الرئيسية » نقد » ادب » عزف على أوتار القلب من اجل الحب والسلام
بقلم : حميد الحريـــــــــــــــزي

عزف على أوتار القلب من اجل الحب والسلام
بقلم : حميد الحريـــــــــــــــزي

hamid-alhraiziعلى قيثارة القلب المحب لوطنه وشعبه ، القلب المحب للحرية والجمال والإبداع، بأوتار هذا القلب يعزف لنا القاص فلاح العيساوي سيمفونية ((الحب والحرب)) ، أجمل صور الإبداع الأدبي القصصي الهادفة الي حياة أفضل وأجمل بعيدا عن الحروب وويلاتها ، بعيدا عن الخراب ، بعيدا عن الحرائق ونافورات الدم الإنساني المقدس ، بعيدا عن الأنانية وضيق الأفق، ليعدل بعزفه هذا حرف ((الراء)) مقتلعه من جذوره وكأنه يمثل منقار ((داعش) الطاعون الأسود الذي فتك بالبلاد والعباد ، ويصهره في فرن الحب والتضحية والفداء الذي يغلي بقوة وإصرار وثبات أبناء العراق الأحرار ، أبناء العراق الأخيار ، ليقوم اعوجاجه ، فتستقيم الكلمة وتتحول من ((حرب)) الي ((حـــــــــــــــــــــب)) مذيبا خنجر الراء الإرهابي المدمر ، لتعانق الباء الحاء فيولد الحب ، وتزهر الحياة بالمحبة والسلام والمودة والجمال …..
كما ان العيساوي يستفز الضمائر الحية لتكون عند إنسانيتها لتقارع الفقر والحرمان والعوز الذي تعاني منه شرائح كبيرة
من المجتمع العراقي ، رغم ان وطنهم يطفو على بحيرة من الذهب الأسود ، فلا يمكن ان نكون بمستوى إنسانيتنا ونحن متخمون مرفهون ، ونسمع أنين وشكوى الأرواح والأفواه الجوعى ، والبطون الغرثى….
ان تحب لنفسك يجب ان تبارك الحب لغيرك (( أحبب لأخيك كما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها )) فلا يمكن ان يحب الأناني الذي لا يريد الخير السعادة الا لنفسه ، فتتكاثر هوام وأفاعي الشر في عقله وسلوكه فيكرس جل وقته وقدراته لسرقة السعادة من الآخرين ، ووضع العقبات والمطبات في طريق المحبين ….
هذه مقدمة موجزة حول مجموعة ((عزف بلا أوتار)) للقاص فلاح العيساوي الصادرة عن دار المختار للنشر والتوزيع والمكونة من ((23)) قصة قصيرة بواقع ((100)) صفحة من الحجم المتوسط يمكن ان نصنفها اعتمادا على رسالتها الي :-
أولا \قصص الحرب
ذئاب رحيمة
شروق الشمس
عقدة الماضي
نار تحت الهشيم
بغداد
شروق الشمس

?
?

في قصص الحرب تحكي لنا مدى وحشية وظلامية قي الإرهاب ، الطاعون الداعشي الأسود ، والماسي الرهيبة التي سببها للشعب العراقي ،الذي كان يحلم بالأمان والسلام والرفاه بعد انهيار الديكتاتورية ، ولكن طائرات ودبابات وصواريخ المحتل وأتباعه التي ادعت التحرير التنوير ، حملت بين خفاياها بذر الموت والطائفية التي كانت مخصبة من كل بلدان العالم لتخلق لها وكرا للذئاب المسعورة في عراق ما بعد الديكتاتورية، ومركزا لنشر الرعب والخراب ليس في العراق فقط وإنما في كل العالم… لكن أحرار العراق رجالا ونساء قرروا مقاومة هذا الطاعون الأسود واستئصاله من العراق ، وقد استرخصوا الدماء من اجل حماية الأرض والعرض ، وسجلوا أروع وأجمل وأنبل ملاحم البطولة والشجاعة في ساحات المعارك . كما في قصة ((نار تحت الهشيم )) ص64 وقصص اخرى .
قصص اخرى تفضح الإرهاب الدموي الأعمى ومنها ممارسات القتل والاختطاف الإجرامي كما في قصة (( وحوش الظلام)) ص90.
وعلاقات الحب والتضامن بين مختلف القوميات والمكونات العراقية رغم انف الديكتاتورية واسالبها القهرية والإجرامية كما في قصة (( شروق الشمس)) ص75، قصة احتضان وحماية الجندي العراقي العربي من قبل الكرد ، حيث تمرد على أوامر الطغاة رافضا وحشيتهم بنبش قبور أطفال الكرد …
ثانيا \ قصص الحب
دولاب القدر
عنق الزجاجة
شفاه صفيقة
اللوحة
الموعد
كان للحب حرف ملون جميل ، وعزف أطربنا بعذوبته وجماله ورقته ، فبعض القصص تبهرنا بقفلتها المدهشة الصادمة ، بحيث ان القاريء لا يحاول قراءتها ثانية حتى يظل سرها الجميل قيد التواري حتى تحين الخاتمة ، انه سرد يأخذ القاريء الي العديد من التأويلات وتتجاذبه العديد من النهايات والخواتيم ، ولكن الخاتمة كانت ليست ضمن توقعاته فينتشي بدهشة المفاجأة … وكما أرى ان هذا الأسلوب القصصي هو أجمل القصص وأكثرها جذبا وإمتاعا للقاريء ، فهي كالحبيبة الجميلة المتمنعة غنجا ودلالا ليكون عطائها بحجم لهفته ونشوته بحجم المفاجأة والمتعة ليلة الدخلة فيكون العطاء باذخا لا تحده حدود …كما في قصة (( دولاب القدر )) وخاتمتها للشيخ الذي وقع في شباك فتاة لصة لعوب أوهمته بالحب لتسرق محفظة نقوده ،العاشق الذي تسرق فرحته مع محفظة نقوده (( فرحة الحلم الجديد زادته ابتهاجا ، اخذ الدواء من يد الصيدلي الذي طلب منه مبلغ الداء ، مد يده الي جيبه قاصدا محفظة النقود ، أخرجها بيضاء وهو يعتذر لشيبته والصيدلي )) ص20.kh falah alesawi
ثالثا \ قصص تحمل رسائل مختلفة
أوتار العود
خفايا الجسد
غشاء الطهر
سحر الليل
ألوان الطيف
طائر الجنة
عطف الموتى
أهازيج بلا معنى
الوداع
وحوش الظلام
وداع الزهور
أهات الفقد
قصص المجموعة الثالثة و اغلب عناوينها جاءت بصيغة المضاف والمضاف إليه ، ولهذا دلالة واضحة ان احدهما ينتج ويرتبط بالأخر ربطا لا انفصام له .
وهي تتوزع على إغراض ورسائل مختلفة ، منها كشف عورة الفقر وألم الحرمان ، كما أنها تستثير ضمائر مالكي الثروة لرفض العوز والذلة لأبناء وطنهم وإخوانهم شركائهم في الأرض والمصير والثروة، وبث روح التكافل والتضامن بين أبناء الشعب الواحد . كما في قصة (( عطف الموتى )) ص57.
كما إنها توجه سهام النقد اللاذعة الي بعض الأعراف الاجتماعية المتخلفة والى سلوكيات الخيانة وقذارتها وحجم قسوتها على المرأة خصوصا في مجتمع يفتخر ويتباهى بفحولته وذكورته المتوحشة .
بعض القصص الأخرى من القص يلقي نظرة على الأقدار خارج نطاق الحدس التكهن والحسبان ، كموت الحي المعافى وتعافي المريض الميئوس منه ،
أتحفنا القاص بقصة جميلة مشوقة حول إشكالية التحول الجنسي ، من ذكر الي أنثى وبالعكس والمعاناة النفسية والجسدية لهذا الإنسان الذي يكون مزدوج الجنس ، وكذلك تطفل المجتمع اللاواعي على خصوصيات مثل هؤلاء الشباب والشابات رغم ان القاص يختم قصته بالفرح حيث تتوج بزواج حبيين كانا (( صديقتين )).كما في قصة (( خفايا الجسد)) ص35.
يرسل رسالة جميلة حول ما تعانيه الفتاة العراقية من الخوف حد الرعب طوال حياتها على ما يسمى ب((غشاء البكارة )) والعفاف والطهارة ، فهو مقياس الشرف والعفة والطهارة مادام سالما حتى وان كان سواه لا يعرف لهذه الطهارة والعفة معنى لأنه بلا غشاء ، فعلى الفتاة ان تكون بالغة الحرص كحرصها على حياتها على هذا الغشاء حتى يسلم الى صاحب الحق الاول والأخير في خرقه ، ولا عذر لها ان حصل غير هذا تحت أي ظرف قاهر خارج عن إرادتها ، حتى وان كان هذا التمزيق والخرق حصل نتيجة لحظة ((ضعف)) من قبل الشريك المرتقب قبل ليلة (( الافتتاح)) و ((قص)) الشريط الرسمي بواسطة مقص الفحل المفوض شرعا وقانونا !!!!كما في قصة ((أهازيج بلا معنى )) ص71.
ورسائل تفضح ممارسات الديكتاتورية القمعية حتى على المواهب العراقية المتفردة في العلم والفن والمعرفة ، فتكون مدانة ومحكومة بالإعدام في نظر الديكتاتور وأزلامه كما في قصة ((أوتار العود)) ص21.
يتميز أسلوب العيساوي السردي برشاقة وشعرية المفردة ، والقدرة على رسم الصورة بحرفية وجمالية ملفتة ، وهذا ليس غريبا من قبل رسام يجيد الإمساك بالريشة والتعامل مع ألوان بحساسية الفنان المرهف ، حبكته القصصية محكمة ورسائله واضحة ومعبرة من دون مباشرة خبرية …
هناك بعض اللوحات السردية تقترب من الخاطرة أكثر من اقترابها من القصة حسب رؤيتي ، قد يرى البعض فيها أسلوبا أخر للقص المفتوح بعيدا عن التجنيس الحرفي للنص السردي ، رغم ذلك فاننا نرى فيها نصا إبداعيا جميلا بغض النظر عن تجنيسه …كما في (( وداع الزهور)) ص92.
شكرا لأوتار العيساوي الرائعة مولدة الحان السرد، وهي ترسل لنا أجمل وأنبل الرسائل من اجل السلام والمحبة ، نتمنى ان تبقى هذه الأوتار صادحة باللحن الجميل الذي تطرب له الأرواح الحرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *