الرئيسية » ملفات » حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (26)

حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (26)

hussein-aljobori-2إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.
المبحث الرابع : غياب الشخصيّة
تُعدّ الشخصيّة الروائية من العناصر المتممة للفضاء الروائي إذ ” لا يمكن الكلام عن أحداث تجري في الواقع الحقيقي أو المتخيّل دون التطرق إلى الشخصيات التي تقوم بها، كما لا يمكن أن نتحدث عن أشخاص إلا مرتبطين بأحداث معينة أو صفات معينة، غير أن أهمية كل من الطرفين متغيرة بتأثير عوامل ثقافية ومعرفية واجتماعية معقدة “(1 )، أي أن الحدث المتخيل في النص الروائي يُرسل بقصديّة، لمعرفة مدى تواؤم الشخصيّة معه ونفورها منه حتى تُكتشف آليات المعالجة التي يطمح إليها الخطاب الروائي واقعاً؛ لأن الأدب لا يحمل غاية إمتاعية فحسب بل يسعى إلى إيجاد المعالجة الحياتية عن طريق آليات جمالية تنبعث عن النص الأدبي ولا سيما الروائي لما يحمله من مقاربات حياتية/ معاشية، فضلاً عن سعة الرواية في تنامي الأحداث وتطورها عبر الزمن؛ لأنها ” تسرد أحداثاً تسعى لأن تمثل الحقيقة، وتعكس مواقف الإنسان، وتجسد ما في العالم أو تجسد شيئاً مما فيه على الأقل “( 2).
إذ هي لا تنهض على شيء خارق للطبيعة كما الملحمة حتى تغدو شخصياتها/ أبطالاً خارقين للطبيعة، بل تنهض من الواقع، لتلتفت إلى المقاربات بين الفضاء المتخيل والفضاء الواقعي عبر عكس حياة إنسانية تضج بالحركة وتتيح للمؤلف أن يلتمس فيها معالجة الكون بطريقته الخاصة(3 )، لذا يتحتم على المبدع/ الكاتب أن يجسد رؤيته في شخصياته التي يزرعها في نصه الروائي حتى تكشف مدى التفاعل بين عناصر الفضاء الروائي، ومن هنا تأخذ الشخصيّة الروائية خصوصيتها لأنها تعد ” العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى بما فيها الأحداثيات الزمنية والمكانية الضرورية لنمو الخطاب الروائي واطراده”(4 ) ؛ maysalon-12لأنها مدار المعاني الإنسانية ومحور الأفكار والآراء العامة، لذا أصبحت في الرواية الجديدة تحمل رمزيتها المعبرة عن تشتت الإنسان المعاصر عبر صراع الأفكار التي يحملها، وتناحرها مع آليات التطور الحضاري(5 )، الناتجة عن التحول الذي ” أحدثته الثورة الصناعية في حياة الإنسان، وأن العمل لم يتوقف على القوة العضلية، بل على العمل الذهني “( 6). والرواية الجديدة هي التي تقوم بتسجيل أدق التفاصيل لحياة الإنسان، مكانه، وحركاته، وأشيائه بما فيها من لفت الانتباه إلى الحياة الخاصة التي يحياها القارئ( 7)، ولا سيما أن الشخصيات الروائية ” مزيج من الابتكار والحقيقة “(8 )، تقتنص من الواقع بوصفها شريحة معينة أي تتقنع بزيِّ ” أشخاص من لحم ودم، تحركهم حادثة اجتماعية معينة، فيحبون، ويبغضون، ويشقون، ويسعدون، وتنتابهم مختلف المشاعر الإنسانية فينساقون بالفعل والحديث مثلما ينساق إنسانهم الحي في ظروف الحياة المماثلة تماماً “(9 )، امتثالاً لتماهي الحدود الموضوعية عندما تنطرح الشخصيّة الروائية ضمنها على أنها شريحة سلوكية تؤطر حالة معينة( 10)، فضلاً عن كون الشخصيات الروائية هي ما تأتي انعكاساً عن علاقة الروائي بشخصياته المتخيّلة التي لها أصول حقيقية أنتجتها ظروف العصر(11 )، ومن هنا تقف الشخصيّة بوصفها مقابلاً للرواية، فهي القلب النابض لها، إذ بها تستمد الأحداث حركتها لتعطيها طابع الفاعلية والانكماش حسب السلوك التي تتمتع به وسياق الفضاء الروائي الذي زُجّت فيه( 12)، ولا سيما أن صنع الشخصيّة يعدُّ ” العلامة المميزة لنشوء الرواية وتطورها، وكأن مقياس الإبداع الروائي خلقُ الشخصياتِ القادرة على إقناع القارئ وإمتاعه، والتأثير فيه “(13 )، فهي عامل تكويني وبنائي مهم في بنية الرواية ” لكونها تقع في صميم الوجود الروائي ذاته … إذ لا رواية بدون شخصيّة تقود الأحداث وتُنظم الأفعال وتُعطي القصة بُعدها الحكائي “(14 )، حتى تصبح _بعد ذلك_ عاملاً توضيحياً لتفاعل العناصر فيما بينها ” فمستويات الأحداث تتوزع تبعاً لعلاقات الشخصيات فيما بينها، ولما تفعله كل شخصيّة في زمنها السردي الذي يتناسب مع دور الشخصيّة ومدة بقائها في السرد، أما المكان فإن علاقة الشخصيات به هي ما تجعله ذا مواصفات، لأنه لا يتصور مكان بلا كائن “(15 )، ومن هنا يصبح غياب الشخصيّة هو مشكل موضوعاتي/ فكري، يستغله الكاتب حتى يضفي طابع الدهشة والتساؤل، عبر أفق الانتظار الذي تستغرقه الشخصيّة في غيابها، ولا سيما إذا ما كان الغياب يشتغل على آلية بيولوجية يتم عبرها الحضور الطاغي للشخصية الأنثوية وتهميش/ تغييب الشخصيّة الذكورية.
لا شك في أن لهذه الآلية قصديتها في الذاكرة الإبداعية لدى ميسلون هادي حتى تعطي للخطاب الروائي/ الأنثوي آليته في حمل الرسالة التي تسعى إلى تجسيدها بطرق شتّى، ولكي نتمكن من معرفة غياب الشخصيّة في الرواية يتحتم علينا بيانه عبر الآليات التي استخدمتها والتي تبرز في غياب الشخصيّة ومفارقة الاسم، فضلاً عن التعالق الدلالي في غياب الشخصيّة وما يفتح الخطاب على تناصّات مرجعية.
غياب الشخصيّة ومفارقة الاسم:
تُعد التسمية من المفاتيح التي تُتيح للناقد أن يوجه دلالات الخطاب التي يسعى إليها الكاتب، فالكاتب يسعى ” منذ الوهلة الأولى التي يشرع فيها بكتابة نصه الإبداعي _سواء كان أقصوصة أم قصة قصيرة أم قصة طويلة أم رواية_ إلى إيجاد (أسماء) متنوعة يُؤسس عليه بناء شخصياته الروائية بنوعيها الإنساني واللاإنساني، الخيالي والواقعي، إذ يُعد هذا الإجراء ضرورة من ضرورات كتابة الفن الإبداعي”(16 )، لما في الاسم من تحديد وظيفة الشخصيّة التي تمارس دورها الروائي؛ ذلك لأن هناك رابطاً منطقياً بين الشخصيّة والاسم الذي يدل عليها، فضلاً عن كون التسمية تسهم في تحليل الشخصيّة سواء كان الاسم مقصوداً أم لم يكن كذلك( 17)، ففي الحالتين هو تعبير عن مدى ارتباط دلالة الاسم بالشخصية فضلاً عن ارتباطها بسياقات الأحداث وفضاء النص، وهذا يعني أن اختيار الروائي لأسماء شخصياته الروائية، غالباً ما يخضع للتأمّل والتفكير والتدقيق، لـ” تكون متناسبة ومنسجمة بحيث تحقق للنص مقروئيته، وللشخصية احتماليتها ووجودها، ومن هنا مصدر ذلك التنوع والاختلاف الذي يطبع أسماء الشخصيات الروائية “(18 ).
لذا فان ميسلون هادي تسعى إلى الكشف عن شخصيات الرواية مُنذُ الوهلة الأولى التي مهّدت فيها للدخول إلى الفضاء الروائي، حتى تُوكل للقاريء الممارسة التواصلية مع مدى الفاعلية التي تقدمها الشخصيّة داخل الرواية، إذ قدمت قائمة بأسماء شخصيّاتها وأدرجتها ضمن العتبات النصية.
وقد تنوعت أسماء الشخصيات في رواية (نبوءة فرعون) وتعددت تراكيبها فمنها أسماء رمزية ومنها ما تأخذ عمقها التاريخي العربي الموغل في القدم، حتى يتلامس مع البعد الديني الإسلامي ومنها ما تعبر عن الوسط الثقافي والاجتماعي، حتى تعطي للرواية هويتها المحلية فضلاً عن عرقنة المنطقة الجغرافية التي جرت على أرضها أحداث الرواية، لذا فإن الأسماء جاءت متنوعة في صيغها فمنها المفرد والثنائي والثلاثي.
ومن الشخصيات التي غابت أبدياً بالموت حتى تُفعّل آلية المفارقة، شخصيّة ( منصور ماشي السالمدار ) وهو زوج لثلاثة نساء ( هنية، ختام، بلقيس) وأب لأحد عشر ولداً وبنتين، إذ تستفتح الرواية وإذا به غائباً في المعركة ” يخوض في المياه الطامية بين أرض الكويت وأرض العراق “(19 )، إذ يبقى غائباً تواصلياً/ أسرياً، فضلاً عن غيابه الأبدي عندما يستشهد في المعركة لكونه ” لم يعد من حفر الباطن إلى بيته قط “(20 ).kh-maysalon-11
ومن هنا تنفتح استراتيجية الغياب التي تقوم على التدبير والتخطيط فضلاً عن خداع المتلقي عبر المفارقة الدلالية المتموضعة، التي يبرزها تكنيك الغياب( 21)، عندما تتعمد الروائية توظيفه في عملها، ولا سيما أنها المحرك الخفي والمنظم المستتر وراء كلماتها ونصوصها وإبداعاتها، لذا فإن دلالة الاسم/ منصور تحمل مفارقتها التهكمية، ونلتمس ذلك عبر الرجوع إلى الدلالة المعجمية التي أراد بها الخطاب الأنثوي من ورائها تحديد الوظيفة الدلالية، إذ النصر هو الإغاثة والإعانة على العدو، أي نُصر القوم إذا ما أُغيثوا(22 )، حتى تتحدد الدلالة التي يحملها الاسم بمعنى أنها مشترطة بالنُصرة حتى يتم النصر، أي لن يكون الشخص منصوراً إلا إذا نُصِرَ، وهنا من المفارقات التي وظفتها ميسلون لتدفع بالغياب إلى تماهيه ما بين الاسم الذي يستغله الفرد وبين الغاية المنتظرة، إذ إن أفق التوقع لدى القارئ أصبح يبحث عن التناسق ما بين المتضادات المتنافرة التي يُستنج منها أن شخصيّة منصور قد جلبتها الروائية حتى تكشف عن التناقض _ساخرةً_ ما بين الاسم أو الوظيفة في غير محلها، والهزيمة التي مُني بها.
ثم إن الروائية قد صاغت هذه الشخصيّة عبر الاسم (ماشي السالمدار) على غرار الشخصيات المبثوثة في حكايات ألف ليلة وليلة، ولا سيما أن الأسلوب السردي قد امتاز بميله الحكائي الشعبي في الرواية(23 ) حتى تعطي شخصيّاتها تاريخيّتها، فضلاً عن تفكيك التركيب الذي يوحي إلى مفارقة دلالية تكشفها أحداث الرواية، لكونه لم يكن منتصراً، ولم يكن ماشياً، لأنه لم يعدْ قط، فضلاً عن كونه لم يكن سالم الدار؛ لأن الأحداث قد عبثت بأسرته عندما باع أولاده حقهم في البيت(24 )، فضلاً عن انكسار بغداد التي ينتقل عبرها الانكسار من الكل إلى الجزء/ البيت عندما ” انفتح قميص بغداد ورضع الجميع لبناً مراً، وحاقت بهم من كل الجوانب ريحٌ سوداء، وطار السّخام الأسود في الهواء، ثم تساقط هباءً على النوافذ والسطوح، وهرعت بلقيس إلى التلفزيون فلم تجد سوى أناشيد النصر ومعزوفات الطبول الصاخبة التي عادة ما ينتظرون معها إلقاء خطاب مهم. وانتظروا والناس معهم منتظرون حتى عرفوا أنها الحواسم “( 25)، ومن هنا تنطلق المفارقة التي كشفت عن التناقض بين فضاء الحرب والتلفزيون حتى يصبح الزيف ملموساً عندما عرفوا أنها الحواسم التي أخذت ازدواجية الدلالة لمفارقة الأحداث/ النتيجة مع المدلول الاسمي، أي بدل أن تكون حاسمةً للنصر أصبحت حاسمة للانتكاس، حتى يصبح غير سالم الدار، ولا سيما أن البيت قد تحول زجاجه إلى حطام من جراء الانفجار، وعلى أثره اختفى يحيا من المنزل(26 )، وهنا تقف المفارقة اللفظية حتى تكون آلية في كشفها عن الغياب؛ لأنها تبرز لنا المعنى الثاني المقصود/ الغائب، إذ هي غالباً ما تتوسل بوساطة اللغة حتى يكون المعنى المقصود مناقضاً للمعنى الظاهر( 27).
ومن هنا، وعبر التداخل بين الحضور والغياب، تلتفت الكاتبة التفاتة مقصودة تعمل على تغييب شخصيّة الزوج تحديداً/ منصور، حتى تدفع بالأنثى إلى الحضور، حضوراً تعويضيّاً استحقاقيّاً عبر استلام دفة المواجهة مع الأحداث، متجردةً عن الشخصيّة الذكورية ولا سيما الزوج، وهو من يفرض على المرأة، فضلاً عن سلطة المجتمع الذكوري هي ” سلطة جنسية، لأن دكتاتورية الخطاب السلطوي تفرض هيمنتها على جوانب الحياة المختلفة، وبالدرجة الأولى على جسد المرأة، وتصبح هذه السلطة شذوذاً ونزقاً، وخروجاً عن أية قوانين إنسانية تربط الرجل بالمرأة “(28 )، ومن هنا أخذت على تحرير شخصيّاتها الأنثوية/ الزوجات من سلطة الذكر؛ لأنها قد غيبته غياباً أبدياً/ استشهد، حتى تطلق الحرية لشخصياتها الأنثوية، فضلاً عن كشفها عن سلوك المرأة إذا ما غابت السلطة عنها، السلطة التي يشيع استعمالها في النقد النسوي جهراً أو ضمناً، للإشارة إلى سيطرة الرجل وفرض مفاهيمه على من هم دونه قوة(29 )، لذا أصبح الغياب يتبع استراتيجية سردية في إزاحة هذه السلطة، ولا سيما أن المرأة/ الأنثى غير قادرة على مواجه القوة المتسلطة، لذا تعمل على تغييبها فعلياً وتواصلياً عبر سلطة أكبر من كلا الجنسين ألا وهي سلطة الموت/ الحرب، أي أن التغييب أخذ يتبع عملية نفسية وهي حيلة الوعي في تحاشي ما لا يستطيع أن يواجهه؛ لأن الغياب هو الإحساس بأهمية شيء ما بسبب غيابه أو عدم وجوده في الرواية، حتى يعد غياب بعض الأشياء من المفاتيح الأساسية لفهم الرواية أو لبنائها، بل يمكن أن يكون من العوامل المتحكمة في معناها الأيديولوجي(30) لكشف مغزى غياب الشيء من الرواية(31 ).
لا شك في أن الخطاب الأنثوي قد سعى إلى تغيير هذه الأفكار التي بموجبها تقضي بأن السلطة هي للرجل وأن المرأة كائن ضعيف يتسم بالدونية والهامشية، وما يمثل ذلك الروايات التي تقوم على ” تقديم الأنثوي من وجهة نظر الذكر، وبشكل خاص في الروايات المكتوبة بضمير المذكر المتكلم وليس بضمير الأنثى … إذ لا بد من موت البطلة الأنثوي قبل أن تنتهي الرواية، كما أن موتها يأتي على لسان المتكلم الذكر “(32 )، لذا عكست ميسلون هادي هذه الأيديولوجية حتى تجعل من الشخصيات الأنثوية هي من تتحكم بآليات السرد التي تقضي بإزاحة الذكر.
ومن الشخصيات الأخرى التي تلقت تغييبها المادي وعملت على تجسيد المفارقة الدلالية، هي شخصيّة (عبد الملك الجار الفنان) وهو أب لثلاث بنات، يعمل كاتباً مسرحياً، تتمتع هذه الشخصيّة بحضور يفوق حضور شخصيّة (منصور) غير أنها تنتهي بالفناء/ الموت قبل انتهاء الرواية، كما تقول (ناي) لتوفيق:(33 )
– أبي أعطاك عمره.
قال توفيق:
– لا؟ يا أسفاً عليه، متى حدث ذلك؟
قالت ملائكة وقد تمالكت نفسها:
– من بداية الحرب، قبل أربعين يوماً.
إن حضور عبد الملك قبل موته يشتغل على آلية الغياب في الحضور، فضلاً عن مفارقة الاسم للشخصية التي تغيب فيها السلطة عبر رمز الأبوة، أي أن حضوره كان هامشياً بالنسبة للشخصيات الأخرى ولا سيما الأنثوية، فضلاً عن كونه يتمتع بروح الفنان الذي يدفعه إلى الحضور في التواصل الأنثوي، أي أن حضور عبد الملك بوصفه سلطة أبوية كان غائباً، غير أنه حاضر عندما يتصف بالفن لتماس المشاعر مع الروح الأنثوية المحبة للعاطفة، وهو من الشخصيات الإسنادية التي لا ترقى إلى مرتبة الشخصيّة الرئيسة غير أنها تفوق دور الشخصيّة الثانوية، لذا فهي تقع وسطاً بين الدورين، بمعنى” أن فعل الشخصيّة الرئيسة يبقى ضمن حدود معرفة شخصيّة أخرى قريبة، وهو ما يمكن أن تكون الشخصيّة الإسنادية عليه، لأنها على تماس مع الشخصيّة الرئيسة، وتقوم بإسناد دورها “( 34)، بمعنى أنها تساعد على صنع الأحداث، ولا سيما أن الشخصيّة الثانوية لا تتمتع بهذه الخاصيّة؛ لأن حضورها السردي محدود، قد لا يقدم إلا إضاءة سريعة تسد فراغاً سردياً بسيطاً، لذا فإن الشخصيّة الإسنادية تتمتع بديمومتها السردية المرنة عندما تصبح أحياناً شخصيّة رئيسة ولا تختلف عنها، ثم تعود حتى تكون شخصيّة ثانوية( 35)، ثم أن مرونة هذا الدور جعل من الشخصيّة تقف على منصة الدور الرئيس، عندما تقف بوصفها الطرف الآخر لطرفي الغرام وهنا يتأجج حضورها وعياً ولا وعياً في ذاكرة الأنثى، ومن ثم يتصاعد الحضور الأنثوي، فعندما أعطى عبد الملك الفنان ورقة غرامية لبلقيس بعد أن كان يواصل النظر إليها من خلف السياج، أخذت يدها ترتجف حرجاً( 36)، عبر وجهة نظر الراوية، وهنا حضور أنثوي في ذاكرة الآخر/ الرجل الذي كان غائباً في ذاكرة الأنثى، غير أن التصريح بالحضور يجعل من حضور الغائب/ الآخر يغذي غياب الحاضر/ الأنثى لأنها ” في اليوم الذي تلا ذلك اليوم عادت بلقيس إلى بيتها من الدائرة مشياً على الأقدام بدلاً من أن تعود بسيارة الخط، وهذا ما كانت تفعله دائماً كلما تاقت نفسها إلى أن يبادلها الكون شوقاً بأذن صاغية، فكانت تمرُّ على محالِّ الكماليات والعطور وأدوات الزينة لتتفرج عليها “(37 ).
هنا يتمتع عبد الملك بدوره الرئيس بوصفه فناناً؛ لأنه قد أصبح يشكل عمود اتكاء للشخصية الأنثوية/ بلقيس، التي استمدت حضورها العاطفي الوجداني عن طريقه، غير أن هذا الدور لا يلبث أن يتلاشى حتى يعود إلى أدراج شخصيّة ثانوية عندما كان يردد أناشيد عيد الميلاد عندها شعرت بلقيس”أن القصاصات التي أصبح عبد الملك يحملها إليها في مظاريف ويدعي إرسالها إلى الخارج موضوعة في الخزانة بدون حجاب، مثل شيء غير مشبوه “( 38)، أي أن الودَّ الذي كان يصطنعه الرجل/ الفنان باتجاه الأنثى/ بلقيس قد فُضح أمره وأصبح مبنياً على الزيف والخداع والتلاعب بمشاعر المرأة، فضلاً عن كون الآخر/ الفنان ينصاع خلف لذّاته التي يطلبها لذاته بوصفه فرداً وذلك عندما انتبهت حتى ” تشعر بالخوف منها وتذكرها كثيراً بملابس منتهى غالية الثمن وأسورتها الذهبية المرصعة بالياقوت الأحمر، اضطرب قلبها وشعرت بالخواء بدل الفرح كما كانت تفرح عندما تضع الطوابع عليها بحجة إرسالها إلى الخارج، ثم تدسها داخل حقيبتها في غفلة من عيون منتهى ووجهها وباقي الوجوه والعيون “(39 ).
فالخطاب الأنثوي هنا يخشى الغدر والخيانة والبحث عن اللذة، وهذا ما يمتاز به الآخر في الذاكرة الأنثوية عندما يكون مُلكاً لغيره في سبيل إشباع حاجاته ولا سيما الاقتصادية، لذلك استحضرت الذاكرة الزمنية شخصيّة منتهى وهي شخصيّة ثانوية استجلبت في البناء السردي حتى تمثل شريحة من المجتمع لا تكترث لأحداث الحرب بل تبحث عن اللذة الفردية عندما تبحث عن الكماليات وترتدي أفخم الثياب وأغلاها ثمناً، فضلاً عن الأساور الذهبية والمجوهرات، واغتنائها منتجات مستوردة عبر دلالة ( لافاش كيري) وهي نوع من الجبنة الفرنسية اُشتهرت بثمنها الباهظ في زمن التسعينيات/ زمن الرواية/ زمن القحط، والترجمة العربية لها هي البقرة الضاحكة( 40).
وهنا تتكثّف دلالة الغياب عبر ازدواج السخرية، بمعنى أن الراوية وعبر شخصية بلقيس نفت سلوك منتهى نتيجة لتناقض الفعل/ كماليات منتهى، مع الزمن/ الحرب، فضلاً عن التناقض المنطقي في (ضحك البقرة) وهي دلالة ترتبط بالمعنى الأول حتى تنتج مفارقة العلاقة بين الشخصيّة والمكان/ الوطن وبين الزمن/ الحرب، لذلك وعبر هذا الاستحضار الذي أخذ حيّز المقارنة اضطرب قلب بلقيس قلقاً؛ لأن الخواء هو إفراغ الجوف من الطعام( 41)، وهنا انزياح دلاليّ يكشفه السياق أي إفراغ الجوف من الفرح/ بدل الفرح، أي أن العاطفة التي كان عبد الملك الفنان يرسلها إليها قد أصبح ينشرها في جميع الوجوه/ التلفزيون، بمعنى أنها لم تتمتع بتلك العاطفة وحدها، على نقيض مما تكنه هي له عندما كانت تفرح بوضع الطوابع على المظاريف فضلاً عن كونها كانت تتبع التخفي عن عيون المجتمع؛ لأنها لا ترغب التشهير بقدر ما تبحث عن الاستقرار والحفاظ على جسد/ كرامة الأنثى وذلك عندما تدسّها في حقيبتها، على نقيض الآخر/ موضوعة في الخزانة من دون حجاب، والدسُّ هو إدخال الشيءِ عبر التخفي تحت شيء آخر(42 )، وهنا أخذ التخفي الأنثوي في معالجة الذات عبر وحدات خطابية ( دسّ، حقيبتها، غفلة ) بالمقارنة مع تشهير الآخر (بدون حجاب، مثل شيء غير مشبوه)، لذا أصبح الغياب يأخذ أدراجَه في وجهة نظر الأنثى حتى وصل إلى الهامشية وذلك عندما جاء إلى البدّالة حتى يشتري خط هاتف إذ ” لم يمر سوى يوم واحد على ذلك اليوم الذي ظهر فيه بالتلفزيون حتى جاء عبد الملك ليشتري بنصف مليون دينار خط الهاتف الذي باعه قبل سنوات بربع مليون دينار. وتجمدت يدها فوق اللوح المستقيم قريباً من الميزان، ولم ترد على تحيته المرحة، فقال لها بتودد:
– هل رأيتني في التلفزيون؟
ولما لم يسمع جواباً منها قال لها بخجل اصطنعه للتعجب.
– كيف كنتُ؟
قالت وقلبها يتخبط:
– لا ادري، الكيكة كانت عملاقة، فأين كنت تقف؟
ظل عبد الملك واجماً ينظر إليها ولا يرد “(43 ).
إذ أصبح الحضور يرتدي ثوب الغياب عندما هُمش عبد الملك الفنان عبر الوحدات السردية التي تجسدت في الحوار (لا أدري، الكيكة كانت عملاقة، فأين كنت تقف؟)، فضلاً عن (لم تردْ على تحيته المرحة، تجاهل/ لم يسمع جواباً منها) وهنا الغياب/ التصغير يأخذ مجراه المتعمد حتى ينتهي بالموت المادي/ موت السلطة التي يبحث عنها الخطاب الأنثوي حتى يتجرد عنها، لاجئة إلى اللاوعي لعلها تمتثل لحريتها كما تمنت ملائكة أن يحضر توفيق ليطلب النفط بعد أن غاب الأب عن البيت(44 )، حتى تبوح بمشاعرها التي قد كبتتها السلطة/ الأب، المتجسدة في عبد الملك حتى تعطي للاسم بعده الدلالي وهو ما يوحي بالملك/ السلطة العليا، لذا وأدتها دلالياً عندما انسلخت عنها في لا وعيها، وهنا عملت المفارقة على إزاحة السلطة التي استغلّها الرجل الذي هو بالأصل مملوكاً لله _سبحانه_ وحده عبر العبودية، حتى تنهض الحرية مكانها.
ثم إن شخصيّة الأب في نبوءة فرعون قد حملت بعض الأبعاد المرتبطة بغياب الجسد/ الأب ومفارقته في المنظار الأنثوي/ الزوج، فضلاً عن الخطاب الفكري الذي يُدان به حاكم البلاد في زمن الرواية، ” البلاد التي تسببت في موت الصغار وخراب الديار .. فأرسلت لهم بدل الضفادع والجراد والعناكب، الطائرات والقاذفات ودبابات التشالنجر “( 45)، أي الحاكم الذي لم يرحم رعيته التي قد راحت ضحيةً في مهالك الحروب بوصفها عقوبة جزائية على حساب الكل/ العراق، والمراد هو الجزء على تقدير (حاكم البلاد)، حتى يحاكي قوله تعالى [سورة الأعراف، الآية: 133]، لتمطيط الدلالة عبر التناص القرآني، لما في التمطيط من توسيع المعنى كونه آلية من آليات التناص والبحث عن المرجع الغائب(46 )، الممتد إلى بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض( 47)، لذا أصبحت المرجعية القرآنية تدفع بالعنوان (نبوءة فرعون)/ النبوءة المزيفة إلى الاستحضار وفق سياق البعد الفكري الذي حملته الرواية عبر وجهة نظر شخصيّة (عبد الملك) الذي تكلم بضمير الـ(نحن)، عندما راح بنو شعبه ضحية الكِبْر والطغيان.
ومن المفارقات التي حملتها شخصيّة (عبد الملك) عبر البعد الخارجي أنه يتمتع بهيئة رسمية كما في الحوار الذي جرى بينه وبين المصور الشمسي الذي كشف المفارقة الدلالية للقب الفنان الذي يتزيّا به، عندما التقط المصور لعبد الملك صورة وقال له:
– عندك معاملة؟
قال عبد الملك:
– بل احتاجها لأسباب فنية.
قال المصور:
– كنت أعمل في باب المعظم .. قرب الدفاع .. وياما رأيت الفنانين يمرون من هناك بملابسهم الغريبة، وأحذيتهم الممسحة، ولكن الحق يقال إنهم ينتقونها من اللنكات بعناية فائقة، فكنت استطيع التخمين من نظرة واحدة أن هذا الرجل مخرج والآخر رسام أو ممثل..
ضحك عبد الملك وقال:
– ولكني أرتدي بدلة كما ترى.
فقال المصور الشمسي:
– ولهذا لم أتوقع أن تكون فناناً.
لم يرتح عبد الملك لهذا الخلط المزعج بين الشتيمة والمديح في كلام المصور “(48 ).
إذ إن الفنان على مستوى الحضور بدأ يغيب حتى في الشكل السردي نحو ( قال عبد الملك، ضحك عبد الملك، لم يرتح عبد الملك) ولا سيما أن الحوار كان عن هيئة الفنان وبنيته الدالة، التي توحي به، فضلاً عن كون الشخص هو ” سواد الإنسان إذا رأيته من بعيد، وكلُّ شيءٍ رأيت جُسمانَهُ فقد رأيتَ شخصَه “( 49)، بمعنى أن غياب الشكل في الحضور الثقافي والاجتماعي هو ما ينتج عنه غياب الجوهر الذي تجلّى عبر آلية الغياب في الحضور، خلافاً لما يدعي، أي مفارقة المضمون مع الشكل، ولا سيما أنه غير مكتمل جسدياً كونه مبتور الخنصر/ تشوه خلقي/ نقص/ غياب جزئي، وهنا وعبر الغياب نلتمس الترابط بين البعد الفكري/ زيف النبوءة، والبعد الخارجي/ زيف الهيئة.
بمعنى أن الغياب يشتغل على مفارقة اللفظ التي تكشف عنه الدلالة بين الاسم والمسمّى، فضلاً عن البعد الاجتماعي بوصفه جاراً وقد خرق هذه الصفة عندما أعطى بلقيس مظروفه الغرامي من خلف السياج، وهنا تجاوز لعتبة المكان، أي دخول البيوت من غير أبوابها وكسر للخطّية التي يسير عليها المجتمع السوي، لذا أصبحت المفارقة تشتغل حتى تكسر أفق التوقع الذي يرتقبه القاريء وهو احترام الجار وعدم التجاوز على حقوقه وممتلكاته، إذ أصبح غياب الآخر/ الجار الذكر مرتبطاً بفعله الذي بدوره سيؤدي إلى تغييبه اجتماعياً وهنا أصبحت الدلالة تعمل على الحضور في الغياب والغياب في الحضور، بمعنى أن الجار يحضر اجتماعياً إذا ما غاب عن تجاوزه لحرمات البيوت وقدسية الأماكن، ويغيب اجتماعياً إذا ما حضر متجاوزاً، وبالنتيجة هو لم يكن صادقاً في مشاعره اتجاه بلقيس/ الأنثى عندما تخطى حدود المكان عن قصد وهذه آلية من آليات التشخيص، إذ ناب الفعل الحركي عن الوصف الصريح المباشر، ومن ثم غاب مادياً؛ لأنه لا يمثل الشخصيّة المتوقعة في الذاكرة الأنثوية، ومن هنا نلحظ أن الغياب أصبح يشتغل على أصعدة عدة عبر الصفات/ الأسماء التي حملتها الشخصية، إذ بدأت استراتيجية الغياب تشتغل عبر التغييب النفسي/ المعنوي، والمادي، أما النفسي فعندما جُرد عبد الملك من صفة الجار لكونه قد دخل المكان متجاوزاً فضلاً عن تغييب صفة الفن/ العاطفة الصادقة عندما لم يتطابق الشكل مع المضمون أما على الصعيد المادي فتتجسد الدلالة بالموت الأبدي موت السلطة/ عبد الملك/الأب.
ومن الشخصيات الأخرى التي غابت غياباً أبدياً شخصيّة (صابرين) وهي ابنة منصور ماشي السالم دار من زوجته هنية التي ماتت مختنقة في رحم الأم(50 )، حتى يحمل الخطاب الأنثوي إدانته للقائمين على البلاد؛ لأنهم هم الذين تسببوا بذلك، لذا فقد كان الاسم متهكماً بوجه الطغاة، الطغاة الذين يسرقون الناسَ أفراحهم وآمالهم امتثالاً لمصالحهم وأطماعهم، استناداً إلى العتبة النصية ” في كبرياء الشرير يحترق المسكين “( 51)، حتى يقف صبر المسكين بوجه الآلية التي يتبعها الشرير في محاولة إبعاده وإقصائه، إذ إن الخطاب يتخذ دلالته السيميائية وفق السياق الإطاري للرواية، منها ما يتخذ دلالة سياسية تعمل على الإدانة إذا ما استجلب الخطاب سياق الحرب وعنوان الرواية ( أمريكا/ فرعون)، حتى يصبح الموت هنا موتاً مادياً يعمل على مبدأ التضحية، ومنها ما يتخذ دلالة فكرية/ إيديولوجية، تعمل على إعادة النظرة التاريخية لولادة البنات، وهو وأد البنت في الجاهلية، فضلاً عن تغييبها ثقافيّاً وفكرياً، وهنا يقف الخطاب الأنثوي لإدانة الذكر في تغييب الأنثى/ الموت عبر الحرب، وفكرياً عبر استبعادها في المشاركة التواصلية الاجتماعية.
ومن الشخصيات التي حملت مفارقة الاسم أبناء (منصور ماشي السالمدار) وهم (صلاح، فلاح، نجاح، عدنان، قحطان، نعمان، غسان، عمران، عبد الرحمن)، وهي شخصيات غابت تفاعلياً مع مدلولات أسمائها، إذ لم تشارك في أحداث الرواية، حتى تحمل رمزيتها الممتدة عبر التاريخ على الرغم من حضور القاسم المشترك بينها وبين الشخصيات الأخرى، أي مفارقة الدلالة أصبحت تشتغل على غياب روح التعاون العربي الذي ترك العراق/ يحيا يواجه مصيره منفرداً.
إذ إن (يحيا) أصبح كما تقول السّت رباب ” ملك الصف في المطالعة والإنشاء وقواعد اللغة العربية، وطلبت من تلاميذها أن يكتبوا الدرس الجديد (خالد في الغابة) في الدفتر ثلاث مرات، ومن يحيا أن يحفظ قصيدة حماسيّة عن أم المعارك يتلوها في رَفعة العلم “( 52)، لا شك في أن الإدانة تتجلى عبر الفارقة، أي غياب الشخصيات التي تدل على العروبة سردياً هو غيابها تفاعلياً، ولا سيما أنها ترتبط بتاريخ واحد وعِرقٍ واحد وهو القاسم المشترك/ اللغة العربية، بمعنى أن الخطاب الأنثوي أصبح يخاطب الغائب/ الأسماء مجردة عن شخصياتها، عبر اللغة العربية التي تجتمع عليها جميع الألسن، وفي الوقت نفسه يُغيّب الشخصيات مجردةً عن أسمائها؛ لأنها لم تغث العراق/ يحيا/ خالد، عندما كان يصارع الحرب/الغابة وحده، ولا سيما أنه _ أي العراق _ قد استغاث بهم، وهو ما تحمله عبارة (ثلاث مرات) وارتباطها بخالد المكروب من الدلالة على صوت النداء في الاستغاثة، في سبيل رفع راية الحق/ العَلم، فضلاً عن تغييب الشخصيات التي باعت وطنها وهذا ما تجسد في (صلاح، فلاح، نجاح) لأنهم قد باعوا بيتهم/ وطنهم، فحكمت عليهم الروائية بالنفي والجلاء، حتى طاروا إلى مطارات البلاد البعيدة( 53)، وهنا عملت المفارقة على كسر التوقع الذي يرتقبه القارئ حتى تصبح الدلالة شديدة الوقع، فضلاً عن مراعاة الآلية الأدبية التي تعمل على إيصال الخطاب بآليته الجمالية وغايته التي تنأى عن المباشرة والتصريح، بما أنه لم تتمتع الشخصيّة الذكورية ولا سيما السلطوية بحضورها السردي إلا أن أدوارها كانت مقصودةً؛ لأن ” أهمية الشخصيّة في الرواية لا تقاس، أو تحدّد بالمساحة التي تحتلها، وإنّما بالدور الذي تقوم به، وما يرمز إليه هذا الدور أيضاً، مدى الأثر الذي تتركه في ضمير القارئ، مما يدفعه للتساؤل والمقارنة، تمهيداً لتصويب موقفه، في الواقع، وبالفعل، تجاه هذا الموضوع الأساسي “( 54).
إن الخطاب الأنثوي في نبوءة فرعون غني الدلالة، بمعنى أنه يحمل دلالته حسب السياق، والرؤية التي يحملها الخطاب ولا سيما أن تماهي الدلالة هو ما تمتاز به كتابات العصر الحالي، إذ يكون الغياب في الغالب ” نتيجة تغييب مقصود، يلجأ إليه المؤلف لأسباب فنية وموضوعية مختلفة … وهو بذلك يعطي مساحة أكبر للقارئ ليفكر ويتأمل بما يحدث ثم يحكم ويستنتج بنفسه دون إلزامه بموقف معين أو فهم محدد يفرضه عليه المؤلف “(55 )، فمن ذلك الغياب المعنوي الذي يتعامل مع الخطاب وفق آلية الغياب في الحضور، كما تقول شاكرين لتوفيق( 56):
– عمو بابا بالتلفزيون.
فنفخ توفيق الهواء عاصفاً من رئتيه وقال لها:
– اذهبي والعبي مع ذاك.
فأشار إلى خيال المآتة الذي لم يكن قد تبقى من أهابه سوى كرة القدم المفعوصة وعيدان يابسة…
– عمو بابا بالتلفزيون.
فصاح بها صيحة جبّارة:
– لا تظلين تنطنطين..
لا شك في أن الحوار قد كشف عن مدى تهميش حضور الأنثى في ذاكرة المذكر بوصفه_أي الحوار_ آلية من آليات تقديم الشخصيّة ويتوقف استخدامه ” استخداماً فنياً، في تقديم الشخصيات بصورة كبيرة، على مهارة الروائي في صياغة حوارات فنية موحية، يستطيع القارئ عبر ما تتضمنه من دلالة تكوين صورة محددة عن الشخصية، إذ إن المفردات التي تستخدمها الشخصية، والطريقة التي تتبعها في الكلام مع الآخرين تُظهر مستواها الثقافي، والاجتماعي، والفكري “( 57) ، ولا سيما أن الكاتب لا يصرح بموقفه مباشرة ” ولكنه قد يضمنه كلام شخصياته أو قد يضعه على لسان راويته أو ربما يستنتج هذا الموقف من خلال سير الأحداث نفسها وما يرافق ذلك من تعاطف أو تشدد “(58 )، إذ تحضر في السياق السردي وتغيب تفاعلياً في إنتاج الأحداث، بمعنى تغييب الحاضر، ومن ثم الكشف عن التفاوت بين الحضور والغياب الذي بدوره سيحدد مدى غياب شخص ما بالنسبة للشخصيات الأخرى.
بمعنى أن حضوره لم يكن سوى خيال (مآتة) مكوّن من (كرة قدم مفعوصة وعيدان يابسة) التي تقف شاكرين أمامه مادياً، ومعنوياً/ فكرياً، والفعصُ: هو الانفراج والانفتاق ( 59)، وهنا انزياح دلالي يفسره اختيار الذكر وجود الأنثى الثقافي والاجتماعي؛ لأنها حسب دلالة المآتة خالية من التفكير النامي الذي يؤدي إلى بناء المجتمع كما خُليت الكرة من الهواء الذي كان فاعلاً في الإنتاج، إذ تمت الآلية على التغييب الأنثوي في الذاكرة الذكوري وفق الوجود الثقافي/ الفكري، غير أن هذا التغييب لا يشمل الجنس الأنثوي ككل؛ لأن الخطاب قد قصد شخصيّة (شاكرين) وهي شخصيّة إسنادية ولدت أثناء حرب التسعينيات، ولا سيما أنها نصف منغولية ملساء لا تفهم ولا تكف عن الابتسام وأسمتها أمها هنيةُ (شاكرين) باقتراح من الجار الفنان تهكماً على ظروف البلاد( 60).
لذا فإن قصديّة المذكر في الاستبعاد لم تكن شاملة، ولا سيما أن البُعدين الخارجي والفكري قد تحددا في شخصيّة شاكرين، أي أن الخطاب الأنثوي على لسان الذكر قد استبعد شريحة اجتماعية تعمل على الاستهلاك دون الإنتاج، فضلاً عن الثرثرة وضياع المعرفة كما يقول يحيا لشاكرين: ” كم لغوية أنتِ”( 61)، وكذلك وجهة نظر الراوية ” فظلت تأكل، لكنها لم تسكت “(62 )، وكذلك ترديدها كلام غيرها دون مبالاة كما تقول الراوية: ” أما شاكرين فراحت تقلد بلقيس وتردد كلامها بدلاً منها: أينك يا يحيا ؟ أجائع أم شبعان، يا ابني ؟ أخائف أم مطمئن؟ أنائم أم نعسان؟ أينك يا يحيا ضائع أم…..”(63 ).
إذ تمتد سيميائية الدلالة ما بين الاستبعاد الذكوري للأنثى، وبين الإدانة الأنثوية للذكورة، ولا سيما أن الولادة لكلا الجنسين قد نهضت في زمن واحد، أي بعد ولادة بلقيس ليحيا ولدت هنية توأمها (صابرين وشاكرين) بعد سبعة أيام(64 )، فاستبعدت الأولى بغياب ابدي على غرار أهل الجاهلية في وأد البنات، وبقيت الأخرى ناقصة العقل، حتى تعكس النظرة الاجتماعية والثقافية للمرأة، فضلاً عن شدة حضور طفولة يحيا قرينها بالولادة(65 ) حتى أصبحت حادثة ولادته ضمن عتبات الرواية التي احتضنت غلافها الأخير، وغياب طفولة شاكرين في عموم السرد، حتى يفتح باب الحوار للقارئ في أن يفسر ثنائية الحضور والغياب في كلا الولادتين ويكشف عن التفاوت غير العادل الذي حمله الخطاب الأنثوي في إدانته للواقع.
ومن الشخصيات الأخرى التي استبعدت من قبَل الروائية شخصيّة (كحيلة)، لصفاتها غير المقبولة اجتماعياً، إذ إنها فضولية وحسودة ونمامة، وهي شخصيّة ثانوية أُحضرت سردياً حتى تُغيّب اجتماعياً، إذ حملت معنى المسكوت عنه سردياً ليباح دلالياً حتى يتخذ القارئ موضعاً ” بوصفه شريكاً في عملية إنتاج الدلالة وفي الممارسة الدلالية للنص”(66 )، فعندما سأل توفيق أمه عن موت أم ملائكة زوجة عبد الملك الجار بقوله: ” ولكن يا أمي هل صحيح أن أم ملائكة قد ماتت … بعد أن رمت نفسها من السطح العالي … والله يا ابني بين الصدق والكذب أربع أصابع، كما يقولون.. وأنا سمعت هذا الكلام من كحيلة تلك الفضولية التي تقف خلف سياج الحديقة طوال النهار وتتفرج على الغادين والرائحين، وكأن الشارع سينما “( 67)، إذ عمل الاسم/ كحيلة في السياق الثقافي على التهكم والسخرية؛ لأنه ما يدل على شدة البصر وكثرة البحث عن الإخبار الاجتماعية لغاية في نفسها، إذ عمل الإيقاع السردي الذي حملته وجهة نظر (هنية) على جذب المتلقي وإدراجه ضمن منظارها لتنفرج دلالة الغياب لكونها ثرثارة تعمل على مراقبة الناس، فضلاً عن حملها الأخبار الكاذبة، التي تتبع الوهم وتشبثها بالعبثي ويتضح ذلك عندما أخبرت (بلقيس) عن شخصيّة العراف/ أبي المراية، لما لهذا الحدث من تعزيز الرؤية التي تحملها (هنية) لكونها شخصيّة رئيسة ثابتة، تعمل رؤيتها على كشف رمزية (كحيلة) التي تشقى في سبيل الوهم لتتبعها الهامشي من الحياة، بمعنى أن شخصيّة كحيلة جسدت دوراً مستبعداً في الثقافة الأنثوية السّويّة، وبما أنها شخصيّة مستبعدة اجتماعياً وثقافياً فإن وجهة نظرها التي تحتفي بالعرّاف مستبعدة واقعاً، ومن هنا يصبح الوعي السردي يطرح رفضه لهذا العرف عبر تهميشه لشخصية كحيلة.
ومن دلالة الاستبعاد كذلك ما يتجسد في شخصية (ختام) وهي الضرة الثالثة لبلقيس زوجة منصور ماشي السالمدار، إذ جسّدت فيها ميسلون هادي شخصيّة الأنثى الضُرّة، وهي تسكن في البصرة طوال مدة الحرب ولم تأتِ إلى بغداد إلا بعد أن تجاوز يحيا السنة الخامسة من عمره، جاءت حتى تأخذ ميراثاً، حصتها من بيت زوجها على الرغم من عدم حاجتها للمال لاكتفائها اقتصادياً(68 )، إذ لم تشارك في الأحداث في سبيل الإنتاج، بل كانت مشاركتها سردياً حتى تولّد أحداثاً تعبر عن رؤية الكاتبة وهو شدة الالتحام بالوطن/ البيت عندما أعلنت هنية: ” أن هذا البيت هو الحبل السري الذي يربطها بالحياة”(69 )، ومن هنا كان حضورها تهديداً للمكان، لذا عملت الكاتبة على تغييبها سردياً، ومن ثم اجتماعياً.
غياب الشخصيّة وتعالق المرجعيات:
لا شك في أن أغلب النصوص الأدبية تتعالق مع نصوص أخر بهدف إثراء الدلالة التي يحملها الخطاب عبر التداخل المرجعي حتى يصبح ” النص اللاحق يكتب النص السابق بطريقة جديدة”( 70)، بمعنى أن النص اللاحق يعمل على إسقاط الدلالة التي يحملها النص الغائب مع الحفاظ على دلالة المرجعية الغائبة المترتبة في الذاكرة الجمعية، ومن ثم الكشف عن العلاقات التي تربط النص الأدبي بالنصوص الأخرى المتموضعة فيه( 71)، حتى تتوالد النصوص، بعضها يحيي بعضاً لتصبح لا محدودية النص ممتدة( 72)، لذا يتعالق غياب الشخصيّة عبر مرجعيات عدة منها الدينية/ القرآنية، والأسطورية، الذين يُجسد فيهما الكيفية التي تغيب فيها الشخصيّة ثم تعاود حضورها حتى تعمل على إنتاج الدلالة التي تنتهي بالإصلاح والتغيير.
المرجعية القرآنية:
ومن الشخصيات التي تعالقت مرجعياتها دلالياً، شخصيّة (يحيا) وهي الشخصيّة التي حملت دور البطل أو الشخصيّة الرئيسة النامية، التي تدور حولها الأحداث والشخصيات الأخرى لتحقيق الكيان الحيوي للعالم الروائي عبر انضمام كل موجوداته إلى بعضها البعض( 73)، إذ تحظى هذه الشخصيّة بعناية سردية فريدة لكونها العمود الرئيس للرواية بل القلب النابض لها، حتى تحمل الغاية التي من أجلها بُنيت الرواية، إذ تلده بلقيس عندما جاءها المخاض في ليلة كانونية مظلمة في بداية حرب التسعينيات على ضوء لالة مكسورة شحيحة الإنارة، فلم ترَ أمه وجهَه النوراني النحيف جيداً في تلك اللحظة العصيبة( 74)، فهنا يوحي الخطاب الأنثوي إن هذه الشخصيّة تحيطها هالة من الخصوصية عبر السرد بضمير الغائب، إذ ارتبط الحدث بحدث غائب عبر المرجعية القرآنية التي امتصها الحدث السردي بتماس تركيبي واختزلها بـ(جاءها المخاض)، الذي بدوره يعمل على إنتاج التواصل الذهني/ الذاكراتي لإنتاج الدلالة المتجسدة فيه، التي بموجبها يُستحضر قوله تعالى [سورة مريم، الآية: 23]، إذ عمل التعالق اللفظي على فتح المسار المرجعي الذي يؤدي إلى إنتاج الدال وترسيخه في ذاكرة القارئ عبر تناصه القرآني ” مما يتيحه التناص من إمكانات كشف للغياب في النص “( 75)؛ لأن كل خطاب ” يتكون أساساً من خطابات أُخر سابقة ويتقاطع معها بصورة ظاهرة أو خفية”(76 ).
وهنا تُفتح الدلالة على دوالٍ أُخر عبر الغياب الذي تغيبه شخصيّة (يحيا) أثناء الحرب الأخيرة على العراق التي حدثت في عام (2003)، عندما قالت شاكرين وهي تبكي ” رأيت أبواب البيت تفتح من تلقاء نفسها قبل أن يسقط الصاروخ على الخرابة التي تجاورنا، وقد كنت مستيقظة لم أنم الليل كله فرأيت يحيا يخرج من البيت كمن يمشي في نومه، وهو يلتفت في كلِّ لحظة وكأنّ هناك من يتعقب خطواته على الممر، فنهضت خلفه وخرجت إلى الحديقة وناديته: يحيا .. يحيا، فالتفت أكثر من مرة ونظر إلى الخلف دون أن يجيبني … فصحت بأعلى صوتي لأوقظكم من النوم، لكن صيحتي جاءت في اللحظة التي حدث فيها الانفجار، فوقعت على الأرض وراح يحيا “(77 ).
ومن هنا يتخذ الوعي السردي تلاعبه في آليات التواصل التي بموجبها يتحدد مسار الغياب، إذ إن غياب يحيا لم يكن موتاً، فضلاً عن أنه مجهول الكيفية التي غاب فيها، إذ يتم التعزيز القرآني الذي تلاقح معه الخطاب الأنثوي لإنتاج المعنى، عبر قوله تعالى:[سورة النساء، الآية: 157]، لا شك في أن التعالق هنا بالفكرة عبر (وما قتلوه يقيناً) أي ما قتلوه حقاً؛ لأن الله _تعالى_ قد رفع عيسى _عليه السلام_ إليه(78 )، بمعنى الفكرة التي يتم فيها كيفية الغياب عبر التعالق، ولا سيما أن” غياب الإحالة المباشرة أو غير المباشرة على النص الغائب يترتب عليه عدم التيقن من حدوث التعالق النصي أولاً، ومن نوع النص الغائب المتعالق ثانياً “(79 )، غير أن الدلالة الغائبة مقصودة، ويتحدد ذلك كون يحيا هو المطلوب من أمريكا بالإبادة؛ لأنه يهدد مستقبلها، لذلك أصبح وهمهم يُخيّل إليهم أنهم قتلوه عندما أطلقوا الصاروخ، غير أن ذلك لم يحصل؛ لأنه قد وقع في الخرابة، إذ لم يمت فيه سوى الخرابة/ الموت.
لذا فإن جملة (شُبه لهم) في النص القرآني تفعّل الآلية التي نتج فيها الغياب؛ فضلاً عن الأمل المرتقب الذي يحدده أفق الانتظار وحلم العودة عبر التعالق الدلالي الذي يربط يحيا بطل الرواية بعيسى _ عليه السلام_ كقوله تعالى: [سورة مريم، الآية: 33]، لذا فإن العودة مرجوة، يتمسك بها الخطاب الأنثوي عبر الحياة المهجنة قرآنياً عندما ختمت ميسلون هادي الرواية بظهور يحيا في المرآة التي كان الابن/ أمريكا ينظر إليها وذلك عندما ” صمتت المرآة ولم تجب. فاستغرب الابن لذلك أشد الاستغراب والتفت بشكل لا إرادي إلى الاكواريوم الزجاجي وألقى عليه نظرة خاطفة ثم عاد والتفت إلى المرآة … وكان يحيا ينظر إليه”(80 )، وصمت المرآة يدل على حضور يحيا بمعنى أن هناك من هو أقوى من الابن، ثم أن هذا الغياب الذي استغرقه امتد في زمن السرد فصلاً كاملاً حتى يخلع على القارئ رداء الانتظار لكونه بطل الرواية، حتى ” يكتشف القارئ أن هذا الغياب الذي يعقبه حضور الغائب قد عمق زمناً آخر خارج إطار التسلسل الزمني للرواية المنظورة من لدن القارئ. وهذا الزمن الآخر هو الذي يجسم الرواية فيصنع لها عالماً مستتراً وراء الأحداث الحاضرة “(81 )، حتى ينطلق من ازدواجية دلالة اسمه/ يحيا، ثبوت العودة عبر ثبوت الاسم، واستمرارية الحياة عبر استمرارية الفعل، ولا سيما أن يحيا هو النور البديل للظلمة الزمنية التي تحمل دلالتها النفسية/ المعنوية، والحسّية عندما أخذ الوجه النوراني/ يحيا يبدل تلك اللحظة العصيبة، فضلاً عن أبيه منصور الذي لم يره إذ كان يخوض في المياه الطامية بين أرض الكويت وأرض العراق( 82)، بمعنى أن الروائية جعلت الدلالة تقوم على الإبدال التعويضي، فوظفت النوراني بدل الظلمة، ثم وظفت يحيا بدل الأب منصور الذي مات بعد ولادة يحيا بيوم واحد( 83)، وهنا أصبح لاسم منصور فاعلية دلالية؛ لأن موته قوبل بحياة يحيا، بمعنى أن غياب منصور يقابل حياة يحيا، وبالنتيجة أن منصوراً حاضر دلالياً؛ لأنه قد ترك خلفه خلفاً.
ومن الأبعاد الأخرى التي تجسدت في هذه الشخصيّة هو البعد الفكري الذي أخذ تطوره عبر المرآة التي تعلق بها منذ أن كان صبياً وذلك عندما نسيت أمه ” أن تضع كسرة المرآة في حقيبتها فاقترب منها يحيا والتقطها من المنضدة ونظر فيها ملياً، فاهتزت المرآة بين يديه وتحركت حتى كادت تجرحه “(84 )، لا شك في أن البعد الفكري أخذ انطلاقه حتى يوحي عبر الراوي الغائب أن (يحيا) سوف يتخذ آليته المرجعية في التوظيف السردي.
إذ إن جملة (اهتزت المرآة) جعلت الذاكرة تستجلب الغائب، ولا سيما إذا كان الفعل الحركي قد أنسن المرآة وبثّ فيها الروح حتى تدفع بنفسها إلى الاهتزاز، فهذا التوظيف ينطلق من الذاكرة/ الكاتبة حتى يطرق غياب الذاكرة/ المتلقي عبر آلية التواصل الجمعية للمرجعية القرآنية، كما في قوله تعالى: [سورة القصص، الآية: 31]، إذ أصبح التناص عبر الاهتزاز يشتغل حتى يدفع الغياب إلى الممارسة الدلالية التي يتحدد مداها بقدر استنفار النص لوعي القارئ، عبر غيابٍ يستدعي تدارك القارئ وشحذ همته القرائية(85 ) التي تتعالق بالمخزون الذاكراتي من مجرد أن حضر الاهتزاز لشيء جامد لا حياة فيه، ولا سيما أن الخطاب يدخل ضمن العنونة الكبرى (نبوءة فرعون)، وتتعزز هذه الدلالة عبر مراحل نموه، إذ يصبح عمر يحيا خمسَ سنوات وهو ما يزال أخرس بسبب حرقة الحليب الذي رضعه من أمه عندما كانت مغثوثة بسبب موت منصور، وكذلك المرآة لا تزال معه(86 )، ثم أن التعالق يتعزز بآلية النطق التي يستجلبها اشتراك الفكرة، نحو قوله تعالى: [ سورة القصص، الآية: 34].
فالتعالق هنا يعزز ظاهرة الغياب التي استغرقها (يحيا) حتى تُثبت عودته، عودة التغيير والإصلاح، ومن الواضح أن الخطاب الأنثوي يتخذ دلالة ازدواجية منها العزلة التي يغيب فيها (يحيا) تواصلياً عن الواقع، فضلاً عن غيابه السردي، عندما غاب في ذاكرة الراوي وجعله حاضراً في ذاكرة الشخصيّات الباحثة عنه التي انفجعت بغياب البطل المفاجئ، وهذا ما أحدث فجوةً كبيرةً في كيان الأسرة، دفعت القاريء إلى المشاركة في البحث مع تلك الشخصيات.
ومن هنا يصبح للغياب حضور آخر يوازي الحضور الفيزيائي للشخصيات، ثم أن استحضار الغائب بهذا الشكل يربط زمن الحاضر بزمن الغائب ويحقق للرواية عالماً_نحسّه ولا نراه_ يخلع على الرواية المقروءة بعداً آخر حتى تخضع للمزيد من التأويلات(87 )، ولا سيما أن غيابه مشروط بحضوره في آخر الرواية، كما عاد موسى _عليه السلام_ في قوله تعالى: [سورة القصص، من الآية: 13]، وهنا اجترار السياقات القرآنية وتوظيفها في الخطاب الأنثوي، حتى تجسد العودة في الغياب، فشخصيّة يحيا هي من تهدد الوجود الأمريكي، لذلك كان جواب المرآة عندما سألها شيخ الجرذان عن الأقوى بين الرجال أجابته ” قِ نفسك من الجاهل يحيا “(88 ) أي أن يحيا هو الأقوى كما اثبت موسى _عليه السلام_ قوته على عرش فرعون واقتصّ من الظالم مظلمته، ولا سيما أن التاريخ قد أصبح يعيد نفسه متكرراً، ليتداخل الحاضر/ أمريكا في الغائب/ تاريخية فرعون، والغائب/مستقبل المسلمين في إثبات الانتصار عبر الخطاب القرآني، ومن هنا تصبح رواية (نبوءة فرعون) مشروطة بغياب يحيا لأن ” القارئ لا يكتشف حقيقة هذا الغياب وأثره الكبير في توجيه الرواية إلا بعد عودة الغائب يوما ما. أي أن الغياب لا يكتسب قيمته في رؤية القارئ إلا بعد عودة الغائب في الأغلب فهذه العودة تُحدث عند القارئ نوعاً من الانطباع المفاجئ الذي يجعله يستوعب بعفوية خاطفة علاقة الغائب بالحاضر”(89 )، فضلاً عن كون الشخصيّة الروائية لا تكتمل بنائياً وموضوعياً إلا حينما تنتهي الصفحة الأخيرة من الرواية؛ لأنها متعلقة بسياقاته ومرجعياته التي تحدد توجهها(90 ).
إن ميسلون هادي قد هجّنت شخصيّة (يحيا) بوساطة الغياب الذي تعالق مع المرجعيات القرآنية وهو غياب نصف المستتر، حتى تجسد فيه آلية الغياب المجهولة وإثبات الحضور المرتقب، بمعنى أن حضور المرجعية الغائبة في الخطاب تكون ” بصورة غير مباشرة ومموهة، فلا توجد إحالة صريحة أو ضمنية إلى النص الغائب، وإنما هناك إشارات احتمالية يرجح من خلالها المتلقي حالة التعالق “( 91)، لذا فإن الغياب هنا يشتغل على صعيدين، الأول يتمثل في الكشف عن النصوص الغائبة المتضمنة أو التي تعالقت، ويتمثل الثاني في البحث عن مستوى الهدف الدلالي الذي اتفق النصان فيه، أي أصداء التعالق وأبعاده الدلالية(92 )، بمعنى أن الفهم يتطلب جمع الأدلة المشتركة بين الخطاب الأنثوي في الرواية وبين العلامات التي تعالقت معها أي البحث عن وجود تداخل نصيّ عبر المحور الأول، في حين يقضي المحور الثاني بالبحث عن مدى اتفاق العلامات فيما بينها التي تقضي بتأويل الخطاب وتوجيهه من أجل إنتاج الدلالة، ويتعزز ذلك عبر المرجعيات الأُخرى التي لمعت في ذاكرة المتلقي، قول الراوية: “ولدت بلقيس بنورة ابنها يحيا منصور ماشي السالمدار، فكان أبرع جمالاً من إخوته العشرة الذين سبقوه “(93 ).
إذ إن حضور الوحدات القرائية عبر (فكان أبرع جمالاً من إخوته العشرة)، هو حضور إزاحة دلالية تقضي بعودة الذاكرة الجمعية إلى النص القرآني وقصة يوسف _عليه السلام_ عن الجمال فضلاً عن عدد الإخوة الذي يعزز دلالة الارتباط، إذ تكرر الراوية توظيف الجمال وانتسابه ليحيا، كما في قول ضرتيّ بلقيس: ” ما أجمله طفل اللالة “(94 )، وقول الراوية عندما وجد مرآته التي فقدها: “وظهر وجهُ يحيا الجميل “( )، وقول أمه بلقيس عندما سألها الصياد عن جماله فقالت: ” كان عندما يتحدث ينتشر من فمه الياس والياسمين، وعندما يستحم تتحول قطرات الماء المتساقط من جسمه إلى قطع متراكمة من الذهب، وعندما ينظر إلى المرآة فالمرآة تتصدع من شعاعات حسنه وجماله الأخّاذ “( 95)، وقوله عن نفسه عندما نظر في المرآة: ” كم أنا جميل يا أمي”( 96)، لا شك في أن وجهات النظر تتعدد حتى تثبت جمال يحيا، ومن ثم استحضار السياق القرآني الذي يربطه بيوسف _عليه السلام _ وجماله(97)؛ لأن الغياب يرقد خلف إيحاءات النص الحاضر التي بدورها تعالق الدلالة بين النصوص( 98)، بمعنى أن تهجين شخصيّة يحيا بالنص القرآني، حتى يوظف الغياب واستراتيجية العودة التي عاد فيها يوسف _ عليه السلام _ عندما أُلقي في غياهب الجب، ثم عاد إلى أبيه (99)، إذ إن الدلالة تتحدد في إثبات العودة، فضلاً عن كونها عودة تغيير وصلاح، أي أن العودة تأتي على اعتبار ما كان زمن فرعون، وما سيكون بعد الجور والظلم الذي يأخذ سيميائية الزمن عبر العتبة القرآنية التي وظفتها الروائية، نحو قوله تعالى: [سورة هود، الآية: 44]، بمعنى أن هذه العتبة قد اختزلت النهاية التي يطمح إليها الخطاب الأنثوي عبر إثبات الحقيقة وقضائها كما ثبتت في زمن نوح _عليه السلام_، وعبر هذا الفهم يتم التطهير من الفساد الذي عمّ به زمن الرواية.
المرجعية الأسطورية:
تمثل ” الأسطورة أول بناء ربط به إنسان ما قبل الكتابة الماضي بالمستقبل، الماضي باعتبار ما كان وهو ما ينجذب إليه، والمستقبل على اعتبار ما سيكون، ويتطلع إليه في محاولة تلافي أخطار أو أخطاء حدثت له “(100 )، أي أن التوظيف الأسطوري هو التلاعب في آليات الخطاب والتواصل الدلالي التي يتم عبرها إنتاج المعنى، ولا سيما أن الأسطورة توغل في الرواية ” وما لهذا التوغل من مقدرة على تمثيل التجارب الإنسانية، وبنائها ذهنياً للانتقال من الحسي إلى المجرد.. ومن النمطي المكرر الذي ينغلق على ذاته وعلى الزمن، إلى الإبداع المواجه والمختلف والذي يباح له استخدام المخزون المعرفي كنموذج مقدس ثم الخروج عليه، وإحالته إلى أشكال يتبدى فيها التحول الحضاري والاجتماعي والأخلاقي للمجتمع بعيداً عن النمطية التي تثبت سلطة السائد وتقدس هذا السائد الذي يكبّل المبدع ويحوله من تيّار جارف إلى بركة راكدة “(101 ).
بمعنى أن الأسطورة توظف في العمل الأدبي بوصفها آلية في الكشف عن العالم وبحثاً عن الحقيقة التي يرمز إليها الخطاب الأدبي/ الأنثوي، لذا فإن التوظيف الأسطوري الذي يتجسد في رواية (نبوءة فرعون) هو البحث عن الغائب وأفق الانتظار الذي يحدده مسار العودة، فعندما غاب (يحيا) “هلعت بلقيس وسقط حيلها إلى الأرض وانطلقت كالمجنونة تبحث عنه في كل ركن وزاوية “( 102)، وعندما يئست من البحث عملت على استجلاب آلية الأمل والبحث عبر الحياكة التي تقوم بها شاكرين في حياكة قميص لـ(يحيا) عند عودته، والتي تحدد الأفق الزمني للمستقبل والبحث عن المفقود، فعندما خرجت بلقيس للبحث عن يحيا توقفت عند الباب وقالت لشاكرين( 103):
– أكملي قميصَ يحيا.
فتنهدت هنية، وهزت رأسها ألماً، وقالت لشاكرين:
– ألا يزال بدون أكمام؟
إذ عمل القميص على اختزال الزمن، وأكد حضور الغائب، لذا فقد وظفت ميسلون هادي أسطورة (عوليس)، وهي الأسطورة التي تقدم مضامين شتى، إلا أن التعالق السياقي قد اختزل معنى الفقد/ الغياب، والعودة/ الحضور، كما تقدمه الأسطورة.
إذ إن عوليس أحد الملوك الأبطال الذين شاركوا في حرب طروادة حتى تركوا بلادهم ونأوا عنها بعيداً، إلا أنه بعد انتهاء الحرب واجه مصاعب كثيرة في طريق العودة إلى الوطن مما أدى إلى تأخّره، حتى ظن الناس أنه مات، لذا عمل غيابه على تشجيع الأمراء في أن يكشّروا عن أنيابهم والتقدم للزواج من زوجته ( بنلوم) طمعاً في الملك، إلا أن وفاء زوجته له دفعها بالاشتراط عليهم إتمام حياكة (بلوفر) قبل اختيار زوج من بين الأمراء المتقدمين، إذ كانت هذه البلوفر وسيلتها في المماطلة وانتظارها العودة؛ لأنها كانت تحوك نهاراً وتنسل ما حاكته ليلاً إلى أن عاد عوليس حتى تيقن ظنّها فأتمتها وألبسته إياها( )، لذا فإن قول بلقيس (أكملي قميص يحيا) هو حتمية العودة عبر تعالق الفكرة التي أنتجها المشترك الدلالي بين السياقين، كما في علامات (قميص/ بلوفر، حرب، بنلوم/ بلقيس، غياب) ثم أن المنتظر أنثى/ بنلوب/ بلقيس، وهذا ما يسمح بإسقاط النص الغائب على المتخيل السردي/ الرواية؛ لإنتاج المعنى الذي يرتقب العودة، ولا سيما أن شاكرين قد حاكت ” القميص لواحد من إخوتها الثلاثة، فلما اختفى يحيا غيّرت رأيها وقالت إنه له “( 104)، بمعنى أن العودة مرتهنة بالمستقبل ” حتى تعبر عن توق الإنسان لامتلاك القدرة على تغيير الأشياء، وتحدي المستحيل”( 105)، أي تحدي الغياب عبر حضور القميص المعنون للشخصية الغائبة، فضلاً عن اشتراك يحيا مع بيضة السنونو التي نجت عندما سقطت جميع بيضاته الخمس من الشجرة في أجواء الحرب فتكسّرت إلا بيضة واحدة(106 )، تلك البيضة التي سوف تفقس في حينها لتُكشف الغم والحزن عن جميع الوجوه عبر النهاية المفتوحة التي غابت مع غياب البطل/ يحيا، ولا سيما أن النهاية المفتوحة تعطي ” إشارة معينة إلى شخصيّة من الشخصيات نستطيع من خلالها تحديد الغرض الذي من أجله لم يضع الكاتب نهاية محددة لها أو لأحداثه”(107 ).
ومن هنا تقف آليات الخطاب الأنثوي في البحث عن الغائب التي تحددت في التعالق/ التناص القرآني، كما في قصة يوسف _عليه السلام_ وعودته إلى أبيه حتى يتوّج عزيزاً لمصر، وقصة موسى _عليه السلام_ وعودته إلى أمه صبيّاً ثم اقتصَّ من ظالمه فرعون بمشيئة الله _عز وجل_، وعودة عيسى _عليه السلام_ في آخر الأزمان، فضلاً عن تمويه الغياب بعين أعدائه، فضلاً عن التعالق الأسطوري الذي يعود فيه عوليس إلى زوجته بعد غياب عسير، إذ تقف هذه الآليات حتى تثبت عودة يحيا بعد غيابه إلى أمه/ الأرض/ الوطن/ الجماعة/ العائلة، وهو ما أطلقه الزمن السردي في المستقبل، بمعنى أن المعالجة التي انتجها الخطاب الأنثوي هو البحث عن شخصية مثالية، نلتمس صفاتها عن طريق المرجعيات التي وظفها الخطاب.

هوامش : 

1- ينظر: نبوءة فرعون/ 139_140.
2- تأويل النص الروائي في ضوء علم اجتماع النص الأدبي/ 69.
3- في نظرية الرواية (بحث في تقنيات السرد)/12.
4- ينظر: م. ن/12_13.
5- بنية الشكل الروائي (الفضاء_الزمن_ الشخصية)/20.
6- ينظر: الشخصيّة في سلسلة روايات إسلامية معاصرة لنجيب الكيلاني، أحمد طه أحمد الشعيبي، أطروحة دكتوراه، إشراف: د. مؤيد محمد صالح اليوزبكي، جامعة الموصل، كلية الآداب، 2006/21.
7- المرأة في الفكر العربي الحديث قراءة في معارك عصر التنوير، أحمد محمد سالم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2012/ 33.
8- ينظر: الرواية الحديثة (الإنكليزية_والفرنسية)، بول ويست، تر: عبد الواحد محمد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ج1، ط2، 1986/ 11_12.
9- الرواية وصنعة كتاب الرواية، ادوارد بلشن، تر: سامي محمد، سلسلة الموسوعة الصغيرة (99)، دار الحرية للطباعة، ودار الجاحظ، بغداد، 1981/ 24.
10- الفن والأدب، بحث في الجماليات والأنواع الأدبية، ميشال عاصي، دار الأندلس، بيروت، ط1، 1963/215.
11- ينظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة/ 126.
12- ينظر: جماليات الشخصيّة في الرواية العراقية، نجم عبدالله كاظم، منبر الكاتب العراقي، www.IraqWriters.com
13- ينظر: بناء الشخصيّة في الرواية (قراءة في روايات حسن حميد)، أحمد عزاوي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2007/ 21.
14- في مفهوم الشخصيّة الروائية، إبراهيم جنداري، بغداد، مجلة الأقلام، ع2، 2001/ 11.
15- بنية الشكل الروائي/ 20.
16- بناء الشخصيّة في الرواية/ 21.
17- ينظر: الشخصيّة في سلسلة روايات إسلامية معاصرة لنجيب الكيلاني/ 177.
18- ينظر: الرواية العربية البناء والرؤياً/ 132.
19- بنية الشكل الروائي/ 247.
20-نبوءة فرعون/ 17.
21- م. ن/ 18.
22- ينظر: استراتيجية الغياب في شعر سعدي يوسف: مدخل تناصّي/ 89.
23- ينظر: لسان العرب، مج6، ج49/ 4440.
24- ينظر: لغة الرواية في نبوءة فرعون لميسلون هادي بين التناص الديني والذاكرة الشعبية/ 7.
25- ينظر: نبوءة فرعون/ 67.
26- م. ن/ 137.
27- ينظر: م. ن/ 139.
28- ينظر: المفارقة وصفاتها/67.
29- المرأة وخطاب الجنس في ألف ليلة وليلة، محمد عبد الرحمن يونس، تونس، مجلة الحياة الثقافية ع57، 1990/ 47.
30- ينظر: المصطلحات الأدبية الحديثة، محمد عناني، الشركة المصرية العامة للنشر _لونجمان، القاهرة، ط3، 2003/ 22.
31- والايدولوجيا هي جل الأفكار والمعتقدات والأحكام الخاصة بمجتمع ما، ينظر: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة/ 41.
32- ينظر: المصطلحات الأدبية الحديثة/ 1.
33- الأنثى بضمير الذكر، مهند يونس، بغداد، مجلة الأقلام، ع6، 2000/ 24.
34- نبوءة فرعون/ 149.
35- بناء الشخصيّة في الرواية/ 59.
36- ينظر: م. ن/ 59_60.
37- ينظر: نبوءة فرعون/ 38_39.
38- م. ن/ 40.
39- م. ن/ 73.
40- نبوءة فرعون/ 73_74.
41- حوار أجراه الباحث مع الكاتبة، عبر شبكة الانترنت، الأربعاء/30/5/2012، الساعة السادسة مساءاً، maysaloonhadi@yahoo.com.
42- ينظر: لسان العرب، مج2، ج15/ 1296.
43- ينظر: م. ن، مج2، ج16/ 1373.
44- نبوءة فرعون/74.
45- ينظر: م. ن/46.
46- م. ن/18.
47- ينظر: التناص في شعر الرواد، أحمد ناهم، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2003/72.
48- ينظر الكشاف، ج2 /496_497.
49- نبوءة فرعون/ 35_36.
50- العين، ج4، مادة (شخص)/ 165.
51- ينظر: نبوءة فرعون/ 17.
52- نبوءة فرعون/ 9.
53- م. ن/ 109.
54- ينظر: م. ن/ 67.
55- المرأة.. سؤال فيه بعض التحدي الجميل والخطر، عبد الرحمن منيف، دمشق، مجلة المنهج، ع41، 1995/ 202.
56- النص الغائب دراسة في جدلية العلاقة بين النص الحاضر والنص الغائب/ 233.
57- نبوءة فرعون/ 45.
58- تقنيات تقديم الشخصيّة في الرواية العراقية (دراسة فنية)، أثير عادل شواي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2009/ 167.
59- النص الغائب دراسة في جدلية العلاقة بين النص الحاضر والنص الغائب/ 233.
60- ينظر: لسان العرب، مج5، ج38/ 3438.
61- ينظر: نبوءة فرعون/ 17_18.
62- م. ن/ 87.
63- م. ن/ 87.
64- م. ن/ 143.
65- ينظر: نبوءة فرعون/ 18.
66- ينظر: م. ن/ 17، 18، 22، 23، 24، 26، 27، 29، 30، 43، 48، 49، 50.
67- استراتيجية الغياب في شعر سعدي يوسف/ 91.
68- نبوءة فرعون/ 64.
69- ينظر: نبوءة فرعون/ 59_61.
70- م. ن/ 67.
71- النص الغائب ( تجليات التناص في الشعر العربي)، محمد عزام، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001/ 29.
72- ينظر: الغياب في الشعر العراقي الحديث(1980_2003م)/ 25.
73- ينظر: النص الغائب/ 28.
74- ينظر: الشخصيّة في سلسلة روايات معاصرة لنجيب الكيلاني/ 34.
75- ينظر: نبوءة فرعون/ 17.
76- استراتيجية الغياب في شعر سعدي يوسف/ 90.
77- التناص في شعر الرواد/ 18.
78- نبوءة فرعون/ 139_140.
79- ينظر: الكشاف، ج2/ 174_175.
80- الغياب في الشعر العراقي الحديث(1980_2003م)/ 74.
81- نبوءة فرعون/ 184.
82- حضور الشخصيّة الروائية وغيابها/ 7.
83- ينظر: نبوءة فرعون/ 17.
84- ينظر: م. ن/ 97.
85- نبوءة فرعون/23.
86- ينظر: استراتيجية الغياب في شعر سعدي يوسف: مدخل تناصي/ 89.
87- ينظر: نبوءة فرعون/ 26_27.
88- ينظر: حضور الشخصيّة الروائية وغيابها/ 7_8.
89- نبوءة فرعون/ 65.
90- ينظر: حضور الشخصيّة الروائية وغيابها/ 8.
91- ينظر: سيميائية الأنثى في رواية(مدينة الله) تداخل المرجعيات وإنتاج المعنى، فيصل غازي محمد النعيمي، ضمن كتاب: مغامرة التجنيس الروائي سؤال الجنس والنوع، إعداد وتقديم ومشاركة: محمد صابر عبيد، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2012/ 105.
92- الغياب في الشعر العراقي الحديث(1980_2003م)/ 69.
93- ينظر: م. ن/ 69_70.
94- نبوءة فرعون/ 17.
95- م. ن/ 17.
96- م. ن/ 135.
97- م. ن/ 178.
98- م. ن/ 43.
99- كما في قوله تعالى: ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ [سورة يوسف، من الآية: 31].
100- ينظر: النص الغائب دراسة في جدلية العلاقة بين النص الحاضر والنص الغائب/ 235.
101- كما في قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭼ [سورة يوسف، الآية: 96].
102- الأسطورة في رواية ..إنه الرابع من آل مستجاب، للأديب المصري الراحل: محمد مستجاب، دعاء صالح إبراهيم نصّار، ضمن كتاب: الفنون والأساطير في الرواية العربية، تقديم: خيري الذهبي، دار الينابيع، دمشق، ط1، 2008/ 254.
103- الأسطورة بين التجديد والتقليد، أنيسة عبود، ضمن كتاب: الفنون والأساطير في الرواية العربية/ 383.
104- نبوءة فرعون/ 139.
105- م. ن/ 148.
106- ينظر: الأوديسة، هوميروس، تر: دريني خشبة/ 16_19.
107- نبوءة فرعون/ 180.
108- لغة الرواية في نبوءة فرعون لميسلون هادي بين التناص الديني والذاكرة الشعبية/ 7.
109- ينظر: نبوءة فرعون/ 138.
110- شعرية الخطاب الروائي في (السيف والكلمة) لعماد الدين خليل، محمد صالح خلف الجبوري، أطروحة دكتوراه، إشراف: عبد الله فتحي الظاهر، كلية الآداب، جامعة الموصل، 2010/ 93_94.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *