عدنان حسين أحمد: لغة تحريضية، وسخرية سوداء

لم تنبثق شعرّية جواد الحطّاب من فراغ لأنها نابعة أصلاً من موهبة فذّة يمكن تلمّسها في أي نص من نصوصه الشعرية، سواء القديمة منها التي نشرها في دواوينه الأولى (سلاماً أيها الفقراء)، (يوم لإيواء الوقت) و (شتاء عاطل)، أو الحديثة منها التي إحتفى بها ديوانه الصاعق (إكليل موسيقى على جثة بيانو) الذي أثار ردود فعل نقدية واسعة أشرّت على الكون الشعري الذي وقف، في الأقل، بموازاة الفجيعة التي مرّت بالعراق منذ الاحتلال الأسود حتى اللحظة التي غابت فيها (أطوار بهجتنا) كلها.
هذه المجموعة الشعرية تبدو مقتصدة جداً ومتقشفة في مفرداتها وقاموسها اللغوي، ولكنها غنية ومُكتنزة في دلالاتها ورموزها ومضامينها الشعرية الجارحة التي تتجاوز الحدث وتتسيّد عليه. حرص الشاعر جواد الحطاب، في الجزء الأول من الديوان الذي يضم ست عشرة قصيدة، على أن تكون قصيدة (المتنبّي) هي النص الاستهلالي الذي يفضي الى الكارثة السلطوية، التي كانت ولا تزال، تتناسل، مُؤرِّقة إيّانا، منذ ظهور ثنائية الحاكم والمحكوم بمفهومها الاستبدادي في بلاد الرافدين وحتى يومنا هذا. لقد إختار الشاعر بذكاء شديد حقبة العصر العباسي الثاني لما كانت تتميّز به من ضعف وهوان بحيث أن الخدم باتوا يتدخلون في أمور السلطة وصناعة القرار.
قد تبدو هذه القصيدة غريبة شكلاً ومضموناً، ولو تتبعنا طريقتها السردية الرتيبة، لوجدنا أن بناءها المعماري مقصود، إذ تعمّد الشاعر أن يضع المتلقي في دوّامة من الأسماء النمطية المتشابهة المحصورة بين المتوكل بالله والمستعصم بالله. ثلاثة وعشرون إسماً يشبه وقعها على الرؤوس وقع المطارق الحديدية المدمرة التي لا تسعفنا منها إلا هذه السخرية السوداء والصيغة الاستفهامية المُرّة.

(تُضحكني هذي الاسماء
أربٌّ هذا، أم شمّاعة اخطاء؟!!)

لقد وضعنا الشاعر جواد الحطّاب في قلب الحدث من دون تأخير، وهذه التقنية الفنية تستعمل غالباً في القصة القصيرة المشذّبة التي تعتمد التكثيف أسلوباً وبنية، ولا تعوّل على الإسهاب أو الزوائد والترهلات الوصفية التي تُثقل كاهل النص، خصوصاً إذا كان هذا النص يعالج ثيمة كونية تتحرّش بأحد أركان الثالوث المقدّس، كالسياسة، أو رأسها الأجوف على الأصح، هذا الرأس الذي يمتلك القدرة الشاملة، خصوصاً في عالمنا الثالث، على التلاعب بمقدّرات الناس ومصائرهم. في هذا النص الشعري المتفرّد يلعب الهامش دوراً مُماثلاً لما يلعبه المتن في القصيدة. وقد عزّز الشاعر متن قصيدته بأحدى عشرة إحالة مهمة لا يمكن من دونها تأويل النص بطريقة علمية ممنهجة. مِن هنا فإن الاضاءات التي يقدّمها الهامش، بعد الجهد الدؤوب الذي قدّمه الشاعر في غربلة المعلومة وصياغتها بهذا الشكل الدال والمعبِّر في آنٍ معاً، تكاد تكون موازية لشعرية النص برمته، وما ينطوي عليه من صور شعرية مبتكرة تنطبع في ذاكرة القارئ ومخيلته ولا تغادره بسهولة.
يمهِّد الشاعر لمتلّقيه أو قارئه في كيفية العودة الى الماضي البعيد لأنه يستهدف تقويض هذه السلسلة الطويلة من الأسماء الفارغة التي فرضت هيمنتها على أذهان الناس وترسخّت في ذاكرتهم الجمعية عنوة، وربما ساهم فعل الطاعة القسرية التي فرضها الدين على عامة الناس بحجة (وأطيعوا أولي الأمر منكم) بترسيخ هذه الأسماء التي كان يجب أن تُكنس لأن وجودها (الطارئ) وإن طال، يشكّل عداءً سافراً على الذائقة البصَرية التي ينبغي أن تبقى سليمة وغير مشوّهة. لقد هيأ الشاعر لقارئه (نافذة مفتوحة على الذكرى) التي تسترجع الأحداث وتستعيدها بمرارة هذه الـ (لو)، أداة الشرط الامتناعية، التي تكررت سبع مرات وكان يمكن لها أن تتكرر أكثر من ذلك، فهي تفيد إمتناع الجواب لامتناع الشرط، وإمتناعات الأجوبة كثيرة في العراق والعالم العربي الذي بات يُعرف، تلميحاً وتصريحاً، بحاضنة الاستبداد. لنتأمل هذه الأبيات بعين تاريخية منصفة علّنا نفهم السبب الحقيقي الكامن وراء إمتناع الأجوبة.

(لو كان ابن أبي طالب قد مدّ يديه الى العباس
لو أن الكوفة لم تتخاذل عن ابن عقيل
لو أن سليمان تجاهل أمر أبي هاشم
لو أن أبا مسلم؛ لم يتشيّع لابراهيم
لو صدق السفاح ..
لو تمّت بيعة بن عبد الله محمد
ولو أن المنصور.)

تشير المعلومة التاريخية الى أن علياً (رض) لم يبايع العبّاس عم النبي لأنه كان مشغولاً بجسد الرسول الطاهر المسجّى أمامه. ولو فعل لكان للتاريخ كلام آخر! لكنه لم يفعل. ثم تتكرر هذه المتوالية الشرطية التي تكشف طويّة الناس أيضاً كما حدث لأهل الكوفة الذين بايعوا مسلم بن عقيل بن أبي طالب. وحينما جاء غدروا به وسلّموه الى جند عبيد الله بن زياد ليلقى حتفه على أيديهم. إذاً، فأهل الكوفة تخاذلوا وخذلوه، ولو لم يفعلوا ذلك لكان للتاريخ كلام آخر! وتتواصل المتوالية الشرطية على هذا المنوال لنصل البيت السابع الذي يقول: (لو أن المنصور. . .) ثم نكمل المتن من الهامش الذي أشرنا الى أهميته قبل قليل فسوف تصبح الجملة الناقصة كالآتي: ( لو أن المنصور لم يسكن في بغداد لكانَ للتاريخ كلام آخر!) لكنه أقام في بغداد فأخذ التاريخ هذا المنحى الذي نعرفه. كنا قد أشرنا الى تقنية السخرية المرّة أو السوداء التي يعتمدها الشاعر جواد الحطّاب في أغلب نصوص هذه المجموعة الشعرية التي تلامس وجدان الإنسان في كل مكان من هذا العالم، ولولاها لما توصّل الحطّاب الى هذه الحلول والأجوبة المقنعة، أعني الأجوبة التي جاءت بصيغة شعرية، وليست أي كلام عابر ممكن أن يُقال في أية مناسبة. هنا يخاطب المتنبّي، (مالئ الدنيا وشاغل الناس) الذي كان يضع نفسه في منزلة الممدوح، ويقول له على الرغم من تكرار هذه الجُمَل الشرطية سبع مرات متسائلاً مستفسراً باحثاً عن إجابة يقينية:
(. . . هل كنت ستنشد من أجل إمارة؟!)
هذا سؤال لن نعرف إجابته بسهولة، لكن الحطّاب يقرّبنا من الإجابة المتوقعة بعد أن يردف هذا السؤال بجملة يقينية لا مجال فيها للكذب والرياء والتدليس لأن: (الشعر. . / في زمن القوّاد، دعارة.)

اللغة التحريضيّة

لا تقتصر اللغة التحريضية على هذا النص تحديداً، وإنما تمتد الى معظم قصائد هذا الديوان. غير أن التحريض هنا سيأخذ منحىً آخر ربما لم نألفه في النصوص الشعرية الحديثة، سواء التي كتبها أقرانه ومجايلوه في العراق أو في العالم العربي. لقد إختار الحطّاب أنموذجاً شعرياً فذاً وخالداً في الشعر العربي وهو (المتنبّي) الذي قال صراحة:
(وما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود)
إختار هذا الأنموذج المثير للجدل لكي يكون محوراً لقصيدته ومادة أساسية لنصّه الكوني الذي فلتَ من أسار المحلية وأخذ شكلاً عالمياَ يستجيب لحزمة من الأسئلة الفلسفية التي تؤرِّق الكائن البشري في كل مكان. لا شك في أن قصة إغتيال المتنبّي على يد فاتك الأزدي معروفة، ولكن الشحنة الدرامية التي ضخّها الحطّاب في هذا النص هي التي ساهمت في تصعيد حدث الإغتيال وتجسيده بهذه الطريقة الفنية اللافتة للانتباه، وقد لا أغالي إذا قلت إنه وظّف العدسة السينمائية في رصد هذا الحدث الجلل الذي رأيناه هذه المرة مجسّماً مثل خطاب بصري مذهل على شاشة كبيرة بيضاء على الرغم من فجائعية المشهد الأخير الذي إنتهى إليه المتنبّي في (دير العاقول) سواء على يد فاتك الأزدي أو على أيدي (جميع الفُتّاك الذين كمنوا فيه)، ولك أيها القارئ الكريم أن تتخيل شكل فاتك الأزدي وقد كمن فيه كل فُتّاك العالم! هذه ليست صورة عابرة، بل يمكن تسميتها بعصارة الكلام المستقطر الذي يحتاج الى وقت طويل لصياغته بهذه الطريقة المجازية الواخزة. ولكي يبرّر الحطّاب لقارئه بعض مفارقات النص الشعري فقد أوردها على لسان الصاحب بن عبّاد، أبرز خصوم المتنبي الذي قال:

(كان المتنبّي
مذيعاً في (t.v) الحمدانيين
. . وتهكّم
. . مختصٌّ ببيانات الحرب على بيزنطة)

ولكي يوغل الحطّاب في مفارقاته يرى بواسطة أعين الآخرين، وبالطريقة التتابعية السينمائية، المتنبي (بائعَ همبرغر أو عارض أزياء أو نادلاً في مطبخ فندق يستعرض أكلات اليوم!) وكلنا يعرف أن المتنبي كان ينظر الى كل المخلوقات كشَعرةٍ في مفرقه! لكنه غدا في هذا النص التحريضي مجرد بائع همبرغر لا غير. يعيدنا الحطّاب مرة أخرى الى الهاجس التاريخي، والى الثنائية المقيتة التي تعكس في جوهرها آلية القمع التي يتعرّض لها المواطن العربي لأن:

(الناجي من سيف أميّة
لن ينجو من جبّ بني العباس.)

وكأننا في بغداد ودمشق لا نملك غير السيف كآلة قهرٍ، والجُبّ كوسيلة تعذيب. يتساءل الحطّاب عن الفرق بين سيف الدولة وكافور حينما يقول: (وهل سيف الدولة / إلاّ . . كافور بوجه آخر؟)
وإذا كان كافور مخصيّاً كما تشير الروايات، وأنه الوجه الآخر لسيف الدولة كما يقترح الحطّاب، لكان بإمكان المتنبي أن يصرخ بباب الدولة:

(يا سيف الدولة
حاميتَ “ثغور” الأمة
وأضعتَ “فروج” الناس؟!!)

وأظن أن الدلالة واضحة للقارئ العراقي في الأقل عن هذا الذي حامى (ثغور الأمة وبواباتها)، لكنه أضاعَ فروج الناس! الأمر الذي يكشف عن تخبّط سيف الدولة الجديد، وقِصَر نظره، لأنه، على ما يبدو، لا يرى أبعدَ من أرنبة أنفه! ثمة إشارات واضحة وغير خفية الى الشعراء ووعّاظ السلاطين الذين كانوا يستجدون رضى (سيف الدولة) حتى وإن كان هذا السيف مثلوما!
تتكرر اللازمة التساؤلية التي تستفهم من المتنبي لتضئ جوانب أُخَرْ في متن النص متعدد الأوجه والقراءات فنسمعها هذه المرة:

(هل فاتكَ؛ فاتك
أم ..
نحن جميعا كنّا فيه؟؟)

ثمة إدانة صارخة للذات الجمعية التي وافقت أن تدبّر في ليل مكيدة إغتيال المتنبي، هذا الأنموذج الفذّ القادر على تعرية سيف الدولة أمام السواد الأعظم من الناس وكأن الحطّاب، هذا الرائي الحصيف يذكّرنا بأننا نمارس جلْدَ الذات بشكل جماعي في سويعات المحنة لذلك إنتقل فعل القتل من الضمير الفردي لفاتك الى الضمير الجماعي لكل الفُتّاك الذين كمنوا فيه. لماذا قتلناه إذاً، وهو الناطق الرسمي بإسم الأمة ولسانها الفصيح؟ يأتيك الجواب الذي أعدّه الحطّاب صافياً ويقينياً من غير شوائب أو شكوك.

(لكنك؛ كنتَ المتنبي
فقتلناكَ
– فقط-
كي نُعطي رأسكَ؛ تذكاراً
للسيّاح؛ من النحّات.)

مثل صانع أمهر سردَ لنا الحطّاب ثنائية الحاكم والمحكوم وما إنطوت عليه من قهرٍ وقمعٍ وعذاب ليحِّل لنا في نهاية المطاف لغزها الذي لم نكن نعرفه أو نسمعه به من قبل. وأنا أقر بأن هذا الحل الفريد والناجع هو ماركة مسجّلة بإسم جواد الحطّاب، وبراءة إختراعه منسوبة إليه من دون بقية الشعراء العراقيين الذين رابطوا ضمن خارطة الوطن، أو الذين هربوا من جحيمه الى المنافي البعيدة. وإليكم هذا الإختراع الذي كان مُتاحاً لنا جميعاً، لكن شعريتنا لم تكن مؤهلةً لرصدهِ وإلتقاطهِ وترويضه بالطريقة الفنية البارعة التي تنطوي على هذا القدر من الجدة والابتكار والتحريض الذي ينطلق من الذات الفردية الى الذات الجماعية المُستباحة.

(لو كنتُ مكانَ المتنبي
لوضعتُ الامراءَ جميعاً في الحمّام
وسحبتُ “السيفون”
ط ..
و ..
ي ..
لا.)

تقنية النص القرآني

ينتقل جواد الحطّاب في قصيدته الثانية “إبراهيم آخر” الى فضاء آخر يتكئ على تقنية النص القرآني لكي ينتج قصيدة تقدّم خطابها الفكري العميق. وكلنا يعلم بأنه ليس هناك (نص مغلق) حتى وإن كان هذا النص دينياً. ولا وجود لنظرية (النص النقي) ألبتة. فكل نص لابد أن يحمل أطيافاً وشذراتٍ من نصوص سابقة. لقد أفادَ الحطّاب من قصة النبي إبراهيم الذي أراه الله ملكوت السماء والأرض ليُثبت لقومه العارفين بالنجوم والعابدين لها بطلان عقيدتهم (فلما جنَّ عليهّ الليل رأى كوكبا ً قال هذا ربي فلما أفلَ قال إني لا أحبُ الآفلين). ثم تتكرر الرؤية البَصَرية للقمر والشمس، ولكنه يأبى أن يشرك لأنه توصل بواسطة النور الايماني المنبعث من قلبه الى إلهه الذي لا يأفل ولا يغيب. لنتأمل هذه الصورة الشعرية التي تراسلت مع نص سابق حيث يقول الشاعر:
 (لما جنَّ علينا القصف
رأينا طائرةً. .
قلنا؛ هو ذا الرب
فلما ضربتْنا
قُلنا؛ نحن بُراء ْ
حاشا أنْ يُنزل فينا الربُّ
كتاب قنابله.)

ثم تتكرر الرؤية الشعرية فيرى الشاعر بأم عينه (نُصباً فوق سنامِ الغيم)، و (تمثالاً مذعوراً لكنه يحمل معنى أمريكا)، لكنه لم يقتنع بهذه الأرباب جميعاً لأنه ببساطة شديدة كان يبحث مثل (إبراهيم) رفيقه في ملجأ الحرب (عن ربٍّ يندسُّ بوردة وينامُ كطفل.)

البنية الرثائية

حينما يتناهى إسم (مقبرة الغرباء) الى سمع أي مثقف عراقي يشعر بأن هذه المقبرة مخصصة للأدباء والمفكرين العراقيين المنفيين أو المُقتلَعين من جذورهم، وكأنها إشارة صريحة الى هروبهم من قمع السلطات العراقية على مر العصور. ويبدو أن ثنائية القامع والمقموع أو الجلاد والضحية قد أصبحت في العراق مثل توأم سيامي لا ينفصل. من هنا فإن هذه المقبرة ستثير شجون القارئ العراقي على وجه التحديد لأنها تُذكِّره بعدد غير قليل من الأدباء والمثقفين العراقيين الذين دفنوا هناك مثل الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين وهادي العلوي وحيدر سعدي يوسف وآخرين لا يسع المجال لذكرهم، كما أنها تحيل الى آلية القمع المنظّم التي تمارسها مختلف الأنظمة العراقية المستبدة التي تتوالى على سُدة الحكم. فلا غرابة أن يُبنى هذا النص بناءً درامياً مؤلماً يذكِّرنا دائماً بفجيعتنا الأبدية ما لم نلتزم بالحل السحري الذي إقترحه علينا الشاعر المبدع جواد الحطّاب في خاتمة قصيدته الجريئة (المتنبّي) التي يجب أن تجد طريقها الى المناهج الدراسية في العراق الى أن يستقيم عود السلطة ولا يظل أعوجاً مثل ذيل الكلب.
لا شك في أن الحطّاب يمحض الجواهري حُباً من نوع خاص، شأنه شأن بقية الأدباء والمثقفين العراقيين، وكان يتمنى أن يؤبّن هذا الشاعر الكبير تأبيناً يليق بمنزلته الشعرية والثقافية التي هيمنت على مدى قرن من الزمان، لا أن يُدفنَ في مقبرة للغرباء وكأنه إنسان طارئ وفَدَ مصادفة الى دمشق ولاقى أجله المحتوم. لذلك يستطيع قارئ هذا النص الرثائي العميق أن يتلمّس الطريقة الاحتفائية الجميلة التي قام بها الحطّاب حينما قال:

(لم أربِّ من قبلُ حَماماً
لا أشعلَ؛ لا أبيضَ؛ لا أصفرَ؛ لا رمادي
من أجلك – أنت فقط – ذهبتُ لسوق الغزْل
وأشتريتُ مائة طير زاجل
“بعدد سنواتك يا نسر لبد”
وأطلقتُها؛ باتجاه مقبرة الغرباء.)

كان الجواهري متشبثاً بالحياة، أو هكذا يُخيّل لنا، فقد عاش طويلاً، وكان شاهد عين على كل ما مرَّ بالعراق من إحَنٍ ومحن. لذلك فقد إعتقد الشاعر، ونحن نوآرزه في هذا الاعتقاد، بأن الجواهري قد وضع حياته في قارورة ونسيها فوق الرّف، لكن لا منجاة لأحد من هذا القَدّر الموحش الذي نتفاداه ونحاول أن نغضّ الطرف عنه. ويبدو أن إسم الجواهري قد إقترن بالرافدين الخالدين اللذين أحبهما وتعلّق بهما الى درجة الولَه فلا غرابة أن تحفر أنفاسه على مرآة الموت الأول دجلة والفرات.

(ذاتَ موتٍ أول. .
وضعوا المرآة أمام شفتيك
فحفرت أنفاسك بزجاجها: دجلة. . والفرات.)

يتعزّز تعلّق الراحل بدجلة والفرات من خلال القصائد والمطوّلات التي كتبها خصيصاً لهذين الرافدين الأزليين اللذين يقترنان بحضارات العراق المتعاقبة، لذلك جاءت إقتباسات الحطّاب في محلها لكي تقدّم صورة معمّقة للعراق من وجهة نظر الراثيوالمرثي في آن معا.

(كدجلة. . غامض .. طبع الفرات؛ وضوحه سرف
ومثلهما إِبا. . تخشى المرور بمائه الجيف)

يتوق الحطّاب، مثلما نتوق جميعاً، نحن المثقفين العراقيين، بأن يشيّع الجواهري تشيّيعاً يليق بالأفذاذ من الأبطال، لا أن يضعه المشيّعون مثل عود خيار ذابل في سلّة بمقبرة الغرباء، وأكثر من ذلك. . .

(من دون كتائب خيّالة
دون نشي. . . . . . . جٍ وطني
نجهشُ بعده بالتصفيق. . . .)

يستحق الموت المهيب للجواهري ولكل الرموز الثقافية الكبيرة في هذا الوطن / المنفى على مرّ التاريخ أن ترافقه (كتائب خيّاله، ونشيد وطني) أو نشيج وطني، كما يقترح الحطّاب، فليس كثيراً على مثل هذه الشخصية الكبيرة والمبجّلة أن ينخرط الوطن في نشيج طويل بحجم القامة الشعرية التي أسسها الراحل في ذاكرة الناس عراقيين وعرباً في الأقل.
إن هذا التلاعب الفني الموفّق بالألفاظ قد أمدّ النص ببعد درامي أصيل، إضافة الى مساهمته في كسر وتهشيم هندسة التوقع لدى المتلقي الذي أصبح مُهيّئاً لولوج لعبة الاضداد اللغوية التي تعمّق النص وتزيد من حدّته ورهافته الفنية.
ولأن الراحل كان ممنوعا من العودة الى الوطن حتى وإن كان على شكل جثة مسجّاة فلا غرابة أن يظل خبر نعيه الفوري مجهولاً حتى في مسقط رأسه، لكن الأسطورة أو المخيّلة الفنتازية ستفعل فعلها في هذا النص على يد (الصانع الأمهر) جواد الحطّاب حيث يقول:

(لم يسمع؛ أحد؛ في النجف النعيّ
لكنّ حَمامَ عليّ
لم يهبط؛ تلك الليلة؛ فوق قباب أبي الحسنين)

ولك أيها القارئ الكريم أن تتخيل شكل (قباب أبي الحسنين) من دون يَمام! الجواهري كان يدرك تماماً أنه سوف يموت بعيداً عن وطنه مثل أودسيّوس، ملك إيثاكا، ولهذا فقد كتب الحطاب على لسان الشاعر الراحل من بين ما كتب:

(بعيداً عن دُجى وطني أنا والشمسُ نرتجفُ
فهل موتي أودسيّوسوإيثاكا هي النجفُ؟)

جدران الخوف

تختلف قصيدة (رجال ما) عن مجمل قصائد هذا الديوان تقريباً لأن ثيمتها الرئيسة ترصد ظاهرة الخوف التي زرعتها أجهزة النظام السابق القمعية في نفوس الناس، ولكي يتخلّص هؤلاء المقموعين من قمعهم فعليهم أن (يقوِّضوا جدران الخوف التي شيّدها النظام السابق.) كم ترددتْ هذه العبارة قبل سقوط النظام السابق بسنين قليلات، وكأنها الحل السحري الذي يعيد للانسان العراقي كرامته المهدورة؟ قصيدة جواد الحطّاب هذه تضرب في الصميم من حيث تشخيصها لهذه الظاهرة التي فتكت بنفوس العراقيين وأرواحهم وأذهانهم على حد سواء. نماذج الخوف الواقعية كثيرة، غير أن هذه القصيدة تغنينا عن كل ما في الواقع العراقي من أمثلة مروّعة للخوف في أعتى أشكاله.

(مِن خمسين سنة
وأنا أركضُ مثل طريدة
والأرضُ
كمائن؛ تسترها الأغصان.)

المعروف أن الطريدة تعيش في ذعر دائم وأن الخطر المُحْدِق بها قد يدهمها في أية لحظة. وقد فاقمَ الشاعرُ هذا الذعر الى الدرجة التي جعل فيها من الأرض التي يركض عليها بوصفه الطريدة أو الضحية الخائفة (كمائن تسترها الأغصان)، أي لقد تحولت الأرض في معظمها الى (فخاخ منصوبة أو مصائد مغفلين مموهة بالأغصان!). يستوطن هذا الفزع الرهيب روح الشاعر الذي سيحفر في ذاكرته خندقاً، ومع ذلك فإنه سيظل قلقاً، مذعوراً، حذراً الى الدرجة التي (يتزنّر) فيها
بقنابل منزوعات الصاعق! كي يكون في ذروة إستعداده لمواجهة الصيّادين.
أحد عشر كوكباً
يحيل هذا العنوان الشعري الجميل الى أحد عشر نصاً شعرياً قصيراً أكثر من إحالته الى الآية القرآنية المُقتبسة من سورة (يوسف) التي جاء فيها:(إذ قالَ يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين.) وعلى الرغم من صحة القراءة النقدية لعنوان هذه القصائد القصار سواء أكان مقتبساً أم تناصصياً، إلا أننا نفضل أن نتعامل مع العنوان كإقتباس لا غير لكي نحرر القصائد من إتكائها على آراء أو أفكار مسبقة، خصوصاً وأن القارئ يستطيع أن يتلمس النَفَسَين الذاتي والموضوعي في هذه القصائد المركزة التي تعتمد على النهاية التنويرية الوامضة التي تضئ النص برمته. سنتوقف عند بعض هذه القصائد التي ستحيطنا حتماً بالمناخ العام الذي يبتغي الشاعر خلقه. ففي قصيدة (ماذا؟) يعتمد الشاعر على بنية التضاد لتثوير المعنى الراسخ في أعماقه.

(جِئنا نغسلُ أنفسنا بالنسيان
فأصيبَ النسيانُ بداءِ الذكرى.)

ولا شك في أن القارئ الكريم يُدرِك أهمية اللعبة الفنية التي إعتمدها الشاعر مع مفردتي النسيان والذكرى وما تنطويان عليه من تضادد واضح يكشف البنية العميقة لهذا النص المكثّف. وعلى الرغم من هيمنة النَفَس الموضوعي أو الجمعي في هذا النص الشعري، إلا أن بعض النصوص الأخرى يتسيّد فيها الهاجس الفردي الذي يتمثل بأنا الشاعر كما في قصيدة (حصار) التي يقول فيها:

(مختنقٌ. .
مختنقٌ . .
مختنقٌ . .
عشرُ رئات لا تكفيني.)

هذا النص المُكثّف يجب ألا يٌقرأ بمعزل عن النصوص الأخرى التي كُتبت أصلاً ضمن المناخ المُقاوِم الذي هيأه الشاعر لنفسه حتى وإن أخذت هذه المقاومة شكل (الشدِّ على القبضةِ في الجيب) كما في أحد المقاطع المتسامية من قصيدة (الهَمَرات) التي يقول فيها:

(حينَ تمرُّ الهَمَراتُ أمامي
أشدُّ على قبضتي في جيبي
وأحسدُ الديناميت.)

في قصيدة (زيف) التي تعتمد على مقاربة ذكيّة بين نوعين من الصرّافين الذين يفحصون زيف النقود وزيف الوقت. وإذا كان النوع الأول من الصرّافين يفحصون النقود المزيّفة بمطارق صغيرة من حديد فإن النوع الثاني هم صرّافو الوقت الذين يُفترَض بهم أن يفحصوا أيامنا المزّيفة. ولكن السؤال الشعري هنا قد إنضوى تحت صيغة إستفهامية مفادها (بأية آلة، يا صرّاف الوقت، ستفحص أيامنا المزيفة؟) آخذين بنظر الاعتبار أنه ما من شعب على وجه البسيطة يشعر بوطأة زيف الأيام كالشعب العراقي.

(يفحص الصرّافون قطع النقود
بمطارق صغيرة
فبماذا
ستفحصُ يا صرّاف الوقت
أيامنا المزيّفة؟)

قبل أن نصل الى (النداء الأخير) في متوالية الأحد عشر كوكباً يجب أن نذكِّر القارئ الكريم بأن هاجس الزمن يشغل بال الشاعر ويؤرِّقه كثيراً. فثمة (كهل يجلس في أسفل أيامه ويُرتِّقُ ثوب العمر). كما أن الشاعر يطرح سؤالاً منطقياً مفاده (ما الذي نفعله بالقنابل الفائضة عن حاجة قتلنا؟). يتساءل جواد الحطّاب في ندائه الأخير قائلاً:

(النجدة
ال . . نج . . د . . ة
مَنْ يُنقذني الليلةَ
من بلطةِ طفلٍ مجنون
يتمرّدُ في أعماقي الآن؟)

وإذا كان الطفل الساكنُ في أعماق الشاعر يتمرّد الآن، فيا ترى ما الذي يجب أن يفعله هذا الكائن الضوئي حينما يقول:

(السُرفات ليس في الشوارع
السُرفات على قلبي)

هل سيكتفي بشدّ القبضة في الجيب، أم . . .؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *