قاسم مطرود: إنتاج فكر مسرحي عربي

مدخل:
الأمة التي ليس لديها منتج بكافة أنواعه هي امة ميتة، واليوم يستوقفنا هذا القول كون الكلمة الأولى التي تفتتح دراستنا هي الإنتاج، وعليه سأستوطن عندها أولا، ومن ثم يمكننا السياحة في علاقتها بالمسرح العربي أو غيره.   
 
الأصول:
 
يصف معجم المحيط كلمة الإنتاج:ولود شيء من شيء.
الإنتاج والإبداع صناعة، وما يهمني في هذا المدخل هو صناعة الفكر والإبداع المستمر، كي نقف على مستوى أعلى بدرجات من الحياة، وببساطة لو أننا أمعنا النظر في خارطة العالم، لو جدنا أصحاب القرار هم من يديروا دفة الصناعة والاقتصاد وراس المال، ويسبق هذا كله صناعة الأفكار والمناهج والنظم، التي قد تكون مجحفة في حق الشعوب أحيانا، كما هو حال قضايانا المصيرة والعراق نموذجا التي خضعت إلى أحكام من بيدهم سلطة صناعة القرار، لهذا علينا أن نكون إلى جانب الصنّاع والمتحكّمين في التّلاعب بالموازين، وعسى أن يكون محفلنا المسرحي مستوعبا لأحلامنا في صناعة فلسفة الحياة الجديدة، كما برع الأجداد في التدخل في مسار حركة التاريخ.   
 
صناعة التاريخ:
 
إن صناعة التاريخ يجب أن لا تبدأ أو تنتهي بالسياسيين، من المفترض أن ترسم خطوطه العريضة، من قبل المبدعين اللذين يخلقون عوالم جديدة، يمكن عبرها تحريك الثابت واستفزاز المسكوت عنه.. كان التاريخ ولا يزال هو تدوين السلطة وخراف العروش، والأمل الأكبر على صناعة تاريخ الأمم الجديد وامتنا في الحقل الأساس يكون عبر الأدب والفن، وبالخصوص فن المسرح، ذلك المعطى الكبير والقادر على الخطاب اللحظي بين المتلقي والمرسل. 
إنماء الخوف:
 
إن قضايانا المصيرية أو قضايا الجوع في اغلب بلداننا العربية، وقضايا غياب الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة والعمالة مع المحتل، حيث توج فعله بابتلاع ويا للأسف وطني العراق، كل هذا لم يأت من فراغ، فقد أشتغل منتجوا القرارات الدولية ومن لعب الدور معهم ممن يسمون أنفسهم بالوطنيين الجدد منذ عقود أو قرون، على إنماء الخوف، ومفهوم الانهزامية وروح الكسل والعجز داخل المواطن العربي، الذي أزاح عن تصوراته مجرد التفكير بالصعود إلى الفضاء مثلا، أو اختراع شيئا ربما يفيد البشرية، أو ما يمكّنه من تغير وجه العالم، كما فعلوا من كانت أرواحهم معبئة بالثقة والتحدي والإيمان، بوجودهم كبشر قادرين على إحداث ما يجب إحداثه. 
 
الفكر ألاحتلالي:
 
نحن بحاجة إلى إنسان يعرف المساحة التي يقف عليها، والى الشباب العربي المخترعين والمنتجين والمجددين والمبدعين. ويوم نتخلص من كوننا امة مستوردة فقط، سيكون العراق أو غيره بين يدينا دون قتال بل بقرارات دولية وربما تمنحنا هيئة الأمم المتحدة أو أية منظمة دولية أخرى،  الحق في محاكمة المحتلين ودفعهم حقوقنا التي أضاعوها لسنين طوال.    
إذا أنتجنا وكان لإنتاجنا الوقع الهام في مسار الحياة الإنسانية، والحياة اليومية سيكون لصوتنا صدى، وهناك من سيصغي إليه حتما. 
 لم يأت احتلال العراق وقبله فلسطين بالعسكر والسلاح فحسب، ففلسطين وكما يعلم الجميع تم إنتاج الفكر ألاحتلالي قبل عقود إن لم نقل قرون بوجود وطن لليهود ومدى أحقيتهم في ارض فلسطين.
إما العراق ولان الجرح حار ومازال ينزف والمسرحية لم تنته بعد فان أبطال إنتاج ذلك الفكر الموبوء موجودون والمنفذون مازالوا على خشبة المسرح، احتلال العراق كان تخطيطه منذ أكثر من 100 عام وخلال هذه السنون كانت تصدر الأفكار.    
 
الفكر الموازي:
وخلاصة ما أريد أن أقف عنده، في هذا المنعطف، هو أننا بحاجة أكثر من ماسة لإنتاج فكر، إن لم نقل موازيا، بل يفوق فكر المحتل المظلل، كي نعادله في كفة الصراع الحضاري، لأننا وببساطة أصحاب حق وعمق حضاري تراكمي لآلاف السنين، ويمكننا تحويل هذا الإرث التراكمي إلى محركات دفع لا تركات ثقيلة من مخلفات الأجداد، أي تناول الصالح منها وتطوير ما يمكن تطويره.
 
ويوم تنمو بذور الأفكار الصحيحة عند الأجيال القادمة، يقينا سيتبنونها ليصبحوا قادة التغير في المستقبل.وما يعنينا في هذا كله كمسرحيين، هو
– خلق الإدهاش والاستفزاز.
– تحريك الساكن.
– تحدي المتخاذل من الأفكار.
– محاولة إلغاء فكرة الخوف والتردد في اتخاذ القرار.
– الابتعاد عن المباشرة في تناول قضايانا المصيرية.
– الترفع عن التافه اليومي.
– خلق وإنتاج حدثا أسطوريا.
– تحويل قضايانا إلى ملاحم ، عسى أن تتغنى بها الأجيال لاستنهاض الهمم وشحذ القادم من الأيام.
المسرح وحده دون غيره من الفنون، هو القادر على إحداث المتغير وفقا للعلائق الشائكة بين العرض المسرحي والمتلقي والحيز الفاصل بينهما.  
ويوم نؤمن بان ما يرسل إلى المتلقي مرورا بالحيز المغربل الصادق من الغايات أو عدمها، حيز غرائبي، والذي اسمية بالمسافة السحرية.   
فألق العين وشعاعها وحدهما الكفيلان بالخطاب ووخز النائم واستنهاضه ودفعه للعب دوره في الألفية الثالثة.
 
الألفية الثالثة:
ويوم يقف إنساننا العربي مع أخيه الإنسان على هذه البسيطة على أعتاب الألفية الثالثة التي نعيش، نكون قد اقتربنا من التصفيات النهائية للعب مع الكبار، وربما بإحكام وعقلانية وريادة نابعة من ارث وقناعات في أحقية الوجود.  
 
الإنسان قيمة عليا:
كيف ومن أين نبدأ في صناعة وإنتاج وإبداع الفكر العربي الموازي، والمحمل بالإيمان بان الإنسان كقيمة عليا في وطننا العربي، وعلى أن تبدأ الدائرة وتنتهي به، وعليه تكون نقطة الارتكاز، وهو الغاية العليا التي تنشد إليها الحكومات، والأحزاب والأديان، والتيارات والعقائد والآداب والفنون، الإنسان هو الخالق والمخلوق، وليس محل ذكر الكثير من بلدان العالم، التي وضعت إنسانها في الاعتبار الأول، ولم يكن نصيبها إلا الفوز، والعين والعقل يبصران الدول التي ناصبت الإنسان، وكممت عقله وفمه وأودعته السجون، وكيف كان مصيرها إلى الزوال من خارطة الوجود العالمي تقريبا.
التعليم:
إذا ضاعفنا الجهود في تعليم الإنسان منذ الصغر، ولا اعني بالتعليم القراءة والكتابة، بالرغم من أهميتها القصوى، ولكن ومن الضروري الوقوف على الثوابت الإنسانية، ودفعه للشعور بأحقية وجوده في هذا الكون، باعتباره جزءا هاما فيه، وله حق الأخذ والعطاء، وما يجب أن نركز عليه هو تعزيز الثقة بأنفسنا كمواطنين.
 
المواطنة
 منذ زمن ليس بالقصير عملت الحكومات السابقة واللاحقة على انتزاع المواطنة وجعل المواطن العربي لا يشعر بأي ارتباط مع وطنه إلا إذا تابع فريق كرة القدم نحن بحاجة إلى جعل المواطنة هي الشجرة المخضرة في ذواتنا عسى أن نوصل ما يجب إيصاله إلى الأجيال، كقوة للعقول وللأجساد وللنفوس. 
وإذا بقي مواطننا العربي يعيش بذات قلقة وعزيمة مترددة وقرار خائر فستكون الخسائر جسيمة حتما.  
فتح الأفق:
نحن بحاجة إلى فتح الأفق مع الآخر، وجعل إنساننا ذا معرفة بما يحيط به، وان يكون تواصله في هذا الكون حتمي، مع من يشاركه اليابسة والماء، إن فتح أفق العقل العربي حق شرعي، كي يتمتع بفسحة من القرار، فما نفعنا بطوابير الشهادات الجامعية وقلوبهم معمية ولا تعرف الرحمة والرأفة على أخيهم الإنسان الذي يشبههم في كل شيء ويشاركهم الهواء والأمل، ما نفعنا بأناس عقولهم مغلقة ولا تتجاوز حدود عتبة باب الدار، نحتاج إلى حملة تطهير للوصول إلى إمكانية التعايش بسلام وأمان مع الآخر واخذ منه ما هو ثقافي وحضاري وإنمائي وتطوري وجلبه إلى أراضينا عسى أن يجد أرضا تحتويه.  
نحن بحاجة إلى الارتقاء بذلك الإنسان العربي، ورفعه إلى أعلى مستوى في الخطاب الإنساني كي يقتحم من خلاله المحافل الدولية، للمطالبة بمفاتيح بحقوقنا التي لا تعد ولا تحصى، وردم السجون العربية، وإشعال الشموع للدخول في مدننا وأوطاننا المحتلة، وأرواحنا المسلوبة بسلام، محاولين إضاءة الظلمة التي تحيط النفوس من كل حدب صوب. 
ووفقا لكل ما ورد فقد يأت التعليم من مقاعد التدريس في المدارس والجامعات ولكن التثقيف أو التنوير يأتي من الآداب والفنون شعرا وقصة ورواية وملاحم وسيرة وسجع ونثر وجميع الأنواع الأخرى التي لم يأت ذكرها، إذ بدون هذه الفنون والآداب يكون عالمنا غابة وسينقرض الإنسان كما انقرضت الديناصورات والمموث وسيأكل بعضنا الآخر، والمسرح في مقدمتها يحمل مسؤولية الإيقاظ والوعي الجمعي وتعميق الإحساس بالذنب لو أن ألفية الجديدة جاءت ولم يكن لنا فيها حضورا فعالا.
التنوير:
وهذا يعني بان الإنسان العامل في الحقل التنويري والتثقيف هو المطالب قبل غيره بإحداث المتغير في مسار التاريخ ومحاولة صياغته صياغة تليق بعصر الوجود الإنساني الرائد لهذا الكون وقد تكون هناك العديد من بصمات الشعوب على الخارطة الدولية إلا أننا ننتظر بزوغ بصمتنا العربية.  
وعندما يصل بنا الحال بمطالبة أنفسنا قبل غيرنا بالتحلي بما يجب أن يكون عليه الإنسان الفوقي ذلك الإنسان الذي تنشد إليه جميع الأديان وكان مدار بحث المفكرين والفلاسفة وشاغل المعنيين بصياغة الوجه الجمالي لهذا العالم. وعسى أن نصل إلى صيغة تمكننا كمسرحيين لقول قولتنا 
السلطة الثقافية:  
نبدأ بمركز السلطة الثقافية والتي بيدها مقود الحركة المسرحية إن كانت سياسية أو مستقلة، فعليها أولا الإيمان بان للمسرح دور لا يختلف عن أي لاعب مركزي في هذا الكون كالملتيميديا بكافة أنواعها بالترويج إلى السياسة والساسة والخطب الرنانة في الأماكن المقدسة، وإذا آمنت تلك المراكز بان الكلمة على خشبة المسرح ليست ككل الكلمات والصمت لا يشبه صمت الحياة وللصدى تأثيره الفعال.
ويوم نصل هذه المرافئ، علينا الشروع وبسرعة بالاهتمام بمعاهدنا وكلياتنا التي تدرّس الفن، واقف عند كلمة ( تدرّس )لأنها ملتبسة كون الفن لا يدرّس ولا يعلّم بل يؤخذ على شكل جرعات تنتظر الصدمة، وعلى هذه المعاهد والكليات أن تدفع إلى المجتمع فنانين لهم قبل الفن المسرحي رؤيا إزاء هذا العالم وقاعدة اشتغال تمكنهم من السير عليها في مسيرتهم دون عكاز. 
الحرية:
اجل الحرية ذلك المحرك العجيب والداينمو الذي يولّد الطاقات ودونها يقذف الجنين معاقا وبها تكون الأجنة الإبداعية معافاة، وفي الحقيقة إن هذه كلمة الحرية هي خدعة القرون الفائتة، وأنا اكتب هذه السطور أجد نفسي خارج منطقة الواقع لأنني أطالب بوجود الحرية وأنا اشد المؤمنين بعدم وجودها على هذه البسيطة أنها خدعة ولعبة مارسها أصحاب النفوذ كما ورد في مطلع دراستنا ولأسباب ليس محل نقاشها، ولكن يمكننا القول هناك مساحات محدودة ومحكومة وفق قانون البلد الذي تكون أحكامه دينية أو دنيوية، وإذا أبصرت وعلى المدى القريب أو المتوسط في أفق منطقتنا العربية فاني لا المح أية مساحة بوح لمبدعنا، ولكن يجب عليّ المضي بالتدوين والحلم.  
التابوهات:
يوم يكسر الكاتب قيد شخصياته ويسمح لها بالبوح وتهشيم التابوهات، فيقينا ستنمو على أوراقه بالشكل الصحيح والمبتغى، وهكذا ستتحرك على خشبة المسرح إذا المخرج عاملها كذوات كونية ووجودها حتمي وليس عابرا ومن قبله الممثل الذي عليه أن يصافح الشخصية ويتسامر معها للوصول إلى الغايات التي تربطهما أو تفارقهما في مسار الحياة، وإذا حققنا هذه المعادلة ربما يمكننا قول ما نريد قوله عبر الخشبة منصة القرون.  
وإذا كحلت السماء مداها بالفنانين والفنيين اللذين لهم رؤيا ومرمى غايته المستقبل نتحول بالبحث عن الأمكنة التي تتبرعم فيها أفكارنا وصورنا وكلماتنا المسرحية وبلداننا زاخرة بهذه الأمكنة، فأنني اسمع الكثير من الشكاوى بعدم وجود قاعات مسرحية مجهزة، اجل الحق معها ولكن إن لم تتوفر علينا إيجاد البدائل التي يمكنها استيعاب مشهديتنا المسرحية وصولا إلى العرض المسرحي ذلك الخطاب والمنتج الاحتجاجي الجديد.. ضمن تجربتنا المسرحية في العراق تم منحنا كشباب بيت قديم تنفسنا من خلاله همومنا المسرحية وصار بعد أعوام من أهم معالم الحركة المسرحية في العراق والذي ينعت بمنتدى المسرح، وما يؤسفني بأنني وجدته في زيارتي الأخيرة إلى وطني الحبيب عبارة عن ثكنة عسكرية واعتقد كانت الغاية من إلغائه هي اغتيال الذاكرة المسرحية. 
ويوم دعيت إلى سلطنة عمان قمت بزيارة إلى مدينة سمائل التي وجدت فيها فضاء صالحا لجل مسرحيّ السلطنة، لتقديم اشتغالاتهم التجريبية بالوصول إلى الخطاب الفوقي.. ولا يمكنني نسيان ثلاثية اسخيلوس الاورستية التي قدمت في كنيسة وعلى مدار خمس ساعات ودون ملل من قبل المخرج الهولندي جوهان، وفي تصوري: نجاح مثل هكذا عروض يأتي بالدرجة الأساس في اختيار المكان.  
ولو أننا بحثنا قليلا في مدننا المنسية لوجدنا عشرات إن لم نقل مئات الأمكنة التي يمكن تطويعها للمسرح، بل قد تكون أكثر طقوسية من العلبة الإيطالية أو الأشكال المألوفة وبهذا يمكننا التغلب على معضلة الإنتاج المسرحي المتعلق بالصالات .
من اجلنا جميعا: 
من اجلنا جميعا ذوات ساكنة ومتحركة ومدن محتلة ونائمة وإنساننا وإنسانيتنا المستلبة ندعو أنفسنا قبل الآخرين بالمثول أمام ألذات الواعية الفاعلة المنتجة المتقدة والمتواصلة مع العالم الذي ألغى من معجمه مفردة التوقف أو النظر إلى الخلف، من اجلنا والآخرين علينا احترام الخشبة التي نقف عليها ونعطها حقها، وعلينا إيصال رسالتنا وفق النقاط التالية حسبما اعتقد:
  – أن نقول للآخر بان لنا وجود فعلي في مسار التاريخ.
–  أن نشكل أهمية ضاغطة في الخارطة الدولية.
–  دوننا يكون العالم معاقا.
–  إننا أصحاب حق مستلب.
– امتنا امة ضاربة بالماضي وفاعلة في الحاضر ولها افقها المستقبلي.
– مسرحنا منتج للفكر وللجمال وخطابه إنساني وشمولي.
–  استعدادنا لقبول الآخر شريطة قبوله لنا مع احترام ماهيتنا.
– إننا منتجي الكتاب والقارئ والمرسل والمتلقي بأشكال تليق وصراعات العصر.
– لسنا بعيدين عن المعترك السياسي الذي يبني ويهدم العالم بقرارات.
– حركتنا هامة في دائرة الاقتصاد العالمي ولنا قولتنا وتأثيرنا في استقرار العالم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.