مقداد مسعود: صقرنا البصري .. سلاما

(المقامة البصريةالعصرية/حكاية مدينة)

  الأنسان العادي. حين..يتذكر…يرى نفسه يسبح في نهر لايراه سواه ،أعني الزمن النفسي…. حين يعود لليابسة،ويسرد لنا،تداعياته،فهو أشبه من يسرد بيت
طفولته، للغير وحسب جاستون باشالار نستطيع ان نقول،هي محاولة جوانية عاطلة،لكنهاتستفز
من يصغي،فتنفتح امامه شاشة مجاورة لشاشة المتكلم
وكما يحدث في لقطة سينمية،.. تنقسم الشاشة عموديا
لمشهدين،..يتصلان بالتزامن…
مايفتقر اليه،ألأنسان العادي،يمتلكه كل أولئك المصابين،
برهافة الحسياسية،الشعرية.. ومنهم.القاص والروائي مهدي عيسى الصقر- طيب الله ثراه – فهو منذ مغادرته للبصرة والسكن في بغداد ،آواخر الستينات،والبصرة.
فضاء نصيا لايغادره في قصصه ورواياته،فهي
الفضاء الروائي لأضخم رواياته(رياح شرقية،رياح غربية/479ص)وتجري احداثها في مكانين :الفاو/البصرة...امافي رواية سبقتها فألأحداث،تدور
بين مكانين أيضا،(التنومة)و(شقةفي شارع الوطن) في
العشار..بل حتى في(صراخ النوارس)التي تدور اجواءها،..في فضاء مائي ضمن بغداد،فأن خبرة،المؤلف..في الصيد،وعلاقته المائية،مستمدة من طفولته وصباه في البصرة،ويمكن العودة الى كتاب(وجع الكتابة)للمؤلف لنكون من الصادقين.

*مواطنو المقامة البصرية العصرية:
يشيد صقرنا البصري،مدينته السردية،وعيناه،على معمار سردي،لايفارقه،وهو يجاهرنا،بذلك،بدءا بأجناسية
عمله السردي،فهو يصنفه مقامة بصرية..وحتى
يجعله مفارقا لمقامات الحريري،يختمة بماركة
مسجلة،وهي(العصرية)، على هذه الماركة،سيشتغل
الروائي،ويشغلنا معه،ذلك ألأنشغال اللذيذ،وهو يدعونا،
للأحتفاء بمناسبة مرور اربعة عشر قرنا،على تمصير
البصرة،..الذين سيشاركون في هذه الذكرى،يجمعهم
زمن روائي جميل:الحريري ،صاحب المقامات،صاحب
الزنج(علي بن محمد)،بدرنا السياب،الشاعرالقتيل محمود الريكان،الشيخ كاظم الجوهري،ألأستاذ محمد
جواد جلال،الموفق بالله،سعدي يوسف،السندباد البحري،محمد ابن سيرين،كاظم الحجاج،محمد سعيد
الصكار،كاظم نعمة التميمي..الخ،
اما عريف حفل، هذه المناسبة التاريخية،فهو الصديق الوفي للصقر،،استاذنا
العابرألأستثنائي الجميل محمود عبدالوهاب،
في هذا العمل السردي،التقى صقرنا البصري مهدي عيسى،بكل الذين يحبهم..

خارج النص:4/آب/2004،يسلمني أستاذنا،محمود عبد الوهاب،(المقامة البصرية العصرية)،النسخة المهداة لي
من قبل المؤلف،فقد عودني استاذي الصقر على ذلك،
قبل ان اكتب  مقالتي(غواية الماء)وهي عن رواية
(صراخ النوارس)..اسأل استاذ محمود،عن صحة صقرنا،يجيىء الجواب خافتا:يده لاتعينه…
تندفع يدي نحو الصفحةألأولى،يسبقني استاذ محمود:ليس بمقدوره ان يكتب حتى كلمات ألأهداء،..
لآارى من وجه استاذ محمود ألأ….عينين دامعتين………………
حين اعود للبيت،اقصد مكتبتي،ابحث عن كتبه المهداة
لي..اقرأ كلمات ألأهداء ..رياح شرقية رياح غربية/وجع الكتابة/صراخ النوارس/حيرة سيدة ،
*ألأول من ايلول..2005..استاذ  محمود وانا نتمشى على الكورنيش،أسأله عن صحة صقرنا البصري..يصمت ..يتوقف عن المسير،يتأملني..فرأى
في عينيه غصنا مكسورا،ثم..ارى صحة الصقر تتنقل
به،على كرسي متحرك .
 *4أيلول/2005…جريدة (طريق الشعب)/صفحة ثقافة(الدنيا..بصرة) مقالتي النقدية،حول (المقامة البصرية العصرية)..
*10/ايلول..يخبرني استاذمحمود عبدالوهاب،ان عائلة ألأستاذ مهدي الصقر،تعبر عن امتنانها لي ،وتتمنى الحصول،على نسخة من المقالة،فألأرهاب،في بغداد،
يعيق التحرك..،
اتصل بالصديق الحميم/القاص والروائي (حنون مجيد)من موقعه/مسؤول صفحة ثقافة،كان يومها..
وانا على يقين،ان ابا فؤاد اهلا لتلك المسؤولية..

*منتصف تشرين ألأول…يسلمني استاذ محمود موبايله لأسلم..على صقرنا البصري:
-آلو….آلو…………
تعلن شاشة الموبايل:خارج التغطية.
-آلو….
الشبكة مشغولة…
-آلو…
كل الخطوط مشغولة
-آلو..آلو….آلو…
يختفي المكان….اراني تحت مسقط ضوء،واراه…يغادركرسيه المتحرك..واراني..لااحد
في حضرته …  انه يشير بيديه،نحو استاذ محمود
ثم يتعانقان…تتسقط دمعة،وترتفع ورقة..من(وجع الكتابة)..في هذه الورقة المكتوبة قبل سنوات..ارى
آلآن الحالة الكارثية التي تثقل على صقرنا،آخر
المشائين..اي باصرة  تستكشف الطريق للمؤلف..واي تمرد على هذه الباصرة،كأنه (روبرت جوردان)في(لمن تقرع ألأجراس)رائعة همنغواي..
تقرأ العرافة،مصيره الدموي  في كفه،وهو يبتسم،
أبتسامة العارف
بلاغة اللقاء..تخرس بلاغة الكلام..تغتسل وجوهنا بالدموع…اتمنى له عافية ألأبداع،اتمنى عليه زيارة
أمه البصرة..
يبتسم صقرنا العليل،وبصوته الهادىء،يسألني
:من اي ألأبواب..أدخل..؟أبوابها كلها مشرعة،
أبواب النخيل ..؟..الرمال ؟ السماء.؟.بعد غياب كل هذه السنين،فأن كل بيت أدخله،أرى ألأطفال قد شاخوا..
كما شخت أنا،وأنطفأ البريق في أولئك الذين، فقدوا
ألأحبة،قتلى في الحرب،أو أسرى أو مفقودين..وثمة
بين ألأحبة،من خطفته أيادي غامضة،بين أسوار الوطن،وتلاشى وراء جدران سجن مجهول،أوربما
مقبرة، بلا شواهد..
صمت ..صمت..تنهض منه تداعيات شتى..ثم يعلو
عزف عود الملحن البصري الكبير(طارق الشبلي)
وهو يغني: لماذا نموت؟
             لماذا نموت كثيرا؟
            لماذا جميعا
            نموت؟
      هل ألأرض ضاقت؟هل العقل ضاق ؟
      ياوجوه العراق؟
      اليس السماء سماء العراق؟
      اليس النخيل نخيل العراق
     اليس الجبال جبال العراق؟
       لماذا؟لماذا؟
        لماذا؟
      ال……عراااااااااااااااااااااق.
………………………………………
……………………………………………
بفعل الغناء،اتسعت.اللحظة،وتفتحت وردة صقرنا وتأرج،عطرها..وبنظرة حانية،من استاذ محمود..
استضاءت محاورتي..
*أي لغة يفضلها القاص والروائي، في الكتابة ألأدبية؟
-:يروق لي،ان استعمل،لغة واضحة،بسيطة،مركزة
غنية،بألأيحاء،أرى أيضا،ان من شروط سلامة العمل،ربما اهمها،هوحذف اي كلام،لايضيف شئيا،
حتى يغدو النص،نقيا،من الشوائب،ألى أبعد الحدود.
*القصة القصيرة..متى تهبط ذلك الهبوط ألأضطراري
 على مؤلفها؟
– حين تنضج..لايقف في طريقها شىء،هي تأتي للقاص،مثلما تأتي القصيدة للشاعر،تأتي وقد ارتدت
ثيابها الداخلية،وهي ماتزال تتوارى،خلف تلافيف ،
رأس الكاتب،ثم تخطو نازلة،لتستكمل هندامها،وزينتها،على بياض الورقة.
………………………………..
………………………………
*شتاء1999..يسلمني،العابرألأستثنائي الجميل،محمود عبد الوهاب،هدية ثمنية،بعثها لي
أستاذنا الصقر،(رياح شرقية،رياح غربية)..انتهي
من قراءتها،بعد يومين،..قراءتي ألأتصالية،تعيدني،
الى العمل ألأدبي ألأول للمؤلف،انبش المكتبة،رغم حساسيتي الموسمية،متحملا شراشف الغبار التي،تكسو رفوف مكتبات البيت،..ها انا اقبض على(مجرمون طيبون)..ابحث عن قصة قصيرة،
تدور ضمن الفضاء نفسه،كان ذلك في اوائل خمسينات القرن العشرين،(مجرمون طيبون)مجموعته القصصية،ألأولى،صدرت،عام 1954،(رياح شرقية رياح غربية)انتهى المؤلف،
من كتابتها في1989،ونشرت الرواية،في القاهرة،عام1998…

*ربيع 2002،..يخبرني القاص محمود عبد الوهاب،ان ألأستاذ مهدي عيسى الصقر،سيزورنا عصرا ،في الفندق..في لقائي معه…سأسله
عن الفرق بين القصة القصيرة في (مجرمون طيبون)،والرواية التي صار عنوانها(رياح شرقية،رياح غربية)..يبتسم ،يتأملني من خلف نظارته،ويسألني:ان كنت تدريسيا جامعيا،.
اكتفيت ب:لآ.
خفت ان اخبره….ان قيدالعائلة كلها مرقن منذ1979،بقرار رسمي،بسبب يسارية عائلتي
كلها….
ابتسمت ثانية وبصوت خفيض ..يجيب:
– الرواية:مدينة،القصة القصيرة :بيت صغير،بيت حميم،بوسعك ان تستريح بين جدرانه،بعد تعب النهار،ومثل اي بيت،تقع فيه أحداث ومشاكل،غيرانها،لآ تحتمل،ألأمتداد.
*والرواية………….؟
يبتسم..
– الرواية..ان اختمرت بعض ،عناصرها في ذهن الروائي،فأن بناءها الفعلي،يتم في الخارج،حيث
تتشكل ملامحها،وتكتسب،أبعادها في عمل دؤوب،
ربما أستمر سنوات.

*هل العلاقة بين الجنسين ألأدبين ،احصائيا،قريبة
من اتصالية،الواحدوالكثرة؟

*ربما..وانا شخصيا ارى..للقصة وجه واحد، للرواية وجود عديدة،هي مثل أمرأة مجربة،
لاتسفر عن كل وجوهها للمتلقي المكتشف،جواب المدن.

*لننتقل آلآن خارج النص،داخل آلآصرة،تلك آلآصرة الحميمة،كصداقة دائمة الخضرة والعطاء
بأختصار كيف علاقتك ب محمود عبد الوهاب؟

يتبادلان النظرات،..يتعثر محمودعبد الوهاب،بحيائه،يحتويه الصقر بأبتسامة تشع من وجهه كله،فأشعر بقوة آلآصرةبين المرهفين،
ثم يجيبني باسما:
-جسرواقصوصتان..جمعوا بين محمود عبدالوهاب وبيني أول مرة..قبل أكثر من أربعين سنة..يالهذا الزمن الذي يتبدد
بين حبات رمال صحراء تلتهب.
*اي جسر ..من جسور البصرة؟
يثبت نظارته..يبتسم…كأن ابتسامته..شبكة ،يلقيها يعيدا بعيدأ
ليصطاد سمكة في ألأعماق،ولكنه لايعيدها للماء حين يصطادها،كما يفعل ألأب..في(صراخ النوارس)،فما يصطاده
سيعرضه علي،وبدوري سأقدمه للقراء..:
-:الجسر..من خشب ،نحيف..لونه أخضر،يمتد فوق نهر العشار،في مكان لايبتعد كثيرا عن أحياء البصرة القديمة،
جسر يؤاخي بين محلتين من أقدم محلات البصرة القديمة
:محلة (السيمر)،على جانب،ومحلة(التحسينية)أو المعصرة،كما يسميها البعض،على الجانب آلآخر، من النهر.
*وصف جميل..لجسر لم يبق ألأ في مخيلة قاص وروائي
كبير مثلك ياسيدي..لم يبق لنا حتى جسور الخشب،ازالها
بعد..(8/8/1988)،بجسور لاعلاقة بكبارالسن من كلا الجنسين…كل الجسور كانت خضراء..ومنها من كان بمثابة
قوس اخضر..هذا بالنسبة لجسر اللقاء ألأول، …وألأقصوصتان؟
_ألأقصوصتان هما(القطار الصاعد الى بغداد)لمحمود عبدالوهاب،التي أثارت الكثير من ألأهتمام عند ظهورها
وقصتي(علبة ثقاب)..
*انتما التقيتما على الجسر..ألأقصوصتان أين ألتقيتا،
على أي جسر،من جسور ألأصدار..؟
_القصتان ظهرتا في عدد واحد من مجلة(آلآداب)البيروتية،في كانون الثاني..من عام 1954.

*نعود الى الجسر…
_يبتسم صقرنا البصري..في ابتسامته الفارهة..اراهما:شابين في قوة ألأندفاع لألتهام الحياة والمعرفة…شاب متوسط القامة،حنطي اللون،بملامح جنوبية الطيبة،اماألأخر فملامحه
أقرب الى أجنبي جميل..يسكن محل السيمر،يتميز صوته ببحة لاتليق بسواه..يتبادل الشابان التحية،يتحدثا ن عن القصتين،الصقر يبدي أعجابه بالقطار الصاعد..
محمود يتوقف عند تقنية (علبة ثقاب)يتواصلان..يتبادلآن
الكتب،ويتفرد محمود،بأرتدائه القميص اليساري.سيدخله القميص مراكز توقيف،وسجون،وفصل من الوظيفة,,
تبقى القصة،اجمل ألأواصر بينهما،بعد جسر التعارف،
يتواصلان في(مقهى البدر)على كورنيش البصرة
هاهم..صقرنا البصري..محمود عبد الوهاب وبدرنا السياب

*متى تعرفت على الشاعر بدرشاكر السياب؟
_قبل تعرفي على محمود….تعرفت على بدر..كان ذلك في آواخرألأربعينيات(يبتسم الصقر) تصور كانت القصة ايضا
سبب التعارف….أقصد بسبب قصته،أتذكر اللقاء ..كان ذلك
في مكتبة (الشرق)،مقابل (جسر الهنود)…

*وآلآن….؟

&آلآن…حين محمود عبد الوهاب..في زيارة الى بغداد..نجلس ساعات طويلة نتناقش فيما كتبنا،ونتحدث في مشاريعنا ألأدبية،التي ماتزال في تطور التكوين،في رحم الذاكرة واذا كان يحمل معه مسودة أقصوصة جديدة،يطلعني
عليها،وأفعل انا الشىء نفسه وفي حالة ليست قليلة ،أستفدت من ملاحظاته الصائبة،في مسودات أقاصيصي.

*من منظور القص.كيف تنظر لمحمود عبد الوهاب ؟
&القاص..محمود عبد الوهاب..لاتعنيه كثيرا المواضيع الكبيرة والمعقدة،فهو يلتقط مواضيعه من ألأشياء والمواقف التي يمر بها
ألأخرون..كل يوم ينظرون لها ولايبصرونها..

*حتى لاتصدأ الكتابة..ماذا ..على الكاتب ان يفعل.؟
&أذا أردنا شيئا من البقاء لما نكتب – لبعض الوقت طبعا-
أذ لاشىء يدوم في الغالب،فعلينا في تقديرى،ان نكتب عن شىء
يترك صدى في نفوس ألأخرين،وليس شرطا ان يكون الموضوع الذي نتناوله كبيرا..يكفي هاجس  بسيط يحرك مشاعر القارىء
ويترك في نفسه،أثرا يدفعه الى قليل من التأمل,

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعر والمترجم السوري ماهر حرامي‎‎ .

بغداد 2022 ماهر حرامي شاعر ومترجم سوري. قال عنه الهايجن السوري أسامة أسعد في معرض …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.