الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » فؤاد قنديل : الفاتنة تستحق المخاطرة (17)

فؤاد قنديل : الفاتنة تستحق المخاطرة (17)

fuad kandill 11إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة السابعة عشر
(17)

ما إن غادرت بوابة الدَوّار بعشرة خطوات حتى بلغ سمعي صوت نقر خفيف لحدوة حصان على الأرض.. الحصان يتهادى في إيقاع راقص.. هل أتجاهله وأمضي أم ألتفت وأواجه من يتبعني؟ لا يزال متبقيًا على الباخرة ما يزيد قليلاً على مائة متر.. قبل أن أتمادى في أفكاري.. جاءني صوت الفارس حادًّا وخشنًا.. لا أذكر أني سمعته من قبل:
– توقف أيها الغريب.
بسرعة أدركت أنه «نصر» قبل أن أراه.. توقفت وتحولت إليه.. فارس مسلح في عباءة سوداء على حصان أسود له غرة بيضاء.. قدمت «جزيرة» خدمة جليلة لأهل البلد ولي بالفوانيس المضيئة.. ما أبشع الظلام في القرى المصرية! كان ملثمًا فكشف وجهه.. سأل:
– أين كنت أيها الغريب؟
أنا في العادة «طويل البال» ولا أسيء الظن بأحد، لكن الصيغة المتغطرسة التي تحدث بها الفارس استفزتني فرأيت ألا أكون مريحًا له قدر الإمكان..
– أنت الغريب.. وليس أنا.
قال بثقة:
– أنا ابن البلد.
– وأنا أعمل في البلد وكل من فيه يعرفني.
– ليس لدي وقت أضيعه معك.
– أنت من ناديتني.
– سأقول لك ما أريد في كلمتين.
– أسمعك.
سكت لحظات ثم قال بلهجة آمرة:
– حذارِ أن تقترب من عمي وبيته.
– من أنت لتأمرني؟
– أنا صاحب هذا البلد وكلمتي تمشي على الجميع.
– عمّك من دعاني.
– سأطلب منه ألا يدعوك.
– موضوع لا يخصني، وليس من حقك أن تتكلم معي.
شد لجام الحصان فقفز بأماميتيه.. لم أتحرك خطوة ولم أهتز، لكني شعرت بالاستفزاز بسبب الحركة التي تعلن عن التهديد.. قال:
– يبدو أنك لا تعرفني.
– اللصوص يُعرفون بسهولة.. سيماهم على وجوههم.
– أكرر عليك.. حذارِ الاقتراب من بيت عمي.
– سأحضر كل يوم لعل الشرطة تقبض على لص الأسلحة التي يهدد بها الآمنين.
شد لجام الحصان واستدار وهو يقول:
– قد أعذر من أنذر.. لا تلومن إلا نفسك.
ضحكت تعبيرًا عن سخريتي من سلوك العاجز.. اكتشفت بعد أن غاب أني كنت متوترًا وثمة تقلصات في معدتي.. أحسست برغبتي أن أزيل عن جسدي وروحي القذارة والعرق والكلمات السقيمة.. اغتسلت بالصابون المعطر الخاص بي الذي حملته معي من القاهرة ضمن ما حملت من أشياء.. تذكرت «جزيرة» الجميلة وشخصيتها الجذابة وحيويتها الفياضة.. تنفست ملء رئتي وخرجت إلى الهواء البارد المنعش بعد قيظ يضرب كل شيء طوال النهار.. كان «روجيه»، كبير الأطباء، يقف وينظر إلى القمر الذي لم أكن قد تنبهت إليه فقد أشاع «نصر» في ليلتي قدرًا من الكآبة بسواده وسواد حصانه وسواد كلماته.. أنا الآن أفضل.. دنوت منه وقلت:
– لا أظن أنك من الباحثين دائمًا عن القمر.
– من النادر أن أراه ومن النادر أن أتذكره، وأنت؟kh fuad kandil 7
– علاقتي به وثيقة.. في أغلب الأحيان أشعر بالوحدة فأرفع نظراتي إلى السماء بحثًا عنه.. اكتشفت أن لديه ملكات لا تملكها الشمس ربما لأنها مشغولة بأمور أهم.. القمر يبدد الوحدة ويسهم في التخفيف عن المهموم وصديق العشاق. اعتادوا أن يتحدثوا إليه ويبوحوا، واعتاد أن يستمع إليهم ويرسل بعض الرسائل الوديعة المشجعة على الصبر والأمل. سأل وقد تسللت إلى روحه نسائم رومانسية:
– هل هناك علاقة بين القمر والنيل؟
– جغرافيًّا أظن أن هناك علاقة.. الأهم هو ما يجمعهما أو يشتركان فيه، خاصة بالنسبة للشعب المصري صاحب التاريخ الطويل مع الألم.
– مثل.
– أحب اثنين في الطبيعة للمصرين.. النيل والقمر.. المصريون يشكون كثيرًا إليهما.. لهما دور عاطفي بارز مع العشاق.. هناك محبة عذرية من المصريين للقمر بحكم القرب، وحب جسدي للنيل.. لذلك فالغناء للنيل وشواطئه لا يتوقف منذ آلاف السنين.. وكانت هناك أسطورة.. لا أتذكر تفاصيلها.. أبدعها الفنان الشعبي تتحدث عن أن النيل رغب في أن يقبّل القمر وطلب منه أن يهبط إليه ويسكن في قاعه لعدة ليال وعزم القمر على تلبية الدعوة.. عندما هبط وتجول في القاع.. قال للنيل: هل تسمح لي أن أضيء ظلام أعماقك؟
قال له النيل: لا أسمح لك طبعًا.. أنا لو رأيت ما بأعماقي فسوف أتوتر وأتوقف عن الحركة.. أعرف أن القاع ممتلئ بالنفايات والجثث وهذا يحزنني كثيرًا وسوف أشعر بالكآبة إذا أنت أضأت أعماقي المظلمة.
قال له القمر: لقد غاب عنك أن عروستك الجميلة عندما تلقى بين أحضانك كل عام ترحب بها الملائكة إكرامًا لك وتنظف القاع تمامًا قبل أن تصل إليه.
انتشى النيل وارتجت أمواجه وأغرق عددًا من القرى وهو يضحك وسأل القمر:
– أحقًّا يا قمر؟
– أنت لا تعرف قدرك عند الخالق الأعظم.
– لقد كنتُ تعيسًا لأنني كنت أحس بما يلقيه البعض من النفايات.
– خلق الله الكون وبث فيه الخطيئة والغفران. الشر والخير. الظلام والنور.. الدنس والطهارة. الملائكة والشياطين.
– اقترب موعد وصول الجميلة فهل ستبقى معنا.
– لم أكن يومًا عزولا.. سلام.
كان «روجيه» يستمع إليّ بشغف وانبهار.. كان كمن رافقني إلى قاع النيل لنسمع حواره مع القمر.. قال وهو لا يزال في دهشته:
– سيه تري ماجنيفيك.
– إليا بوكو داستوار كوم سا.
شرد لحظات ثم قال:
– المبدع الشعبي بارع في تآليفه وهو يعبر عن أشجانه وأشجان الطبيعة وأحلامها.
– اتساقًا مع كلام القمر وكلامك سوف تلحظ أن الشجون والأسى والتعاسة تصيب الإنسان لكن الإبداع الفني الجميل يأسو الجراح ويكفكف الدمع لتتواصل الحياة وتعبر أحزانها.
ظل «روجيه» لحظات محلقًا بين الغيوم في أسطورة القمر والنيل التي نسيت بعض تفاصيلها.. ثم سأل:
– بالمناسبة جاء الفيضان بعد أن وصلنا، ولم يكن هناك غير احتفال باهت وبلا معنى، ولم أسمع عن العروس الجميلة التي يلقيها المصريون في النيل حتى لا يهاجم القرى والحقول ويمضي مطمئنًا ورحيمًا.
– كان الأجداد القدماء والأسلاف منذ آلاف السنين ينظمون مسابقة بين أجمل الفتيات لاختيار «عروس النيل».. ومن يتم اختيارها تتزين بالورود والحلي وتلبس أزهى الثياب وتكون في أبهى صورة، ثم تلقى إليه عندما تبلغ المصريين بشائره في احتفال وفرح وأغان وزينات في كل ربوع مصر، وكانت طيبة، أي الأقصر، التي نقيم فيها الآن هي بيت أكبر حكام مصر وفيها يتم الاحتفال وإلقاء «عروس النيل» بعد أن يحملها مركب كبير مزين بالورود والرايات الملونة وبرفقة العروس شباب كثيرون يرقصون حولها في أداء معبر يحكي بإيجاز قصة هؤلاء الشباب الذين يتمنون الارتباط بجميلة الجميلات.. ثم تحين اللحظة الفارقة.. لحظة القرار الحاسم.. يتقدم شيخ جليل يمثله أيضًا شاب يتم وضع صوف الخراف الأبيض على رأسه وشاربه وذقنه ويمسك بيده غصن شجرة جافًا على شكل عكاز حتى يبدو شيخًا.. يلقي كلمة مؤداها أن حكماء البلاد اجتمعوا مع الحاكم الأكبر والكهنة ودرسوا كل الطلبات المقدمة للزواج من العروس وقرروا أن الأحق بها.. ثم فترة صمت.. الأحق بها هو النيل العظيم القادم من السماء.. يصاحب هذا الرقص التعبيري عزف بديع لفرقة موسيقية يتلوها إنشاد يدل على غضب الشباب من النتيجة، لكن الشيخ يقنعهم فيبتسمون ثم يضحكون ويرقصون ويحملون العروس ويدورون بها عدة دورات ثم يتعاون الشباب في إلقاء العروس في النيل وهم يهللون تعبيرًا عن سعادتهم وتمنياتهم بسعادة العروس طوال العمر ودعوات بالسلام والأمن والخير لكل المصريين.
اكتشفت أن «روجيه» الذي لم يبرح حالة الانبهار لم يعد وحده، بل كان يقف خلفي العشرات.. منهم «ريشار» والقبطان و«فيكتور» و«بول» و«أولان» و«ساسي» وآخرون.. سأل «روجيه»:
– ولماذا توقفت هذه الطقوس؟
– ألست منزعجًا من إلقاء العروس وإغراقها؟
– لا لستُ منزعجًا.
ضحك الجميع، فقلت له:
– لست أبا العروس ولا أخاها ولا أمها.. أنت تبحث عن الفُرجة.
– لم تجبني.. لماذا توقفت الطقوس؟
تنهدت وشعرت بالظمأ وحاولت أن أكسب وقتًا لأتذكر ما سمعته يومًا عن سبب منع إغراق الشابة الجميلة. قلت:
– في أحد الأعوام بعد الفتح الإسلامي لمصر في أثناء تولي الخليفة عمر بن الخطاب حكم البلاد الإسلامية وكانت مصر تابعة له.. تأخر وصول فيضان النيل وبدأت البلاد تشعر بالظمأ مثلي الآن..
لحسن الحظ ظهر عامل من عمالنا الفرنسيين يحمل دورقًا به ماء.. شربت وتابعت:
– تأثرت الحقول ومعيشة البشر فصرخوا وضجوا خوفًا من حدوث مجاعة وقد بدأت معالمها تظهر في الأفق.. اضطر حاكم مصر في تلك الفترة، واسمه عمرو بن العاص، أن يرسل إلى الخليفة عمر يخبره بتأخر النيل وأن الحالة مزعجة جدًّا ومن المحتمل أن تحدث مجاعة.. بعد أيام دون أن تصل نقطة ماء حتى اصفرت الحقول وتداعت العيدان واختفى الطير وابيضت شفاه البهائم التي كواها الظمأ.. فوجئ حاكم مصر بأن الخليفة الذي توقع منه قافلة محملة بالمؤن يرسل إليه رسالة يطلب منه إلقاءها في النيل.. قرأها الحاكم وأدهشه جدًّا ما تضمنته.. حدق فيها وتأملها عدة مرات وظل على حالته من الاندهاش:
– كان نص الرسالة: «من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر.. إن كنت تأتينا برغبتك فلا تأتى، وإن كان الله يجريك فنسأله أن يجريك».. ويقول المؤرخون – صدقوا أو كذبوا فليس لدي دليل – إن النيل بعد ثلاثة أيام أطلق فيضانه وعلت المياه في النهر علوًّا كبيرًا، ومن يومها أوقف الملوك إلقاء العروس في النيل وإن كانت هناك احتفالات تشهد الجماهير خلالها إلقاء دمية على شكل عروس جميلة ومزينة.. دمية جميلة تقوم بالدور حتى لا ينقص من الاحتفالية شيء.
عدت إلى السكن ترافق خيالي «عروس النيل».. تمددت وحاولت النوم بعد يوم ثقيل فلم أستطع.. لا تزال «عروس النيل» تدور من حولي وترقص.. تبتسم.. تدعوني لمشاركتها الرقص.. سخرت من نفسي لهذه الخواطر. عزمت على طرد كل الأفكار كي تسحبني دوامة النوم.. ظهرت «عروس النيل» من جديد وقد تخلت عن ثوبها الوردي فتعرى بعض جسمها المضيء.. عادت ترقص وهي تتخلى تدريجيًّا عن الزينات والشرائط الملونة الموزعة على شعرها.. انفرط الشعر كالموج الذهبي خيوطًا إثر خيوط، وأسرع يشاركها الرقص والتمايل.. آه.. هناك لا بد خطة لغوايتي. تحولت إلى الجانب الآخر حيث لا أراها. التفّت وظهرت أمامي ودنت. مالت عليّ وابتسمت. بللت شفتيها فزاد احمرارها ودنت ثم دنت أكثر.. فاح في الفضاء عطرها.. نفذت إلي رئتى الرائحة الرائعة. تخللت كل أعضائي وخلايا جسدي وأنعشت روحي.
سألتني:
– لماذا لم تتزوج حتى الآن؟
فاجأتني بالسؤال.. فاجأتني بجرأتها. كررت سؤالها مرتين. استدرت إلى الجانب الآخر. أسرعت قبل أن أستقر فكانت في مواجهتي.. قالت:
– أنت تخاف من التجربة.. أنت تخشى المرأة.. اعترف.
قلت لنفسي:
– هل «عروس النيل» هي التي تسأل أم أنا؟ لا أظنني الذي أسأل، بدليل أنني لم أسأل نفسي من قبل لماذا لم أتزوج؟ لماذا أسأل الآن عن طريق «عروس النيل»؟ ومع ذلك فالإجابة ببساطة هي:
– لم أجد امرأة تجذبني في مصر، ولم تجذبني الشابات الفرنسيات، حتى بنات عمي مع أنهن جميلات.. من الضروري أن يكون هناك ما يجذب في المرأة غير الجمال، بدليل أن عددًا كبيرًا من الشباب يقعون فجأة في حب نساء لسن جميلات وقد يتنازلون عن ثرواتهم إذا قرر الأهل حرمانهم منها إذا أصروا على الزواج بمن لا يرضى الأهل عنهن.. فماذا غير الجمال لدى الشابات قادر على اختراق قلوب الرجال؟ ماذا جرى لي؟ هل صرت الآن أمضي في الطريق الذي رسمته «عروس النيل»؟ استدرجتني للتفكير فيما تتخذه وسيلة لمعاكستي وإبعاد النوم عن عيني.. أمن أجل أن تجد من تعاكسه أو تحاوره تهاجم بالأسئلة شخصًا أعزل فتجره إلى التفكير والسير في دروب لا نهاية لها؟ أظنني أذكي من ذلك.. سوف أنام رضيَت أم أبت.. اختفت فجأة «عروس النيل» ولكني انشغلت بعض الوقت بالفكرة ذاتها، ثم نمت.
في الليلة التالية زارتني «عروس النيل» وأنا أتأهب للنوم ومارست الغواية ذاتها وسألت الأسئلة ذاتها وأجبتها حتى تختفي ولا تعود ثانية:
– أنا لا أخشى المرأة لأنني في الحقيقة لا أعرفها بشكل دقيق ولم تتح لي الفرصة لذلك، لم تكن في حياتي غير أمي.. السيدة المميزة بالحنان والشجاعة والصدق والجمال ، بل أكثر مما قلت.. كان غيابها ضربة قاصمة لي ولا أتخيل أني سأعثر على فتاة مثلها ولو وجدت فسأتزوجها فورًا.
قالت «عروس النيل»:
– اقتنعت مؤقتًا بأنك لا تخشى المرأة لأنك لا تعرفها، فماذا عن «جزيرة»؟
دخل في النقاش طرف جديد.. حاولت أن أجد الإجابة.. وحاولت أيضًا أن أتخابث إذا كان ذلك مقنعًا.. قلت:
– ما يخص «جزيرة» يخص من سبقنها.. لم أعرفها بعد.
قالت العروس:
– أنت عرفت «جزيرة» من ساعة لقيتها في الطاحونة.
اختفت العروس ..شعرت بقدر من الارتياح ربما لأنها تعرف أكثر مما يجب ولأني لا أحتمل المواقف المحرجة والأسئلة الصعبة التي لا أجد لها إجابات.
اختفت الشقية وتركتني لقمة في فم الفكر والسهر.. أبقتني إلى الصباح داخل الشبكة أبحث عن منفذ للخروج فلا أجد.. «جزيرة».. «جزيرة».. الشابة الجميلة الجسورة.. «جزيرة» السمراء ذات العيون الخضر و«طابع الحسن» في الذقن المستدير.. تركيبة بديعة من الملامح.. لا يوجد من يستطيع أن يراها ولا يسقط تحت تأثير عينيها ولا يتقيد أمام ملامحها وعودها وأنفها وشفتيها وأسنانها وذقنها.. ذقنها ثمرة من الفاكهة نادرة المثال.. مرة واحدة أمسكت يدها البضة التي تسيل حنانًا فشعرت أنها تعانق يدي ولا تسلم.. تمنيت أن أبقيها في يدي لنهاية عمري لكن أباها كان واقفًا.. لماذا يا «عروس النيل» تفتحين هذه النافذة؟ أعرف أن ابن عمها يريد الزواج بها والأستاذ «محسوب» وآخرين بالتأكيد.. لا أنكر أني معجب بها لكني لم أحسم أمري فربما لا تقبل هي أو أبوها، وإذا قبلا فأين نعيش؟ هل توافق أن أصحبها معي إلى فرنسا، وهل يوافق أبوها؟ ربما تشعر بالوحدة هناك.. أسئلة كثيرة تتفجر الآن وليس الأوان أوانها.
لا أدري ما السر في ظهور شبح شابة رفيعة شقراء لها نظرات حادة.. ابتسمت.. تقدمت مني.. معقول! كيف وصلت إلى هنا.. «صوفيا» ابنة عمي.. طفا على سطح ذاكرتي كل ما صدر منها إبان وجودي في باريس قالت يومًا بصوت ثعباني مصحوب بنظراتها الغامضة المرعبة:
– سوف أقتل الطفلة التي تقف دائمًا في نافذة بيتهم وتحدق بي.. أبوها مجنون يضرب أمها كثيرًا.. بعد أن أقتل الطفلة ربما أقتل أمها حتى يتوحد أبوها فينتحر.
استبدت ببدني القشعريرة.. استشعرت عجزي عن التقاط أنفاسي.. ألهث كأني قدمت من ركض طويل.. فتاة شبه معقدة تقرأ كثيرًا وتسيء الظن بالناس وكتومة وليست اجتماعية.. لها أفكار غريبة.
عزمت أن أخبر أباها بما قالت، لكن كلامي لن يفيد ، كما أني لا أتصور أنها سوف تقتل فعلاً.
في الليلة التالية وجدتها فوقي فصرخت وانتفض جسدي من شدة الفزع.. تذكرت حديثها عن القتل فشقني الرعب.. كنت غارقًا في نوم عميق بعد يوم كامل من الجولات في أنحاء باريس.. بقي أسبوع على عودتي إلى القاهرة.. كانت قد فكت أزرار قميصي وحزام سروالي.. مضت تقبل صدري وتعبث بي.. زعقت فزعًا فتراجعت وابتسمت:
– ما لك؟ لا تخف. اترك نفسك لي.
خفق قلبي. تخيلت أن لها أسنانًا طويلة خارجة من شفتيها وكأن على شفتيها دم.. مرت بأصابعها على شفتي وخدي وأنفي وذقني.. قالت بصوت مثل زمجرة أظافر تكشط طلاء من فوق خشب:
– أنت جميل يا ابن عمي.. لم أكن أظن أن لي ابن عم جميلاً مثلك..
ابتلعت ريقي.. فكرت في المدة التي سأقضيها في هذا الوضع الصعب ومتى وكيف ستنتهي.. كل أملي أن تمر دون مشاكل.. قالت:
– قل لابنة عمك الجميلة شيئًا.
لم أجد ما أقوله.. كنت مشغولاً في عُمر الحالة.. قلت دون تفكير:
– أود أن أكمل نومي.. تعبت اليوم جدًّا وسرت كثيرًا.
انفتحت عيناها إلى أقصاهما وقالت:
– قضيت عمرك كله في السير. آن أن ترتاح.
– فعلا آن أن أرتاح.
اتسعت عيناها بصورة مفاجئة وقالت:
– معي.. لا راحة لك إلا معي.. أتعرف ذلك؟
عادت تقبل صدري.. جسدي لم يتعاطف مع الحركة.. أنا لم أمارس الجنس مطلقًا من قبل.. أصابني الاحتلام واكتشفت غرقي في المراعي السائلة للحيوانات المنوية.. تسللت يدها إلى كل أعضائي.. هجمت بشفتيها على شفتي.. قبلتني وأكلت شفتي.. عادت تمرُّ بشفتيها على صدري.. كانت لها أياد كثيرة وشفاه كثيرة.. تدريجيًّا بدأت أتجاوب معها خاصة لأنها لم تعد تصدر فحيحها المرعب.. قالت:
– أنت تحب ابنة عمك.. اعترف.. وتريدها من كل قلبك وجسمك.. انطق.. قل كلامًا جميلاً لابنة عمك.. ليس في الدنيا غير «صوفيا» واحدة.. قل يا حبيبتي..
– يا حبيبتي.
– قل لن أتركك أبدًا.
– لن أتركك أبدًا.
مضت تأكلني وتقفز فوقي وتمرغ وجهها وشعرها في صدري.. قبضت عليّ بشدة لا أعرف مصدرها. بدت رغم ليونة جسمها ونعومته وغريزته المتأججة قوية الأعصاب والعضلات تكاد تعصرني بين ضلوع صدرها وبين فخذيها.. لهثَت وانشالت وانحطت حتى انهارت.. بعد قليل حاولت تقبيلي.. منعتها وقلت لها:
– نفذت لك ما أردتِ وإن كنت أرى تصرفي خيانة.
– أنت لم تنفذ لي ما أردت.. أنا من نفذت لك ما أردت.. يجب أن تنفذ لي أنا ما أريد.
نهضتُ، فطارت ورائي وأمسكتني.. قالت:
– ألا تريد أن تنام؟ هيا إذًا نم.. نم.
عدت إلى فراشي وتمددت فدنت وتمددت إلى جواري، ثم وضعت ذراعها على صدري.. قالت بنعومة متوترة:
– ألم أعجبك؟
– بل أعجبتني.
– إذن لنكمل ما بدأناه.
– غدًا.
– بل الآن.
– قلت غدًا وإلا سأنادي لعمي.
هبت واقفة وقالت:
– أنا التي سأناديه.
اتجهت إلى الباب وقالت:
– سأناديه.
بضعف شديد وتوسل قلت:
– وعد مني.. غدًا.. دعيني أحبك ونقضي وقتًا طيبًا برغبتي لا رغم أنفي.
وقفت وتنهدت وفكرت، ثم قالت:
– أنام هنا معك.
– بلا أدنى حركة.. لو اقتربتِ مني فسأغادر البيت كله.
– سأنام ساكنة.. خذني فقط بين أحضانك.
نامت ساكنة.. تمنيت أن تهدأ وتمر الليلة. كفى ما جرى.. سأتحمل وزر ما فعلت.. تراخت أعصابي وهدأت.. فكرت مجددًا فيما جرى. لقد أخطأت.. قلت في نفسي.. في الخطأ أحيانًا بعض الصواب وفي الصواب أحيانًا بعض الخطأ.. عاتبت نفسي بشدة لأني حاولت تبرير ما فعلت. أرغمتني الكلبة.
في الليلة التالية حاولت أن أتأخر إلى الثالثة صباحًا فتكون قد نامت.. لما عدت وجدتها ساهرة، وكان ما كان في الليلة الماضية.. فكرت في أن عمي سوف يعتبرني خائنًا للقرابة والثقة.. غبت ليلتين في فندق ولم تبقَ غير ليلة واحدة على سفري، لما عدت وجدتها تبكي وأباها معها يطيب خاطرها.. قال:
– لا أعرف ماذا جرى لـ«صوفيا».. يبدو أنها أحبتك وإن لم تعلن هذا، فمنذ غبت وهي تبكي.
قال عمي إنه يحب أن يشرب مع صديقه في بار «النجوم السبعة».. أسرعت «صوفيا» إلى الحمام وهي تمسح دموعها ثم عادت إلىّ فأمسكت بي كأنثى العنكبوت وجرتني إلى الفراش ولم أمانع لأني في الصباح الباكر سأستقل الباخرة.. لم تسمح لي باختطاف دقيقة نوم واحدة.
أحسست بالتعب لمجرد رؤية طيف «صوفيا» المجنونة.. كان قد طلب منى أبوها قبل أن تغتصبني أن أفكر في الزواج بها فهي تناسبني تمامًا، على حد قوله.. لكنها لا تناسبني على الإطلاق ولم أسمع منه في خطاباته أنها تزوجت.. ليتها تكون قد قتلت جارتها الطفلة وأمها حتى إذا عدت لا أجدها.. كانت قد أرسلت لي رسالة تقول فيها إنها تشتاق إلي جدًّا ويجب أن أعود بسرعة وإلا فكرت في الانتحار. الحمد لله أنني بعيد، وإن كان طيفها، فيما يبدو، قد عرف الطريق إلي ولن يتركني أبدًا.
لقد أنهكتني سيرتها.. ليتني أنام.. ربما أنام إذا أبعدت عن رأسي كل هذه الذكريات التعسة والأفكار المختلطة.. أغمضت عيني وتنهدت وأسلمت نفسي للفراغ.. كلما نبتت نبتة صغيرة من ذكرى أو فكرة طردتها.. بقيت قويًا لعدة دقائق لكن «جزيرة» ظهرت.
«جزيرتي» الآن أمامي بكامل هيئتها التي تفوق «عروس النيل» جمالاً.. «جزيرة» تتبدل على عودها الأزياء.. تمشي وتصعد على سلم وتطل من نافذة وتجلس أمام خيمة وتركب حصانًا وتقدم لي الطعام.. «جزيرة» تركب عربة يجرها حصان أشهب كحصانها. «جزيرة» تسند والدها وتقبّل أمها وتقطف وردة.. «جزيرة» تتابع الزراع في أرضها وهم يجنون القطن ويقطعون القصب وتتابعهم وهم يجمعون البرتقال ويقطفون العنب.. «جزيرة» تحتضن عنزة وليدة وتدعو للبقرة التي تعاني المخاض.. تطلب من الله التساهيل.. «جزيرة» تتأمل العجل الصغير وتحمد الله.. «جزيرة».. «جزيرة» يتراجع تدريجيًّا طيفها حتى يتلاشى من المشهد.. تهدأ أعصابي المستنفرة وأتنفس من أعماقي وأغمض عيني وبعد لحظات أكتشف أن نور الصباح، ولعله نور «جزيرة» قد تسلل إلى كل مكان.. تذكرت أن اليوم لا عمل فيه فعزمت على النوم.. نمت بعمق حتى أيقظوني لتناول الغداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *