الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » غازي سلمان : أمكنة خلاّقة في ترنيمة الفنان “فهد الصكر “

غازي سلمان : أمكنة خلاّقة في ترنيمة الفنان “فهد الصكر “

ghazi-salmanترتبط بمفهوم المكان الكثير من المصطلحات المقاربة و المرادفة من مثل الحيز والخلاء والحي ، والفضاء ، الأزقة والشوارع، والأشكال العمرانية بتنوعها ، وغيرها . ويكتسب المكان أهميته البالغة في الفنون الإبداعية باعتباره عنصرا مهما من عناصرها ، لِما له من وشائج ارتباط وتأثير بالغين في تشكيل هوية صور المعرفة الإنسانية والوعي الجمعي للأفراد ، فهو من يكسب الفرد هويته ، لأنه يمنحه الشعور بالألفة والمواطنة والانتماء ، مثلما يمنح العملَ الفني خصوصيته الوطنية وأصالته ، .ولان الأمكنة إلاّ مادية ملموسة ، مرئية ، فهي تمكّن الفنان من توظيف تفاصيل موجوداتها في منجزه الإبداعي ، بتجسيده للأفكار والرموز والحقائق والأخيلة والخرافة إضافة الى اغنائها الأوصاف والصور الفنية بغية خلق واقع فني مغاير ، من خلال نقل ماهو بصري الى عالم الفن ، نقلا جماليا ، تأويليا ، مفعما بالمعاني والحقائق والأخيلة ، والخرافة.

ويحدث دائما أن تتعرض معالم الأمكنة للتغيير ،وربما الى الاختفاء من الحاضر ، بفعل تقادم الزمن عليها وإهمال”ساكنيها “، فيتوجس مستوطنها خيفة من المستقبل الذي لن يعيدها اليه بصورها الأصلية التي بدأت تتماضى ، إلا إن صورا من تلك الأمكنة تترسب في ذهنه ، وسيستطيع العودة إليها ، من خلال أحلام يقظته ،ليدرك واقعية تلك الأمكنة و يتشمم رحيق عيشه في كنفها ، وكأن أمكنته الأليفة تلك تعيد تكوين نفسها في طيات ذاكرته، في حلم يقظة جديدة . فهي اذن أمكنة خلاقة.فـبحسب غوستاف باشلار في كتابه جماليات المكان :
( في بعض الاحيان نعتقد اننا نعرف انفسنا من خلال الزمن ، في حين ان كل ما نعرفه هو تتابع تثبيتات في اماكن استقرار الكائن الانساني الذي يرفض الذوبان ، والذي يودّ ، حين يبدأ البحث عن أحداث سابقة ، ان يمسك بحركة الزمن ، ان المكان في مقصورته المغلقة التي لا حصر لها ، يحتوي الزمن مكثفا، هذه هي وظيفة المكان )
وترنيمة الفنان فهد الصكر البغدادية ، بمعرضه الخامس على قاعة ( محمد غني حكمت ،في المركز الثقافي البغدادي ) عنونت كل لوحاته منسلة من ماضي عافيتها ، مجدها ، متماهية مع حاضرها المطعون بالإهمال وقسوة الزمن ، مجسدة في آن الوقت مدينة الحلم التي يسعى اليها من خلال سفر لوحات يتمثل فيها نص حلمه كحكاية او تفسير للحلم نفسه ،موقنا ان ما نراه ونعيشه اليوم إنما حلم ، وان ما لم نره واقعا هو ما خسرنا تحقيقه و “تمت تصفيته “! .fahad alaskar
وفي هذا السفر الشاق والشيّق معا , استطاع الفنان ان ينشيء عالما موازيا لأمكنة بغداد التراثية لكنه أبقى على خصوصيتها المعمارية والتفاصيل التزيينية لبيوتاتها ، وان يخلق تباينا واضحا بين ما هو مرئي او ما بقي مرئيا من معالم مدينتنا “بغداد “وما بين التمثل الخيالي الذي أنتجه في تشكيل أعماله ” طَرقاً على النحاس “, فالعمل الفني لديه نافذة مشرعة على المكان الواقعي ” الأبنية التراثية البغدادية ، بطرزها المعمارية والأبواب والشبابيك ،نطلّ منها بالكيفية التي اوحت به لوحاته ، لان اللوحة بالصورة المشكلة فيها، ليست تعبيرا عن مظهر تجريدي للمكان بمعماريته او للإنسان الذي يأبى مغادرته، بل إنها تجسد الصورة و القيم الإنسانية النبيلة ومعالم الأمكنة التي بدأت تتلاشى او تلاشت ، وكذا آمالنا وأحلام يقظتنا، شوارع المدينة ، مشاهد حاناتها المكتظة و ضجيج ملاهيها وفنادقها ،مكتباتها و أزقتها ، مواخيرها وجوامعها !،أصوات الباعة وروائح الأطعمة الرخيصة ،انه يُنشئ عالما موازيا ، لكنه يبقي على المعايير الهندسية للأمكنة مستثمرا جماليتها التجريدية للتعبير عنها بإضفاء الألوان عليها وبتجسيم فهد الصكرالحروف العربية المرنة القابلة للتشكيل والتطويع فيها، ليعيد تشكيلها وفق ما منحه معدن النحاس من بريق وبروزات ابدعتها دربته في التعامل مع هذا المعدن ، لكنه ضمّن كل ذاك في لوحات دون فضاءات فارهات ، دون سماء او درب زقاق يفضي الى منحنى لا ينتهي. من اجل التخلص من مشكلة الفضاء الأخرس والإحساس بالفراغ. وحين نعاين اغلب اللوحات نجد ان الفنان يُحدث خطاً عموديا، لامرئيا، يشطر اللوحة ككل الى شطرين او يقسّم بعض مكوناتها ” القباب خصوصا ” الى كتلتين متناسبتين في الحجم ومتطابقتين في إسقاطات الضوء ايضا بحكم تقنية معدن النحاس المستخدم في العمل ، وفي ذات الوقت نجد ان اللوحات تمثلت أمكنة المدينة التراثية متخلصة من الأطر التقليدية في تجسيدها او كما اعتدنا ان نراها ،فالقباب مثلا، تداخلت مع البيوت لتنصهران في تشكيل هندسي جديد مغاير ، اخاذ .
ان اعمال الفنان فهد الصكر ، بإبعادها وألوانها ، تقبض على الفكرة علانية ، وباسلوب فني يشي عن نزفِ أحزان وآلام ،لانها ما انفكت توازي واقع يتماضى، صورا حلمية.

غازي سلمان – بغداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *