هدية حسين : قصص قصيرة جدا

hadiya-101.. قبلات
يخبرني بأنه يراني في أحلامه كل ليلة، هذا يعني أنه ينام ملء جفونه، وأسهر أنا لا أراه إلا في أحلام يقظتي، أحاول أن أتحايل على النوم، لكنني أفشل، فأترك الفراش وأفتح المسجل.. صوت نجاة الصغيرة ينساب دافئاً (وانا رمشي مذاق النوم وهو عيونه تشبع نوم) لكنني لا أدعو علي حبيبي مثلما تفعل نجاة ليروح النوم عن عيون من تحب، بل أتمنى أن يظل حبيبي نائماً كل ساعات الليل لأكون في أحلامه.
يخبرني أيضاً بأنه يقبلني في أحلامه.. أقول لنفسي بأنها قبلاتنا التي لم نقترف غوايتها في سالف الأيام، وهذا استحقاق يعود إليّ وإنْ في الأحلام، لكنني أقول له مدّعية الغضب وبنبرة عتاب: لماذا تفعل ذلك؟
بينما شفتاي تشتعلان بحرارة لاسعة.
2.. شمعة
أشعل شمعة في عتمة أيامي، وأستضيفه على مائدة الشوق، يهمس لي بكلمات تسقط على سمعي مثل موسيقى هادئة، فأحلّق الى مديات لا حدود لها، وأتلو على مسامعه قصائدي فيذوب وجداً، ويضج المكان بالحرارة طارداً السكون البارد، ويصير الليل كوناً شاسعاً من نجوم وأقمار.
وحين تنصهر الشمعة، وتلفظ آخر أنفاسها، ويعم الظلام ليخفيه عني، ويتلاشى الحلم فلا أمسك به…أروح أبحث عن شمعة أخرى، فلا أجد سوى قلبي لأشعله.

3.. فلنتاين
انتظرتُ بصبر.. في كل يوم أسقِط ورقة من الروزنامة، وأبحث عن أجمل التهاني التي خصصت لهذا اليوم الذي لا يشبه الأيام ..حتى لم يبق سوى ساعات قليلة على عيد الحب.
ولأنني لا أريد أن ألصق به تهمة السهو أو التغافل، ولا أريد أن أشعر بالخيبة من نسيانه أو تجاهله لهذه المناسبة، قلت لنفسي: سأسبقه وأرسل له التهنئة، وليس أحلى من بطاقة مصورة بقلوب وورود حمر..لا شك أنه سيشعر بالتقصير، فهو مثل كل الرجال الذين لا يتذكرون أو لا يبالون بمناسبات كهذه.
في الصباح الباكر استيقظت.. أظنني سمعت رنة الرسائل في التلفون.. هرعت، فإذا به يسبقني.. أضاءت الشاشة على عبارة: كل عام وأنتِ حبيبتي.. مع بطاقة فيها كون من ورود الجوري الحمر.

4.. توقيت مختلف
أنا وهو نشاهد القمر والشمس في وقتين مختلفين، ونذهب الى النوم ثم نستيقظ في وقتين مختلفين أيضاً، فهو يرى الشمس في الوقت الذي أرى فيه القمر، وتدركني الشمس بعد أن يكون سميرهُ القمر، وحينما أنسى وأقول له: طاب مساؤك، تأتي ضحكته رائقة ويقول: لقد بدأ الصباح عندنا تواً.
وفي كل مرة، بعد أن تنتهي المكالمة، أقوم من الفراش، وأرمي نظري الى نجوم السماء وأردد مع نفسي: يا ألله، لماذا جعلت بيني وبينه كل هذا المدى الشاسع واختلاف التوقيت؟

5.. احتراق
في أول بزوغ للفجر، قبل أن تفكر الشمس بالخروج من وراء الأفق، أرسل لي قبلة عبر الأثير، طارت بخفة فراشة، وحطت على شفتي متجاوزة محيطات الدنيا.
ومع أن الثلوج ماتزال متواصلة، ودرجات الحرارة دون مستوى الصفر بعشر درجات، إلا أنني حين تلمست شفتي، احترقت أصابعي.

6.. الساعات الأخيرة
ـ قل لي يا دكتور، كم تبقى لي في الحياة؟
ـ وقت لا يسمح بالكثير من ترتيب الأشياء.
ـ هل بالإمكان معرفة مداه؟
ـ ساعات قليلة.
ـ أشكرك يا دكتور على صراحتك، يمكنني ترتيب أموري خلال الوقت المتبقي، سأقوم بتوديع الأهل وأخبرهم بأنني مسافرة.
ـ إلى أين ستذهبين؟
ـ لن أذهب الى أي مكان، سأغلق بابي، وأشعل شمعة تكفي للساعات الأخيرة، أذوب معها على مهل، وأتقاسم آخر الأنفاس مع طيف رجل طالت بيني وبينه المسافات.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هند زيتوني :  شيءٌ  من الحب .

اعتراف يشبه القول: إنَّ القلب الذي لا يعرف الحُبّ، هو صندوقٌ خشبي أجوف. يعتريه وجع الفراغ …

| عبد الجبار الجبوري : كلامُ القُبَل .

    أكادُ أسمعُ بحّةَ صوتِها، وهي ترسمُ دائرةً للضوءِ على شفاهِ المَطر،أغارُ من ضحكتِها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *