الرئيسية » حوارات » الشاعر والقاص والروائي نصيف فلك:المثقف الذي يمثل ضمير المجتمع معطل بفعل السياسي
حاوره :عصام القدسي

الشاعر والقاص والروائي نصيف فلك:المثقف الذي يمثل ضمير المجتمع معطل بفعل السياسي
حاوره :عصام القدسي

nsaief falakحاوره :عصام القدسي
ولد في بغداد/كرادة مريم سنة 1954. حصل على شهادة بكالوريوس في الإخراج والتمثيل من أكاديمية الفنون الجميلة سنة1979
أصدر:
*النهر الهارب(مجموعة شعرية)سنة2000.
*لحية اللقلق(مجموعة قصصية)سنة2003.
*صدرت له رواية(خضر قد والعصر الزيتوني) عن سلسلة دار الصباح سنة2007.كما تبعتها طبعة ثانية عن دار الجمل سنة2008.
* مختارات شعرية بعنوان(وداعا محنة الكركدن)سنة2008.
* ( عين الدود) عن دار الجمل سنة 2010… وله العديد من المخطوطات.
يكتب الشعر والقصة والرواية والمذكرات ، بلغة تساهم بشكل واضح في تميز أسلوبه . المفردة يطوعها لإيصال فكرته بشكل دقيق حتى يضطر في مواضع إلى أن يستخدم المفردة العامية المتداولة على أدنى مستوى التداول ، تتواصل حفرياته إلى أماكن غير مرئية من الواقع المعاش .. انه القاص نصيف فلك الذي التقيناه عبر الحوار التالي:

* كيف يمكن اكتشاف المثقف كضمير للعصر والمجتمع الذي يعيش فيه؟
_ لو اعتبرنا إن المثقف ضمير المجتمع فهو معطل بفعل السياسي وان قلة نادرة وشجاعة وحدها لا تخاف، أما الكثرة الباقية فهم المذعورون الخائفون: منهم الصامت ومنهم المنضوي مع حزب يحميه. ولو أراد أي منصف رسم المشهد الثقافي فسوف يرسم انفجار سيارة مفخخة والمثقف يبكي بين أشلاء الضحايا، يبكي من قلة الحيلة ولا يسعه تقديم أي شيء لوقف النزيف. دور المثقف هنا في غاية الخطورة ويعرض نفسه لكل أنواع التهديد وربما يقتلونه وهو يحاول رسم المشهد الثقافي هذا بروح العاشق المحب لبلاده ولناسه، وقد دفع الكثير من المثقفين حياته بسبب تحدي التهديدات وعدم السكوت عن قبح الفكر الملثم. ومع سطوة هذا المناخ المكفهر للمشهد الثقافي لكن هناك مسارح تعمل ومهرجانات شعرية وصحف تصدر ومجلات تواصل حضورها وكتب تعلو نجومها ويتداولها القراء بشغف وحميمية. وبرغم زحف الأفكار الظلامية فهناك تيارات نور وضوء يشق الظلمات ويصل إلى الناس.
*هل تمكنت الرواية العراقية من رصد الواقع وتجسيده من خلال الإمساك باللحظة التاريخية؟
_ استطاعت بعض الروايات رسم اللحظة التاريخية العراقية ولكن بوجه زماني واحد وليس بكافة وجوهه فالزمان هو الآخر له أبعاد مثل المكان تماما خاصة عندما يتداخل مع النسيج السردي وأتذكر هنا رواية(القلعة الخامسة) لفاضل العزاوي التي سبحت بعكس تيار الزمن الثقافي السائد وسخرت من صرامته وتزمته ما جعل الكثير يقفون ضدها أو يتجاهلونها. وكذلك رواية(امرأة القارورة) لسليم مطر ورواية(وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر فهي تتمتع بهوية عراقية مثل هوية رواية(الشرق المتوسط) لعبد kh nsaief 2الرحمن منيف ورواية (صيادون في شارع ضيق) لجبرا إبراهيم جبرا. لكن جميع الأعمال السردية في حقبة البعث وخاصة بعد تولي صدام السلطة انحدرت إلى الرمزية والإشارات والطلاسم والاستعارات خوفا من سيف الرقيب، والمخجل حقا هو عدم كتابة أي رواية تمسك اللحظة التاريخية وترسم القمع طوال خمس وثلاثين سنة، بينما نقرأ الكثير عن الروايات السرية التي كتبها أصحابها في زمن النازية والفاشية والستار الحديدي الاستاليني ودكتاتورية فرانكو، لا تزال متوهجة مقرؤة لحد الآن.
فن الرواية هو الحقل الوحيد الذي يتحمل عبء المجازفة من دون جميع حقول الأدب والفن في الصراع مع التاريخ، وهو الوحيد من يمتلك فعل المغامرة في الدخول إلى دهاليز وكواليس التاريخ، ويبدأ بفتح الأبواب السرية وكشف عمليات التزوير الهائلة وفضح محاولات طمر حياة زاخرة كونها تخالف سيرة المدون من خلال العثور على وثائق تدحض التاريخ الرسمي المكتوب بيد المؤرخ الشرطي أو المؤرخ المرتزق. هنا تتجسد طاقة السرد في الرواية وهي تحاول زعزعة اليقين الصارم لدى عامة الناس في كون التاريخ مقدس والماضي حق لا يدخله الباطل. فتسرد الرواية تاريخا مغايرا يختلف ويتناقض مع خط التاريخ الرسمي العام الذي يدرسونه في المدارس والجامعات. حيث نتعرف على شخصيات كانت مدفونة وعلى أحداث كانت مبعثرة وضائعة سوف يعثر عليها الباحث الروائي فيجمعها في نسيج حكائي يسترد به ما ضاع من قصص مطمورة، وينبش به أرواح وحيوات أطمئن قتلتها بأنها لن تعود مجددا للحياة أبدا. لا يدري القاتل بأن الموت لا يموت أذا كان هناك سارد متخف يعمل بدون ضجيج ولا شعارات سوف يزيح التراب بهدوء مثل خبير آثاري ويبرز وجه السر المدفون للعالم. kh nsaief 1
* أيمكن القول بأن هناك تيارا سرديا يتشكل من خلال بعض الروايات التي صدرت في المرحلة الأخيرة وكيف ترى تأثيره على الرواية العراقية بشكل عام؟
_ لم يبرز عندنا أسم ينافس نجيب محفوظ وماركيز وخليل الخوري واورهان باموك وكونديرا،وهؤلاء جميعهم من بلدان تشبه العراق من نواحي عديدة ما عدا قسوة وجهل النظام السياسي الذي حكم العراق لأربعة عقود ظلامية أنتج فيها روايات هابطة وتافهة مثل رواية(الأيام الطويلة)، ولكن عندنا أسماء مهمة خانها الرواج والانتشار في الأسواق الثقافية مثل الروائي الراحل فؤاد التكرلي. المشكلة عندنا تتركز في عدم وجود آباء روائيين للأجيال القادمة وعدم وجود مكتبة سردية يمكنها أن تشكل رحما لولادة روائيين جدد. المشكلة أن الجميع كان يغامر في التجريب ولم يتركوا لنا أي تراث في الرواية الكلاسيكية الحديثة ما عدا الروائي غائب طعمة فرمان. الروائيون العراقيين الشباب ليس لديهم إرث سردي كبقية روائي العالم ولكن عندهم أكبر إرث حتى انه صار أرثا للعالم كله يغرف منه إلى هذه اللحظة، انه إرث(ألف ليلة وليلة). واعتقد إن ملامح سردية وهوية عراقية بدأت الآن تتشكل من خلال أسماء مهمة لمبدعين خارج البلاد وداخلها، أخذوا على عاتقهم مسؤولية الخوض في مغامرة سرد عراقي خالص، وطبعا هذا بدون أتفاق وبلا منهج مرسوم لهم إنما هو الإخلاص للكتابة وتوثيق شهادة ذاتية لعصر يعيشون فيه، ولا يكررون أخطاء آبائهم السرديين الذين تركوا عصرهم خاليا من أي شهادة أخلاقية وإبداعية ومن أي وثيقة روحية.

*كيف تناول النقد روايتيك وما الدرس الكبير الذي قدموه لك وللقراء؟
_ النقد غير موجود في حياتنا الثقافية فكثير من الروايات تصدر وتنسى و(النقاد) نيام في سابع (نومه) حتى لم يجر التعريف بها ولا بكاتبها ومن أين صدرت وفي أي زمان. هناك سياقات ثقافية في المدن الحضارية يتم فيها نشر خبر ثقافي عن الرواية ومختصر بسيط عن أحداثها ضمن اطر ترغيب القراء من أجل شراءها أو استعارتها، ثم يأتي دور النقاد الذين يشعلون نار شهوة القراءة سواء كانت تستحق أو لا فربما رأي القارئ يختلف عن الناقد، وهذا الكلام يقوله الناقد نفسه .
الأدب والفن والكتابة مرت بمحنة الرقيب الجاهل والصلف طوال أربعة عقود، وتمر اليوم بمحنة الرقيب الإرهابي فكيف تتكون اتجاهات ومدارس رواية وفنية ونقدية ولم يعش لا الكاتب ولا القارئ حالة استرخاء لمدة سنة واحدة فقط من العمر كله،فمن كثرة تراكم الأحداث والوقائع والكوارث والمآسي وعدم كتابتها صار من المستحيل تغطية حقبة واحدة فقط في عمل سردي، لقد سبق الواقع الأدب والفن بأشواط واسعة وصار متعذرا اللحاق به فكيف يتمكن النقد من مجارات الأدب وهو لم يستوعب ما حدث قبل عشر سنوات، اليوم حتى الخيال لا يستطيع اللحاق بالواقع.
لقد كتبوا كثيرا عن رواية(خضر قد والعصر الزيتوني) حتى إن هذه الكتابات يمكنها أن تشكل كتابا كاملا، لكن معظمها لا يمكن عده ضمن حقول النقد فهو قراءات وانطباعات ورؤى تحمل حب الرواية وتقديرا لها. kh nsaief 3

* تجربتك الكتابية حافلة بالتنوع في حقول القصة القصيرة والشعر والرواية ثم الصحافة، أيهم اقرب إلى نفسك؟
_ بدأت بكتابة القصة القصيرة لكن الشعر سرقني لأن ثقافة مجتمعنا شعرية يخضع لها الجميع بشكل طوعي وكأن النثر لا قيمة له ويأتي بعد الشعر بدرجات كثيرة. وكم أشعر بالأسف على ضياع موهبتي السردية كل هذه السنوات الطوال التي أرهقتها في كتابة القصائد الشعرية، كم رواية قتلت في نفسي وحولتها إلى جثث شعرية، لم أكن أعرف آنذاك إن الشعر لا يعول عليه في أغناء ثقافة المجتمع وفي تقديم شهادة للعصر وكتابة تاريخ سري يفضح التاريخ الرسمي مع رفد المكتبة السردية الفقيرة بكتب تراوغ الموت الجماعي، وهي في النهاية تصوير حياة الناس وهمومهم وقذارة اللعبة السياسية وكيف كان الفرد المسكين يعيش ويموت وهو لا يدري بأنه ذات وجودية تحمل مسؤولية الكون على عاتقها. كان الإنسان يعشق الحياة لكنه يموت مثل ميتة الكلاب التي هي أيضا تحسد حياة كلاب الغرب. المهم تنبهت أخيرا وعوضت شيئا مما فات فكتبت رواية( خضر “قد” والعصر الزيتوني) ورواية(عين الدود) ومجموعة قصصية بعنوان(لحية اللقلق) مع كتب سردية وأخرى شعرية قديمة ومقالات كثيرة منذ سقوط البعث

المحاور الأستاذ عصام القدسي
المحاور الأستاذ عصام القدسي

(الرقيب الجاهل) وصدام الذي أدخلنا في عصر أكلة لحوم البشر. لكن الصحافة مهنة شاقة وتتلف في مشغلها كل مشاريع السرد، أنها تنور لا تخمد ناره، الصحافة حريق أزلي للذات الإبداعية واستهلاك للعقل وللروح، استهلاك جائر لا يشبع ولا يقنع، لكنها مع كل ذلك تبقى فاتنة الغواية ومهنة ممتعة وخطرة مثل سرقة جنة من النار.

* كيف وجدت أسلوبك في كتابة الرواية وهل يتشابه مع غيرك من الروائيين؟
_أول شيء فكرت به وأنا في طريقي إلى كتابة رواية سألت نفسي : ما هو الأسلوب الأجمل والامتع والأمثل والمفيد، فتوصلت بعد تفكير طويل : أن أكتب ما أحب قراءته. هناك الكثير من الروايات أقرأ منها عدة صفحات تصل إلى الثلاثين ثم أرميها ساخطا من رداءة الأسلوب واحزن لتعب المؤلف ومعاناته وهو يكتب فإذا به يجعل القارئ ينفر منه ويهرب من قراءته وقد يتوب أن لا يقرأ لهذا الكاتب وربما يحلف أن لا يقرأ رواية بعد هذه التجربة. أنا تعلمت من الروايات العراقية السيئة أسلوب كتابتي، لقد أفادتني كثيرا هذه الروايات بحيث رحت أسبح عكس تيار أسلوب كتابتها، واكتشفت إن السخرية هي بطاقة الفوز بالقراءة، تعلمت من(دون كشوت) التهكم والسخرية ومن (ألف ليلة وليلة) الإغواء والسحر في جر القارئ من عينيه حتى الصفحة الأخيرة، وتعلمت من الكوميديا السوداء من(شاري شابلن)، فكان المسرح والسينما والسحر يحضرون في كل عمل من أعمالي، وفلسفة اللعب هي الأسلوب الأمثل في الكتابة، حيث ما من شيء يخلو من اللعب سواء في العلم وفي الفن والأدب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *