علي لفتة سعيد : مثلث الموت (2)

ali lafta saeid 4-3-
كان الصمت شديداً، استمر للحظات..قبل أن ينبري رجل الدين الكبير بالكلام..مبتدئاً حديثه بالصلاة على محمد وآل محمد ثم عرج على الوضع العراقي الراهن..صوته هادئ جدا وكأنه يتحدث بهمس شديد لا يكاد البعيد عنه يسمعه..حتى لكأنه رجل بسيط وهو الذي دوّخ الأمريكان حين بحثوا عنه في كل مكان من المدينة قبل سنوات بعد ان زادت فتاواه وبياناته ضد الوجود الأمريكي تارة أخرى وضد رجال الدين الآخرين بمنزلة رتبته الدينية..وكان منتقداً شديداً للعملية السياسية والتغيير الذي حصل في العراق..كان شاغل الدنيا لأشهر ليعود من جديد في هذا المقر الكبير.
كان ينظر إليه وهو يرتدي عباءة سوداء، قصير القامة، مربوع الكتفين، له لحية مشذبة ولم تكن طويلة..يضع يشماغاً أخضر على كتفيه فتنزل أطرافه الى منتصف صدره من الجهتين..فيما بان محبسان في يده اليمنى وواحد في يده اليسرى ولم تكن له الخبرة لمعرفة أنواعها..لم يكن سوى مشدوهٍ في تلك اللحظة التي غربت عنه المعرفة الحقيقية للأشياء..تحرك قليلاً مثل طفلٍ مرتبك.
يتذكر أن والده حين كان يقترب من أي رجل دين وخاصة إذا كان يرتدي عمامة سوداء، يقول عنه أنه من سلالة أهل بيت النبوة وأنه واجب الطاعة والإحترام،كان يقبل يده حالما يمسكها بأصابع مرتجفة وكأنه سيحصل على نعيم الجنة أو يشم عطر النبي الأعظم..كان يـأتي به في أيام الزيارات الدينية حين كان عمره لا يتجاوز الخمس سنوات وكان أصغر أخوته حين ماتت أمه، وكان الإبن الذي لا يفارق أصابع يد أبيه أينما رحل..كانت المدن المقدسة تعني الاستعداد الى ما يشبه الحج وهم يقطعون المسافات الطويلة من الجنوب الى المدينة المقدسة بهدف المشاركة في عزاء الإمام الحسين في أيام عاشوراء وخاصة زيارة أربعينيته..كان هم والده أن يجد رجل دينٍ معروفاً ومشهوراً ليقبل يده.. وكان يخبره إن هؤلاء لهم منزلة عند الله وأهل البيت وإن الطاعة واجبة..لم يفهم سلام سر هذا التعلق برجال الدين بالنسبة لأبيه لكنه تعلم أن يحترمهم بشكل كبير حتى حينما انتقل الى المدينة المقدسة ذاتها التي كان يزورها في العام الواحد مرتين أو مرة واحدة في المناسبات الدينية فقط وكانت أجمل الليالي بالنسبة له هو النوم في الشوارع..كان يسير مع أبيه ليصل الى مكان لموكب المدينة الجنوبية حيث يستلقي تحت خيمة جمعت أغلب زوار المدينة.
في الواقع لم يكن سلام يعر اهتماما كبيرا لمثل هذه الطقوس بقدر ما كان يهتم بحركات الناس وأفعالهم التي يجد الكثير منها غير التي هم عليها في المدينة..كانت تغلب على أغلبهم روح التعاون وهم يوزعون الطعام على الزوار على العكس من حالتهم وهم في المدينة وهم يلعبون الدومينو أو البعض منهم يشرب الخمر في نادي المعلمين..حتى إذا ما انتقل الى المدينة كان يرى الوجوه التي تأتي من مدينته الجنوبية ليقوم معهم بتوزيع الطعام على الزوار..لم يقابل سلام في حياته رجل دينٍ كبيرا إلا بعد سقوط النظام من خلال عمله في مجال الصحافة التي يسّرت له إجراء مقابلات صحفية مع رجال دين من مختلف الجهات الدينية التي توزعت فيها المرجعيات التي لم تعد واحدة ولكل مرجعية معتمدين في المدن المختلفة.
*****
لم يكن سلام يفكر يوماً إنه سيلتقي به أو يقف أمامه..ألا أن هاتفاً جاءه من مدير التحرير يأمره بالتوجه ظهر اليوم إلى مقر رجل الدين الكبير لإجراء مقابلة معه..وهو ما فعله الآن حين وجد جمهرة كبيرة من الإعلاميين ليضع مع ( لوكات ) القنوات الفضائية جهاز تسجيله الذي يعمل ببطاريتين صغيرتين ويزاحم الوقت ليطرح سؤاله.
– نعرف إن الانتخابات على الأبواب،ما هي نصيحتك للشعب العراقي ..هذا السؤال الأول والسؤال الثاني….
التفت رجل الدين الكبير إلى من حوله وفوجئ سلام بعينيه تتوقدان، وكأنه داس على منطقة محرمة.
سارع الشيخ إلى إعلان أن المؤتمر انتهى..
– الناس تنتظر دورها في الخارج فهذا اليوم يوم فرح لهم وزاد في الحجة أن يوماً آخر قد يكون فيه مولانا موجوداً هنا وسيعقد مؤتمراً صحفياً موسعاً..سيكون قبل الإنتخابات بيوم إن كان الوضع جيدا لعقده.
اقترب منتظر من إذن سلام:
– إحذر الليلة..أنا لن أبيت في بيتي!!
فرد سلام:
– بل سأنام قرير العين ولا أخشى شيئاً.
– هل أنت شجاع جدا.
– بل إن لي نظرية دائما أقولها، لا تخف من مسؤول كبير إذا تحدثت معه بل عليك أن تخاف من الأتباع ولهذا لن يحدث لي شيء أبدا.kh-ali-lafta-2
يتذكر سلام إنه ذات مرة إلتقى بشخصية دينية هو وكيل لشخصية دينية كبيرة وجلسا معا على حصيرة من النايلون ليبرهن له التواضع.كانت الغرفة حينها ترتفع عن الأرض بثلاث درجات من سلم اسمنتي في حوش مفتوح..كانت الغرفة صغيرة حسبَ مساحتها بمترين ونصف عرضاً، وثلاثة أمتار ونصف طولاً.. وطرح عليه أسئلة محرجة بل وقاسية عن استغلال الدين في الوضع السياسي، الراهن وإن الجهات والأحزاب الدينية تعمل على فرض الأمر الواقع، وهي تجاهد لفرض هيبةٍ وسطوةٍ وسلطةٍ على جميع المسؤولين السياسيين وكان الرجل يرد على كل سؤال بهدوء، مجيباً: العراق يمر بمرحلة جديدة عليه، تشبه المخاض العسير فإما أن يولد جنين الواقع السياسي سليماً أو أن يولد مشوهاً..واعتقد أنه لو تركناه منفلتاً فأن الجنين سيكون قاسياً في تشوهه..يتذكر أنه طالب بألا يتدخل رجال الدين بحسب رأي المواطنين وأن يتم رفع البندقية الدينية من رؤوس الناس الخائفين..وكان الرجل يجيب أيضا بل وشكره على أسئلته التي عدها صريحة وواضحة ومهمة لكي يتم كشف الرأي الآخر ويزيلوا تخوف الناس من المظاهر الجديدة بما فيها الواقع الديني الجديد، على اعتبار إن الجميع مسلمون.قال لأحمد وخضير..إن لا شيء حصل له، وأن الأمور تسير كما يريد من سنوات.
لم يجد خضير إلا أن يقول:
– أتمنى أن تبقى سالماً.
كان أحمد يمسك بيد سلام اليمنى مستعجلاً إياه في الخروج وترك منتظر الى ما يخطط من شيء..وأيده خضير في أن الخروج الآن أسلم من أي وقت آخر.
-4-
كان أحمد يفكر بشيء من الذهول عن أسباب قيام الناس بالهتاف إلى شخصيات معينة..حتى بات الهتاف يدخل ضمن الشخصية العراقية التي لا تنفك عن حاجتها إلى الرمز..في زمن النظام السابق كانت الهتافات تصدح في كل حين وهي الآن كذلك، وإن تنوعت أسبابها..ثمة ما يوحي إليه وهو المعروف بصمته وعدم تدخله العلني بأي شيء يصادفه حتى لا يقع في المكروه..قال له أبوه ذات مرة: إن أردت ألّا تلاحقك اللعنة والمصائب والمصاعب عليك ان تجنح الى الإبتعاد عن وسط الصراع..كن مع الآخرين لكن لا تتدخل ولا تعطي رأيك بأمر سياسي لأن السياسة نار تحرق كل شيء..وهو ما يفعله دوماً..يقول إن كل شيء غير مباح له إلا الحب والجمال والنساء..يتجه دوما الى المرور على الوجوه الجميلة التي تمنحه طاقة لكتابة قصيدة..وهو يفضل أن ينظر الى ما يمنحه الشعر أو حتى لو كان مخيلة على أن ينظر الى مثل هذه لوجوه لأنه كما يقول لأصدقائه لا تمنحه سوى السقوط في موت العقل..وحين سألته صديقته ذات مرة..لم أسمعك يوما تتحدث بأمر سياسي أو ديني؟ فأجابها..حين أسير معك أنسى إن الحياة فيها شيء آخر غير الجمال والحب والعشق والشعر..لا أعرف شيئا آخر غير صياغة الطرق الموصولة إليك بشيء من الرفعة..فلماذا تسارعين الى قتل عقلي ومخيلتي وأنت التي تهبيني رؤية أخرى لهذا الكون..كان الخروج معها تعني له الانغماس في لذائذ الحياة التي خلقها الله..يقول دائما إن الحياة ليست ما نسمع من تأويلات، بل هي كل شيء مباح على أن لا تؤذي غيرك..ولأن المرأة التي تكون عشيقتي هي من جاءت إلي فأنا لا أخالف السماء..وحين كان يرى ضحكات أصدقائه يقول لهم.أنتم من جماعة واحد زائد واحد وأنتم من جماعة من يقبل كسرة خبزٍ يجدها على الأرض احتراما لنعمة الله، لكنه يفتن ويكذب ويحتقر خلق الله العظيم الإنسان..وكان يرد عليهم..إن الإنسان محض فكرة سماوية علينا ألّا نسيء استخدامها ولا نعطل المآرب الجميلة التي في داخله أيضاً لأنها جزء من قدرة الخالق..
في الواقع كان أحمد أكثر تمرداً من الآخرين على الثوابت المجتمعية التي يعدها مصدراً للتراجع، لكنه لا يظهر ذلك، وكانت شخصيته محبوبة ولا يقحم نفسه فيما يسميه المهاترات..كان يرتدي في أغلب الأحيان قميصاً مفتوح الأزرار من الأعلى ولا يدخله في بنطلونه وكان يمزح مع الآخرين.. حتى أكون سريعاً إذا ما صادفت إمرأة جميلة فالوقت قصير دائماً
****
كان يرى الشيخ القصير يتابعهم وهو ما أثار انتباه أحمد الذي همس في أذن منتظر .
– هذا الرجل لا يشبه رجال الدين ..كأنه رجل انضباط في الجيش العراقي يبحث عن الهاربين من الخدمة العسكرية.
ضحك منتظر وتنابزت معهما آمال عن سبب الضحك..إلا إن الجميع لاذ بالصمت وهم يرون القصير يتابعهم بعد خروجهم من رجل الدين الكبير باتجاه الزقاق الضيق الذي تحول إلى مكانٍ محتشدٍ بالأتباع..رأوه يشير إلى رجلٍ طويل القامة، أنيق الملابس معتنٍ بتحديد لحيته بشكلٍ وسيمٍ ويرتدي ربطة عنقٍ سوداء ليطلب من الصحفيين أن يلقوا كلمة يوضحون فيها رأيهم بما سمعوه..كانت هناك منصة في بداية الشارع مقابلة لنقطة التفتيش..كان الرجل الأنيق يعلم إن من بين الصحفيين أدباء أيضا، فأراد أن يبرهن للعالم أن المثقفين أيضا مع زعيمهم الديني والحزبي، وإن وسائل الإعلام ستنقل هذا الكلام..كان أحمد يدرك إنها لعبة، لذلك حين طلب منه أن يكون أول المتحدثين، اعتذر بلباقةٍ جميلةٍ وابتسامةٍ فاترةٍ من أنه غير مخول في الحديث فهو الآن لا يمثل نفسه بل يمثل الجريدة التي يعمل فيها وهي لا تسمح له بإلقاء كلمة في أي محفل دون الرجوع إليها..وإذا ما أرادوا ذلك فيسمحوا له بإجراء مكالمةٍ لأخذ الإذن..إلّا أن منتظراً ربما كان المخالف الوحيد بين المجموعة الإعلامية.كان أكثر قدرة على تنفيذ الطلب والقبول بإلقاء كلمة عبر فيها عن محبته لرجل الدين..كان يبحث عن عذر له كما قال سلام لآمال، من أن الكلمة لمنتظر تنقذه من هجوم رجل الدين القصير عليه بسبب نشره لتقريرٍ عدّوه إساءةً لقائدهم.
غير أن ما فعله منتظر لم يكن محموداً..كان الأحرى به الإكتفاء بكونهم استمعوا إلى كلامٍ جميلٍ ونبيهٍ، وفيه وصايا كبيرة إلا إنه فضل الكلام بالإنابة عن الصحفيين وهو ما أزعجهم، وكان كلامه يتجمع في الرؤوس مثل مطرٍ يحمل الطين وهو ساخن، يتبخر على الجليد فيحرق حتى عيونهم..كان يثرثر، تنقّل في حديثه كأنه متشبهاً بمن يلقي خطبة أمام أنصاره في تجمع انتخابي.
الصحفيون غادروا المكان وتركوا أحمد وسلاماً وحدهما يبحثان عمن يوصلهما الى بيتهما.كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة عصراً وقد مضى أكثر من ساعتين على وصولهم..وكانت الجموع لم تزل تطلق الهوسات في الشارع العريض.
رأى أحمد أن سلاماً يحمل زعلاً ربما ليس بسيطا على منتظر لأنه تركه ومضى فأخبره سلام أنه سيمضي من فوره إلى حاسوبه ليكتب ما دار من حوار مع رجل الدين الكبير ليرسله إلى الجريدة التي تنتظر منه ملخصاً عن تصريح له متعلق بالانتخابات..فيما حذفت كل التصريحات الأخرى لأنه أمر قد يؤدي إلى إحداث فتنة، مثلما أخبره مدير التحرير وقال له إن الجريدة رسمية وعليها إمساك العصا من المنتصف،فكل شيء يحسب ضدها من قبل معارضيها ومنتقديها الذين يعدونها جريدة تابعة للحكومة..وحين انتهى من إرسال الخبر، أخرج أوراقه الخاصة وبدأ بتدوين أفكاره..فهو من النوع الذي يدوّن يومياته وإن كان بشكل غير يومي فهو يمتلك العديد من مفكرات التاريخ التي حولها إلى مسودات عديدة لكتابة قادمة.
-5-
كان الوقت مرعباً بالنسبة لخضير..كأن كلاباً كثيرةً مسعورةً تركض خلفه..يشعر إنها تقصدهم جميعهم حتى آمال..وكان يحاول إدراك ما يشاهده بالإبتعاد عن مصدر الخوف..كان يقول لنفسه أن لا علاقة له لا بالكلاب ولا بالأرانب..ما يهمه جيدا البقاء كما هو..له عشيقته ,ويشرب الخمر كما كان، سواء على شاطئ الرزازة أو أحد بارات بغداد، أو في بيت صديقٍ تاجرٍ يستورد القماش من بلاد الصين والهند، ويعرف كيف يدخل الخمور المختلفة الأنواع والجيدة الى المدينة المقدسة. كان خضير قد فتح حقيبته وأخرج سيكارته..وكان يحمل معه حقيبةً صغيرةً يستخدمها في اللقاءات الصحفية، يضع فيها كاميرته الصغيرة وجهاز تسجيل ريكوردر قديم وعلبة سكائر من النوع العادي وقداحة رخيصة، كثيراً ما يضربها براحة يده ويتوسلها لتقدح ويدخن.. ربما هو وحده لا يعرف أين يذهب بعد أن انتهى اللقاء برجل الدين الكبير..فهو يعمل بمعية أحمد وسلام..وكان ينفذ ما يوصي به الإثنان..ولكنهما هذه المرة تركاه وحيداً أو بالأحرى هو الذي تركهما في المنطقة وركب سيارته وغادر دون أن يعلم لماذا..ربما كان يريد الخروج بسرعة من المكان..فهو غير ملائم له..وفي الحقيقة أنه خاف أن يراه أحد ما من التابعين او الحاضرين في منطقة الهوسات ويكون تحت أنظارٍ غير مريحة..فهو شارب الخمر ما الذي جاء به الى هنا..كان الأمر بالنسبة له كارثة حقيقية فقد لمح وخلال ما كان منتظر يتحدث خلف المنصة، رجلاً من منطقته يعرفه جيدا، حيث يعمل خياطاً..فهو خياط خارج العمل الصحفي أو أن مهنته الأصلية هي الخياطة وله محل معروف في منطقته الشعبية..المحال على الشارع العام الذي لا يبعد عن السوق الشعبية سوى أمتارٍ قليلة..كانت اليافطة المعلقة فوق باب محله قبل سقوط النظام كتب عليها( خياطة الأمل ) وكان لون اللوحة أحمر حتى إنه لقب بالرجل الشيوعي وكان يتوسل بالناس ألا ينادونه به حتى لا يصدق رجال الأمن..فكلمة الشيوعي تودي الى الإعدام.. وجعل لونها أخضر..يتذكر مرة أن مسؤولاً حزبيا في المنطقة شمّ رائحة العرق في المحل.. كان الوقت ظهيرة صيف حين دخلت عشيقته..تريد مالاً كثيراً منه مثلما تريد منه أن يضاجعها لأن النار تأكلها..يعلم إنها إمرأة من نار لا تشبع، لم يكن أحد في الشارع حين أغلق الباب من الداخل وأدار يافطة صغيرة معلقة على الواجهة الزجاجية تتدلى من حبل صغير صار على شكل مثلث،لينبه القادم إليه من أن المحلَ (مغلق). إلتفتَ نحوها،وجدها ترمي عباءتها على كومة القماش فأدخلها الى غرفة ملحقة بالمحل جدارها قطعة من خشب المعاكس كان عرضها يتسع لسرير..كانت تضع عطراً جعلته يهمي فوقها وقد بدا الإشتعال يحرقه وهو يمسح على ردفيها..قالت له اليوم أريد ( أشرب عرق ) أكيد عندك..صب قليلاً من العرق في قدحٍ معدني مضيفاً عليه كمية من الماء وأخرج حبات من العنب من ثلاجته الصغيرة ووضعها في صحنٍ معدني ..حتى إذا ما أكملت شرب أول قدحٍ لها ترنحت وراحت تخلع ملابسها ليراها لأول مرة عارية تماما..لها نهدين نافرين كأن لم يمسسهما طفل من قبل وهي التي حبلت بثلاثة أطفال، صغيرهم الآن في الثالثة من عمره..
قالت له:
– من يومين وزوجي لم ينم معي وهو أمر يعذبني..أنا أحتاج يوميا للحب وهو ملتهي مع الحزب والجيش الشعبي وجيش القدس.
ثم ضحكت بغنج وهي تضغط عليه بقوة.
– رفيق حزبي.. ما نحصل منه غير كلام الناس وعايف بيته وزوجته ,أنا امرأة لا تهدأ من الحب.
ثم ضربته وأطلقت ضحكة.
– منين طلعت أنت..صدق.. ريحة العرق خو ما تبقى.
– أنت طيّرْت العرق واللّذة بس ذكرتي إسم الرفيق..أعيدي لي توازني مرة أخرى وافتحي ساقيك.

*****
قبل أن تخرج استطلع المكان وخلو الظهيرة من المتربصين أو الهائمين..وضع في فمها بضع حبات من الهيل وطلب منها الذهاب الى الحمام مباشرة وتضع رأسها تحت صنبور الماء..لا تخرج منه حتى تشعر أن لا صداع في رأسها، وإلّا فان زوجها الرفيق الحزبي سيشم الرائحة..حينها سيذهب الإثنان في خانة اتهام الإنتماء الى أحد أحزاب المعارضة.. وكان الأقرب له الحزب الشيوعي.. لكنه وبعد أقل من ربع ساعة وهو يحاول أن يرتب السرير الذي يقبع خلف جدار خشب الفورميكا، ويلم الأوراق الصحية البيضاء التي استخدمتها ليرميها في كومة قمامة أمام المحل، لمح زوجها الحزبي قادماً نحوه..شعر بارتباكٍ كبير،كأن عاصفةً من الخوف والموت قد دهمته.. وأصيب بترويعٍ فضيعٍ..متخيلاً أنه اكتشف أمرهما وأجرى معها تحقيقاً واعترفت بما تفعله والجرم المشهود رائحة العرق التي تفوح مع حرارة الظهيرة..لكنه فوجئ به يسلم عليه ويغمز له بعينٍ واحدةٍ عن سر بقائه حتى الآن في هذه الظهيرة.
– ملعون..أكيد وراك شي..إمرأة جميلة ريانة اللحم..تاركة زوجها لتنام معك..أعرفك لا تشبع من النساء. برهة من الوقت مرت لم يصدق أن تفكير الرفيق كان صحيحاً،لكنه خائب لا يعرف إن المرأة تلك هي زوجته..وقبل أن يبادله ابتسامة ويؤيده بمرح من تخلص من كارثة سمعه يقول.
– أنتم المثقفون والحرفيون وأصحاب الغرف الخلفية في المحال لا تكفيكم امرأة واحدة..شيوعيون تشربون الخمرة حتى في الظهيرة.
– يمعود الله يخليك..نشرب عرق ما يهم.. ولكن تهمة الشيوعي أنا بعيد عنها..أرجوك الله يخلي أهل بيتك ويخليك لهم خيمة ويكفيك شرّ التايهات.
كان يدافع عن رقبته برمي كلام يعرف إنه تهكم على شخصية الرفيق الذي لا يعلم الآخر إنه مقصود بمعنى آخر..وفي الحقيقة أن الرجل لم يكن رفيقاً بدرجة عالية في الحزب..فقد كان رفيع الجسد غير مربوع..كأن خصره يأكل منه الدود..وجهه طويل وشفتاه أكلهما الدخان يرتدي ملابس رثة فيستعيض عنها بملابس الرفاق الخاكية التي تتمنطق بنطاقٍ خاكي عريض.. ويضع على جنب ساعده أقلام جافة من النوع الرخيص..فيما يترك مسدسه يتهدل من خصره فلا يتحمل ثقله، فكان يستعين برفعه بين لحظة وأخرى.. فيما يعتقد الناس إن حركته تلك المتكررة هي من أجل أن يراه العالم كيف يحمل مسدساً.. فاقد لكل شيء وليست له شهادة فوجد في فرع الحزب مكاناً للتعويض عن شخصيته القلقة..حتى أن الناس لعدم معرفتهم به وتأخر انجابه للولد، راحوا ينادونه بأبي غائب حتى حين أنجبت له زوجه التي نام معها قبل دقائق، إبنة جميلة لم يناده أحد باسمها بل ظل ( أبو غايب) الكناية الملازمة له والتي تميزه عن الآخرين..وحين غادره رفع رأسه للسماء متمنيا ألّا يراه أبدا.

***
لكنه وقبل أن يغادر باب مكتب رجل الدين الكبير مع رهط من الإعلاميين..وكان مثل طفلٍ بسيط لا يريد إقحام نفسه بأي موضوع..يتكئ على الجدران المضيئة بالمصابيح الصغيرة كنشرات ضوئية..وكان الناس يجلسون على الأرض..يحملون وجوهاً تبحث عن راحة نفسية في خضم ما يمر به العراق وتريد أن تلج أية منطقة تمنحهم الراحة النفسية على الأقل..في خضم كل هذا لمح شخصاً له ملامح ليست غريبة..المنكبان الضعيفان والوجه الذي اختفى خلف لحيةٍ كثة..لكن عينيه الغائرتين تشيان بمعرفة النظرات التي تنطلق الآن..وجد الرجل ينظر إليه بطريقة من هو خائف..لا يفضح خصره عن شيء تحت دشداشة بيضاء وقد غطى رأسه بطاقية خضراء لافاً رقبته بيشماغ أخضر..فجأة هبطت عليه صورة ذاك الرفيق الحزبي الذي اختفى منذ سقوط النظام ولم تختفِ زوجته من حضنه..فقد صارت أكثر خروجاً من السابق لكنها تخرج بلا مكياج وتغطي نصف وجهها بحجاب أسود.. وكانا يتواعدان عن طريق الهاتف المحمول، الجهاز الجديد الذي دخل العراق بعد سقوط النظام..سنوات مرت لم يره فيها وقد أخبرته أنه مختفٍ في محافظة أخرى عن أعين الذين كتب عنهم وأجبرهم على الإنخراط في الجيش الشعبي أو جيش القدس أو الذين تسبب باعتقالهم لأنهم هربوا من جبهات الحرب مع إيران أو الكويت. كان أحدهما ينظر الى الآخر بطرفٍ من عينٍ ترتجف، وربما كان ذلك الرفيق أكثر خوفاً، وكان يبدو بحركاته القلقة التي يمسح فيها أثراً على جبهته ..ولكن خضير كان خائفاً أيضا، لأن عشيقته أخبرته قبل فترة إن زوجها ربما شك بوجود علاقة مع رجل ما.. وحين سألها كيف عرف.. قالت له إنها لم تكن ترغب به رغم الإنقطاع عن معاشرتها أشهر طويلة.. حينها اتهمها بأن لديها عشيقاً تقضي معه الوقت وتمارس الجنس مثل مومس..وصارت مشاجرة كبيرة ضربته على إثرها ولم يزعل بحجة إنه لن يطلقها حتى يعرف من هو هذا العشيق.
ظلّا يتبادلان النظرات وكل يتصور إن الآخر عرف ما يجول في خاطره.. وفي الحقيقة إن الاثنين خائفان ولكل له سبب لا يمت الى سبب الآخر بصلة..لذا وجد خضير نفسه يبتعد عن المكان مسرعاً في مشيته الى الشارع العام ليركب سيارته وينطلق. وهو يلتقط أنفاساً هاربة.

… يتبع 

شاهد أيضاً

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *