زيد الحلّي : كان بطلاً عراقياً وسيبقى؛ بإسم (التناص) يريدون سلب كلكامش منا

zaid alhilli 6مؤخراً ، حظيتُ بزيارة كريمة من كاتب وناقد ادبي حصيف ، وما اسعدني في تلك الزيارة ، تفضله بإهدائه لي اصداراته الأخيرة موشحة بضوع كلمات الودّ . عشرة اصدارات ، تنوعت في مضامينها ، بينها آراء في النقد الأدبي والثقافي ، وأخرى في المجتمع وأثار الحرب عليه، الى جانب دراسات في ملحمة كلكامش وكيف تم تسليمها الى اليهود، ودراسات في ثلاثية الارواح الضائعة للروائي العراقي محمود سعيد ، والشاعر يحيى السماوي وفن البساطة الُمربكة ، والروائي جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة ، ودراسة تحليلية بعنوان ( الناي يبكي امه القصبة ) عن ديوان المبدع جوزف حرب ” زرتك قصب … فلًيت ناي”، ودراسة أسلوبية في الشعر العامي للمبدع مظفر النواب حملت عنوان ( الثورة النوابية)، ودراسات في الأدب القصصي للؤي حمزة بعنوان ( إغماض العينين المميت )، ودراسات في الأدب الروائي للروائية هيفاء بيطار ، ومراجعة وتحليل دور المفكر الثائر د. علي الوردي في الثقافة العراقية والعربية ، وناطق خلوصي وأدب الشدائد الفاجعة ، و عرّاب اللاشعور الماكر عن عبد الخالق الركابي وغيرها ..
حرف شريف
كل تلك المؤلفات جمعها حرف شريف ، لكنها شكلت عندي مشكلة في اختيار الكتاب الأول للقراءة .. كلها جديرة بالقراءة ، غير ان الوقت والمنطق يحتمان أن أبدأ بأحدها. هي الآن أمامي في ركن مؤلفات د. حسين سرمك حسن، وضعتها الى جانب كتبه السابقة التي بلغ عددها في مكتبتي 47 كتابا في مختلف بنود الحياة وتفرعاتها ، فالصديق سرمك ، طبيب نفساني ، ناقد ، كاتب شعر ورواية ، وباحث في الشأن المجتمعي ..
ولأني أعرف ان كتاباته تنتمي الى إرهاصات الوطن وعوالمه ومعاناته ، والى المواطن وسيرورته وأحاسيسه .. وهي ضرب من التفكير الذي يدركه المرء من القراءة الأولى لأيٍّ من مؤلفاته .. رؤاه الوطنية ، ينطلق من عقل يعكس النور من المحيط الاجتماعي ، وينثره مفسرا الواقع تفسيرا حيّا .. ودون فسحة من مجاملة مني ، ربما يفسرها البعض كوني محب لصديقي د. سرمك ، اقول عندما اقرأ له موضوعا أو بحثاً ، اشتاق الى قراءته من جديد .. ففي كل كتاباته ، يقول لنا إن الحياة حين تفتقر الى الصدق تصبح أقل جدارة بأن تُعاش ..hussein 7
لكني أقول لصديقي الكاتب ، بعد ان اخترتُ كتابه ( ليلة تسليم كلكامش الى اليهود ) ليكون مفتتح قراءتي لكتبه المهداة ، إنك اتعبتني جدا ، وآلمتني جدا. قرأته مرّتين ، واعتقدتُ انني سبرت أغوار ما أردتَ توصيله الى قارئك. ثم تبيّن لي اني لم أصل الى شاطئ دراستك في هذه الموضوعة التي حملت مضامين دينية ، فلسفية ، تاريخية في نسق موضوعي ، تعلوه أنفاسك الوطنية ، وغيرتك على تراث ومجد أمتنا الموغلة في قِدم الحضارات ، لاسيما جذور عراقيتك ، التي أفرحتني ، وأبكتني في آن واحد، حيث جاء فاضحاً مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي .. مُفنداً ادعاءات نظرية التناص في هذا الجانب ، مع القناعة بأن ( التناص ) حديث نسبياً بالنسبة للنقد العربي، رغم أنه ليس غريباً عنه، فالكثير من النقاد العرب القدامى أمثال ابن قدامه وابن قتيبة والآمدي أشاروا إليه باسم التلاص، وتوسّع العرب فيه وفي مصطلحاته فألحقوا به كُلّاً من التأثر والاستيحاء والاستحضار والتوارد، وكل ما يربط فكرة ما أو صورة ما بنص آخر..
عشرات المصادر ، ومئات من الكتب الموثقة ، دخل دهاليزها د. سرمك بعقل واع ، وذهنية حريصة على الارث العميق للامة ، مُفندا بصدق الباحث الحصيف ، ادعاءات اليهود في اغتصاب التاريخ ، وهو بهذا الصدد يقول: (قد يكون كتابنا هذا هو الرد الجاد الواسع والشامل الاول على اطروحات هذه الظاهرة ، وضعناه بعناء وسهر وملاحقة تفصيلية لأدق الأفكار والفرضيات المطروحة ، وغوص تحليلي في عمق المرتكزات التي تقوم عليها هذه الظاهرة ، متوخين بساطة الأسلوب وبُعده عن المصطلحات المعقّدة ، واللغة المتعالية لتحقيق أفضل فهم لدى اوسع قاعدة من القراء ، ومنطلقين من الإيمان بحقيقة ان التردّد او التأخر في مواجهة هذه الظاهرة ، سيجعلها تستشري وتستفحل وتسوق بفعل تيارها المغري باحثين أخرين من الشباب العرب خصوصا ، لنصحوا يوما ، ونجد ان كلكامش العظيم قد تم تسليمه لليهود وفكرهم التوراتي الكهنوتي).
في المقدّمة يبيّن المؤلف الحافز الذي دفعه إلى وضع هذا الكتاب بالقول :
(تصاعدت في الثقافة العربية منذ أكثر من عقدين – وبوتائرَ سريعةٍ وخطىً واسعة – ظاهرة كشف ومراجعة ما يُسمّى – وفق المصطلح الحداثي – بـ “التناص” بين التوراة من جانب ، والتراث الأسطوري للشرق الأدنى القديم من جانب آخر ، وتحديداً أساطير مصر والعراق وسورية القديمة بما عُرف عن امتلاك هذه البلدان من تراثٍ أسطوريّ هائل هو بمثابة الكنوز المعرفيّة التي لا تٌقدّر بثمن ، ومن ريادات مؤصّلة ومشهودة في مجال الفكر الميثولوجي ، خصوصاً في ما يتعلق بالجانب الديني).
ذكاء باحث
وبذكاء الباحث ، افتتح د. سرمك كتابه بعبارة للعلّامة العراقي الآثاري الراحل “طه باقر” الذي قدم مجهودات رائدة في ترميم الذاكرة العراقية ، وأوّل من قدّم كلكامش العظيم ليكون أنموذجاً للشخصية العراقية المبدعة في الفكر والبناء ، يؤكد فيها : (ملحمة كلكامش ، التي يصح أن نسمّيها أوديسة العراق القديم يضعها الباحثون ومؤرخو الأدب المحدثون بين شوامخ الأدب العالمي . ولعلني لا أبالغ اذا قلت انه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين ، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة . إن ملحمة كلكامش أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ جميع الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم ، وليس هنالك ما يُقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني (جاءت بعد ملحمة كلكامش بثمانية قرون).kh hussein gilgamish
التناص المشبوه
يؤكد الباحث د. سرمك ، ان تأسيس حركة “التناص” بين الفكر التوراتي الذي يستند إليه هذا الكيان ، وفكر المنطقة – الشرق الأوسط تحديدا بدوله العربية الأساسية الثلاث : العراق ومصر وسورية التي تمتلك أعظم كنوز هذه المنطقة الأسطورية ، وببعدها الديني المميّز ، ودورها في بناء شخصيّة الأمّة الحضارية – يهيّء الأرضية الثقافية ، ثم الإستعداد العقلي والنفسي لاستقبال وجود هذه الدولة االيهوديّة بفكرها التوراتي … لذلك يحذر من اتساع هذا الفعل بعد ان اتسعت دائرته ، واشتدت خطورته ، لأنّ الباحثين – بحسن نوايا الباحث العلمي ، أو بالتخطيط المقصود والغايات المسبقة لبعض دور النشر – قد استسهلوه ، وصاروا يعمّمونه على كل شيء ، حتى صرنا نقرأ الكتب عن “التناص” بين كلكامش العظيم بطل الملحمة العراقية الشهيرة ، التي هي أول نص ملحمي مكتوب في تاريخ البشرية ، وبين يوسف التوراتي !! أو بين الإله البابلي مردوخ خالق الأكوان حسب أسطورة الخليقة المعروفة ويوسف التوراتي أيضاً!
وهو يرى إن هذه الحالة صارت أكثر خطورة على الثقافة العربية عموماً والعراقية خصوصاً ، وإن من الواجب على الباحثين العرب استنفار إمكانياتهم للتصدي لها، لأنها ستصبح واحدة من المعاونات على توفير المناخ النفسي والعقلي لتقبّل أطروحة “الدولة اليهودية”… فالبعض يحاول القفز على الحقيقة التاريخية التي تقول ان فترة كتابة ملحمة كلكامش بدأت قبل الميلاد ب2000 سنة وهذا يعني أنها سبقت التوراة… فأين مكان التناص في هذه الحقيقة ؟
لا جديد في القول ، ان من أبرز الأسباب التي أكسبت الملحمة شهرة واسعة قديماً وحديثاً كون موضوعها إنسانياً محضاً ، وهي تتعامل مع أشياء من عالمنا الدنيوي مثل الإنسان والطبيعة، الحب والمغامرة ، الصداقة والحرب، وقد أمكن مزجها جميعاً ببراعة متناهية لتكون خلفية لموضوع الملحمة الرئيس ألا وهو (حقيقة الموت المطلقة).
إن الكفاح الشديد لبطل الملحمة من أجل تغيير مصيره الإنساني المحتوم عن طريق معرفة سر الخلود من رجل الطوفان ينتهي بالفشل في نهاية الأمر.. ولكن مع ذلك الفشل يأتي شعور هادئ بالاستسلام، ولأول مرة في تاريخ العالم تجد تجربة عميقة على مثل هذا المستوى البطولي تعبيراً بأسلوب رفيع″.
إن مدى الملحمة ومجالها وقوتها الشعرية العارمة جعلتها تنال إعجاب الناس في كل العصور القديمة والحديثة.. ففي العصور القديمة انتشر أثر هذه الملحمة الشعرية إلى لغات ومراكز حضارية عديدة واليوم تستحوذ على الشعر وعشاقه على حدٍ سواء. ولكونها بهذا العمق ، فإن اليهود بطرائقهم المعروفة ، سعوا ولا زالوا يسعون الى جرف هذه الملحمة الكبرى الى شاطئهم الهش. وبجهد مشكور ، ينبري الكاتب والناقد د. حسين سرمك ، الى الوقوف أمام المساعي التي تهدف الى سلب الملحمة من منبعها ، والاستحواذ على سمات بطلها الشخصية التاريخية ، المتمثلة بالملك السومري كلكامش، سادس ملوك سلالة الوركاء الأولى الذي حكم في حدود 2650 ق.م . لقد كان ملكاً عظيماً وبطلاً شجاعاً، وصاحب خصال ومنجزات فذة مما حمل الشعراء القدامى على تخليد ذكراه في هذه الملحمة الفريدة. وعلى الرغم من أن ملحمة كلكامش نتاج بابلي صرف بلغتها وخيالها ومضامينها؛ إلا أنها بكل تأكيد ترجع إلى أصول سومرية قديمة كانت المنبع الذي استقى منه المؤلفون البابليون مادتهم. كما أن الاختصاصيين يجمعون على حقيقة كلكامش كملك عاش في بلاد ما بين النهرين قبل ثلاثة آلاف عام من الميلاد..
نظرية المؤامرة
من جانب آخر يقول د. سرمك : (انني مؤمن – بحدود طبعاً – بـ “نظرية المؤامرة – conspiracy theory” التي تُطبّق على أرض الواقع كلّ يوم ، ونلمس نتائجها المؤذية ضد هذه الأمّة في كل لحظة وعلى المستويات كافّة ، خصوصاً الثقافية منها ، التي تمسّ عقل الأمة وشخصيتها ، فإنني أعتقد أن اتساع هذه الظاهرة ، وبهذه الدرجة من التصاعد ، سوف يتأجّج مع إصرار الكيان الصهيوني على إعلان دولته في “إسرائيل” اللقيطة كدولة ذات هويّة دينية يهودية…لهذا أعتقد أنّه قد آن الأوان لأن يتصدّى الباحثون العراقيون والعرب – وبصورة علمية وموضوعية محكمة – للردّ على هذه الظاهرة المؤذية التي صار باحثون معروفون يسقطون في شباكها ، بفعل الإنسياق مع عدواها النفسية وصخبها الفكري أولاً ، والسعي النرجسي لتحقيق “الإكتشافات” الجديدة في إطارها ثانياً ، والإنبهار – ثالثاً- بطروحات الحداثة ومصطلحاتها مثل التناص والإزاحة والقلب والزحف والمهيمنات وارتحال المفاهيم ، والإخصاء والسلطة القضيبية البطرياركية والسلطة المترياركية وتراجيديا الألوهة الشابة القتيلة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات التي صارت توظّف في غير مواضعها حتى وصل بنا الحال أن نقرأ أن النبي يعقوب التوراتي “متناص” مع البطل الأسطوري العراقي العظيم “أنكيدو” . ولا ننسى – رابعاً – دور بعض دور النشر في تشجيع هذا الإتجاه من خلال تيسير سبل النشر والمكافآت المغرية للكتب التي تؤلّف في هذا الإطار).
تاريخ عمره 4000 عام
ومن المفيد ان نذكر هنا ان ملحمة كلكامش دُونت قبل 4000عام تقريباً ، أي 2000 سنة قبل الميلاد وكُتِبَت باللغة الأكدية البابلية وتحكي موضوع أساسي هو حتمية الموت على البشر ، وكلكامش شخصية حقيقية – أسطورية ثلثاهُ مِن (الآلهة الخالدة) والثلث الآخر بشري كان في مدينة الوركاء الأولى مِن عصر السلالات (2800-22600ق .م) وهو خامس ملوك سلالة الوركاء الأولى ، ودام حكمه 126 عام وبعد وفاته حوّلته القصص الشعبية والتقليدية إلى بطل أسطوري مِن خلال ملحمة كلكامش وتحكي القصة بحث كلكامش عن الخلود من خلال صراع مع انكيدو الذي صار فيما بعد صديقهُ ، وتتألف الملحمة من 12 لوح طيني ، وقد عُثر على ألواح لهذه الملحمة ولكن بلغات أخرى وجاءت قصة الطوفان البابلية معها بصور عديدة وضمت أسماء أبطالها = أبطال ملحمة الطوفان] ضمن اللوح البابلي والملحمة كاملة مثل “نوح” البابلي واسمه (أُتو – نبشتم) وباللغة السومرية كان اسمه (زيو- سدرا) وفي لوح بابلي آخر دُعي بـ (خيسثروس) وفي رواية بابلية أخرى باسم (أترا – حاسس).
ان هذه الملحمة مثَل نابض على خلود العمل الفني وتجاوز مفهوم المكان والزمان، بعد آلاف السنين الفاصلة، نقرأها كأنها كُتبت لنا خاتمة الأمس، نمشي مع بطلها في تجواله فكأنه منا.. وكأنّ أحدنا يمشي وظله وجزءاً من نفسه.. فكلكامش الإنسان المطلق في لب المسألة، بؤرة المأساة، يسأل ما لا يُسأل، يرفض المستحيل، ينطح القدر، يتحدى الآلهة، يبغي الثمار الحرام، يرفض حد التناهي، يرنو إلى اللامتناهي، ويبقى بطلها ملكاً عظيماً وبطلاً شجاعاً، وصاحب خصال ومنجزات فذة مما حمل الشعراء القدامى على تخليد ذكراه في هذه الملحمة الفريدة. وعلى الرغم من أن ملحمة كلكامش نتاج بابلي صرف بلغتها وخيالها ومضامينها؛ إلا أنها – كما قلتُ قبل قليل – وبكل تأكيد ترجع إلى أصول سومرية قديمة كانت المنبع الذي استقى منه المؤلفون البابليون مادتهم. كما أن الاختصاصيين يجمعون على حقيقة كلكامش كملك عاش في بلاد ما بين النهرين قبل آلاف الاعوام من الميلاد .. برغم كل مدعي ( التناص).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالكريم ابراهيم : سينما علاء الدين وتسريحة أميتاب باتشان .

تشكل دور السينما فيما مضى محطات استقطاب وجذب لمختلف شرائح المجتمع العراقي، ولعل الأفلام الهندية …

| عصام الياسري : السياسة والحروب تطرق مضاجع الثقافة من ابوابها الواسعة.

في عام 2008 ، نشرت “ريبيكا سولنيت” مجموعة مقالات، “الرجال يشرحون الاشياء لي” وصفت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *