الرئيسية » حوارات » حوار مع الناقد الثقافي المعروف ناظم السعود
حاوره :عصام القدسي

حوار مع الناقد الثقافي المعروف ناظم السعود
حاوره :عصام القدسي

nadum alsod 6حاوره :عصام القدسي
يعد الاديب ناطم السعود رمزا من رموز الادب العراقي لمسيرته الطويلة حيث يعتبره البعض الداينمو للحركة الثقافية العراقية فقد دأب مند عقودعلى متابعة معظم انشطة
الحركة الثقافية ورصدها وتوجيه مسارها بالتقد البناء والاخد بيد الناشئين منهم والكتابة عنهم ونشر باكورة نتاجاتهم وتعريفهم بالوسط الثقافي وكثيرون الدين تم اكتشافهم من قبله ويدينون له بالفضل في تبوأهم مكانتهم في الوسط الثقافي انه الاشهر بين مثقفي العراق لغلاقاته الواسعة التي شملت جميع ادباء ومثقفي العراق وفيما يلي حوا اجيته معه للكشق عن جوانب مهمة من شخصيته.

*حبذا لو تبين لي نبذة عن سيرتك الذاتية ؟

– الولادة: 1/7/1956- مدينة بابل
-الدراسة: أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في بغداد ،وحاول إكمال دراسته الجامعية في كل من بغداد/ فيينا/ القاهرة الا
انه قطعها بسبب قيام الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.
-احترف العمل في الصحافة عام 1978 (الصحافة الثقافية والأدبية
تحديدا) ولم يزل.
– عمل في مختلف المسؤوليات الصحفية والمهنية وفي عدد كبير من الصحف والمجلات العراقية:محررا-مسؤولآ على صفحات وأقسام ثقافية – مشرفا على ملاحق- مديرا للتحرير ثم رئيسا للتحرير …الخ.
– كتب واستكتب لعدد غير قليل من الصحف والمجلات العربية مثل:
( القدس العربي والعرب اللندنيتان / الاتحاد الظبيانية /الصدى الإماراتية / الدستور الأردنية / الآداب البيروتية/ نزوى العمانية/ الصحافة التونسية/ ضفاف النمساوية ..وسوى ذلك كثير).
– له مساهمات في كتابة السيناريو الإذاعي والتلفزيوني كما انه قام بإعداد برنامج ثقافي يومي وتم بثه من قبل قناة الديار الفضائية عام 2006 وقد استقبل كبادرة أولى من نوعها في التلفزة الفضائية
– في شياط 2000 حصلت له جلطة قلبية خطيرة ،وفي نيسان 2000
أصيب بجلطة دماغية خلال عملية فاشلة لقسطرة القلب.
– احتفت به مختلف الأوساط الثقافية الرسمية والمنظمات الجماهيرية
وأقيمت له عدة ندوات احتفاء بسيرته الثقافية ،كما أطلقت عليه مجموعة من الألقاب منها : رائد الصحافة الثقافية / المحرر الثقافي الأول /الكاتب المشاكس/وآخر لقب منح هو شيخ الصحافة العراقية .
– اصدر ثمانية كتب حتى الآن هن على التوالي :
مدارات الأسئلة / الريادة الزرقاء / سحر الأيقونة / الرائي / الآخرون أولا/ ج1 / الآخرون أولا / ج2 / جاسم المطير .. قاصا / الوجه المغيّب .
والكاتب الثامن سيصدر قريبا في مدينة النجف تحت عنوان ( لا صحافة ادبية في العراق ! )
– بسبب الفلتان الأمني في بغداد اضطر للإقامة وأسرته في مدينة كربلاء
منذ أواخر عام 2006 .
* كم مضى على عملك في الصحافة ؟ وما هي ذكرياتك عن رواد الثقافة؟
– كتبت للصحافة ( بشقيها المسموع والمكتوب ) لأكثر من أربعين
سنة ولكن احتراف العمل الصحفي بدأ منذ أواسط العقد السبعيني وتحديدا خلال عام 1978 ولم أزل ، لقد عشت ، خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، زمنا مكتظا بالاسماء والافعال الثقافية برغم تدخلات الفقر والسياسة والغربة وأثرها البغيض على الثقافة لكن نغمة الاخيرة كانت اعلى واكثر تميزا ورفعة من باقي المعوقات اللاهثة خلفها ،رأيت مبكرا كثيرا من الأسماء – وبعضها كان رائدا عراقيا وعربيا – واحتمينا بكنف ادباء عمالقة ومنهم الجواهري/ السياب/ البياتي /الحيدري / الملائكة/ غائب طعمة فرمان / فؤاد التكرلي / عبد الملك نوري ، علي جواد الطاهر / صلاح خالص / محمد الجزائري وسواهم ممن كان يتخذ من الثقافة نبراسا ومنهجا في الحياة والسلوك وكنا نلهج باسمائهم ونستل الدروس منهم حتى وان غاب بعضهم لانهم كانوا يحبون الثقافة لاجل الثقافة!.
* ما الذي قدمته لك وزارة الثقافة وهل انصفك الوسط الادبي ؟
– علينا ان نكو ن واضحين ومنصفين مع انفسنا في الاقل ونقولها جهارا ان جهة رسمية كوزارة الثقافة لا يمكن ان تعطي سواها من افراد وجهات أي اسنادات تذكر بل الاصح انها فاقدة السيطرة على نفسها لعظم الفساد الذي تغلغل فيها ونخرها واساء لدورها التربوي في هذه الحياة ، لقد كتبت شخصيا وبالارقام ما ابتليت به الوزارة من جراء الفساد الذي شلها عن وسطها وابقاها كديكور ليس الا فهل نعول على ديكور كهذا أي فعل ما ؟ ولست انظر الى نفسي كما تعلم معيارا لتقدير هذه الحاجة او هذا الظرف وتوصيف الامور تبعا لحالة أي منهما ولكن ارى من خلال الاخرين واقيس الحالات من خلالهم هم ، واكثر ما يؤلمني ان الجهات المحيطة الرسمية والاهلية على حد سواء تركت شريحة الادباء وحيدة في الساحة تكاد تجتر احزانها وعسرها وخيبتنها بلا نصرة حقيقية او حماية منظورة او اسناد لغرض الاسناد وتركتهم كافراد عزّل لمعارك خاسرة حتما اذا نظرنا من جهتهم هم ولكن التقييم الكلي سيشير الى ان الخاسر الاكبر هو وزارة الثقافة لان المثقفين هم عملة نادرة في حياة الشعوب التي تقدر اهمية الكنوز التي وجدت عندها وتحافظ عليها بل وتساندها ولا تتركها لمعارك خاسرة ، ولكن المصيبة الكبيرة التي يكتشفها أي مثقف ( بدرجة اديب او فنان ) وغالبا ما يحصل هذا انه مسيّر لاهداف و دوافع غير بريئة تكمن خلف ما يقدم على انه اسناد !!.
اما الوسط الادبي ( وفيه اتحادات ونقابات ) فلا حول له او اسناد او تاثير لانه يشكو لجدران الارض غياب الدعم وانه مفرغ عن اداء دوره بسبب الهيمنة المقيتة لاصحاب ( الجهة الفوقانية ) عليه ، والمشكلة التي نراها تكمن في تشظي عدد المنتسبين وتكاثرهم لكل اتحاد او نقابة حتى وصل الامر ان واحدة من ركائز الثقافة في هذا البلد ( وهي نقابة الصحفيين العراقيين ) تضخمت بشكل اميبي وضمت عددا مهولا يقرب من 30 ألف عضوا منتسبا ولا اعلم ان كانوا ” عاملين ” ام عاطلين او انهم يؤلفون جيشا ل ( الحساب ) فقط !. وبكلمة جامعة اقول لك ان الثقافة عندنا تقوم وتنهض وتنشر وربما تشتهر بجهد الافراد وحماستهم الفردية ومعاركتهم لظروفهم ومعاناتهم الشخصية للدفاع عن مشاريعهم واخراجها للعلن ، اما المؤسسات الثقافية الرسمية فهي غافية او تتفرج ولا تسند المتعبين الا بالكلام والادعاءات !.

* مما يعرف عنك انك دائما تكتشف المواهب الادبية وتاخذ بيدهم الى الانتشار عدد بعض الاسماء؟
= عشت طوال حياتي المهنية ( وقد اقتربت من الأربعين سنة ) وأنا انشد هدفا واحدا : أن اكتشف اصواتا جديدة في الأدب والفن والصحافة وارفدها للساحة الثقافية المناسبة لها بعد أن أهيئ الأسباب لذلك، وحين أراجع – بشكل سريع – ما خلفته هذه المسيرة برغم المعاناة الني لمستها انا وكثير من الذين صادفتهم واوضحت فواجعهم استشعر اطمئنانا داخليا على صواب النهج الذي اختططته منذ البدء وحتى الهزيع ، وانني ماض في الطريق ذاته لما تبفى من عمري للكشف عن الكنوز التي تضمها هذه التربة ويتم التجاهل لها كلما رفعت ايديها مشيرة الى امكنتها ،واحب ان ادلي باشارة هنا ان بلدنا موار بالمواهب والطاقات غير المكتشفة ونحن بحاجة لنيات بيض وايد نبيلة لاستلال اسماء جديدة ظلت طويلا في العتمة ، واذا اراد السؤال الكشف عن عدد من الاسماء التي كنت وراء ظهورها فساذكر بعضها بسبب المرض وتدهور الذاكرة لكنني اقول اجمالا ان استمرارها كان بوحي من مواهبها هي ولم اكن انا الا المفجر او المكتشف لطاقاتها في البدء ومنها : ضياء الخالدي / ناظم العبيدي / الراحل محمد الحمراني /عدنان الحيدري / عبد الكريم حسن مراد / داود الكعبي / كاظم الميزري / حنين علي … وغيرهم كثير ممن لا تحضرني اسماءهم في هذه اللحظة .
* اذكر بعض الاسماء التي ظهرت ثم انقطعت عن التواصل واختفت من الوسط الثقافي ؟
– احب ان اقول لك ان من الاوصاف الدقيقة التي قيلت بحقي واجدها الاقرب في توصيف عملي هو ” ان ناظم السعود مثل صياد يرمي شبكته في النهر وتكون الحصيلة اما سمكا دسما او دودا متطفلا على النهر وكائناته او قد تكون من ” الاشنات ” ليس من ذنب السعود ان تظهر الحصيلة بهذا الشكل بل هو عطاء النهر !” هذا اقرب توصيف لنفسي ولما عملته طوال اربعين سنة كنت فيها ( محاول ) اكثر من كوني مكتشفا ولهذا فمن الطبيعي ان اجد في حصّالتي عددا من المواهب واجد فيها ايضا جمعا من المنتفعين والاوهام واللصوص ايضا ! على انني اذكر لك مثالا واحدا من عديد (( الاسماء التي ظهرت ثم انقطعت عن التواصل واختفت من الوسط الثقافي)) التي جاء على ذكرها السؤال فاقول انه يزداد المي حين اتذكر اسم ” امير الحلي” فقد كان شاعرا مجيدا حين التقيته اولا في مستهل تسعينات القرن الماضي وكتبت عنه ونوّهت عن طاقته الشعرية المدخرة ونشرت له بعض قصائده – مع انه كان حريصا عليها ويخفيها بعيدا حتى لا يطلع احد عليها !- واختفى فجاة من عالمي وانا لم ازل في بغداد وزادت حيرتي ازاء هذا الغياب غير المبرر ولكنني لن اعجب لو رايته الان يقرع باب بيتي الكربلائي لانه واحد من اكثر “المشايين “في العراق فقد كان يقطع المسافة بين بغداد وكركوك سيرا على الاقدام !.. كان امير الحلي شخصية عجائبية إن في تكوينها او في سلوكها ام في اختفائه الفجائي عن الجميع منذ اكثر من عشرين سنة!.
* كيف ترى اداء اتحاد الادباء وكيف السبيل لتطوير ادائه؟
– دعني اصارحك بامر لا اود ان يموت في هذا الجسد المتداعي ، انا ارى اتحاد الادباء والكتاب يظهر امام الجميع ( المنتسبين والمتابعين ) بحال ولكنه يخفي حالا اخر على النقيض من الاول وهذه الثنائية يشترك بها مع عناوين اخرى تمارس العمل العام ، هناك هوية مزدوجة وقع فيها الاتحاد وهي واضحة لكل ذي عينين : الاولى ثقافية والثانية نقابية وهو اذ يلتزم بالاولى ( من خلال ايام اربعائية وبقية الاسبوع ) لغرض اعلان دوره الثقافي ونشره بين محبيه وهذا ما نحمده عليه ، فانه تجاهل عن نسيان وعمد هويته النقابية كونه كيان جمعي لالاف المنضوين فيه والمتطلعين اليه ، ويجب ان يعنى باعضائه ( عددا وحاجة ومرضا ) كما تمنحه الهوية الثانية حق الدفاع والمطالبة بالحقوق المغتصبة والمصائر المهانة واستحصال ما غيب عن اعضائه والبحث عن حلول ناجعة وسط الاشكالات المحيطة، لكن العجيب انه اكتفى بالهوية ( الثقافية ) وترك ( مختارا او مجبرا ) القيام بما تتطلبه الهوية الثانية ( اعني النقابية ) ، والمفجع أنهم في الاتحاد قد تطبعوا على الدور الواحد ( وهو الثقافي ) ونسوا الدور الهام والمكمل للدور الاول فاصبح الاتحاد في المضمون هو اتحاد يمشي على عكاز واحد!، وفي دورات متلاحقة التبس الأمر على المنتسبين ( بله المتابعين ) ان كانوا ينضوون في مؤسسة ثقافية ام في تنظيم نقابي؟ وهناك فرق واضح بينهما:فالمؤسسة الإبداعية تهتم أساسا بالجوانب الإبداعية:إبرازا ونشرا وتوزيعا ومثاقفة..بينما تنحصر هموم التنظيم النقابي بالدفاع عن حقوق الهيئة العامة (وليس الهيئة الإدارية فحسب)وتوصيل أصواتهم واستحصال مستحقاتهم والدفاع عنهم واخذ الامتيازات وتيسيرها للمنضوين وتنويرهم بما لهم من مطالب مشروعة وما عليهم من التزامات تفرضها الثقافة والمواطنة ولكن ما سبب هذا الالتباس ؟
ان سبب الالتباس الذي اشرنا إليه يكمن في ضبابية الهوية الحقيقية للاتحاد والتي تصل أحيانا الى تمييع الهوية الثانية – النقابية – وتغليب الهوية الاولى عليها – الثقافية- وهذا ما نشهده ونلمسه منذ سنوات طويلة واخشى ان اقول ان اتحادا استمرأ المشي على عكاز واحدة من الصعب اصلاحه و افهامه ان الضرورة تدعوه لان يمشي على قدمين على ساحة طويلة لا ينفع معها عكاز واحد !.
* كيف كانت بداية حبك للصحافة وظهورك ونشرك لاول مرة ؟
– كما قلت في محاضرات ولقاءات سابقة فقد اردت ان اجد فرصة او مساحة ابرز فيها طاقتي وانظر العالم والاخير ينظر الي من خلال كوة صغيرة فحسب ولا اوسعها بالايهام والادعاء والغلو بل اريدها تعكس قدرتي وطموحي في آن ، وهكذا بدات اول الامر مع الادب فكتبت مسودات في الرواية والشعر لكنني حين اطلعت مليا على ما كتبت ووجدت نفسي لا اصلح للادب فمزقت مخطوطاتي السابقة واتجهت من وقتها اتجاها معاكسا ( من الذاتية الى الموضوعية ) وقررت ان اكتب عن الاخرين وابراز جهودهم والدفاع غنهم وهكذا اكتشفت ان حقل ( الصحافة الادبية ) هو القريب الى نفسي والقادر على اخراج ما ادخرته من لغة وسلوك وثقافة وجدل مع نصوص وحيوات تلاخرين، عام 1978 حدث تحول في حياتي ولكنه اثبت جدواه وصحته بعد حوالي اريعة عقود زمنية جلبت لي الشهرة وثلاث جلطات في القلب والدماغ ورابعة برتبة فقر دائم !.
*ما مدى مصداقية الصحافة اليوم وما هو تاثيره على الوضع العام؟
– الذي اراه الان ، بعد اربعة عقود ،اننا خسرنا معركة المصداقية لصالح المتلقين من الجمهور العام والسبب اننا ننشر الاخبار ولا نستقصي ما خلفها او مدى الاثار الذي يمكن ان تسببه على الناس الذين فقدوا الثقة بما ينشر وبالتالي يقولون لبعضهم هازئين ( .. هذا حجي جرايد ! ) وفي هذا اقرار بفقدان المصداقية الا في ما ندر، والصحف التي نراها تصدر من خلال ثلاثة طرق لا رابع لها : اما تحت راية احزاب ، او مغلفة بالوان كيانات تنفيذية قائمة ، او رغبة جماعات لتطلعات في انفسها للقيام بادوار واخذ جزء من
” الكعكة ” او لتحقيق احلام شخصية ، ويمكنك ان تلاحظ ذلك الغياب المفجع للصحيفة التي تصدرها المؤسسة وبشكل جماعي مبرر اذ تتحول هذه الصحيفة الى ( دار نشر ) وهذا معهود في الدول المجاورة بل كان امرا معتادا عندنا حتى سنوات قريبة اذ تصدر الصحيفة عن المؤسسة وتكتظ الاخيرة بكثير من المشاريع الانية والمستقبلية مثل الكتب والمجلات والندوات والحوارات وغيرها والسؤال الممض اين ذهبت هذه المؤسسات ولماذا تصدر الصحف من دونها ؟ من المؤكد ان الوضع العام يمتلك تاثيرا ماحقا على اصدار الصحف ” ظهورا واختفاءا ” بل الحق اقول ان تاثير الوضع العام قد شمل حتى مصداقية الصحف بين الجمهور !.

* ما هي الحصيلة التي خرجت بها بعد مسيرة صحفية تجاوزت اكثر من 40 سنة ؟
– للاسف كانت الحصيلة سالبة في عمومها وقد اعلنت بعضها في كتاباتي وحواراتي السابقة ، ولكن ما يحزنني فعلا انني وقعت على حقيقة مرئية تقول اننا عشنا زمنا عجيبا لا صحافة ادبية فيه ! اهذا معقول او مقبول فان بلد الادباء والشعراء والحركات الادبية المتوالدة يفتقر الى مطبوع واحد
( صحيفة او مجلة ) تتخصص في الادب وتوضع لاجله فحسب ؟، والمفارقة هنا انني عشت اكثر من اربعين عاما في مهنة الصحافة الا
أنني لم أجد في تلك الصحافة النوع الذي اشير اليه أي الصحافة الأدبية مذ بدأت رحلتي المهنية ، وأنني أجد الشجاعة – وأنا في آخر حياتي – لآقول أنني لم اجد هذه الصحافة حتى يومي هذا بالرغم من المسعى وكثرة السؤال وفحص سيرة المكتوب ! واقر أنني عثرت فقط على الصحافة الثقافية ( من دون الأدبية التي ادعو اليها هنا) وان ما توصلت إليه هما ومعايشة وتأريخا يستطيع سواي ان يصل للنتيجة ذاتها ويعلنها صراحة ( فقط لو امتلك الحرية والشجاعة والمهنية وتفضيل الحقيقة على ما عداها من إغراءات ) والجميع سيقول ما قلناه منذ سنوات أن ليس هناك اية صحافة ادبية في العراق ولم يعرف هذا النوع النمطي مع كثرة الداعين إليه ! نعم هناك أنواع من هذه الصحافة في ما نقرا راهنا وماضيا ولكنه مدمج وملتحق بالصحافة الثقافية مما يشكل ظاهرة مؤسفة او ذيلية لصحافة اشمل ! وهناك فرق واضح بين الصحافة الثقافية والصحافة الأدبية التي نفتقدها ويتضح هذا الفرق لمن عايش الصحافة وكتب فيها وأدرك أنواعها وفروقاتها واختلاطها احيانا حد الاشتباه ووقوع في الاسر لمن يقرأها وأشكلت عليه ما فيها !.
*ولكن ما الفرق بين الصحافة الثقافية القائمة والصحافة الادبية التي تشتكي من غيابها ؟!
– الفرق كبير بينهما وهو واضح لكل مهني عاش السنوات الطوال في عالم الصحافة وكواليسها ، لاشرح الفارق بهذه الكلمات : الصحافة تعنى بكل اجزاء الحياة ولها عيون ناطقة بأنماطها المختلفة ،ومن هنا تتفرع وتتعدد حتى تشمل الصحافة كل حياتنا بينما الصحافة الثقافية ( كما رأيناها وأسهمنا فيها صاغرين) تعي وتكتب عن الألوان الثقافية في ضروبها وأشكالها وتوجهاتها مثل الموسيقى وفنون المسرح والسينما والغناء والعمارة وانواع التشكيل وسواها ، لكن الصحافة الأدبية تعنى فقط بناحية الأدب وتضع أضواءها عليه وتهتم بإبراز الجيد والساطع من مكونات هذا الأدب : مثل الخبر الأدبي والاستطلاع الأدبي والنصوص الأدبية والنقد الأدبي والعمود الأدبي والحوار الأدبي والتحقيق والكتب وسوى ذلك من اهتمامات تخص الناتج الادبي تحديدا ، كل هذا نجده في الصحيفة الأدبية ( التي نتأسف على فقدانها مع اننا نشتهر بكثير من عمالقة الادب ) فهل هذا المطبوع يتوفر الآن او حتى في تأريخنا الصحفي المعروف والمعلن ؟! وبكل أسف اقول ثانية ان الموجود في بلدنا هو ” صحافة ثقافية ” فقط ونجد فيها أشتاتا من الكتابات وألوانا من التعبير لا يجمعها جامع فإلى جانب الخبر الأدبي والنصوص الادبية سنجد هناك المقالة عن الفن التشكيلي والمتابعة عن المسرح الفلاني ولقاء مع المطرب المشهور وغيرها حتى تكتمل الصفحة الثقافية!.

*نرى عددا من الادباء قد جذبتهم مهنة الصحافة بل ان بعضهم ادعى انه قد اصبح من ” الصحفيين ” فهل ثمة مخاطر من هذا العمل الذي اصبح بمستوى الظاهرة الان ؟

المحاور الأستاذ عصام القدسي
المحاور الأستاذ عصام القدسي

– انا ضد هذه الظاهرة وقد بينت ذلك وفصلت فيه في امكنة اخرى ، ولا بد ان لقول في البدء انني من المشجعين لان يكتب الاديب في الصحافة ويدلي بارائه ومراجعاته في مختلف شؤون الحياة بل ان من الطبيعي ان يكون للاديب عمودا خاصا يبرز فيه القضايا المثارة على ضوء تجاربه السابقة ، ولكن الخطير والمهلك ان ينجذب الاديب الى حلقة العمل الصحفي ويصبح واحدا من عناصرها والاخطر ان يعمل الاديب في الصحافة اليومية اذ سبضيع حتما بين دهاليزها الروتينية المهلكة وبالتالي سنكسبه كصحفي ولكننا سنخسره كاديب ! هنا اعتراضي الرئيس فانه ليسوؤني ان يبتعد الاديب عن نفسه ومشاريعه بسبب عمله الصحفي وهذا حدث – ويحصل باستمرار – نتيجة الخلط بين العملين وتفضيل ما هو يومي / زائل على ما هو باق ومدر لمنافعه على الزمن الراهن والقادم، قبل سنوات كنت في بغداد زائرا ومن هناك ذهبت بزيارة عابرة لجريدة ” المدى ” اليومية ، واستغربت حين وجدت نفسي أمام الباحث العراقي البارز الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي , كان يتشاطر علبة خجولة يطلق عليها مكتب مع الشاعر الراحل محمد درويش علي وقد انكب على أوراق يراجعها ومضامين يصوبها وهو يبدو لي في عجلة من أمره.. .
طبعا الذي يعرف الأستاذ باسم عبد الحميد يدرك أي محنة يعيشها المثقف في مجتمع استهلاكي غير منتج يفتت مواهب مبدعيه و يضيع الأهداف الثقافية والادبية التأسيسية في مجالات يومية آفلة فحمودي علم ثقافي عراقي كانت له آثاره الإبداعية و النقدية طوال خمسين عاما ، هذا المثقف الحيوي وجد نفسه مدفوعا الى الانضواء في أساليب عمل يومية تأكل من جرف الإبداع و حافات الصحة و أقاليم العمر فالصحافة و الإعلام لا يستقيمان مع موهبة ادبية إذ هما قنوات استهلاكية مباشرة تجعل المنضوي فيهما في مخاض عسير لإنتاج الزائل و الآني و الهامشي بينما الموهبة الأدبية تنشد المصب و أعالي المعرفة و محطات التأسيس و هذه كلها كانت متاحة لحمودي و سواه لكنهم وقعوا أسرى لقدرية الحاجة وحكم الضرورة فاندفعوا الى مجريات السواقي بينما نصيبهم أن يخوضوا في المحيطات الواسعة و هذا غير متاح لان بلدنا قريب من المدار الصحراوي!، لست قطعا ضد عمل الاديب في الصحافة ككاتب ولكنني ارى الخطا كاملا حين يلتزم ” عملا ” فيها ويتناسى من جراء هذا الالتزام مشروعه الادبي الاول وارى ان محنة الأديب الذي يقع فريسة مهنة هي بعيدة عنه وتكاد تجرفه بعيدا عن جذره الإبداعي الذي عرف به ، ولا اقصد هنا أولئك الأدباء الذين يرسلون كتاباتهم ونصوصهم إلى هذه الجريدة او تلك المجلة لتنشر بشكل منتظم (دوري) او حين يعن له النشر فهذا مما هو مألوف ومتداول عند أدباء العالم.. ليس هذا ما اقصد بل اعني حالة الأديب الذي يتخذ من العمل الصحفي مهنة يومية له تسوقه لهذا الاختيار دوافع شتى لا مجال لذكرها هنا… وهنا اتذكر صرخة عميد الادب العربي الدكتور طه حسين حين لمس واقعة شبيهة فاطلق كلمته التحذيرية – واراها نبوءة للاجيال القادمة – ومؤداها ( الصحافة مفسدة للأدب ) !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *