حسين سرمك حسن : طالب القره غولي : محنة العراق حين يُمتحن (ملف/8)

hussein-sarmak-7إشارة :
رحل المبدع العراقي الكبير “طالب القره غولي” وستُطوى صفحته في بلاد القطة التي تأكل أبناءها. طالب هو الذي منح الأغنية العراقية هويتها وجعلها عراقية “الوجه واليد واللسان”. وهو الذي –ولأول مرة في بلاد الأحزان- يغرس بذرة الفرح في تربة الوجدان العراقي ويوحده في رائعته “هذا آنه”. هو صاحب النداء الغيور الصالح لكل محن العراق: “ما هو مِنّه يا شعبنه/ الما يِشِدّ حزامه وَيْ شدّة حزمنه”. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتّاب والقرّاء للمساهمة في هذا الملف عن هذا المبدع الخالد.

المقالة :
في لقاء سريع جمعنا بالمبدع العراقي الكبير «طالب القره غولي»، عام 2006، استمعنا إلى قصيدة للمبدع الراحل «يوسف الصائغ» قام القره غولي بتلحينها مؤخراً:
«سيدتي/
يا رائعة العينين/
لا تسأليني متى؟ لا تسأليني أين؟/
ففي زمان الحبّ والوفا يكون كل شيء بيننا بدين/
حتى دموع العين»
ومثل طريقة الصائغ في كتابة القصيدة السهلة الممتنعة، جاءت طريقة وأداء القره غولي السهلة الممتنعة في تلحين هذه القصيدة التي يوظف الصائغ فيها أغنية عراقية قديمة ومعروفة هي: «يا زراع البزرنكوش ازرع لنا حنّة» ليصوغ – وهو الصائغ الأمهر – المقطع الأخير من قصيدته بطريقة مشحونة بشجن مموّه. وفي مخطوطة كتابي عن الصائغ: «القدّيس المعصوب» وجدت أن أغلب شعره مسخراً لموضوعة الموت. لذلك أقول إن شجنه مموّه ونداءه التفاؤلي الأخير هو نداء ينطلق من حنجرة اليأس:
«حتى إذا نضج الصبر على الأغصان/
وفتحت أبوابها الجنّة/
ترددت في الروح والوجدان/
أغنية من سائر الألوان/
يا زارع الريحان: ازرع لنا حنه/
فلتذهب الأحزان وتنتهي المحنة». taleb-6
لكن طالباً الذي تخصص في فك شفرة الحزن العراقي النبيل هو الذي يطلق النداء الفاجع ويضع النقاط – نقاط الخسارات – والثكل، على حروف التعبير اللحني الذي يمزق أوصال الروح، فترتفع صرخة الرجاء، الطلب اليائس:
حنّه.. حنّه،
بنفس طريقة الأغنية العراقية القديمة، وليتبعها –بصوته الهادر الجريح– بصحيتين مدّمرتين وبأعلى جواباته:
«محنة.. محنة»
تأتي الصيحة من تحت جبل المحنة المستقر والراكز فوق أرواحنا منذ فجر التاريخ، فيعتصر القلب وتترقرق دموع الحاضرين. هكذا تتواصل وتتصاعد المسيرة الثرة لهذا المبدع الفذ، غنية بالعطاء ومرتكزة على سلسلة «نداءات» موجعة: نداءات تنطلق من أقاصي الروح العراقية الجمعية اللائبة لتحشد الأنهار والأهوار والجبال والنخل والعقول، وهكذا هو صوت طالب، حين تسمعه – وبشكل خاص في لحظات المحن وضغوط الغربة، تشعر بأن العراق كلّه يأتيك راكضاً، بسهوله ووديانه، بأنهاره وأهواره، بغاباته وبساتينه، والأهم بعذاباته و (نداءات) شدائده الفاجعات – وانظر إلى وجه طالب وخصوصاً حين ينفعل بغنائه وتأمل ملامحه ستجد حقاً أنه مجبول من الطين السومري.. طين الجنوب الحرّ، على وجه طالب ترتسم خارطة عذابات العراق ونهشته مخالب ضباع الليل السوداء:
«ما هو منّه ولا له مسكن ويه أهلنه/
الما يشد حزامه وي شدة حزمنه/
لا حلال عليه ميْ دجلة وفرات/
الما يصون رغيفنه البيه الحياة/
ترابنه يتبرّه منه واحنه نتبره منه».
هذا الذي تغنى بماء الفرات الزلال، ماء الفردوس، يلهث ملتاعاً بعيداً عن الفرات، هذا الذي عزف بأنامل روحه على أوتار دجلة الخير، يعاني العطش والغربة بعيداً عنها: (ينادي) من بعيد:
محنة.. محنة..
فيرجع الصدى المدوي:
أي.. نعم.. محنة ما بعدها محنة،
وحين كرّرت مفردة (نداءات) ووضعتها بين قوسين فذلك لأن أغلب المنجز الإبداعي اللحني لطالب موسوم بـ (النداء)، وفي هذا سرّ نفسي ينبغي استكشافه في دراسة تحليلية أعمق مستقبلاً لأنها سمة لا تشمل فنانين عراقيين آخرين فحسب، بل تمتد لتشمل نصوصاً شعرية هائلة العدد. لقـد بـدأ طالب مسيرته اللحنية بأغنية نداء :
«يا الناصرية
تضمين طيفي وخيالي»
ثم «لا يا هوى».. و«يا حبيبي».. و«يا خوخ» و«يا ليل».. و«يا طعم.. يا ليلة من ليل البنفسج» «اشتكالك يا نهر» «جداب.. أي يا كذاب»…
وهكذا إلى أن نصل إلى آخر ألحانه وهو المرتبط بقصيدة الصائغ:
يا سيدتي الرائعة العينين،
والتي يختمها بنداء مستميت:
يا زارع الريحان ازرع لنا حنّة»،
ولأن النداء ينبثق من سويداء روح طالب، فإنه يأتي عادة تعبيرياً محكماً، فهو «مترجم» لحني تعبيري ماهر. لا «يترجم» المعنى الظاهر في النص الغنائي ولكن المعاني الخفية أيضاً. أتحدث مع الشاعر «فائز الحداد» دائماً عن أغنية عجيبة مغدورة لطالب هي «يا خوخ»، النص كلاسيكي مبنى ومعنىً، لكن انظر واستمع وتأمل ما فعله القره غولي. خذ مثلاً المقطع الأول الذي يبدأ بـ (نداء) شبه هادىء:
«يا خوخ لجلك عاشرت كل الطيور وصادقت/
خافن جنح عصفور ينتل غضك ويمك نمت».
تبدأ الآن حركة متهاودة ومتدرجة ومنكسرة نفسياً وإيقاعياً، معاتبة ومنجرحة:
«وداريتك بكيظ وشته»
يلي ذلك تذكير بخذلان ووفق النبرة نفسها لكنها تهدهد ذاتها لتستقر مفاصلها وتقرب من وقفات عذبة محسوبة:
«ولما كبرت.. وتحمرت»
وتستمر “نداءات” العتاب والأسف:
«يا وسفه يا زردالي..
يا وسفه يا زردالي»
لتعود إلى درجة (جوابها) المُترع بالأسى وفي صورة نداء جريح:
«يا حيف يا زردالي..
بدذات مالك تالي»
كان طالب وما يزال كلما اشتدت جراحات شعبه، وبرغم إحباطاته الشخصية الكثيرة يدعو روحه المحاصرة إلى أن تغني، فـ (ينادي) برائعة الشاعر الراحل “كامل العامري”
: «غني روحي (أي يا روحي)
غنّي روحي شما يجيلج حزن غني
غني كل شي يصير غني»
فصارت عبر أكثر من ثلاثين عاماً ركيزة من ركائز الوجدان العراقي، ركيزة بناها بالمثابرة والجهد المتواصل العزوم والعرق والدموع والسهر والتشنج بالروح العراقية.
ألم تكن أغنية «هذا انه وهذاك انته» أغنية الالتحام العاطفي العراقي من الشمال إلى الجنوب؟ :
«شفت بعيونك بلادي/
نهر وجبال والوادي/
شفت دجلة وفي مثلك/
يفيض لغيري ولجلك».
طالب القره غولي هو الذي زرع بذرة الفرح والتفاؤلية في تربة روح العراقي المعروف بأنه وكيل أحزان الله على الأرض. هذا الإنسان المخلوق من طين ودم جعله طالب ينظر ولو للحظات، وفي ظلّ الحروب والحصارات من زاوية نور وأمل سريعة: «شفت روجاته يا روجاته مثل معاضدك فضّة/
تتهادى ويه جاري الماي هلهوله فرح غضّه/
ومن حبك غناي آنه تعلمته
وهذاك انته».
تحية إلى روحك أبا شوقي الحبيب وأنت خالد في عليين ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

2 تعليقان

  1. جمعة عبدالله

    الاستاذ الناقد الكبير حسين سرمك حسن
    حقاً اصبح العراق مصاب باللعنة والغضب , من قبل الاحزاب الاسلامية الفاسدة الحاكمة . وصار العراق مثل القطة التي تأكل أبناءها , وسط تجاهل تام مقصود ومتعند , يتم اهمال قسري لرموز الادب والفن , الذين كانوا عمالقة , وقد اعطوا رحيق عمرهم من اجل العراق , وحفظ الهوية العراقية الناصعة . وبالتالي يرفضهم وينكر عطاءهم سدنة النظام الطائفي . ان هدف الاحزاب الطائفية , هو اقامة دولة قندهارية , تلعن كل ما هو جميل ومشرق . وعدوتها هي الادب والفن والمسرح , وكل ماهو مشرق للحياة . لذلك انهم لم يعترفوا بحقوق عمالقة الادب والفن , وعندهم التراث الشعبي والغنائي حرام ولعنة شيطانية . وهذه دعوتكم النزية , حفظ حقوق هؤلاء العمالقة من النسيان والاهمال , وباعتباركم من الاسماء البارزة والمضيئة , في النقد الادبي والفني . اتمنى من نقاد الفن والادب تلبية هذه الدعوة الوطنية , في تأبين العمالقة الذين فقدناهم والذين على الدرب للضياع , في العراق المصخم , الذي يقوده السراق والحرامية واللصوص والعمائم الشيطانية .
    هذه الدعوة منطلقة من روحكم الانسانية , بحفظ التراث الادبي والفني
    ودمتم بخير وعافية

  2. شكرا جزيلا أخي الناقد البارع الأستاذ جمعة عبد الله على لطفك وتقديرك وروحك الوطني الغيور. حفظك الله من كل مكروه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *