د.علي عبد الأمير صالح: “إتيل عدنان”؛ تاريخ عالق بين اللغات

ولدت سنة 1925 في بيروت، وهي شاعرة لبنانية ــ أمريكية، كاتبة مقالات، وفنانة بصرية.
في سنة 2003 أسمت MELUS، مجلة (الجمعية المخصصة لدراسة الأدب المتعدد الأعراق للولايات المتحدة الأمريكية) عدنان: (( الكاتبة العربية الأمريكية الأكثر شهرةً وإنجازاً في يومنا هذا.)) قالت مرةً: ((بالنسبة للكاتب الجاد، الجمهور العربي ــ الأمريكي لا يمكن أن يقتصر علي زملائه من العرب. الكتب لها حياتها الخاصة ولا أحدَ بوسعه أن يقرر مصيرها. الشيء الوحيد الذي بوسعنا أن نسعي من أجله بصورة واعية هو أن نكون مدركين للقوة المتنامية للأدب العربيــ الأمريكي، وأن نحاول معرفته وجعله معروفا ً.))
تعد MELUS حياة عدنان بوصفها ((دراسة في العَزْل والاغتراب)). هي ابنة لأم يونانية مسيحية وأب سوري مسلم، نشأت وهي تتكلم اليونانية والتركية في مجتمع يتحدث العربية بصورةٍ أولية. مع ذلك تلقت عدنان تعليمها في مدارس رهبنة فرنسية، وأصبحت الفرنسية هي اللغة التي كتبت ْ بها نتاجها المبكر أول مرة. درست أيضاً الإنجليزية بدءاً من سنوات شبابها، ومعظم نتاجها التالي كتبته أول مرة بهذه اللغة. عالقةً بين اللغات، في شبابها وجدت عدنان صوتها من خلال الرسم ناهيك عن الكتابة. في سنة 1996 استذكرتْ هي: ((كان الفن التجريدي معادلاً للتعبير الشعري، لم أكن أحتاج إلي استخدام الكلمات، بل إلي الألوان والخطوط. لم أكن احتاج إلي أن أنتمي إلي ثقافة موجَهة باللغة بل إلي شكل مفتوح للتعبير.))
في سن الرابعة والعشرين رحلت إلي باريس حيث نالت شهادة في الفلسفة من جامعة السوربون. بعدها غادرتْ إلي أمريكا حيث أكملت الدراسات العليا في جامعة كاليفورنيا، ببيركلي، وفي جامعة هارفرد. درّستْ فلسفة الفن في الجامعة الدومينيكانية لكالفورنيا في سان رفائيل علي مدي سنوات عدة، وحاضرت في جامعات عديدة عبر الولايات المتحدة الأمريكية. تقسّم وقتها بين كاليفورنيا، فرنسا، ولبنان.

الحرب الأهلية اللبنانية
كتبت إيتيل عدنان روايتها (الست ماري روز) بالفرنسية سنة 1978 ومن ثم تُرجمت إلي الإنجليزية سنة 1982. كان مصدر الإلهام قصة حقيقية لامرأة قُتلتْ في الحرب الأهلية اللبنانية، كانتْ صديقة طفولتها وأصبحتْ عضوةً في الجناح اليميني لحزب الكتائب المسيحي. بسبب طبيعة الرواية المثيرة للجدل، لم تُعرضْ الترجمة العربية للرواية في أسواق بيروت الشرقية المسيحية. تنتقد الرواية عنف المسيحية التي ((في الحقيقة لا صلة لها بأي قوة سوي [التنين] )) كما تنتقد كذلك عنف إسلام ((ينسي في أحوال كثيرةٍ جداً أن الرحمة الإلهية التي تم التوكيد عليها في أولي آيات [القرآن الكريم] يمكن التعبير عنها فقط من خلال الرأفة الإنسانية.))
لها المؤلفات الآتية:
(في قلب قلب بلاد أخري)، 2005 .
(هناك: في ضياء وظلام الذات والآخر)، 1997 .
(الكتابة بلغة أجنبية)، 1996 .
(عن المدن والنساء، رسائل إلي فوّاز)، 1993 .
(باريس ، حين تكون عارية)، 1993 .
(أزاهير الربيع تعترف وتجليات الرحلة البحرية)، 1990 .
(سِفر الرؤيا العربي)، 1989 .
( رحلة إلي جبل تامالبيس: مقالة ) ، ( 1985 ) .
(الهندي ليس له حصان وقصائد أخري)، 1985 .
(شِعر من الألف إلي الياء)، 1982 .
(الس ماري روز)، 1978 .
û أفتيم سابا: قبل أيام قلائل حضرتُ قراءةً علنيةً لقصائدكِ من كتابك الشعري الأخير (هناك) ولاحظتُ تعاطف الجمهور معكِ. أي صنف من الناس كان كتابكِ يخاطبهم؟
إيتيل عدنان: كان يخاطب مباشرةً العرب أو الأمريكان أو الأمريكان اليهود. إلا أن القصائد في واقع الأمر هي تأمل في (النزاع)، بخاصة نحن عرب المشرق الذين نحيا في نزاع منذ الحرب الكونية الأولي، قرن كامل من النزاع، قرن من المقاومة. إنه شيء مُنهِك. نحن منهَكون. فقد أضعنا قرناً كاملاً. إلا أننا ما نزال نبني، علي الرغم من حكوماتنا (العربية) الجيدة أو السيئة، فالناس شجعان. إنهم لا يستسلمون. كل بلد من البلدان العربية جرَّبَ حروباً داخليةً أو خارجيةً؛ بدلاً من التقدّم نحن نعود دوماً إلي نقطة الصفر. إنها ليست تماماً غلطتنا، لأن ميزان القوي يعمل ضدنا. لذا، مؤخراً فكرتُ أنه لا ينبغي لنا أن نستسلم بل أن نغير طبيعة كفاحنا؛ ذلك حقيقةً هو هدف الكتاب. من خلال مساءلة الذات والحوار مع (الغرب)، مع العدو (مع إسرائيل) تحدث معركة إيجابية، ليست معركة بالأسلحة، إنما علي المستوي الاقتصادي والثقافي.
û سابا: ذكرتِ أن بدايات كتابكِ (هناك) كانت مع بدء الحرب ضد الشعب البوسني. هل كانت البوسنة هي الملهِم الرئيس للقصائد أم مجرد بداياتها؟
عدنان: تحت مزاعم الحياد ، فرض الأوربيون و (الغرب) عموماً حصار التسلّح الذي أثر علي مسلمي (البوسنة) وليس علي المسيحيين الصربيين. هذا هو علي وجه الدقة ما فعله البريطانيون في فلسطين، مما سهل في البداية تسليح الحركة السرية اليهودية وبفاعلية مَنع الفلسطينيين من تسليح أنفسهم. رأيتُ تكراراً لحالة فلسطين هناك في البوسنة، إنه كابوس يعود من جديد. مُنع الناس من أن يدافعوا عن أنفسهم ضد مجزرةٍ ما، لماذا؟ لأنهم كانوا مسلمين. ما من سبب آخر لما جري في البوسنة. شاهدنا بعيوننا هذه محرقةً جديدةً، إبادةً جماعيةً جديدةً، اغتصاباً جديداً للنساء، تدميراً جديداً لسُبل العيش، للمكتبات والجوامع، لحضارة بأكملها لمجرد أنهم لا يريدون المسلمين في أوربا. ببساطة. إنهم يريدون، علي أية حال، المسلم الثري الذي يشتري (فيلا) أو يأتي ليقامر بماله إلا أنهم لا يريدون سكاناً مسلمين.
قلتُ هنا إننا نمضي من جديد. ما هو النزاع. ما هو هذا (الآخر). أوروبا هذه ترفض (الآخر)، المختلف ولماذا؟ أردتُ أن أتغلغل في (الآخر) وأري أن (الآخر) هو نحن حقيقةً. إذا كان لديكِ عدو، وأنتِ قلقة جداً بشأنه، ذلك العدو سوف يشغل بالك ِ. يصبح هو أنتِ. إنه وضع عسير. والخوف هو أن تخوني بلادكِ وأن تكفي عن المقاومة بعد الآن. إلا أنني أطلب أن يحارب المرء أينما كان ذلك ضرورياً. في التاريخ ثمة انتصارات أسوأ من الهزائم. إبادة. هل تستطيع القنابل الذرية أن تحل المشاكل؟ لن تكون ثمة شجرة حية. لا نريد نصراً من هذا النوع. نريد تنافساً إيجابياً، حقيقياً، ثقافياً واقتصادياً. إنه شيء غاية في الصعوبة لأن بعضنا برر الكراهية. كيف يمكنني أن أطلب من بوسني مسلم أو من فلسطيني أن يفسح مجالاً للعدو نفسه الذي لا يسمح مجالاً لهما؟ لماذا يُطلب من الضحايا أن يكونوا عطوفين وفاهمين؟ إنه وضع عسير جداً، لكنني أعتقد أننا يجب أن نفعل ذلك من أجل أن نبقي أحياءً. يجب علينا أن نملك المخيلة والشجاعة كي لا نتجنب المسألة بل نقيّمها بشكل مختلف. كالمثَل الذي قدمه لنا تولستوي وغاندي.
û سابا: أهديتِ كتابكِ إلي الشاعر اللبناني خليل حاوي، لماذا ؟
عدنان: عرفتُ حاوي علي المستوي الشخصي بصورة قليلةٍ جداً. انتحر هو حين غزت إسرائيل لبنان سنة 1982. لهذا السبب أهديتُ الكتاب له، لأننا لم نفعل شيئاً لذكراه. حين انتحر الكتاب الأوروبيون خلال الحقبة النازية عُدوا أبطالاً ونماذجَ للحساسية الفائقة وللرفض الشديد للرعب. لم يكن بميسور خليل حاوي أن يعيش القتال. القتال الضاري هو الذي قتله. لا بد أنه شعر بأنه عاجز جداً وبائس جداً. لعله ظن أن مصير لبنان سيكون علي غرار مصير فلسطين. هو الضحية المطلقة للقتال. أهديتُ الكتاب له لأنه فهم المسألة حتي نهايتها الـمُرة ولم يستطعْ تحملها. لا ينبغي لنا أن ننتحر حين يستولي علينا اليأس. هذا أكبر نصر للعدو. علينا أن نقاوم بالحياة وليس بالموت. إنها مسألة تثير تساؤلات كثيرة، بشكلٍ من الأشكال من الأسهل نفسياً أن نضحي بأنفسنا من أن نبنيها بصبر ٍ وأناة ٍشيئاً فشيئاً، إنما يلزمنا أن نفعل هذا. ليس ثمة سبيل آخر، بخلاف ذلك فلربما نربح ونختفي. بالنسبة لي، إن عشرة أطفال فلسطينيين ينهون دراسة الدكتوراه أفضل بكثير من عشرة أطفال إسرائيليين لا يكملون هذه الدراسة.

تلاشي
û سابا: كثير من النقاد والقراء كتبوا عن صوتكِ في كتاباتكِ المختلفة. بعضهم قال إنه صوت المنفي. بعضهم الآخر قال إنه يمثل حالةً ما بعد حداثية، ما بعد كولونيالية، في حين قال آخرون إنه وضع ما وراء المنفي والظلم، وهي حالة ظاهرية التناقض لها أبعاد كونية وفردية في الوقت نفسه. ما هو منبع صوتكِ؟
عدنان: في اعتقادي أن الكُتاب يرون الخيوط في أعمالهم في منتصف الدرب فقط، أعني بعد عددٍ قليلٍ من الكتب. الكتابة هي نقطة لقاء لحظةٍ تاريخيةٍ ما مع الكينونة الشخصية. في سبيل المثال، كتبتُ ذات مرةً لو أن المسألة الفلسطينية لم تكنْ موجودة، لكان عملي مختلفاً تماماً. هذا واضح. إن بعض الكتاب لا يعيرون أهميةً للحظة التاريخية. أما بالنسبة لي فلم يكن بمستطاعي تجنبها. إن كاتباً أمريكياً، أي كاتب، في سبيل المثال، لا يري أن الولايات المتحدة الأمريكية معرّضة لخطر الزوال، لكن الكاتب الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري يملك خوفاً أصيلاً من احتمال تلاشي ثقافته أو جغرافيته بخاصة حين ترين تعاليم (إسرائيل العظمي) مطبقةً علي أرض الواقع ومُدافع عنها من قبل (الغرب). كيف يمكنني أن أتحاشي الكتابة عن الحرب الأهلية اللبنانية حينما أكون قد عشتها؟ بالنسبة للعرب، كان القرن العشرين قرناً رؤيوياً. كيف يمكننا أن ندير ظهورنا لهذه المسألة؟ يصبح هو (أي القرن العشرين) مادةً لكتابة المؤلف إلي درجةٍ قصوي. لدينا أيضاً حيوات حميمة وخسائر. فقدنا أناساً نحبهم. لذا فثمة مزيج من الرؤيا الخارجية والرؤيا الداخلية ويعكس نتاجي ذلك فضلاً عن موضوعات المنفي .
û سابا: في مقالةٍ كتبتِها سنة 1995 حملت عنوان (رحلة، حرب، منفي) تذكرين أنها في بادئ الأمر كانت رحلة مغامرات، وكتبتِ ((كنتُ أنثي طائر طارت من قفصها وكانت راغبة بالتحليق إلي مسافة أبعد)) أخبريني أكثر حول الرحلة وكيف تحولتْ إلي منفي؟
عدنان: حين أتيتُ إلي أمريكا أول مرة، كان مجيئي تحرراً وليس منفي. مع أنني لم أكن في سجن، كانت الحياة في بيروت حينذاك بالنسبة للمرأة محدودة. ما من حاجة لأن نشرح ذلك، وما من حاجة لأن نفسر التوق إلي المغامرة. بعض الناس، كالطيور والأسماك، لديهم حافز داخلي إلي السفر والاستكشاف أكثر من الآخرين. لا تسيئي فهمي؛ كان هنالك قدر معين من الحرية وكذلك الفرص بالنسبة للمرأة في لبنان، لكنني أردتُ أن أذهب شوطاً أبعد، لذا أتيتُ إلي هنا.
û سابا: كتبتِ كذلك أنكِ شعرتِ بـ(النفي) حين رأيتِ أن بلدك لبنان لا يتطور بصورةٍ طبيعية، وغالبية الناس التي كنتِ تعرفينهم غادروا أيضاً.
عدنان: اعتدتُ أن أكون المحررة الثقافية للنسـخة الفرنسـية مـن جريـدة (Beirut daily) ، المسماة (l’orient le jour) ، لم أجد أخباراً أو أحداثاً ثقافيةً كي أكتب عنها. إنني أكن الإعجاب للناس الذين بقوا في بيروت (إبان الحرب الأهلية). لا أعد نفسي منفيةً يائسةً كما يفعل الناس الآخرون. بعض اللبنانيين وجب عليهم أن يغادروا بيروت، كنتُ واحدةً من أولئك. في حالتي، عدتُ إلي الولايات المتحدة الأمريكية، وهي بلد أعرفه. كنتُ يومذاك مواطنة أمريكية. علي المستوي الشخصي، إن نفيي ليس هو قلقي الرئيس. ثمة منفيون في بلادهم، علي غرار السكان الأصليين الأمريكيين هنا ممن يسكنون في معسكرات اعتقال تُسمي (مناطق حجز Reservations) لديهم النـزر القليل من الحقوق، وليس بوسعهم أن يتعلموا حتي لغتهم. كذلك، بعض السود هم في منفي هنا. كما هو شأن الفلسطينيين الذين يعيشون منفيين علي أراضيهم وتحت الاحتلال الإسرائيلي.
û سابا: أنتِ تعدّين نفسكِ أمريكية ــ عربية. أنتِ عربية تكتبين بشكل رئيس بالإنجليزية. لقد كتبتِ ونشرتِ بالفرنسية، وسكنتِ في فرنسا. لو كنتِ مقيمةً في فرنسا، هل كنتِ ستعدّين نفسكِ فرنسية ــ عربية ؟
عدنان: لا، أبداً. حين وصلتُ إلي هنا، لم تكن أمريكا حاضرةً في طفولتي. لم تكنْ لدّي أي معرفة بأمريكا. كانت لي علاقة حب ــ كره مع الفرنسية، لأنني عرفتُ ثقافتها من خلال المدارس التي تدّرس الفرنسية في بيروت. إنها معركة. لو كنتُ أكرههم فقط لكان يلزمني أن أنتحر لأنه كان يلزمني أن أكره جزءاً من ذاتي. كيف يمكنني أن أمحو لغةً عرفتها أكثر من اللغات كلها؟ كنتُ فرنسيةً فكرياً. حتي الآن ما أزال أعي الثمن الذي دفعته عن معرفتي الجيدة جداً بالفرنسية: لم أكن أعرف العربية لأن المدارس الفرنسية في بيروت قلما تُعلَّم العربية. لم يكنْ بمستطاعي الكتابة لعائلتي، إلي أخي غير الشقيق وأخواتي الذين يسكنون في دمشق والذين لا يعرفون سوي اللغة العربية. لذا كنتُ، بسببها، منقطعةً عن أسرتي. ربما أكون ممتعضة. أمريكا، من الناحية الأخري، كانت أرضاً بكراً بالنسبة لي. لم أكنْ أنظر إليها بوصفها قوة استعمارية. بطبيعة الحال، الآن، بوسعي أن أري هيمنتها الاقتصادية والسياسية، إلا أنني لم أنشأ مع هذه الهيمنة.
û سابا: إلا أن زلزالاً حدث سنة 1967 كما تصفينه .
عدنان: كان وقتاً عسيراً هنا في أمريكا، حين كانت ( هي ) تساعد إسرائيل في سلوكٍ ثابتٍ ضد العرب. لذا علي مدي ردحٍ من الزمن كان لديَّ صراع شخصي عميق. أصدقائي الأمريكيون لم يكونوا منهمكين بما كنتُ أشعر به. هي بالنسبة لهم مسألة بعيدة. كنتُ وحيدةً وجدانياً. لذلك أحسستُ أنني في منفي. أحسستُ بأنهم لا يشاركونني الأشياء التي أهتم بها. الواقع منذ ذلك الزمن فصاعداً بدأتُ بالتفكير في العودة إلي لبنان. في كاليفورنيا، كنتُ أعطي الدروس. كنتُ أحمل شهادة البروفيسور في الفلسفة؛ بيئتي المباشرة لم تكنْ عدائية. أنا شخصياً لم أخض تجربة التمييز في المعاملة في الكلية التي أعطي المحاضرات فيها. كنتُ متبناة، إذا جاز التعبير، وكنتُ سعيدةً. إلا أن سنة 1967 كانتْ تغيراً مفاجئاً؛ نشأتْ فجوة صغيرة. تخليتُ عن مهنة جيدة، عن تولي منصب، خطة للحصول علي راتب تقاعدي وعدتُ كي أبدأ من الصفر. رجعتُ إلي لبنان سنة 1972 علي أمل أن أواصل تجربتنا التي تعلمناها في أمريكا. لم تستمر تجربتنا زمناً طويلاً ومُنيت بالفشل لأسبابٍ عدة، بضمنها الحرب الأهلية اللبنانية، وعدتُ إلي أمريكا سنة 1979.
û سابا: سكنتِ في لبنان وكاليفورنيا. ما علاقة ذلك بازدواجيتك ككاتبة ورسامة؟
عدنان: أنا من (برج الحوت)، أشعر بهذه الازدواجية في داخلي، وهي ثابتة في تكويني. هل أنا عربية أم يونانية كوالدتي؟ هل أنا مسلمة أم مسيحية؟ أنا لا أجعل من حقيقة كوني ولدت في عائلة مسلمة ومسيحية مشكلةً، وهذه الحقيقة لم تسبب لي ألماً شخصياً. بعض الأشخاص يخلقون من هذه الحقائق مشاكل جمة، ربما يقفون مع أحد الجانبين ضد الآخر. شخصياً لم أجعل منها مشكلةً، الآخرون عادةً هم الذين يجعلون منها مشكلة .
û سابا: لماذا يجعل الآخرون منها مشكلة؟ عدنان: لأن الناس يحبون الأشياء البسيطة. إنهم يقولون ماذا أنتِ، مسلمة أم مسيحية. أقول إنني كلتاهما. يقولون أنتِ لستِ شاعرة عربية لأنكِ تكتبين بالإنجليزية. الأمريكيون يقولون، نعم أنتِ تكتبين جيداً بالإنجليزية إلا أن لديكِ أشياء عربية كثيرة في نتاجكِ الأدبي. إنه لشيء موجع، لكنه ليس موجعاً في قرارة نفسي، إنهم يجعلون منه موجعاً. عدد كبير من الكتاب العـرب ــ الأمريكيين يواجهون كذلك الموضوعات ذاتها. يستطيع المرء أن يكون كاتباً أمريكياً وعربياً في الشخص نفسه. جامعاتنا (في العالم العربي) لا تعطي دروساً عن هؤلاء الكتاب وذلك عار. بصورةٍ مماثلة ينطبق الأمر علي الكتاب العرب الذين يكتبون بالفرنسية؛ هم لا يُعدون فرنسيين من قبل الفرنسيين ولا يعدون عرباً من قبل العرب.

اختلافات جوهرية
û سابا: (الست ماري روز) كتاب أحببته منذ قراءتي الأولي له منذ بضع سنوات خلت. أتذكر أن الرواية أضافتْ شيئاً إلي ولعي بموضوع علاقات النساء مع الأحداث العالمية، وكيف أنها تختلف عن علاقات الذكور، وبخاصةٍ إذا تناولنا القضية الفلسطينية. لاحظتُ أن النساء العربيات، عموماً، أكثر حساسية وصدقاً في إحساسهن بوجع المأساة الفلسطينية مقارنة مع الذكور العرب. أبوسعكِ أن تتكلمي بتفصيل حول هذا الموضوع؟
عدنان: إنه سؤال جيد. بصورةٍ جوهرية، هل النساء مختلفات عن الرجال؟ هذه مسألة ذات نهاية مفتوحة. إنما بسبب وجود العولمة، ثمة تأنيث للذكوري وتذكير للأنثوي. النساء يدخلن سلك الجيش، ورجال يؤدون مهناً كانت تؤديها النساء بشكل رئيس. لا أدري ما إذا كان ثمة اختلافات جوهرية بين الرجال والنساء، إنما في الماضي (في جيلي) كانتْ هذه الاختلافات أشد. النساء لهن حيوات مختلفة، اجتماعياً وثقافياً. ثمة ملاحظة مهمة جداً مفادها أن النساء يولين التفاصيل اهتماماً خاصاً أكثر مما يفعل الرجال. إذاً ما هي علاقة ذلك بالسياسة؟ الرجال في المشرق العربي يتفاعلون مع السياسة عبر الأحزاب السياسية، في حين أن النساء غير مشاركات في هذه الأحزاب، وهن أقل تعليماً. يشعر الرجال أنهم مسؤولون فيتفاعلون مع الوقائع السياسية، لذا حين وقعت الأحداث الفلسطينية في سبيل المثال، استجاب لها الرجال عبر الولاءات السياسية وعبر الإيديولوجية، سواء كانوا منضمين إلي أحزاب بعثية، أو ناصرية أو (كتائبية). إنهم يفكرون بصورة لا واعية في أنفسهم بدلاً من أن يفكروا في المسألة التي علي وشك الحدوث، أو الحادثة التي علي وشك الحدوث (ما الذي ينبغي لي أن أفعله، ما الذي ينبغي لي أن لا أفعله) ،كل ذلك عبر الموقف الإيديولوجي. النساء، بالمقارنة معهم، ليس لديهن الاستجابات المحددة. لقد تُركنَ وحيدات. ترجمن المأساة إلي مصطلحات الحياة اليومية، وهي الفحوي الحقيقية لما كانت عليه المأساة. بالنسبة لي اللاجئ الفلسطيني أو اللاجئة الفلسطينية، هو (أو هي) إنسان قبل كل شيء، له مشاكل يومية عبر حياته كلها. أنا لا أتفاعل مع اللاجئ من مرجعي الأيديولوجي أو من شبكتي السياسية، الأمر الذي يتغير عند بعض الناس علي وفق حاجات السياسيين. لذا فنحن نري التراجيديا بتفاصيلها وعذاباتها بلغة سلسلة من الأشياء العملية. قبل بضعة أسابيع فجر الإسرائيليون منزل ناشط فلسطيني. كان رد فعلي هو ــ أين سيسكن الأطفال الستة؟ لماذا فعلوا ذلك بهم؟ في الحال رأيت الحياة اليومية لهؤلاء الأطفال ولنساء هذا البيت وتغير كل شيء مع التدمير. هذا عمل إجرامي، محظور من قبل المعاهدات الدولية، إلا أن إسرائيل تفعله طيلة الوقت، وهو ضرب من العقوبة الجماعية. الشيء نفسه ينطبق علي أوقات حظر التجوال طويلة الأمد. لذا، بوصفنا نساءً، لدينا حساسية خاصة نحو المآسي والكوارث. لا أعني أن الرجال يفتقدون إلي الحساسية، إلا أنهم تدربوا علي أن لا يتفاعلوا معها. حين يُدّمر منزل ما يقول الرجال ((لقد دمروا منزلاً، المنزل انتهي)). لكن المرأة، أي امرأة، لدي سماعها الأنباء تتذكر الساعات اللانهائية التي أمضتها في التنظيف، الطبخ أو غسل الملابس. لذا بالنسبة للمرأة، تدمير بيت أشبه بالقتل. لهذا السبب النساء كتبن روايات مناهضة للحرب أكثر من الرجال، بخاصة الكاتبات اللبنانيات. النسوة يبكين المأساة في حين الرجال من المتوقع أن يحاربوا من أجل الفكرة التي تؤدي إلي الحرب وربما الموت من أجلها. إنهم أشبه بواجبات مختلفة.
û سابا: كيف تقيّمين الحوار العربي ــ الغربي ؟
عدنان: دعيني أعطيكِ مثالاً. بعد حرب الخليج، كنتُ مع مثقفين عرب آخرين مدعوين إلي (معهد العالم العربي) في باريس كي نبدأ حواراً عربياً ــ فرنسياً. أجبتُ، ((أي حوار هذا الذي تتكلمون عنه؟)) ثمة مئات المدارس الفرنسية في العالم العربي في حين لا توجد مدرسة عربية واحدة في فرنسا. لا يتم تعليم العربية في المدارس الفرنسية، ولا حتي كلغة ثانية أو ثالثة. حتي الأعداد الهائلة من المهاجرين العرب يُحرمون من حرية تعلّم العربية. الآن هذه هي حالة الحوار بين الغرب والعرب. هو دوماً في اتجاه واحد. لكننا نحن أيضاً نملك ثقافة وحضارة. كما حدث إنه بعد الاجتماع ألغي (معهد العالم العربي) نفسه معرضاً لرسوماتي كان مقرراً له سلفاً.
أفتيم سابا: طبيبة، تكتب باستمرار في شؤون الثقافة والآداب العربية .
المصدر: شبكة الانترنت، أصل الحوار نشر في العدد(23)، ربيع 1998، المجلد (4)، من مجلة الجديد الصادرة بالإنجليزية

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. زهير الخويلدي : الفلسفة واللاّفلسفة حسب ألفونس دي والهنس.

“أن الفلسفة لا تفهم نفسها إلا من خلال علاقتها الديالكتيكية مع اللافلسفة” الترجمة ” الفلسفة موجودة …

| د. زهير الخويلدي : نحو مشروع كوسموبوليتي: محادثة بين النظرية والتطبيق حول الكوسموبوليتية بين شيلا بن حبيب ودانييل أرشيبوجي .

“ساهمت شيلا بن حبيب ودانييلي أرشيبوجي في إحياء الروح الكونية في السنوات الأخيرة. شيلا بن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.