الرئيسية » ملفات » شكر الصالحي : هذا .. قبر المرحوم موفق محمد !! (ملف/1)

شكر الصالحي : هذا .. قبر المرحوم موفق محمد !! (ملف/1)

shokorإشارة :
كانت شجاعة الشاعر الكبير “موفق محمد” في مرحلة الطغيان التي سبقت الاحتلال الأمريكي القذر لوطننا، لا نظير لها بين الشعراء الآخرين. كان يقف على منبر المربد، كالأسد، بقميصه مفتوح الازرار، منتعلا الشحّاطة، ويصدح أمام المستمعين من العراقيين والوفود العربية بقصائده العنيدة التي تقارع الظلم والقهر والإذلال، ويعود الى مدينته الحلة تاركا الجميع مشدوهين وفي قلق على مصيره. وهو كما يقول الآن في مرحلة القضاء على العراق لا سمح الله: (أكتب الآن قصيدة في رثاء “مدني صالح” هي ليست رثاء له، وإنما رثاء للعراق الجميل الذي يتلوى بين فكوك الأسود، أقول في مقطع منها: وعزرائيل على دراجته الهوائية/ يتلفت مذعورا/ رافعا رايته البيضاء/ لملائكة الموت المفخخ). واحتفاء بمنجزه الشعري الباهر تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الأحبة الكتاب والقرّأء إلى إغنائه بالدراسات والصور والوثائق. تحية للشاعر الكبير موفق محمّد.
المقالة : 
إذا لم تقرأ هذا الوجع / النص الذي بين يديك قراءة منتجة , فما أنت بقارئ , ولمَ هذا الاستغراب الذي يلوح في ملامحك بعد أن مات الزرع وجفّ الضَرع ؟ فقد طفح الزَبدُ وفاضت أنهار الشعر بطحالبها وأشناتها , ولم يعد بمقدورك أن تستمتع بما يخفف عنك ضراوة الخراب ويدفع عنك (أيضاً) نِصال السيوف الصدئة التي تحتزّ رقبتك تحت يافطات متهرئة طغت على نياسين سنواتنا الغاربة , و(قد) تستغرب مرّة أخرى لعنوان هذه المقالة الفاضح ( هذا .. قبر المرحوم !! ) , ولكن ما الغرابة فيه , فكلنا جثث تسير إلى حتفها القادم , وكلنا سنحوز ذات يوم وبجدارة على هذه الصفة الصادمة المرحوم !! , وتعود للنص الذي بين يديك وأنت الذي تعرف منتجه منذ – الكوميديا العراقية – التي نشرها في سبعينات القرن المنصرم في ( الكلمة ) النجفيّة المطبعية – نسبة إلى حميد المطبعي – الكاتب والمؤرخ الأدبي المعروف , والذي كان بجرأته تلك مشاكساً وإلى يومنا هذا وبنصه هذا لكل ما هو مألوف وسائد في مشهدنا الشعري (آنذاك) , ومع كل هذا العمق الاجتماعي بينكما فأنت ما زلت مندهشاً به و بنصوصه التي أصبحت علامة عافية الشعر العراقي راهناً بقدرتها القادرة على فضح كل ما هو رديء في حياتنا وكم تمنيت أن تكون أنت ولا سواك منتج هذا النص الكبير بكل ما فيه , ولكن التمنّي رأس مال المُفلس وما كل ما يتمنى المرء يدركه … على أيةِ حال عُدْ إلى صلب موضوعك – كما يقال – ولا تُسرف بالكلام المباح عن ما يقال وما لا يُقال ولا تذهب بعيداً فالنص – هذا .. قبر المرحوم !!- يحتاج إلى قراءة منتجة كما أسلفت , وما عليك ألا أن تتوكل وتدخل إلى / نصك هذا بعدّةٍ مناسبة تعينك على استجلاء ما بين سطور النص الموجع الذي ينفتح على عدة مستويات تأويلية ..mowaffaq-7
يقول منتجه الشاعر الكبير موفق محمد في مطلعه :
يا أيها المتقرفص في المرآة
انفض عن كتفيك غبار الخوف
قُلْ لي ما اسمك ؟
واستدرْ لي
فأنا مثلكَ اتشظّى رعباً
وأعبر في المرايا كي أراكَ ولا أراكْ ..
يلاحظ قارئ النص أن الخطاب موجه إلى الآخر – المتقرفص – الذي هو الذات المنتجة من خلال – فأنا مثلك – ومن هنا تتضح حالة الاندماج لا بل التطابق بين الاثنين وهذا ما سيكشفه النص لاحقاً , لكن – المرآة – هي الكاشفة في البدء عن حالة الرعب الذي يعيشه الاثنان , والمرآة بدلالتها الواقعية هي العاكسة لما يقع عليها من أشكال لذا فالصورة التي تجسّدها لا رتوش فيها بل هي .. هي .. صافية / معتمة / مضببة , والذي يزيد في الإفصاح عن التطابق قول الشاعر : فلا فرق بين كأسكَ وراسك / فكلاهما متشحان بالبياض , وبياض الكأس واتشاحه ببياض محتواه واضح في الدلالة كما هو وضوح إتشاح الرأس بالبياض , والبياضان هنا :
كأس = أبيض
راس = أبيض
وهما في المحصلة علامة التعب والمعاناة وطيبة القلب ونقاء السريرة واشتعال الروح بمباهجها واحتراقاتها معاً وإلا لما جاءت الصفة والموصوف بهذا الامتزاج الدال على تناغم الأنا / بالآخر الذي هو في واقع الحال – الأنا – المتجلية في مستويات مختلفة , والذي يؤكد هذه القراءة وتوصلاتها الأولى إن الشاعر يفضح مقاصده تلك بقوله :
أنتَ في الستين الآن من عمرك
ولم تكتب شيئاً يليق بعذابك
أفنيت نفسك كي تردّ الضيم عمّن
يأكل الآن لحم كتفيك
ويلوي في يديكَ
إذاً فالمتقرفص الآن في الستين من عمره ولم يكتب شيئاً يليق بعذابه , ومنتج النص في الستين من عمره , ولكنه يتواضع لكي يقول انه لم يكتب شيئاً يليق بما جنى من عذابات يدرك كم هي قاسية ومؤلمة نالت من الشاعر الذي يقف على مقربة منه , ولكن الصدمة في هذا الحجم من جَلد الذات الذي يوقعه موفق محمد بصاحبه (( المتقرفص )) تظل مُضللة للقارئ فمن هو / هم من أفنى النفس ليردّ الضيم عنهم وهو / هم من يأكلون لحم الكتف لاوين يديّ المتقرفص / الشاعر , ورغم ما في هذه الصدمة / اللاذعة من مرارة وحزن ألا أن الواقع ينأى عما قرره , فالإنسان المخاطب غير ذلك الإنسان / الوحش الذي يراه المتقرفص , وأعتقد جازماً أن من يأكل لحم أخيه ويلوي يده لن يكون أبداً من فصيلة هذا الإنسان الكائن الجميل بسلوكه الرائع .. ولكن ما يراه ربما لا نراه وتلك هي حصيلة منطقية لتعدد مستويات قراءة النص وارتقاء دلالاته التعبيرية ..
ويوغل المتقرفص / موفق محمد في تعرية واقعه إذ يقول :
أنت في الستين الآن
ولا إمرأة تمسح التعب عن جبينك
ولا سكنٌ سوى الأرصفة
ولا وطنٌ يقرأ شيبكَ ويرى السواد الذي
يَصبغُ فيه
وها هو مرة أخرى يُشير بجميع أصابع يديه مؤشراً على المتقرفص في المرآة , الذي لا يجد امرأة يسكن إليها ولا سكناً ولا حتى وطناً , وهذا ما يعاني منه عبر أيامه هذا المتقرفص الذي لا يستحق كل ما هو فيه من حرمانات موجعة , ولنتوغل أكثر في فضاءات النص – المقطوع الرأس –
ونم في أعماقك
فقد ذابت حكمة كُعَيك بن جُريك البخصمي
في خرافة زُبَيد بن حَليب القيمري
والطوفان ينتعل الحفاةُ
فأية كوميديا سوداء يصفعنا بسوطه الباشط هذا المتقرفص / موفق محمد , فقد ذابت حكمة كُعيك في خرافة زبيد , وفي ذلك دلالات على فداحة الخيبة والخسران من كل ما قرأنا وسمعنا وحشونا به رؤوسنا من وصايا ووعود وطلاسم لم نحصد منها غير الهزائم والانكسارات والانتظارات القاتلة وهذا ما لم نتصوره في أحلامنا المحاصرة بالفجائع والخسارات , ويلخّص النص في سطوره الأخيرة محنتنا / محنة المتقرفص الذي هو الشاعر موفق محمد الذي يقرر في ختام هذه المكابدة النصية بقوله :
ولا أحدٌ سواك يتقرفصُ بعيداً في المرآة
ولا فرق بين كأسكَ ورأسكَ
فكلاهما مؤطران بالسواد
( هذا قبر المرحوم )
موفق محمد
وأعود إلى النص بمجمله وتعود معه أدوات معرفتك بالمتقرفص الذي أحالنا إلى كأس ورأس يؤطرهما السواد بعد أن كانا يتشحان بالبياض وتلك نهاية حزينة ما أردنا أن يأخذنا إليها الشاعر المبدع موفق محمد وهو الذي يحبّ الحياة بمفاتنها وأحزانها ولكن فداحة الواقع هيمنت على تماسك وتوازن هذا الذي أحال توقعاتنا إلى ما لا نتوقعه وكنا جميعاً نركب سفينة المآسي التي أثقلتنا بها أيام العُهر والموت المجاني ..
وبعد .. ما الذي تريد أن تقوله يا من تمنّيت والتمنّي كما قلت رأس مال المفلس ؟ .. أقول جازماً أن هذا النص الفضائحي بمعطياته المتحققة على أرض الواقع الآن هو صوتنا الجهير في إدانة القبح و الظلام الذي يضلل أيامنا المتعبة , ويمكن أن تلخّص الأشطر التالية جوهر النص / الفضيحة التي ترسم لنا خلاصة المشكلة :
1- فاترك ما تبقى من جسدك في عيادات الأطباء ..
ودلالة ذلك واضحة فالعطب هو المحصلة .. وأي عطب يا موفق ؟!
2- وأترك ما تبقى من جسدك في حدائق العوانس
فالثمار تيبّست أصحيح أيها الشاعر؟
3- اترك ما تبقى من جسدك للعتّاكة
وهذا لب المصيبة فلا شيء في الجسد ما يصلح للحياة ومَن لهذه البقايا غير باعة السكراب
( العتّاكة ) …
وهناك في الختام ما يوجب التنويه به فهذا النص الذي لم يعنونه شاعره أهداه ( إلى مالك المطلبي ) والمطلبي علامة فارقة في ثقافتنا الراهنة وأخشى عليه أن يكون هو الآخر ( متقرفصاً في المرآة ) كحال صاحبه منتج النص موفق محمد .. والشيء الأهم برأيِ أن الشاعر لم يضع عنوانه :
(هذا قبر المرحوم)
في مقدمة النص أو على رأسه بل تركه بعد الشطر الأخير وجعله جزءاً من نسيج النص , بمعنى أن موفق محمد أراد أن يقول لقاريء نصه أن النهاية الحتمية ستكون ( هذا قبر المرحوم ) وهذا ما لا نتمناه أبداً ..
وأخيراً أقرر أن هذه السطور لا تُغني عن قراءة هذا النص الخطير الذي أتمنى لمنتجه خلّي وصاحبي مواصلة هذا الإبداع والتألق الذي يستحقه عن جدارة واستحقاق , فكم لدينا ( الآن ) مثل شاعرنا موفق محمد أيها الأصدقاء القراء ؟

شكر الصالحي
Email : Shukur alsaleheu @ Yahoo .Com
4 / آذار / 2008

2 تعليقان

  1. احمد سليمان

    السلام عليكم ىرحمة الله وبركاته
    بدأً اود ان اشكركم على المجهود الذي تبذلون لامتاعنا بكل ما هو زاهر وزاخر .
    فضلا وليس امراً ارجو ارسال النص الكامل لقصيدة الشاعر المرحوم موفق محمد المشار اليها في المقال اعلاه
    ودمتم

  2. وعليكم السلام ورحمة الله. الشاعر موفق محمد لم يمت وهذا تعبير شعري مجازي. ولا تتوفر لدينا القصيدة للأسف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *