فؤاد قنديل : الفاتنة تستحق المخاطرة (16)

fuad kandil 9إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة السادسة عشر
(16)

بعد صلاة المغرب قمت بزيارة الحاج «حكيم».. كان في حالة صحية أفضل من أي مرة رأيته فيها.. قلت لنفسي بكثير من الرضا:
– أنا إذًا أسير على الطريق الصحيح الذي انتويته.
رحبت بي «جزيرة».. أول مرة أراها تبتسم في وجهي.. أشرقت عيناها الخضراوان الجميلتان وتبين لي أن لها «نغزة» في كل خد وأسنانًا بيضاء مرصوصة كحبات الذرة.. جذبني بشدة «طابع الحسن» في ذقنها المستدير.. جلست وأنا أحاول أن أتجنب النظر إليها احترامًا للرجل.
قال لي الحاج «حكيم» في عبارة متماسكة ونبرة هادئة وراضية:
– أهلاً يا بني.
– أتيت عندكم خصيصا من أجل كلمة.. «أهلا يا بني».
قال الحاج «حكيم»:
– أهلا يا بني.
ضحكت ثم لزمت الصمت لحظات.. قلت وأنا أحاول ترتيب أفكاري:
– عاتبت نفسي لأني ما كان يجب أن أدق باب الماضي فقد يزعجكم، وهذا ما حدث للأسف.
أسرع الحاج «حكيم» يقول:
– لا. بالعكس.. الدموع التي ذرفناها نفعتنا.. أفرغت من قلوبنا الغم المكمكم.. أحسست بالليل أني أريد أن أتكلم ولا أريد أن أنام..
تدخلت «جزيرة» قائلة:
– تصور يا «يوسف» أنه طلب بالليل أن يأكل، مع أنه لم يطلب طعامًا منذ سنوات، دائمًا يرفض..
قال الحاج:
– كنت دائمًا أشعر أنني أتنفس بصعوبة.. صدري ثقيل وكأن به جوال قطن.
– وأمس؟
– أحسست أني أتنفس أفضل من ذي قبل.
– الحمد لله.
– هل سبق لك أن حمدت الله؟
– دائمًا أحمده حتى لو كانت هناك مصيبة.
قاطعتنا «جزيرة» وسألت:
– هل تأكل بشكل جيد مع الفرنساوية؟
– الحمد لله.
ضحكا معًا، فضحكت معهما.. غابت لحظات ثم عادت ومعها «هنومة» الخادمة تحمل صينية من النحاس وعليها فطير مشلتت وعسل أبيض وجبن غامق البياض وبلح أمهات يطفو فوق السمن.
قالت:
– سوف تتناول العشاء قريبًا معنا، لكن هذا هو الموجود الآن.
– شيء جميل.. أنا أحببت الفطير والعسل في المرة الوحيدة التي أكلته فيها منذ عشر سنوات.
قال الحاج:
– هيا باسم الله.
– بسم الله الرحمن الرحيم.kh fuad kandil 7
بدأت أقطع من الفطير أول قطعة ولاحظت «جزيرة» أنني ربما أضيق بالحالة وأحتاج لغسل يدي مع كل قطعة من الفطير أقطعها، لذلك أمسكت بسكين مشحوذة وقسمت الفطيرة الكبيرة المستديرة طولاً وعرضًا إلى قطع صغيرة.. كل قطعة آخذها بأصبعي وأغمسها في العسل الأبيض وأسكنها فمي.. أتذوق ذلك الطعم الحلو الدسم.. يتحسس لساني طبقة القشدة النائمة بين طبقات الفطيرة.. وجه الفطيرة البني المحمر المقرمش جذاب، والعسل يتسلل إلى حلقي كحبيبات سائلة لها ثقل خفيف وجذاب.. قالت «جزيرة»:
– لا تنسَ هذا الطبق فهو «جُمّار» طالع من قلب النخلة المحمي بالسعف.. نادر من يعرفه من سكان المدن.
هززت رأسي مؤيدا كلامها ..لا أريد أن أشبع.. المذاق لذيذ.. ذقت التمر بالسمن. أكلته من قبل مع جدي.. لاحظت أن الحاج لا يأكل. كانت عيناه تنظران إليّ مثلما كان جدي ينظر.. نظراتهما مغمورة بالحنان والوداعة.. بريق ملائكي يشع منهما.. أسفت لموقفي الأناني. قلت مندهشًا:
– أنت لم تأكل يا حاج!
قالت «جزيرة»:
– الأطباء منعوه تمامًا من رؤية هذه الصينية أو الاقتراب منها مهما جرى.
فكرت أن أتوقف عن تناول الفطير احتراما لوضعه الطبي، لكن الفطير لا يُترك، كما أن الأطباء منعوه ولم يمنعوني.. أكلت كثيرًا بشكل زائد ويتجاوز الأدب.. كما أنني كنت أنتهز الفرصة للتحديق في وجه «جزيرة» الذي بدا كأنها جلست في شمس الصيف لساعات.. شفتاها الدسمتان المتوهجتان وخداها المتوردان وبريق غريب تشعه عيناها.. كانت تسترق النظر إلى وجهي. ثمة بهجة تلون ملامحها.. تمنيت أن يكون ذلك بسبب حضوري لا بسبب الفطير.
أخيرًا توقفت بعد أن كدت أختنق وبطني امتلأ حتى تصورت أنه صعد إلى رئتي.. ألحت في الاستمرار:
– كل أكبر كمية ممكنة.. أنا واثقة أن محمد علي باشا سيصدر أوامره بإلغاء الفطير ويقصره على عائلته فقط.
– شكرًا جزيلاً.. عامر يا حاج.
– بالهناء والشفاء.. هات يا «هنومة» الإبريق.
أسرعت بالحضور «هنومة» كأنها كانت واقفة وراء الباب تنتظر النداء وهي تحمل إبريقًا نحاسيًّا طويل الرقبة كبير البطن رقيق المنقار وصينية نحاسية على شكل قبعة مقلوبة بطنها كبير.. أخذت منها «جزيرة» صابونة ومدتها إليّ وصبت «هنومة» القليل من الماء.. توقفت فدلكت يدي طويلاً حتى غطى الصابون يدي، أشارت «جزيرة» إلى أن أدلك يدي بالصابون مرة أخرى فدلكت وملأت فمي بالصابون ثم سلمت لـ«هنومة» الصابونة وصبت الماء من «البزبوز» الرفيع لكن الماء كان باردًا وصافيًا فغسلت حتى اختفت تمامًا آثار الدهن.. مدت لي «جزيرة» يدها بـ«الفوطة» فجففت يدي وفمي، ومضت مع «هنومة» لتغسل بالداخل.
جاءت السيدة «كاملة» أم «مدثر» لتسلم عليّ وترحب.. شكرتها وتمنيت طول العمر وتمام الصحة لها وللحاج والسعادة لكل أولادهما.
سألتها:
– أين «بركة»؟ أود أن أتحدث إليه.. أسمع عنه كلامًا طيبًا.
– لم يعد بعد من الخارج، إنه يذهب إلى الشيخ «يونس» إمام الجامع.. هل تحب أن أبعث إليه من يناديه؟
– سوف أبقى مع الحاج نصف ساعة ثم أنهض.. أحب النوم مبكرًا.
– شرفتنا يا بني.
– شكرًا يا حاجة.
– أظن الشاي الآن مناسبًا.
سكتُّ لحظة واستحييت أن أوافق بسرعة.. ثم قلت:
– لا أريد تعبك.
– تعبك راحة.. أنت في غلاوة «مدثر».
استدارت وهي تقول للحاج:
– شاي يابو «مدثر»؟
– تشربي من زمزم.
– أجمعين إن شاء الله.
رجعت «جزيرة» وسألني الحاج:
– عندك كلام عن «مدثر» الله يرحمه؟
كنت شبه مستعد للكلام:
– عندي.. «مدثر» أصبح صديقي وليس مجرد جندي تحت إمرتي.. وكنت أحاول معه كي يفطر في أثناء رمضان لأن المعارك كانت أحيانًا لا تترك فرصة لشرب الماء أو مسح العرق.. رفض «مدثر» وشاركني في كل المعارك التي دخلناها في ريف وجزر اليونان.
قاطعتني «جزيرة» وسألتني:
– لكن مصر ما لها واليونان؟!
اندفع الحاج «حكيم»:
– صحيح يا «يوسف» يا بني.. ما لنا وما لخلق الله.
– سؤال مهم يا حاج.. اليونان دولة أوروبية نصفها جزر، وهي ولاية مثل مصر تابعة للدولة العثمانية أي الأتراك.. من عشر سنين هب الشعب اليوناني وثار على الحكم العثماني. رفض أن يكون تابعًا له.. الشعب خرج وحمل السلاح.. الدولة العثمانية أسرعت بجيوشها تحاول إنهاء الثورة فتصدى لها الشعب اليوناني الثائر لكنه انهزم، لولا أن سيدة يونانية ثرية اسمها «بوبولينا». تفيض بالوطنية والشجاعة مثل «جزيرة» فأقسمت أن تقدم للثوار كل ما تملك وأن تمدهم بالسفن والمؤن وأن تحارب معهم.. تحمس الجميع وتمكن اليونانيون من العودة للحرب وهزيمة الأتراك وأعلنوا أن اليونان دولة مستقلة.
قالت «جزيرة»:
– كثير من الرجال لا يقتنعون بأن المرأة يمكن أن تعمل عمل الرجل، مثل المشاركة في الحروب والخروج مع الثوار أو تحمل مسئولية الحكم.
سعدت بالفكرة، فقلت على الفور:
– المرأة أحيانًا تكون أكثر ثورية من الرجل، وهي بالطبع أشجع وأكثر قدرة على التحمل، لكنها لا تجد الفرصة كي تكشف عن مهاراتها.
قال الحاج «حكيم»:
– وماذا فعل اليونان؟
– هاجمهم الأتراك مجددًا فانهزموا.. طلب محمود باشا، سلطان تركيا، من محمد علي الذي يحكم مصر، وهي دولة قوية، أن تساعده في ضرب اليونان.. قام محمد علي بإرسال جيشه واستطاع إنهاء الثورة في جزيرة كريت وقبرص.. تحمس إبراهيم بن محمد علي للاستمرار في الحرب وقرر زيادة عدد الجنود، وكنا نحن ضمن المرحلة الكبرى خلال سنتي 1826 و1827، وما إن وصلنا حتى هجمنا على عدة مدن فدمرناها بالكامل، ومنها مدينة كلاماتا، المشهورة بالزيتون، فسويناها بالأرض، ومررنا بمدن كانت محاطة بالقلاع والخنادق فحاصرناها ومنعنا عنها المؤن شهورًا حتى سقطت جميعها، إلا مدينة اسمها ماني.. كانت محصنة جدًّا وقتل رجالها الأشداء قائد الآلاي الذي نحارب تحت قيادته وفوجئت بالكولونيل «سيف» يأمرني بأن أكون خليفته، حاولنا ثلاث مرات الدخول إلى المدينة فلم نفلح.
سألني الحاج:
– ماذا كان عمل «مدثر»؟
– كان عمله في البداية حمل أوامري إلى كل القواد الصغار مع المشاركة في تنظيف مواسير المدافع وحشوها، حتى أمسكته متلبسًا باستخدام بندقيته في اصطياد اليونانيين، وكان يجيد التصويب، وعرضت عليه الصعود على الحبال إلى سقوف القلاع العالية وفتح الطريق إلى القلاع التي كانت شديدة التحصين.. وفي أحيان أخرى نتعرض لهجوم شديد فأضطر للانسحاب مؤقتًا لأحافظ على جنودي، لكن «مدثر» كان كثيرًا ما يرفض ويطلي وجهه باللون الأخضر المرقط ويختبئ وراء الأغصان ويتحرك بخفة لاصطياد الجنود الذين يحاولون مهاجمتنا بالليل، ثم بعد ذلك خشيت عليه من هذا التجول الحر فطلبت منه التدرب على الضرب بالمدفعية، وأصبح من أفضل الطوبجية.
سألني الحاج «حكيم»:
– كيف انتهت الحرب؟
– في منتصف سنة 1827 قررت روسيا وإنجلترا وفرنسا التدخل لمّا رأت الغلبة للجيش المصري التابع طبعًا للأتراك لإذ رأت هذه الدول أن هزيمة اليونانيين سوف تشجع الأتراك على التهام دول أخرى وتصبح خطرًا على أوروبا كلها، فأرسلوا أساطيلهم لتهديد الأسطول التركي والمصري وطلبوا وقف الحرب وإلا تقدمت أساطيلهم وحطمت السفن المعتدية على شعب اليونان.
قالت «جزيرة»:
– أسمع أن الدول الثلاث من الدول القوية، وإن كانت مصر هزمت إنجلترا في رشيد سنة ميلادي.
ضحكت وقلت:
– لو لم تولدي ما استطعنا هزيمتهم.
– هكذا.. لن أمررها هذه السخرية.
– المرة القادمة لكِ.
– البادي أظلم.
– متأسف يا سيدتي.
– لا.. لا تتأسف حتى يظل حقي قائمًا.
قال الحاج الذي بدأ يتوتر وكأنه يستعد للختام:
– ماذا فعل محمد علي في مواجهة التهديد؟
– القرار قرار السلطان وليس محمد علي.
– نعم السلطان..
– رد بكل قوة وأعلن رفضه للتهديد، وأمر بتجميع الأسطول المصري والعثماني في ميناء يوناني اسمه نافارين على البحر المتوسط تأهبًا لملاقاة الأساطيل الأوروبية، وسرعان ما دارت المعارك الشرسة وأبدى الجنود المصريون بسالة نادرة، فقد كان كل الجنود، وبخاصة «مدثر»، يحبون الكولونيل «سيف» والقائد العام إبراهيم باشا.. لم يكونوا يحاربون من أجل أحد، وهم لا يدافعون عن الأراضي المصرية، وكانوا بعيدين عنها بعدة آلاف من الكيلومترات، لكنهم، كما قلت، يحبون الجيش والقادة.
سألتنى الجميلة:
– لماذا يحبون الجيش؟
تدخل أبوها وقال في شبه حدة:
– هل هذا وقته يا ابنتي؟
– أرد عليها في كلمتين يا حاج.. يحبون الجيش لأنهم يحبون القادة ولأنهم يحبون المزايا التي يحصلون عليها من الجيش ولا يحصل عليها غيرهم.. هناك الطعام الجيد والملابس الحسنة والمرتبات والعلاج ووظائف بعد ذلك لمن يريد.
اندفع الحاج قائلا:
– وهناك الموت يا ولدي.
تنهدت ولذت بالصمت لحظات ثم قلت:
– عندك حق يا حاج، وإن كان من يندمج في المعركة ينسى الموت.. ولا ننكر أن مزايا الدنيا تنسي الشخص خطر الموت، خصوصًا أنه مجهول.. قد تتوجه الرصاصة إلى قلب شخص ولا يموت وقد يقع من يتوضأ في شبر ماء فيختنق ويتوفى.. الإنسان عادة لا يفكر في الموت لأنه قدر وأجل كتبه الله ولا مفر منه.
قال حكيم:
– لم تجبني.. كيف انتهت الحرب؟
– تجمعت في خليج نافارين اليوناني مائة وخمسون سفينة، وبلغ عدد الجنود خمسة وعشرين ألفًا وعدد المدافع أربعة آلاف.. كان لمصر أربعون سفينة والأتراك خمسون ولحقتنا السفن الجزائرية وكانت سبعًا.. أي أن سفننا كانت ضعف سفن الأوروبيين. يبدو أن القادة اغتروا بعدد سفننا فأمروا بأن نمطر الأساطيل الأوروبية بالمدفعية ولا نتوقف حتى نقضي عليها.. انطلقت على الفور مدافعنا حتى أغرقنا عشر سفن وعطلنا مائتي مدفع وقتلنا ألف جندي خلال اليوم الأول.. لحقت بنا السفن الجزائرية قليلة العدد ورأت الأساطيل الغربية التركيز عليها والانتهاء منها مبكرًا.
تواصلت المعارك في اليوم التالي وأمكننا تحطيم تسع سفن وحطمت لنا الأساطيل عشرين سفينة ونحن نواصل الضرب دون راحة حتى بدأت تدريجيًّا ذخيرتنا في النقصان مع حلول المساء.. كان القائد العام قد طلب من القاهرة سرعة وصول الإمدادات سواء لتموين الأفراد أو تموين السلاح وقِطَع الغيار والطلقات والدانات.. المدافع تنصهر من كثرة اللهب واستمرار الضرب.. لم تعد قوتنا كما كانت.. لقد اضطررنا انتظارًا لوصول المؤن أن نتباطأ في الرد.. بدأت الدائرة تدور علينا وتحطم أكثر الأسطول العثماني قبل أن نتوقف، ومات من جنودنا ما يقارب الألفين، وظل «مدثر» يطلق مدفعه بصورة متوالية دون راحة، وبدا كأنه أصبح آلة لا يستطيع أحد إيقافها.. ظل يضرب مركِزًا على أسطول روسيا فأغرقه بالكامل سفينة بعد سفينة إلى أن تداعى جسده وسقط وحده دون أن يصاب برصاصة.
كان الجوع والعرق والتوتر مع الجهد الخرافي الذي لم يبذله شخص آخر من أسباب سقوطه.. أشعر الآن وأنا أتحدث بالإرهاق.. كنت أتذكر المشهد كاملاً وأنا أمر بين الجنود وأحمسهم، ولم أكن أعرف أن «مدثر» لم يأكل ولم يشرب طوال اليوم.. كان منذ ثلاثة أيام قد نام ساعتين فقط وأكل نصف وجبة مرتين فقط.. كان يشرب الشاي كثير السكر ، وكان يشعر بالغيظ والألم النفسي لأن هناك أشياء كثيرة كانت غير منضبطة وأسئلة لا تجد إجابات..
حروب كثيرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وها نحن الآن ندفع جنودنا الشباب الأبرياء ليحاربوا في الشام كي يضمها محمد علي لأملاكه، ومن قبل الشام حاربنا في الأراضي الحجازية عشر سنوات، وبعدها السودان، ثم اليونان، على أمل أن يضم كل ذلك لأملاكه، ومن قبل ذلك حارب الشباب مع محمد علي ضد المماليك في ربوع مصر، ثم ذبح الجميع وأغلق كتابهم وبدأ يولي وجهه للبلاد المجاورة إرضاء للسلطان وطمعًا في تكوين إمبراطورية تحمل اسمه واسم أولاده.
طلبت كوبًا من الماء.. أحضرت «جزيرة» القُلة التي كانت تقف كأنثى جميلة ورشيقة فوق السور أو كأنها امرأة في حي شعبي تطل من المشربية.. كان الماء باردًا.. لقد شربت القُلة كلها ببطء وتلذذ.. أكاد ألحس الماء لحسًا وأستمتع به قطرة قطرة، ثم استأذنت للانصراف فوقفت «جزيرة» وقالت:
– ما زال الوقت مبكرًا.
– لا.. لقد أزعجتكم.. سلام عليكم.
قال الحاج «حكيم»:
– شكرًا يا ولدي.. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
خرجت فجأة الحاجة «كاملة» ومدت يدها بكيس من القماش، قائلة وفي عينيها مودة عميقة لا تصدر إلا من أم حنون:
– قليل من «الفايش» للفطور.
نظرت إليها بامتنان صادق.. شكرتها ومضيت.
استدرت وغادرت.. بعدما اجتزت البوابة بخطوتين توقفت ورجعتهما وقلت للحاج:
– يجب أن نسمي أحد الشوارع في الأقصر باسم الشهيد البطل مدثر حكيم أبو الحجاج.. خذوا رأي الناس العقلاء والكبار إذا كانت هناك مشكلة أو كان اعتراض.. أخي الحبيب من حقه أن يجد من يقدره ويترك قصة بطولته وبسالته للأجيال.
قال الحاج «حكيم» بنبرة راضية وواثقة وبصوت قوي نسبيًّا:
– ليس مهمًا أن يكون اسمه على الشارع.. المهم أنه لم يمت جبانًا.. هذه هي المسألة التي كنت أنتظر أن توضحها.

شاهد أيضاً

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *