حبّه لزوجته التي لم تحتفظ بجمال وجهها بسبب الجدري، لكن بقيت دائما جميلة في عيني ماركس و بقي وفيّا لها للأبد و لآخر عمره.
يتفاجأ الرسّام بعد أن علم من العجوز أنّه لا يوجد أيّ طفل بالقرية و ازدادت دهشته بعد أن أشارت بأصبعها إلى المقبرة التي تجمع جثث كلّ من المولودين.
لخُبث أهل القرية خلقا و خُلقا عاقبتهم آلهة الخصب بموت كلّ من يولد لينعدم جنسهم بعد أعوام.
قصّة الحكّاء:

أخذنا القاصّ أنمار لزمن جميل من الماضي، حيث كان النّاس يجتمعون حول الحكّاء الذي يروي القصص و المغتمرات لأهل القرية.
لكنْ القصّة هنا مختلفة نوعا ما، جعل أنمار الحكّاء يعود من الموت بعد أن مات و عاد لقريته ليجد مكانه حكواتي شابّ يقصّ القصص مكانه.
كان ينتظر أن يفرح به أهل القرية بعد عودته الغريبة من الموت، لكن لم يستقبله أحد أو يحتفي به، عاد و كأنّه غريب أو كأنّه لم يكن بينهم يوما و لم يعش.
استخدم القاصّ أنمار نوعا من الخيال في إعادته للحياة بعد موته في شبه معجزة، مع أنّ زمن المعجزات ولّى منذ عقود و أجيال غابرة، كعودة النبيّ عُزير من الموت بعد مائة عام.
نعودُ للحكّاء و عودته من الموت ليجد مكانه حكواتي شابّ و هو يقصّ عليهم حكايات جديدة عن المستقبل، بينما هو كانت قصصه قديمة و متكرّرة دون جديد فيها، كتلك التي يستخدمها أصحاب التقوى عندنا و التي مازالت تُعيدُ نفسها ليومنا هذا منذ أجيال و أجيال دلالة على التخلّف العميق.
القاصّ أنمار قدّم لنا لغزا عميقا بين الحكواتي الشابّ و الحكّاء الشيخ و هو مُستنبط من الفلسفة، حيث أنّ المعرفة العلمية هي امتداد للمعرفة العاميّة كبائع الأعشاب قديما و الصّيدلي حديثا.
و هنا مقارنة بين شابّ يُطالع الكتب الجديدة و الشيخ المتخلّف الذي يسردُ دوما نفس الحكايات القديمة التي ملّ و سئم منها أهل القرية لتكرارها دون إضافات.
الشيخ كان بالنسبة لهم روتين قاتل و مملّ لهذا ابتعدوا عنه بعد عودته و ظلّوا مجتمعين حول الحكواتي الشابّ.
كما يقول دافنشي:
” إنّ الطبيعة تلطف بنا لأنها جعلتنا نعثر على المعرفة حيثما أدرنا وجوهنا في العالم”
ثمّ إنّ الحكواتي الشابّ جعلهم يفتحون أعينهم على ما كان غائبا عنهم و لم يكن منافقا أو مخادعا معهم، كما يقول العقاد في هذا الصّدد:
” الصّادقون في عواطفهم لا يُبالون بالمظاهر”.
لكنّ المسكين مات غدرا بطعنة خنجر من الشّيخ الحكّاء الذي كاد يموت غيظا و حسدا منه، ظنّا أنّه بقتله سيستعيد حلقته بجمع أهل القرية إليه ليستمعوا لحكاياته التي اهترأت بمرور الزّمن و هو يُعيد عليهم عجلة الزّمن بخرافاته التي سئموا من سماعها.
لكن حدث العكس، لأنّ الحكواتي الشابّ علّمهم مطالعة الكتب و ترك لهم كُتبا كثيرة أصبحوا يقرؤونها في منازلهم و يلتقون فيما بينهم لمناقشتها.
كما قال جون هارينغتون:
” الكتب لا تزرع الحكمة إن لم تكن موجودة، و لكن قراءتها تُضيفُ للحكمة إنْ وُجدتْ”.
الحكمة و المغزى هنا من قصّة الحكّاء، أنّ القديم سيزول يوما لا محالة ليحلّ محلّه الجديد لأنّ الحياة تسيرُ نحو الأفضل دوما و ليس للوراء، كما قال دوستويفسكي:
” الحياة.. ما الحياة؟ إنّها وقفة مع كلّ صورة حلوة، و رحلة مع كلّ صورة عذبة”.
و يقول مثل عربي:
” الحكمة شجرة تنبتُ في القلب و تُثمرُ في اللّسان”.kh anmar 3

قصّة المعلّم:

المعلّم، هو ذلك المثقّف الذي ساعد الحوذي بعد أن فقد حماره، لكنّه في النّهاية جوزي جزّاء سنمّار، حيث أن الحوذي الجاهل بدل أن يكافئه لحسن صنيعه معه و مساعدته جعله حمارا له و أهانه و ضربه.
إنّه الجاهل الذي قال عنه الشيخ محمد عبده:
” من النّاس من يحبّون أن يقعدوا في صندوق من الجهل و يقفلوه على أنفسهم حتّى لا يتي فاتح و لا فرج”.
و هنا الحوذي عظّ اليد التي مدّت له يد المساعدة، و عن المعلّم ينطبق المثل العربي:
” حتفُ المرء بين فكّيه”.
ساعده ليّبعده عن البطالة فوجد نفسه صار حمارا له. إعتقد المسكين أنّه بإسدائه المعروف سيشكره يوما ما كالمثل الصّيني:
” إذا أعطيت رجلا سمكة فقد أطعمته يوما واحدا، أمّا إذا علّمته كيف يصطاد السّمك فقد أطعمته طول العمر”.
لكنّ المعلّم هنا أخطأ في حسن ظنّه بالحوذي ، فيهرب منه في النّهاية لكثرة العذاب الذي حصل عليه من الحوذي. هرب إلى الغابة و فضّل الحياة بين الوحوش الضّارية أفضل من عذابه مع الحوذي، حيث أنّ الحيوانات أشدّ رأفة من الإنسان.
كان معلّما محترما ليجد نفسه عبدا لجاهل يسوقه كالحمار و يضربه و يعنّفه و يهينه، كما قال جان جاك روسو:
” يو لدُ الإنسان حرّا، لكنّه في كلّ مكان يجرّ سلاسل الإستعباد”.
فلو أطبق المعلّم فمه و لم يتدخّل بالمساعدة لبقي في عزّته و كرامته و لم يتعرّض للإهانة لاحقا من طرف الحوذي الغبيّ و الجاهل الذي لم يشكره بل عذّبه شرّ عذاب.
فالفمُ المُطبق لا يدخله الذّباب، كما يقول المثل الصّيني.

قصّة العازف:

الموسيقى عذاء الأرواح
الموسيقى تنشلُ الإنسان من الحزن و تُبهجه لو كان كئيبا.
هنا أخذنا القاصّ أنمار لقرية كلّ أهلها فاقدون سمعهم و كلّ أطفالهم يولدون بدون صيوان، و هُمْ كلّ سنة يحتفلون بعيد الصّرخة. تلك الصّرخة التي بسببها فقدوا سمعهم للأبد.
جاءهم عازفٌ للكمان، و بدخوله عندهم قابلوه بإجحاف بدل استقباله و التّرحيب به، و لم يسمحوا له بالعزف و طردوه، لكنّه ظلّ يعزفُ في الخفاء فاجتمعت حوله الطّيور و الحيوانات لتسمع موسيقاه العذبة.
أهلُ القرية كانوا غلاظ القلوب فقابلوه بوحشية، لكنّه كان ذو قلب كبير رحب، كما يقول غاندي:
” إذا قابلنا الإساءة بالإساءة فمتى تنتهي الإساءة؟ “.
في تلك اللّيلة الأخيرة التي عزف فيها قبل مغادرته القرية نهائيّا، حيثُ طربت لأنغامه الشجيّة السحريّة القرية لم تعرف النّسوة أنّهنّ ولدن صغارا بصواوين صغيرة.
هي ذي الموسيقى التي حاول أن يشرحها لنا القاصّ أنمار و يقدّم معناها الرّوحي و المعنوي للإنسانيّة
الموسيقى تُبهجُ القلوب و تشرحُ الصّدور و تنشر السّعادة و الفرح.
الموسيقى فنّ راقي و سامي جدّا لمن يعرفُ معناها الحقيقي.

قصّة الهتر:

إنّه الإنسان الطيّب المُسالم، الذي يعيش في مجتمع يأكل فيه قويّهم ضعيفهم، فلا يستطيع التأقلم معهم.
و لطيبته و سذاجته يتعدّى عليه الكثيرون فينتهكون حرّيته و يتلاعبون بها كيفما شاؤوا، كمن قال:
ثقيلة هي قيودي و الحريّةكلّ مُناي، و أشعر بخجل و أنا أحبو إليها.
ثمّ نرى ذلك الذي يكنُّ له تلك الضّغينة، حيث قال له:
” لمْ أنظر لكي أقتلك بشيء آخر غير هذه الكتب المرميّة في كلّ مكان كتاب ثقيل يكفي لكيْ أخنقك به”.
كلّ إساءة كان يقابلها الهتر بحسنة و طيبة و هذا ما زاد جنون الحاقد القاتل ليقتله وسط كتبه.
ذكّرتني القصّة بالصّديقيت الذين كانا في نفس الغرفة، أحدهما كان يُصلّي و الثّاني يحلق ذقنه و يُغنّي.
لكن المفاجأة، أنّ من كان يُصلّي بمجرّد أن أنهى صلاته قتل صاحبه بطعنة.
كراهيّة غريبة من قبله، تلك التي قالت عنها مايا أنجلو:
” الكراهيّة تسبّبتْ في العديد من المشاكل في هذا العالم، لكنّها لم تستطعْ حلّ أيّ واحد بعد”.
مات الهتر و ابتعد عن عالمٍ مليء بالنّفاق و الحقد و الحسد و الكراهيّة، و كان هناك من بكى عليه في عزائه و مواراة جثمانه ل،ّه كان جدّ طيّب مع النّاس رغم سذاجته التي تسبّبت في هلاكه.
مات و ترك سؤالا محيّرا لقاتله.

قصّة التّوأم:

الصّراعات موجودة دائما منذ قابيل و هابيل، الصّراعات القبليّة، العشائريّة، الوطنيّة، و أكبرها تلك الموجودة في نفس الأسرة بين الأخوين.
و القاصّ أنمار هنا قدّم لنا مثالا عن توأم برأسين و جسد واحد، مختلفان في كلّ شيء، و أبدا لا يتفقّان على أمر واحد، دوما متنازعان، و أكبر شجار لهما كان على فتاة، كيف لا و هما يحملان قلبا واحدا؟
كلّ واحد أرادها لنفسه، لذا أحدهما قرّر قتل منافسه كما فعلها قابيل أوّل قاتل في التّاريخ لتُصبح البشريّة كلّها سلالة قابيل القاتل، و ما زال الإنسان يقتل أخيه الإنسان ليومنا هذا.
لكن في النهاية و بعد القتل، التّوأم يندم على فعلته حيث لا ينفعه النّدم.
إنّه الحسد الأعمى الذي قال عنه هيغل:
” الحسد أغبى الرّذائل إطلاقا، لا يعود على صاحبه بأيّة فائدة”.
التّوأم بقتله توأمه كمن قتل نفسه، و تصحّ فيه مقولة نيلسون مانديلا:
” إنّنا نقتل أنفسنا عندما نضيف خياراتنا في الحياة”.
ثمّ النّدم لا يعود على صاحبه بأيّة فائدة، و لا يستطيع تصحيح غلطته.
فمن يستطيع كبت لحظة غضب، يمكن أن يتلافى أيّام حزن كثيرة.
و عن النّدم يقول ادوارد ويانس:
” النّدم أفعى تعضّ نفسها”.

قصّة المرايا:

المرآة، هي الصّورة الحقيقيّة التي يرى فيها الإنسان نفسه، و هي انعكاسه دون رتوش، حيث يقول المثل الصيني:
” خيرُ مرآة ترى فيها نفسك.. هي عملك”.
و بطلُ القصّة هنا ينظر لنفسه في الماء الصّافي فيتذكّر طفولته و صباه في زمن جميل عاشه وقتها
و نُحسّ به كارها ناقما من كلّ شيء عندما رمى الحصى على المدينة و هو فوق ذلك التلّ.
يقول جورج برنارد شو:
” إنّ سرّ الإحساس و الشقاء هو أن يكون عندك وقت فراغ تتساءل فيه عن إذا كنت سعيدا أم لا”.
و تبقى المرآة وجهنا الحقيقي الذي نراه و صراحة كلّ واحد مع نفسه.
قصّة موعد:

اختار القاصّ أنمار في قصّته هذه طرح مشكلة الكهرباء التي يعاني منها أغلب شعب العراق بسبب تلك الإنقطاعات المتكرّرة التي سبّبتْ تذمّرا.
و هنا و ككلّ ليلة في الظّلام بعد انقطاع الكهرباء، الأب يتعرّف على كلّ واحد من أبنائه بالصّوت، و في تلك الليلة و بعد دردشة مع كلّ واحد، يدخل مجرمون البيت مستغلّين ذلك الظّلام فيقتلون كلّ الأبناء على آخرهم و الأب يتفرّج مشدوها مرعوبا من أبشع جريمة على مرأى عيونه.
و للظّلام في القصّة مغزى عميق لما تعيشه العراق و مجتمعاتنا العربيّة الشرقيّة من ظلام بسبب الدّمار الذي عمّ على أغلبها.

في الأخير:

تقديري للقاصّ المبدع ” أنمار رحمة الله” لما سطّره لنا في مجموعته القصصيّة الراقية بكلّ ما تحمله من مواعظ و حكم و واقع معاش، و طريقته الإبداعيّة و الخياليّة في نقل السّرد للقارئ.

شاهد أيضاً

التشكيل العربي المعاصر
8 – الواقعية الطبيعية من المنظر إلى البورتيه في تجربة الفنان العراقي صالح رضا
ذ. الكبير الداديسي

صالح رضا فنان تشكيلي عراقي من مواليد 9 يوليوز 1960 استطاع أن يفرض نفسه رقما …

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *