الرئيسية » ملفات » د. جاسم خلف إلياس : سطوة الأنوثة وفتنة التعبير في شعر بشرى البستاني؛ قصيدة (نوافل الماء) أنموذجا (ملف/6)

د. جاسم خلف إلياس : سطوة الأنوثة وفتنة التعبير في شعر بشرى البستاني؛ قصيدة (نوافل الماء) أنموذجا (ملف/6)

jasem khalafإشارة :
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن الشاعرة الكبيرة والناقدة المهمة والأكاديمية البارزة د. بشرى البستاني ، وتتمنى على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق المتعلقة بمنجزها وسيرتها الإبداعية المعطاء التي أثرت المسيرة النقدية والشعرية العراقية والعربية. وسيكون الملف على عادة الموقع مفتوحا من الناحية الزمنية لأن لا زمن يحدّ الإبداع الخلّاق.

الدراسة : 
مدخل :
تتغيا مقاربات النص الأنثوي كما هو متعارف عليه في الدراسات النقدية الحديثة، كشف مفاتن النص وحرائقة ، وفك شفراته ورموزه ، وذلك من خلال محاور تتوافق مع المهيمنات التى تفرضها اللغة / الصورة / الإيقاع / المفارقة / التناص / الجنوسة / الرمز / الحضور / الغياب …وغيرها، وصولا إلى التشابكات العلائقية والحمولات الدلالية، إذ تنهض على تأشير المحرّض والمدهش، وتجلي المخفي وتخصيب دلالاته، وإحضار المغيب واختباره إجرائيا. وكل ذلك يتم في فعل قرائي يشكل نظيرا مدهشا للفعل الكتابي، منطلقا من استراتيجية تعلن عن قدرة القارئ، وتهيّؤه لبناء المعنى، وتستجيب للمرتكزات والآليات التي تأتلف من معطيات وسياقات تسهم في فك الشفرات والرموز التي تؤثث النص، وهذه الاستراتيجية ما هي إلا ممارسة تدليلية، بإمكانها سلك دروب اللغة المتشابكة، والسيطرة على اتساع دهاليزها، وتمظهر أسرارها الجمالية، وبلاغة خطاباتها، وتعدد احتمالاتها. وعلى هذا الأساس فالسعي إلى اقتراح خطاب يتشكل في وعي الأسئلة الشعرية بصورة مغايرة ومستفزة، تتغيّا التفرد، هو سعي كتابي بمزاج خاص، وغواية تمارس مكوثها في مجسات وحفريات التشكيل اللغوي للشعر، وعمقه المتوهج، بوصفه ممارسة تحتاج في ديناميتها إلى تحولات الترميز والتدليل، كي تؤسس وعيا تأويليا يتجاوز التبليغ أو الإبلاغ، ويستقرىء العلامات وأسرار العتمات التي تتركب منها، ، ليصل إلى كشوفاتها، وسيرورة سحرها. فمما لا شك أن النصوص المراوغة يتأبى المعنى القار على الأنوجاد فيها بصورته النهائية ، وتبقى تشكلاتها وتدليلاتها تنحاز إلى أنزياح لغتها لكثير من الرموز القلقة، وطاقات توتراتها العالية، وقراءاتها التي تتجاوز السائد والمألوف..

ليس الهدف من هذه المقاربة هو وضع مصطلح (الشعر الانثوي) أمام مساءلة نقدية، وجدل عبثي يمنحه التواجد في الفضاء الذي تواجد فيه مصطلح (الأدب النسائي) وتفرعاته النوعية. أو مزاحمته المفاهيم التي تواجدت في الكتب والدوريات والندوات والمؤتمرات وغيرها بشكل مقبول أمام الذهنية التي تقبلت مصطلح (الأدب النسائي) أو رفضته، بوصفه مصطلحا أيديولوجيا وسياسيا يساير ضرورة مساواة المرأة بالرجل، والدفاع عن حقوقها المهدورة أو المهمشة في أقل تقدير، وإنما جاءت اشتغالاتها ـ أي المقاربة ـ من حيث مكونات الشعر الانثوي المتعالقة بتفاصيل الحياة ثقافيا واجتماعيا، لا بهدف إثارة الغرائز واللعب على أوتارها الحساسة التي تعزف في فضاءات المتعة والشهوة ، وإنما كون الشعر الانثوي ضرورة تحريضية ومكونا بنائيا يتأسس على العلاقات الحميمية بين الواقعي والمتخيل ، وإن جرأة الانتهاك والبوح الصادم وغواية اللغة وفتنة النص والمنفلت من المحظورات وغيرها شكلت تعبيرات متميزة ومشفرة، تمثل أفعال كينونة ومغامرة وجود، أرادت المرأة/ الشاعرة أن تصوغ ذاتها فيه، وتشكل واقعها منه، بخصوصية تؤكد على أن (الشعر الذكوري) مهما تقمص فيه الشاعر حجب المرأة بكل تفاصيلها، يبقى عاجزا عن الوصول الى أنوية المرأة وحميمية جسدها المتجانس في الايقاع والدلالة.boshra albostani 6
وعند مقاربتنا لقصيدة (نوافل الماء) التي احتوتها مجموعة (مخاطبات حواء) للشاعرة بشرى البستاني الصادرة عن دار شمس للنشر والتوزيع 2010، ارتأينا أن تتعقب هذه المقاربة التشاكل الإغوائي في محايثة الكلام بالجسد، تلك المحايثة المؤثثة بالعوالم الداخلية للأنثى ذاتا ورؤية، وكل ما يتصل باللغة في مستواها الإبداعي، وكيفية تقديم هذه العوالم، ولهذه المحايثة علاقة (( بفتنة التعبير اللغوي، أي الاحتفال بالمتخيل الجسدي الفكري عبر جمالية الخطاب الشعري، بما يولد كنص شعري من أنوثة مضاعفة، مدبرة في أصلها التكويني من مزيج الكتابة والجسد، ومؤكدة لسلطته بسطوة الأنثوي، كحيلة عاطفية، أو استعارة هي مشروع الشاعرة الحضوري))( 1). وعلى هذا الأساس، فعندما ينطلق صوت المرأة / الشاعرة من أعماقها ليس هدفه البحث عن الخلاص من أوجاع الجسد من خلال إضاءة الجوانب المضمرة والمعتمة فحسب، وإنما لإضاءة عتمة الوجود ووعي كينونته. وذلك من خلال توظيف تلك العوالم بوصفها فاعلية ترميزية ودلالية تنفتح على الخارج بسحر أنثوي تطغي عليه بلاغة الجسد، وترصّد (الآخر)، واستحضاره، وفرض تواجده من خلال اللغة وسحرها الكلامي (الشعري) بوصفه ((لغة الكينونة التي تحتاج إلى أرقى درجات الوعي والتأمل والتكثيف والترميز والدقة والمعرفة الفلسفية والرؤيا، كما تحتاج إلى القدرة على الغوص في الأشياء تأملا واستشرافا ))( ). وتركز الشاعرة في رؤيتها النقدية على إن قراءة كهذه عليها أن ((تتجاوز البنية السطحية إلى قراءة أخرى أكثر غورا ، قراءة تحفر في سطح اللغة التي يتشكل فيها التنافر نزولا نحو بناها العميقة لاكتشاف ما يمكن أن يزيل اغتراب السطحي لالتقاط ألفة مثيرة وعلاقات خفية في البنية العميقة وفي المسافة الجمالية أو مسافة الفجوة ما بين البنيتين كما يسميها النقاد))(2 ) .

ولأهمية العلاقة بين العنوان والمتن في الدراسات النقدية الحديثة، سنتناول العنوان بوصفه بنية صغرى، والمتن بوصفه بنية كبرى، ونسعى إلى كشف أسرار هذه العلاقة، وإزاحة عتمات القصيدة، وتدليل علاماتها وتأويلها، فالعنوان “نوافل الماء” يحيل الى ما يتلاءم دلاليا داخل المتن، وقد انشغلت هذه الدراسات ضمن تحولاتها الحداثية بالعنوان، كما أفاد القارئ من جل المناهج النقدية في تناول العنوان تنظيرا وإجراء، ولن ندخل في تفصيلات هذا التناول وتوصيفاته وتحديداته؛ لكي نقلل قدر الإمكان من اجترار وتكرار ما قيل بخصوص العنوان، وسنكتفي بتوصيف الشاعرة له، كونه حاضرا في صورته المكتوبة أو المسموعة، إذ يحيل على الغائب الكامن في الذاكرة النصية والذاكرة القارئة معا، ويرسم فضاء في المخيلة لمواجهة النص بشكل يختلف عن مواجهة النصوص الأخرى، كما يجعلنا نتلقاه بصورة مغايرة لتلقي غيره من العناوين. فهو علامة لغوية لها بالنص علاقات اتصال وانفصال معا:
– اتصال كونه وضع لنص معين على نحو الاختصار.
– انفصال بوصفه علامة لها مقوماتها الذاتية (3 ).

ستنهض قراءتنا لبنية العنوان على كشف النسقين التركيبي والبلاغي بوصفها بنية صغرى، واتصالها بالمتن النصي بوصفه بنية كبرى، فالنسق التركيبي للعنوان في مستواه السطحي يتشكل من مفردة (نوافل) التي تجاورت بالإضافة مع مفردة (الماء)، وكلاهما – النكرة والمعرفة، يحتويهما المركب الاسمي الإضافي، فتنتقل النكرة (نوافل) من فضاء التنكير إلى فضاء التعريف من خلال المعرفة (الماء) بقوة الاضافة، فـ(( إذا أضفت اسما إلى اسم مثله مفرد أو مضاف، صار الثاني من تمام الأول، وصار جميعا أسما واحدا))(4 ).. وهذا التضايف المحض أو المعنوي المكون من إسمين هو الذي يجعل (( المضاف يتخصص بالمضاف إليه، أو يتعرف به؛ فلا بد من كونه غيره؛ إذ لا يتخصص الشيء أو يتعرف بنفسه))(5 ). ومن هنا يمتلك النسق التركيبي حيازة الانكشاف أمام الاحتجاب، وهذا التضايف الخالي من الإسناد، يمنحنا حرية ملء الفراغ وتأويل المسند (الحاضر/ الغائب) في جملة (نوافل الماء أنت) أو(نوافل الماء حبيبي) أو(نوافل الماء عالمي) … وغيرها، والمسند إليه (الغائب/ الحاضر) في جملة (أنت نوافل الماء) أو (حبيبي نوافل الماء) أو (عالمي نوافل الماء) … وغيرها، وذلك من خلال تبادل الأمكنة الإسنادية إن جاز التعبير. وفي التركيبات المفترضة جميعها، تعيش مفردة الـ(نوافل) مع مفردة (الماء) علاقة جدلية بين الإضاءة والإعتام تبعا لكل قراءة وتأويل مضاعف.
أما النسق البلاغي للعنوان فيتمركز في اشتغالات اللغة، ومراوغة الانزياح، وذلك انطلاقا من كون العنوان علامة سيميائية، لها مستويان سطحي (تقريري)، وعميق (إيحائي) ، فمفردة (نوافل) سواء أكانت صلوات يتطوع بأدائها الإنسان عدا الفرائض، طمعا في التقرب إلى الله، ويثاب فاعلها ولا يؤثم تاركها، لأنها زيادة على الأصل، أو الغنائم والهبات(6 )، فإنها تنقلت هنا من دلالتها المعجمية،وتتحول في السياق النصي إلى علامة مغايرة، من خلال إضافتها إلى الماء، وللـ(ماء) حمولات دلالية متعددة ومتشابكة، ينعكس حراكها على النص الشعري في أبعاد متعددة منها: البعد الديني: وقد ورد في القرآن الكريم ذكر الماء في مواضع كثيرة نختار اثنين منهما لاتصالهما بالقراءة ((فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّخُلِقَ (5)خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ(7)يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب(8)..سورة السماء والطارق))((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ….آية (30) سورة الأنبياء)). والبعد الأسطوري: (نرسيس، عروس النيل، أدونيس وعشتروت، وتموزوعشتار، وجلجامش، وأوزيريسوإيزيس…. وغيرها)). والبعد الفلسفي: منذ الإغريق وحتى يومنا هذا، (الماء، التراب، الهواء، النار).

ويعضّد قراءتنا للعنوان (نوافل الماء) المتن النصي بهدف بناء المعنى تبعا لتوصيف الشاعرة له بـ(علامة لغوية لها بالنص علاقة اتصال) كما مر بنا، فقد وردت مفردة الـ(ماء) في صيغة الجمع في السطر الأول من المقطع الثاني: ((في منحدراتِ مياهك أحرق عطري))( 9)بينما تكرر ورودها في صيغة المفرد في بقية المقاطع إما بشكل مباشر أو بجزء من الطبيعة يشتمل على الماء (البحر ، النهر، الطين…إلخ) . أما مفردة نوافل فلم ترد إلا مرة واحدة فقط :(( وفي المنعطفات / نوافل ورد وصلاة))(10 ).وتبعا لعلاقة اتصال العنوان بالمتن يرى الباحث أن قراءة القصيدة حسب المقاطع التي شكلتها قد يؤدي إلى نتيجة أفضل، كون القصيدة طويلة نسبيا، وتحتاج في لملمتها إلى جهد مضاعف على الرغم من اليقين بأن القصيدة تحتاج إلى قراءات متعددة، ولا يمكن لهذه القراءة أن تفيها حقها.kh boshra 18

تفتتح الشاعرة قصيدة (نوافل الماء) بتشكيلات ترميزية توقظ في القارئ حساسية التأمل، من أجل تشخيص الغموض الدلالي وغرابته في العلاقات اللغوية، وتحويله إلى دلالة واضحة ومألوفة، فما هي العلاقة بين (منحدر الغابة) و (حرير المرمر) و (اللؤلؤة السوداء) في واقعها الطبيعي؟ لأول وهلة لا يجد القارئ سوى تعبير يقترب من الفنتازيا، ولكن حين ينتقل الكلام من الوصف الخارجي إلى الداخل ليعبر عن حال الفاعل من خلال ضمير المتكلم الظاهر أو المستتر: (مرجاني، أتشبث، يؤلفني، يبعثرني، أهوي، ترفعني) تتوضح العلاقة في الواقع النصي، وتنفلت من بؤرة الغموض إلى حافته:

((في منحدر الغابة
فوق حرير المرمر
تطلع لؤلؤة سوداء
بين الدغل المخضل بهمس الاشياء
أزرع مرجاني
اتشبث عبر ممرات الريح الوسنى
جذلى برذاذ التكوين
يؤلفني نصا تزرعه الالغام
يبعثرني في كل الارجاء
أهوي في قاع الكأس عروسا من زبد
تمد يداك وترفعني
نصا ….. آخر))( 12).

ويتجسد فعل الغواية الشعري لحظة تعالق فتنة الجسد بلحظة التشهي، إذ يعد الجسد أحد المباهج المغرية للإغواء والإشباع مثلما هي اللغة تغري الشاعرة في تعريتها، وهنا يتحول الفعل الجسدي الى حراك شعري متأت من وظيفة الجنس الحياتية / الكونية وقدرته على الإخصاب والانبعاث، بوصف الجنس (( انبعاث ديمومة إنجابية لمجمل الحياة)) (13 ) والمحرك الأساسي للسلوك الانساني، والمبثوث فيه جماليا ( الغابة، الدغل، الرذاذ) من ناحية، وموضاعاتي من ناحية أخرى، كون الأشياء الثلاثة التي وردت تحمل في معادلاتها الترميزية محمولات دلالية تكشف عن البوح الذاتي وعلاقته بالـ(الماء) على الرغم من العالم الضبابي المعتم للنص. وهنا يؤسس النص للذات الأنثوية فضاءات حلمية تتجسد في الرغبات والنزوات والانفعالات، وذلك بالتهام حالات الجسد بوصفه الأعلى قيمة جمالية في العالم، فمنذ الأزل جعل الكلام وسحره شهرزاد ((أشهر انثى، وأهم قربان، وأجمل عاشقة، وأروع معلمة، اقتادت (شهريار) من عالم الذكورة المريضة، والشعور الأعمى إلى عالم الضوء والمعرفة والإحساس)) (14). وهذا ما دعا الشاعرة إلى أن تعيش التحول من (نص مؤلف تزرعه الألغام) إلى (نص آخر) منذ أن امتدت يد (الآخر) ورفعتها نحو العرش، ولعل هذا التحول هو تحول من الطبيعي إلى النصي، وقد عدّ كثير من النقاد الجسد نصا يمكن تفكيك شفراته ودراسة إيماءاته، والنص جسد يمكن التلذذ به عند القراءة. ويعد رولان بارت في قراءاته السيمائية للجسد بوصفه نصا من جهة، وقراءاته للنص بوصفه جسدا ذا خصائص مثيرة وشبقة من جهة أخرى، ولعل كتاب (لذة النص)(15 ) خير دليل على أن النص قابل للارتعاش والتحول والتجلي والذوبان، فما يكتب بلذة، ينبغي أن يقرأ بلذة أيضا.

ربما يتساءل قارئ ما عن المفارقة التي جاءت في الجملة الأخيرة من المقطع (نصا .. آخر) دون أن تقول الشاعرة (قصيدة أخرى) لتمركز انحيازها إلى كل ما هو أنثوي، على أساس أن ((هناك من الشاعرات من نظرت الى الشعر بوصفه المذكر أو القرين (….) ومنهن من ترى اللقطة الشعرية والقصيدة كجزء من شخصية مزدوجة او كواحد من الأنوات الانثوية المثيرة))(16 ) فضلا عن كون الشعرية ((كائن انثوي سواء كتب الشعر امرأة او رجل فكلما ازداد جيشانه وقدرة مجازاته على التوالد والتماس بخصوبة مع الوجود واللغة والأشياء كلما بدا أنثويا أكثر، وكأنما الشعرية أنثى وبخاصة في قدرة المجازات والصور ومجمل تقنية النص على التوالد وإنتاج المعنى واستحضار المغيب (الجنين) من روابط الكون والعلاقات ومكامن الجمال والدهشات ، بحيث تبدو الشعرية حينها كأنثى ولكن في حالة حب وأمومة))(17 ). ويبدو لي أن الشاعرة حين قالت (نصا … آخر)، أرادت أن تعلن انتمائها النصي إلى (الآخر) بوعي يسعى إلى نزع المفهوم البيولوجي عن التأنيث، وهذا ما دعا الناقد عبدالله الغذامي في قوله: (( إن التأنيث المرتبط بالخطاب اللغوي لهو نسق ثقافي يصدر من الرجال مثلما أن التذكير نسق ثقافي آخر يصدر من النساء مثلما يصدر عن الرجال))(18).

((في منحدراتِ مياهك أحرق عطري
أتساءل عمن صاغ تضاريس الكونِ
هذا الوهجِ الفادحِ
عمن أطلق هذا النور على شرفِ الغيمِ
ومن عبّد درب الحمى للمعراج
أتساءل عن أسرائك نحوي
أو عن إرسائي في محن الأبراج..
أصنع من غيبوبة حبي وعيا،
من لا معرفتي علما..
وأجوب الكرة الأرضية،
أغري الأموات..
أتساءل عن سرّ تموّج لون صراخي
في صمت الحكمةِ
بين يدي تضيع قوافل نيسان
ويشتعل الديباج..
بين يدي تضيع الأشرعة الخضراء
وينبثق العطر رموزا وإشارات..
وحدائق ليل ينهض فيها الموتى
جذلين بخمر البعثِ
وترتبك النايات..
بين يدي طيور تشرب من أنهار الجنةِ
تأكل من تفاح الجنةِ
آبقةً منشرك الأقفاص..
وعلى سرو ذراعِك تغفو المدن التعبى
سفنا حطّت فوق مرافئ ليلٍ خانته الأجراس
ماء..
ماء..
ماء.. ))( 19).

في هذا المقطع تتمرد اللغة على المثلث التعبيري (الدال والمدلول والموضوع) وتنحاز إلى المثلث الآخر (اللسان، الفهم والتفكير) فالـ(ماء) الذي يعمل على إطفاء الحرائق، يتحول في مفارقة إلى مكان للحرائق، والـ(عطر) الذي سيكون مادة الحريق ما هو إلا (الأنوثة) بعشقها وأحلامها ووجعها ولوعتها. وبعد التساؤلات عن تضاريس الكون (الجسد) و إسراء الـ(آخر) نحوها، وحمى المعراج، وإسرائها إليه، من أجل التوحد الجسدي والروحي في الآن نفسه، يأتي الجواب المفارق أيضا، (غيبوبة / وعي) و (لا معرفة / علما)، وبدل أن تغري الأحياء في أنوثتها بعد هذ التوحد، تجوب الكرة الأرضية، وتغري الأموات. لكن هل الموتى هم الذين دفنوا وغابوا عنا إلى الأبد أم الأحياء الذين هم في عداد الموتى؟ وهل أرادت الشاعرة وضع (الآخر) في موقف حرج أم أرادت السخرية منه ؟ وهل تضاريس الكون والوهج الفادح يتعلق بالوجود الفيزيقي أم بتضاريس الجسد؟ فإذا حسب قولها ((إن الصورة الشعرية سؤال مطروح على كل قارئ، والمفارقة سؤال مطروح، والرمز سؤال، والسؤال وجود مؤجل))(20 )، فإنها تبحث عن هذا الوجود من خلال الاسئلة المخصوصة هنا، والتي تتوالى فيما بعد عن سر تموّج لون صراخها، لتربطه بإحياء الموتى، وكأن الصرخة هي صرخة إسرافيل المعروفة التي تحيي الموتى، وهذه صورة شعرية يندر تواجدها بقدر ما يصعب الإمساك بها، وما تواجد (بشرى البستاني) في القصيدة بوصفها مؤلفة من لحم ودم، إلا إعطاء صفة (ما وراء الشعرية) لها وهي تقول للقارئ: إن عطري المحترق ينبثق رموزا وإشارات، وهنا ندرك أن الموتى الذين تغريهم هم الموتى الذين ينهضون في حدائق الليل، بوساطة الـ(خمر، والنايات، والتفاح) ولكن لا تكتفي الشاعرة بهذه الصرخة وإنما تلحقها بصرخة أقوى في تشكيل بصري مكرر ثلاث مرات: (ماء .. ماء .. ماء..) بعد أن خانت الأجراس مرافئ ليلها، وأخذ العطش القاسي يجعلها تتوسل بصراخ يعلو من الداخل لتغامر في الوصول إليه:

((أدخل ماء الصبوة واجفة
أدخل ماء الغفوة آمنةً..
أدخل ماء حنينك..
وجهك بدر من ماءْ
وذراعاك جداول خمرٍ أشعلها
أرفعها أعمدةً للكونِ
وترفعني محرابا وعلامات
وتراتيلاً يشعلها رهف الرملِ،
فتفتح سنبلةٌ باب غوايتها
أقطف وردة فلّ من شرفتها،
فيهيم الحراس..
أدخل في أروقة النورِ،
فتصرعني الحمى
وأضيع بأطراف الفلوات
في عقبى الليلِ،
وهادِ الليلِ،
خوابي الليلْ))(21 ).

وكما نهضت قصيدة (مخاطبات حواء)( 22) في علاقات التوازي بين الأنا (الأنثى) والآخر(الذكر)،على أسلوب حواري جسّده تكرار اللازمة القبلية (قلتَ) أو (قلتَ لي) في ثلاث وستين مرة، فإن هذه العلاقة في قصيدة (نوافل الماء) قد تجسدت بشكل حواري أيضا، ولكن بشكل متضاد هذه المرة، فالـ(آخر) لم يقل إلا قولا يسيرا في هذه القصيدة، وإنما اكتفت الرائية / الشاعرة بتوجيه الخطاب الشعري إليه بصيغة المخاطبة (كاف الخطاب المضاف إلى الاسم) (يداكَ، مياهك، إسرائكَ، ذراعاك، حنينك، وجهك…. إلخ))، لتعود إلى ذاتيتها ثانية من خلال ضمائر المتكلم الظاهرة والمستترة أيضا (ترفعني، أقطف، أدخل، تصرعني، أضيع) وهنا يأخذ (الماء) خصوصيته من خلال إضافته إلى (الصبوة، الغفوة، الحنين) كي تعلن لعبة التنقل من العام إلى الخاص، وتمظهر أنوثتها وتسخرها لاستقبال الـ(آخر) في علاقة تشبيهية مؤكدة (وجهك بدر من ماء). والجسد هنا كائن فعلي يمتلك من الاستفهامات ما يؤهله للبقاء داخل الأسوار فضلا عن بقائه مؤثثا بالأسرار مهما سعت الشاعرة إلى الكشف عنه، أو الكشف عن كيفية ارتواءه وإشباعه، ومن خلاله يتاح للشاعرة التوازن الذاتي، لأن كل كتابة فيه وعنه تحيل إلى الآخر، وعلى هذا الأساس يتم اختبار الجسد بوجود جسد الآخر(يداك، ذراعاك، وجهك، عيناك، صدرك) وسواء أخذ التعبير مظهر الصمت والانكفاء أو مظهر الغليان والانفجار ، أو العذوبة والحنان، فإن الكتابة ترتقي بالجسد إلى المتعة الحسية. (( إن الجسد وحده القادر على التعبير عن محمولاتنا النفسية والدلالية والجمالية والحضارية، من خلال سلوكنا وتعاملنا مع الآخر، من طرائق حواراتنا وأساليب تناولنا الطعام وأشكال الأدوات التي نوظفها في قضاء احتياجاتنا وتأثيث حياتنا وبيوتنا وعلاقاتنا الإنسانية))(23).

لا تكتفي الشاعرة بهذا الاحتفاء المكرس للماء ومرموزاته، وإنما تسعى من خلال انتقائها لمعجمها الشعري إلى لغة أكثر حسية، وأشد قوة في بناء متن القصيدة الشبقي لتخلصه من العطش الغريزي الذي يسكن الجسد من خلال حراك شعري يتغيا ظلال المعاني، كي لا تمنح الإثارة الحسية نفسها بشكل مباشر، وبذلك تتخلص من (الإيروتيكية) الساذجة التي همها إثارة الشهوة فقط، فإذا كان ((جسد المرأة حاضن الثمر وحديقة البهاء، إنه الأرض الخصبة حلم الإنسان عبر التاريخ في كل أرجاء العالم ومأمله إلى يوم الدين، وسلة خبزه وسلواه وأمنه))(24 ) فإن كيفية تقديمه للقارئ بشكل جمالي ضمن الترميزات الدلالية، تشكل الهم الأكبر عند الشاعرة بشرى البستاني، ولهذا تنحاز في أغلب قصائدها إلى ((التمويه الشعري لتغليف التجربة وخلق مواجهات مضادة، تشرد انتباهة التلقي في متاهات تضعف شدة التمركز حول النواة))(25 ). وتستمر الشاعرة في تصوير الماء الحياتي المقدس بوصفه عنصرا أساسيا في الوجود الكلي:

((ماءٌ يروي عطب الزيتون بقلب الأرضِ
صراخ الأرض تهدهده بسملة الماءِ
جروح الأشجار يداويها الماء
فتصمت أشياءٌ،
وتلوب سماءْ
هل كنت معي إذ كنت أهدّم بؤس الكونِ
وأبني من جذعِ الجوز عروشا تصعد،
تهبط،
ترقص وسط فضاء النشوةِ
أرقص وسط خرير الماءْ،….))(26 ).

وحين تجعل للماء حضورا خاصا في ماديته وسيميائيته، فإنها تنجز مشروعها الجمالي في دهشة الماء ذاته، من خلال فعّالياته المختلفة فهو (يروي) مرة، و(ويهدهد) مرة أخرى، و (يداوي) مرة ثالثة، وهنا تدخلنا الشاعرة في عالم الماء السحري الذي يجسد بدافع الكبت نوعا من العلاقة المغايرة، لا سيما حينما تمظهرت القرائن التي تحتاج إلى الماء (الزيتون ، الأرض، الاشجار) في الواقع النصي. فإذا كان العطب هو الخراب والموت فإن الماء سيروي هذا العطب ويرجع إليه الحياة، وإذا كانت الأرض تصرخ نتيجة العطش، فإن حنين الماء هو الذي سيهدهد هذا الصراخ ويرويها، وإذا كانت الاشجار في تصوير مؤنسن تعاني من الجروح فإن الماء هو الذي سيداويها ويخلصها من معاناتها. وفي هذا القول الشعري تتحول الأشياء معادلا موضوعيا بالذات.
تستمر الشاعرة في تجسيد فعّالية الماء وتمركزها في فضائها الأنثوي بكل طاقاته الإيجابية – هناك جانب سلبي أيضا لفعّالية الماء لا يعنينا في هذه القراءة – فالرقص الأنثوي كما هو متعارف عليه تعبير جسدي، يثير الرغبة والشهوة، ويعد من أصدق الفعاليات تعبيرا عن الداخل، بوصفه خطابا حركيا، يشترك مع الشعر في الإيقاع، فإذا كانت العواطف والمشاعر تتمظهر جسديا في الرقص من خلال الايماءات والإشارات والحركات، فإنها تتمظهر في الشعر من خلال اللغة، ولغة الشعر عند بشرى البستاني (( ليست لغة معجمية، ولا هي دلالاتها، لأن الدلالة المعجمية لا يمكنها أن تمد الشعر بالإبداع لأنها ساكنة مقيمة والشعر يظل على سفر، تقتله السكونية وتشعله حركية الوهج الإبداعي))( 27) وهنا يلتقي كل من الشعر والرقص في الحركة والتوهج. وإذا كان الجسد في سكونيته بناء رمزيا، فإن مرموزاته تتضاعف في الرقص، ويسمح للذاكرة بمغادرة فضاءاتها العلنية إلى فضاءات سرية كامنة في أعمق أعماقها، كما يسمح بالغوص عميقا للبحث عن النيران الداخلية، وخلق توازن إيقاعي بين الداخل والخارج، لأن الانفعالات حين تنفلت، فالراقصة تعبر عن دواخلها جسديا بوساطة (الحركة) ، في حين تعبر الشاعرة عن دواخلها شعريا بوساطة (اللغة). وينقطع التغني بالماء والرقص فيه (أرقص وسط خرير الماء) بشكل مباشر حتى المقطع الثالث من القصيدة، ولكن يأتي بمفردات محايثة دلاليا، وربما هي الأقوى، لا سيما مفردة (سيل) التي توحي بحركية وفعّالية الماء:

((أنثر دمعي ياقوتا فوق صخور الحكمةِ،
صامتةً من وجعٍ
ضارعةً من لهفٍ..
ترهقني الآيات
ما بين الومضة والرعشة ترتجف الكلمات
من يحصي قبل العشاق بقلب الليلْ..!
سألتني السعفةُ قلت: خذيني..
شجرا تأكله النيران،
وموسيقى النخل تراتيل تؤرجحني بين السيلِ
وبين أصابع فجرٍ،
يمسح جسمي بالنورِ
ويشعل روحي بالعطرِ،
ينامُ على ليلَكِ صدري،
طورا يهديني أرضا وسماءْ…
أو يعطيني سرب يمامٍ
يغفو فوق وسادي،
ويعلِّمني الصبر على وجع الصخر القابعِ
في جوف الحوت))( 28).

إذا كان الزمن النفسي المفجوع بالتداعيات يعمل على تقطيع خطية البنية التعبيرية كي تتعطل الشعرية من خلال اقتحام السرد لبنية الشعر، فإن الشاعرة كانت في كامل وعيها التأليفي، فانتبهت لهذا التقطيع ودفعته الى شعريتها لتعمل لغتها على (( تشيء الحالة الجسدية وتحولها الى رؤيا لا تطالها الا اللغة الشعرية الرامزة ، الغنية بانزياحاتها الرمزية التي تحافظ على الجسد وآلياته المختبئة وراء اللغة )) . وإذا كانت الكتابة السردية (( قراءة تطل من الجسد وإليه، وحركة النص حركة الجسد الذي يمد النص بتفجير هائل للدلالة، بمقتضاه يكون ينساب السرد عن طريق الحركة الداخلية التي يحدثها الجسد، بحيث تغدو تداعيات الرؤيا محصورة في هذا الجسد أو جزء منه)) فإن المخيال الشعري الأنثوي يبقى مرتبطا بالفضاء الذاكراتي الذي يحض الشاعرة على استرجاع معيشها المنصرم (وقلتَ: خذيني…..)، إذ تجسد المرأة/ الشاعرة في شعريتها التلاعب الاسلوبي والرمزي والاشاري الذي يعمل على حجب التوصيل المباشر؛ مما جعلها تستقطب الاستعارات والكنايات والتوريات وغيرها في صور شعرية تستدعي الانبهار بالآخر غواية وذاتا وجسدا. فالجسد يمد الكتابة (( بالصور المتعددة الأبعاد، المحتملة الدلالة، خاصة إذا كانت الكتابة على نحو خاص، ليست محايدة أو باردة، بل هي مرآة بلورية صقيلة، تجلو خوالج ومنازع صاحبها ، وتعكس بصمته وهويته ، نبض روحه وجسده، من حيث احتسب أم لم يحتسب)) (29 ). وهذا ما دعاها لمغادرة منطقة الحجب الذاتي التي تعزلها عن (الآخر) فتعمل على الابتعاد من الضياع والنفي والاغتراب والاقتراب من الاحتراق الانفعالي، كما تنزع مباهجها ومسراتها انتزاعا نصيا يحقق شرط وجودها وانتمائها لذاتها، فـ(( المرأة المبدعة تمتلك القدرة على الترحال في دقائق الاشياء وتفاصيلها التي استأثرت بولع الانثى، فهي تمتلك وسائل التخبئة والتورية، ومواربة القصد، ومحاولة تسمية الاشياء بغي اسمائها، ما تجعل نصوصها متميزة مذهلة، وهذه الاقنعة أو اللباس نصف الشفاف يحقق المتعة والاغراء ما لم يحققه العاري المكشوف ))( 30). وما يجعل قراءتنا تتصالح مع التضاد الشعري/ السردي، كما في تكملة المقطع الثاني:

(( بين ذراعي يموج البحر،
ويغترب الياقوت
جوهرة الصمت تلم شظايا موسيقى كفيك
على جسدي..
تحصد ما تزرعه عيناك على شرفِ الروحِ
وفي المنعطفاتِ
نوافل وردٍ وصلاةْ..
نادتني الوردة..
قلت: تعالي
دخلت جناتي،
فتلقّفها الليل،
الدغل/ الحمى…
لمست كفّي فعرفت يدي،
لمست خدي فانكشف الكون
جنانا وثريات
لمست عيني فطار البجع الأزرق
حطّت في جيدي،
فتمايل عطف الليلِ
وأشرق حزن الغابات
لمست شعري،
فأمرت أغصان الميسِ
ومال العناب..
أغوت أردية الوجد بهمس الفضةِ
ألقتْ في رهج الموجة معطفها
راودها الوجع القاتل،
راودني/ ذبلتْ..
أغفت فوق ذراعي
قالت..
يا ويلي.. قد وقع المحذور))( 31).

البحر هنا بهيجانه وجنونه أبعدته الشاعرة عن واقعه الطبيعي، وأغرت القارئ في متابعة بوحها الذاتي عن طريق التلميح، حينا (بين ذراعي يموج البحر،/ ويغترب الياقوت) والتصريح حينا آخر (جوهرة الصمت تلم شظايا موسيقى كفيك/ على جسدي تحصد ما تزرعه عيناك على شرفِ الروحِ). لقد كشف هذا المقطع قسوة الكبت الموجع (الدغل . الحمى…) وتدفق القول الشعري ليعرّي الفعل الذاتي للأنوثة، مستعينا بالترميز والانزياح الاستعاري. فـ(الوردة) ليست حاضرة الان، ولا ستحضر في المستقبل، وإنما حضرت في الماضي فـ(لمست الكفين، والخدين والعينين، والشعر، وحطت في الجيد، وأغوت أردية الوجد، وألقت معطفها، وذبلت) وأخيرا قالت: (يا ويلي وقع المحذور). والوردة المؤنسنة هنا لها فعل (الآخر) الذي دخل إلى العالم الداخلي للذات/ الشاعرة، فولّد شهوة هذه الافعال وحركيتها، ومنح النص طاقة جذب كبيرة، وفعّالية فنية جعلت طقوس الكتابة تسترجع الذات المتخيلة (الاخر) . وما يلفت الانتباه في هذا المقطع أمران هما: الأول: الطول الذي انماز به من دون بقية المقاطع، وما خلفه من تواز سردي // شعري هيمن على هذا الفعل الكتابي، وفاعلية إبداعية منمازة. والثاني: شعرية (التناص الذاتي) مع قصيدتها (مخاطبات حواء) في التأليف والتوصيل عناصر وتقانات.

((اقرأ في عينيك سفر الجبل المأخوذ باليقين
أموت في الهضابْ
أُبعث في الوهاد
ترسلني الشارات للشارات..
تحملني الغزلان للسدرة إذ تغمرني الأقواس
افتح في أبوابها زيتونة السماءْ
أدخل عرشا طافيا فوق عبير الماءْ
تعود بي النهايةْ
إلى البداياتِ فترتد النواعيرُ على خطاي..
مجروحةً بغصن ضوء آفلٍ
بموجة ذابلةٍ
وكنتَ في عيني دمعةً تجولُ،
كنت سرحةً،
ونبع ورد نازفٍ في جرحه الزمانُ
غارقٍ في دمه المكانُ
كنت تفتح الربى لبهجة الطوفانْ))(32 ).

عند قراءتنا لهذا المقطع الشعري ندرك أن غواية اللغة الشعرية وسحرها الدفاق، وتشظي صورها، وفعّالية متخيلها، جعلوها – أي الشاعرة – تنجز اشتغالها النصي قريبا من ذاتها وجسدها، تؤثث بصمَتَها الأنثويةَ بعبق وانخطاف فريدين، وتفجر التضاريس الوعرة في ذاكرتها، وتتخذ من بؤرة التفجير محطة انطلاق لتجسد خصوصيتها، وتعلي صوتها، وتغذي منجزها الشعري بلعبة الجسد، ومغامرة الايحاء المتكئ على الترميز، والمحرض على التأويل، بوعي كتابي تمّكن من استنطاق المكبوت، بتلاعب لغوي خلاق، أسفر عن ولع موجع، وفضاء محمّل بمتعة وعذاب، لتعبر عن ذاتها الفاعلة، تلك الذات التي كان (الآخر) بالنسبة لها المنقذ من العطش، والفاتح الربى لبهجة الطوفان، والسطر الأخير بمفرداته الأربع، وسحر مراوغته، وإغراء تخفيه، يزوّد القارئ بيقين أكثر على أن الشاعرة تسعى بطاقتها اللغوية إلى بوح عنيف، مغلّف بالمجاز، ومستور بالأقنعة (( إن قصيدتي الانثوية بالرغم من اعتمادها الترميز والغياب أحيانا، إلا أنها لا تتردد في إعلان الحضور والتحريض في مَشاهدها، فهي تدعو وتلوم وتؤشر حالات السلب، وتشتغل عبر فضاء واسع يمتد من حواء وآدم إلى عصرنا الراهن))(33 ). كما أن الاستعارات التنافرية (أموت في الهضاب / أبعث في الوهاد) ، (تعود بي النهاية / إلى البدايات) تتميز بحضورها المتعالي، وهذا البعد التقابلي المتجلي في هذه الاستعارات يؤسس جمالية تأويلية تعتمد على الطاقات الدلالية التي يختزنها السياق النصي، فليست دلالة الكلمات هي التي تولّد هذا البعد، وانما يستشفه القارئ من التفاصيل المشهدية التي تحسسه بخفايا الامتلاك والفقد، أو الحضور والغياب. وحين نربط هذه الاستعارات في قولها الشعري (أدخل عرشا طافيا فوق عبير الماءْ) نضمن مرجعية الماء التي تؤشر إلى الخصب والنماء، الحياة والتجدد.

((حبيبي..
تمر يداك كهمس السعادة فوق جبيني
وصدري آذار يفتح أبوابه للشجر..
فيغمض ورد المقلْ
على رجلٍ وامرأةْ..
يلمان ما بعثرته النجوم على الشرف المشرعةْ
وينبثقان مع الليل لؤلؤةً طيعة
رجل وامرأةْ..
يلمانِ عن ثمر الصبر أحزانهُ،
وعن الكون غربته الموصدة))( 34).

في هذا المقطع يستمر التجوال داخل الذات بعيدا عن تمظهر مفردة (الماء)، ذلك التجوال الذي عمل على التجلي الذاكراتي في لفظ المخزون خارج مكمنه، واتقان رؤية الداخل من خلال توظيف النبوءات في الحلم واليقظة، وذلك من خلال اشتغال تنافذي جسد/ ذات و ذات/ عالم ليطلق العنان لمكبوتات الشاعرة وتداعياتها، ويروّض مخاوف لغتها، وينبش تخومها، وينفلت في حضرة طقس شعري ينفتح على اغتراب الانثى عن الآخر وتآلفها معه في الان نفسه. وقد استرجعت الذات / الشاعرة أفعال حبيبها المتناسلة والمتشظية لتبلور سيرة عاشقة تؤاخي بين الصيغة الشعرية والصيغة السردية، وقد جسدت إحساساتها بلغة شعرية فاعلة شديدة النشاط قرّبت فيها الواقع المادي من الواقع النصي. وظل هذا المقطع كغيره من المقاطع التي سبقته يتقصى مباهج الذكورة حينا (تمر يداك كهمس السعادة فوق جبيني) ومباهج الأنوثة حينا آخر (وصدري آذار يفتح أبوابه للشجر)، إنه يعطي الإشارة بيما هي تعطي الثمر، وذلك من خلال التجسيد الحسي للعواطف المشحونة، والرغبات المكبوتة وهي تصغي إلى نبض الجسد. فـ(( الجسد إشارة حضورنا في العالم، وهذا الحضور إن لم يمتلك ديناميكيته الفاعلة فإن انسانيته سيبقى جزء كبير منها معطلا، ولذلك لا يبقى معنى للجسد بعيدا عن القيم، فالجسد في ظل القيمة يشكل كونا مكثفا تربطه وشائج التواصل مع الكون الأكبر ليظل الإنسان مندمجا بالعالم ومنتميا للإنسان))( 35).

((بين الغوايات وبين الوتر المقطوع..
تنكفئ الدموع
وتنهض الرعشة من مكمنها
عيناك إذ تأخذني بلوعة التفاح
أموج في رذاذ أول الصباح..
تشتعل الصبوة من جذورها
وتسقط الأقداح..
ادخل في بهاء عينيك حقول الآس..
يرعبني اشتباك موج البحر بالأفق.
تغمرني الأقواس بالألق
فاصعد الدوح،
واستغيث بالجروح.
أشهق في متاهة الجمالْ..
يرهبني الجلال.
أصيح.. من يعيدني للطين..!
يلمعن هضاب كالجذل ىشظايا الروح
يأخذني من صبوة الوجدِ،
ومن قلائد الغصونْ…
حولي.. تلف أذرع السنين
بنفسجا وياسمين
أضحك من سكر
تضحك من صحو
نسلك دربا ثالثًا،
وتصمت الأسئلة الماكرةْ
على مدى الظنون))( 36).

في هذا المقطع نلمس خلوه من مفردة (الماء) بشكل مباشر، وقد جاء تشكيله الصوري في أربع صور، الأولى: انكفاء الـ(دموع) بوعي لافتٍ للنظر، فقد ظلت أفراح الشاعرة ومسراتها الخاصة وجودا مخضبا بعطر الأنوثة، وما هذا الانكفاء إلا مباهج أخرى تضاف إلى فضائها الذي رصعته بنجوم السعادة بكل تفاصيلها، والثانية: اشتباك موج البحر بالأفق، وهذا الاشتباك هو الالتحام بالقصي والهارب والآتي، والثالثة: حين تفعّل الشاعرة سيميائية الماء حينما تموج في رذاذ أول الصباح وتشتعل الصبوة من جذورها، والرابعة: صيحتها التعجبية (من يعيدني للطين!) والطين كما هو معروف مزيج من الماء والتراب، وما هذه الصيحة إلا إرادة قوية تعيش في صهد السؤال، ولهيب القلق الوجودي، وتدفق لحظي خبأته الذاكرة عنوة، لتعبر عن عالمها الداخلي المتسع لبعده الانساني. كما أن مفردات (الغواية) و(الرعشة) و(الاشتعال) و(الاشتباك) و(الشهيق) وأخرى تلوّح لانضمامها إلى حقولها الدلالية، تستفز حواس القارئ لشحناتها الإيروسية، وحمولاتها الدلالية المنفتحة على فضاء انثوي/ ذكوري بشكل عام، وحيز معلن / مخبوء بشكل خاص، وتقوده إلى تأويل التمثيل الداخلي للواقع الخارجي، وذلك عن طريق التداعي الصوري وايحاءاته المتدفقة ومحمولات شعريته المتوهجة. ولا غرابة أن تعيش المرأة / الشاعرة نبض ذاتها، وتجسد سيرتها المشحونة بكل ما هو إنساني، فـ(( حياة المبدع الخاصة والشديدة السرية أو الجارية تطلعاتها في المخيلة وفي اللاوعي معا ، ولا سيما في الفنون اللغوية لابد أن يتسرب بشكل انثيالي مونولوجي أو ضمني من خلال إسقاطه ذلك على حوار الآخرين القائم في نسيج النص أو وصفهم أو تحليلاتهم))(37).

((أهرب من حبائل اللهب
أدخل بهو الأرض..
– سيدتي..
نامي على ذراعي..
سنبلةً مجروحةً، ونبع
وزهرةً عاشقة، وشمع..
يبحث في اشتعاله عن غيمةٍ،
عن خيمة وجنةٍ
يبحث عن هزيمة تكسر طوق نصرهِ،
عن ساعدٍ يضمهُ
عن شفة تبوحْ..
سيدتي..
هذا أوان القطفْ
تنزلق الأقمارُ
من ردنيكِ
فالتفِّي على ذراعي..
نهرا وأبجديةْ
وكرمةً طريةْ
تأخذها مني العناقيدُ إلى المنابع القصيةْ..
سيدتي..
نامي على ذراعي..
في الرقصة العصية))(38 ).

أول ما يلفت انتباهنا في المقطع السادس، هو تحول الكلام الشعري وتوجيه الخطاب من (الآخر) إلى الشاعرة ذاتها، وما مخاطبتها بـ(سيدتي) إلا الاستسلام لسلطة الامتلاك، ويبدو أن الشاعرة قد انحازت إلى مقتضيات الأداء اللغوي، ووظفت المنولوج في التوصيل الشعري، (تكرار اللازمة (سيدتي) ثلاث مرات في المقطع). وإذا كان المونولوج دليلاً على أزمة الحوار وانعدام التواصل ، فإن الشاعرة أرادت بهذا التقابل الصوتي أن تحوّل التوترات والاستكشافات وما ينتابها من قلق إلى عشق يصل إلى حد التماهي، وهنا – كعادتها في الكتابة – يتحول المؤشر الدلالي المباشر إلى تلميح وإيحاء ورموز واشارات: (سنبلة مجروحة) ، (غيمة) ، (أوان القطف) ، (انزلاق الأقمار) ، (كرمة طرية). وقد شكلت جميعها بؤراً دلالية من خلال انزياح المفردات عن معناها المعجمي، واستحضار دلالات جديدة. وهنا ينخطف القارئ ويندهش مجددا بمشهد شعري يمتزج فيه الحلم بالواقع. وقد وعت الشاعرة توظيف تقنية الانزياح ليس في هذا النص فحسب، وانما في مجمل تجربتها الشعرية. فـ((الانحرافات في اللغة الشعرية تتأتى من انزياح عملية الاسناد بين طرفين (….) وذلك يعمل على دفع المتلقي للتأمل من أجل اكتشاف العلاقات التي يمكن انتزاعها أو العثور عليها من وراء التعالق الإسنادي الجديد حيث تتداخل الكنائية بالاستعارية بالرمزية مما يؤدي إلى كثافة الصورة الشعرية وزيادة فاعليتها بما يحرك عملية القراءة ويزيدها قدرة على الامساك بتشظية الدلالة ثم إعادة تشكيلها))(39 ). كما يتجلى في هذا المقطع تتبع الذات الشاعرة للهفتها ورغبتها في حضور الآخر؛ لحاجتها إليه، فهو (( مرآة الذات التي تعكس صورها المتلاحقة، بل إن الصورة المثلى التي تحاول رسمها، وهي تعيد كتابة تاريخها، وتاريخ الآخر، بوصفه علامة حضور))( 40).

((- يا سيدي..
بيني وبين الصوتْ
يكمن سرُّ الموتْ
وبين عينيَّ، وبين النارْ
يشتبك المدارُ بالمدارْ..
يضيع في الدغل يمامُ الندى
ليفصح النداءُ، أو يموت في رغدْ..
في غربة الجسدْ.))( 41).

يحمل هذا المقطع على الرغم من قصره روح الأنثى المتمردة، ذلك التمرد المخاتل في لعبة الألفاظ وتحولاتها الدلالية، فهولا يقترح العبور فوق جسور التابوهات للوصول إلى إيروسية مكشوفة، وإنما مقاربتها ببوح فني يجسد الدلالات المخفية وفق رؤية ناضجة، تبنّت التسري والشكاية والحلم والأسى، في حميمية اشتملت على أدق التفاصيل والأسرار. إذ يهتاج الشعر بالداخل، ويحتمل اللهيب الأنثوي بهواجس الدلالات الكونية، فالشاعرة حين تقول : (( الجسد في شعري لا يذهب إلى الجنس أداة للتناسل بوصفه غريزة الكائنات الحية كلها وليس الإنسان وحده، بل يذهب لما هو أبعد من ذلك، يذهب إلى الحرية والمنفى والاغتراب الذي كان السؤال والاختيار سبباً لهما بداية الخلق، ويذهب إلى التواشج خلاصا من واقع النفي وما فيه من سلب، فالإنسان مغترب عن مكانه الأصلي، باحث عما يداوي اغترابه ، بالجسد كان الطرد والمنفى، وبالجسد كانت إشكالية الاختيار، وبالجسد كانت إشكالية المعرفة))(42 )، فإنها تتحمل عبء الغناء داخل المناطق الوعرة، والغامضة، لإدراك سرِّ العلاقة التي تربط الذكورة بالأنوثة، بكل ما فيها من نبل وقيمة، وفرح داخلي لفعل التناسق الكوني، وهذا هوما يهم الشاعرة في تحقيق التوازن الإنساني، والإصغاء إلى أنشودة الحياة. من هذا المنطلق المعرفي نستطيع أن نقول إن الشاعرة فرّقت بين الجنس والجنوسة كغيرها من الواعيات اللواتي نالت المرأة وعلاقتها بالرجل اهتمامهن فـ((الجنسي بيولوجي، والجنوسة سيكولوجية، وبالتالي فهي ثقافية لم تكن تبعد سوى خطوة واحدة عن إرجاع التضاد بين الجنس والجنوسة إلى ذلك الفارق بين الطبيعة والثقافة))(43 ).

((تنفتح الأزهار في صدركَ،
أو تشتعل الغاباتْ…
تضيع فيك حكمة اللغاتْ
أكتب في دفاتر الزمان ما خبأه الرمانْ
ألوب في صدرك تحت الشجر الريانْ.
يغمرني وهجُ الثرياتِ
على الغلائل السوداءْ
يشتعل البكاء في أصابع الفتنةِ،
إذ أضيع بين الظلِّ والضياءْ
أدخل في خيوط نوركَ البهيْ
أغالب الأحمر في علاهْ
يصرعني الأزرقُ،
أرتدُّ على الأصفر رملاً هائماً
في عطش الصحراءْ
حبائلُ اللهيب تغريني،
فأغري الليلَ بالرهانْ..
أحوك من مشاتل الحنانْ..
غلائلاً للقمر الذبلانْ
شَعري على وجنتكَ الغابة والجمانْ
وسركَ المشرعُ للعبادةْ..
قلادةٌ تطرزُ الأفقَ وساداتٍ،
وتغري القيد بالسجانْ))( 44).

حين نصغي لهذا المقطع الذي تتواشج فيه الأشياءُ بالإنساني الحميم، نجد أن الشاعرة قد عادت إلى خطابها نحو (الآخر) (تنفتح الأزهار في صدرك)، وحركية الأفعال قد ازدادت، وارتكز عليها المشهد الشعري مولّدا الايقاع السريع، وقوة المعنى ( تنفتح، تشتعل، تضيع، أكتب، ألوب، يغمرني، يشتعل، أضيع، أغالب، يصرعني، أرتدّ، أغري، أحوك …إلخ) كما أن التنافذ المتكرر العالم الخارجي/ العالم الداخلي، وتقابلات الأشياء (الظل، الضياء) ودلالة الألوان ( الأحمر، الأزرق، الأصفر) واستمرارية الفعل المضارع الحركي ترسم منطقة تحريض وإدهاش، تتبلور فيها تفاعلات الذات في الكتابة الشعرية بوصفها (( قراءة يطل منها الغائب والممتنع، وما لم يتخلق جسدا على المحتمل والممكن، والكائن من غير ابتداء، والصائر من غير انتهاء))( 45). وحين تعمد الشاعرة إلى ذلك فهي تحقق ذاتها الجسدية بوصف الجسد(( أول هوية للإنسان ، فيه يتحقق الوجود البشري، وإذ تأتي النفس والعقل والإدراك والعاطفة من تفاعل الجسد وامتدادته بالحياة، فإن أي انتقاص من قدر الجسد يكون انتقاصا من إنسانية الإنسان))(46 ).

((يأخذني الليل إلى أسرَّة النجومْ
أقطف من ربوعها الغيوم
وأشعل النارنجة الأخيرةْ
كي يصحوَ الندى..
في وسن البذور))( 47).

لم يعد الاشتغال الشعري والتعالق بين سحر الكلام وشهوة الجسد حكرا على الرجل ليذكي حساسيته الذكورية في فضاءات المتعة والدهشة وهو يتقمص (أنوية) الأنثى الوارفة بالبهجة حينا، أو يتغنى بجمالها الباذخ وروعتها حينا آخر، بل أخذت المرأة على عاتقها هذا التحولَ في الصحو والصفاء، والمغامرة والتمرد، كي تشحن نصوصها بأسئلة الخلاص من الأوجاع، ومقاومة الصراع مع الذات والوجود، فـ((الحب بالنسبة للمرأة / الشاعرة ليس فكرة افتراضية ، أو مجرد خلفية يمكن أن تتسير الحياة على احتمال حدوثها ، إنما هو الفاصل الطوباوي الأجمل من حياة واقعية مديدة، وشرط وجود ))(48 ).

(( في الطلقةِ الأخيرةْ..
يكمن سرُّ الماءْ.
في رعشة الأصابع الخضراءْ
لا ترتوي من وجع القداحْ..
بل تُلهِب الجراح
قبل انبلاج العطر..
ثانيةً في شهقة العبور
ألمّ عن مدارج الألواحْ
ما نفضتهُ أذرعُ الرياح
فوق سرير الروح من زهور))( 49).

تجسد الشاعرة بشرى البستاني في هذا المقطع ــ وهذا يغلب على اشتغالها الشعري ـ ثنائية الحضور/ الغياب ، إذ تنطوي هذه الثنائية على ثراء جمالي اكتسب فاعليته من خلال التوغل في منطقة الحجب واستنطاق مسكوتها وزجها في حراك الفعل القرائي بعيدا عن الاستسلام للكسل الذي يُفقد القصيدة توهجها واشعاعاتها التأويلية. من هنا جاء تعبير الشاعرة البستاني عن مكنونات الدواخل وخباياها بوصفها (انثى) تحتشد فيها الرقة والحنان والحب ، فهي تؤثث صبواتها الجسدية واحلامها الايروتيكية ببوح يجلي خفاياها الدقيقة التي تنوء بها في مجتمع قاهر تهيمن عليه حياة روتينية باردة ، تفقد وهج الحب، فيطفئ النفورُ لهيبَ الرغبة ويلاحقُ الإرادات المشروعة ، ولهذا نجد كثيرا من الشاعرات يبحثن عن الحجب بدل المكاشفة احترازا من التابو المفروض كما هو متعارف عليه. ((من خلال الجسد أفتح ذاتي فكرا ومشاعر أولا، وأحاول التعرّف على دواخلها لتفكيك أزماتها شعرا وبكل أنواع الكتابة وتذوق الفن من خلال تحويل تلك الأزمات نحو الخارج عبر معادلاتها الموضوعية في التشكيلات اللغوية القادرة على تفريغ الأزمة بكل الرؤى التي تحملها، وانتزاعها من الداخل محولة إياها من كتلة وجع نفسي إلى كتلة لغوية معبرة تتضمن الوجع وتعمل على نفيه وتعطيل فاعليته التخريبية، أكشف ذاتي حتى في لحظة كونها عصية ومشتعلة ومشتبكة بالرفض، وأعالج توترها بمعاناة، محاولة تمرينها على الانفتاح نحو الاخر لأخفف عبء العتمة الكامنة بحثا عن ملاذ في الآخرين))( 50).

((بين التباريح وبين لعبة الزمانْ
يشتبك الرهان بالرهانْ
أصابعٌ عشرون أم برعمانْ
أقطف من برقهما النيران
تنبض في ومضهما الأجراس
حدائق الليل، وومض الآس
تفتح لي مسالك الجنان..
أدخل في أروقة العبادةْ
مضاءةً بالوهج القدسيِّ، والمهابةْ..
تظلني أجنحةٌ
تحفّ بي طيوبْ
فضيةً
بهيةْ
تسلمني الدروبُ للدروبْ
أنت معي/ تنتظم الأقمارُ في قلادة
وتهبط الثمارُ من غصونها
تحيط بي
أنت معي
أنت معي
في رقصتي بين ذراعيك تدورُ الأرض))(51 ).

بهذا المقطع تختتم الشاعرة قصيدتها، ويتجلى فيه التخييل الصوري إننبثاقا وتتابعا، وإذا كان الرهان يشتبك بالرهان في لحظة تشابك الاصابع العشرين، فإن الوجودين المتقابلين يشتعلان في هذه اللحظة بنيران الاشتباك، وهنا تشكل منظومة الانزياحات خروقاتٍ يمتزج فيها المشهد الحسي (المرئي) بالدلالات الذهنية (المجردة)، وتتسارع الأحداث لتجد لها مستقرا في حدائق الليل برفقة الـ(آخر)، بحثا عن لحظة انسجام تخلّصها من ضغط الواقع، فتهندس لها فضاءً ثانياً يمنحها الهدوء والسكينة والاطمئنان.
في خاتمة مقاربتنا نستطيع أن نقول: لقد شكلت غواية الجسد/ غواية الكلام في هذه القصيدة تأملات وتمردات في مجازات وانزياحات عكست الانوثة بوصفها ذاتا إنسانية لها أحلامها وآلامها ومسراتها واوجاعها. كما جسدت الشاعرة هذا التشكيل في فضائين متضادين: حضور مبؤر (المرأة / الرجل) وغياب متشظي (الرجل / المرأة). ورسمت الفاصل النفسي بين الثقافة الفحولية السائدة والثقافة الأنثوية المتمردة بمنولوجات تلمح إلى اغتراب الذات الشاعرة عما يحيطها. وعلى الرغم من أنها أخضعت المتن الشعري إلى مناخ سردي إلا أن الصورة الشعرية بكل ترميزاتها، ظلت مهيمنة في تخليق معادل انزياحي كشفنا من خلاله تماهي الذات الشاعرة مع الذات الأخر .

المصادر والمراجع

أولا: الكتب

1- ألف ليلية وليلة ، شهوة الكلام شهوة الجسد، حسن حميد ، دار ماجدة ، اللاذقية-سوريا ، ط1، 1996.
2- أنثى اللغة، أوراق في الخطاب والجنس، زليخة أبو ريشة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق- سوريا، ط1 ، 2009.
3- الجنوسة، الجندر، ديفيد غلوفر، كورا كابلان، ترجمة عدنان حسن، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، 2008.
4- سادنات القمر، سرانية النص الشعري الأنثوي ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق – سوريا، 2010.
5- سرد الجسد وغواية اللغة ، قراءة في حركية السرد الانثوي وتجربة المعنى ، الدكتور الاخضر بن السايح، عالم الكتب الحديث، ط1، أربد- الاردن 2011.
6- الشعر والنقد والسيرة، مقاربة لتجربة بشرى البستاني الإبداعية، حوار عصام ترشح، دار دجلة للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، ط1 ، 2013.
7- الصورة الشعرية وأسئلة الذات، قراءة في شعر حسن نجمي،عبد القادر الغزالي، مؤسسة النشر والتوزيع، الدار البيضاء،ط1، 2004.
8- عوالم سردية، متخيل القصة والرواية بين المغرب والمشرق، نجيب العوفي، دار المعرفة للنشر الرباط- المغرب، ط1، 2000.
9- قراءات في النص الشعري الحديث، د. بشرى البستاني، دار الكتاب العربي، الجزائر، ط1، 2002.
10- المكان والجسد والقصيدة المواجهة وتجليات الذات، فاطمة الوهيبي المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغربط1، 2005.
11- لذة النص، رولان بارت، ترجمة منذر عياشي.، مركز الانماء الحضاري، بيروت، 1992.
12- مخاطبات حواء، د. بشرىالبستاني،دارشمسللنشروالتوزيع 2010: 48.
13- المغامرة الجمالية للنص الشعري، الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، عمان- الأردن، ط1، 2008.
14- مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية ، نجيب العوفي، المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، ط1، 1987.

ثانيا: الدوريات
1- الذات الأنثوية ظلت عصورا طويلة مغيبة تحت ضباب المخفي والمحذور والمسكوت عنه، حوار مع الشاعرة بشرى البستاني، حاورها د. جلال جميل، جريدة الأديب، العدد (68) السنة الثانية، 20 / نيسان/ 2005.
2- سلطة الالوهة المؤنثة ، وظائف المرأة في ملحمة كلكامش، جاسم عاصي ، جريدة الاديب ، ع 8 ، 2004.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *