الرئيسية » ملفات » د. رسول بلاوي : توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (ملف/35)

د. رسول بلاوي : توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (ملف/35)

rasol-balawi-3إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
رسالة مقدّمة لنيل درجة الدكتوراهجامعة الفردوسي مشهد
الباب الرابع: الأغراض و المضامين
الفصل الأول: موتيف الوطن والمرأة
الوطن:
علاقة الإنسان بوطنه حميمة جداً، يمكن رصدها من منظور مادي ومعنوي، فقد يرتبط المرء بوطنه وأمته، مادياً، واجتماعياً، فتنشأ علاقة مشتركة، أساسها المصلحة المتبادلة بين الفرد والجماعة، ويشعر الأفراد بحاجتهم إلى التعاون والتضامن في دفع المضار وجلب المنافع. ومتى تتعطل هذه المصلحة، يفقد الوطن معناه، ويبطل التعلق بذكراه، ويرى بعضهم: «أن مسقط الرأس ليس لأحد بوطن، إذا صار بلقعاً، أو استحوذ عليه العدو وبغى، ولم يبق فيه أصل ولا ملك ولا جدوى، ولحق بما هو خير منه وأولى» (الحصري، 1985م: 15)، لأن الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن، كما يقال؛ و لا کرامة للإنسان إذا عاش في وطنه فقيراً ذليلاً لا أمان له:
إنّ زنزانةً أغفو فيها آمناً
لأوسع عندي ..
من وطنٍ
لا أمان فيه! (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 79)
وقد يرتبط الإنسان بوطنه وأمته، فكرياً، ومعنوياً، كالاعتقاد بوحدة الأصل والمنشأ والمعتقد و اللغة والتاريخ، و قد شبّه بعضهم المجتمعات البشرية بالنسيج العضوي للكائن الحي.
ومن هذا المنظور يصبح الوطن كياناً مشتركاً بين الناس له هوية تميزه عن الأوطان الأخرى، ومن هنا برزت فكرة “الوطنية”، والشعور بالانتماء إلى الوطن، وهو – كما يفهمه البعض- مصطلح غربي انتقلت بذوره من مطاوي العلوم الإنسانية، وأصول المدنية الحديثة (الخازن، 1986م: 239).
في حين يرى آخرون: «أن الحس الوطني تبلور فكرياً وعاطفياً من مناهضة الاستعمار، فظهرت فكرة “الأوطان” الخاصة بكل شعب أو أمة» (مريدن، 1973م: 125).
وثمة من يعتقد: «أن الدين والوطن توأمان، فلو نزعت العقيدة من وجدان الإنسان، لنزعت منها محبة الوطن» (كامل، 1935م: 94)، ويشدّد بعضهم على الوطنية والمواطنة أساساً لعلاقات الناس بعضهم ببعض، بدلاً من الاعتماد على الدين وحده، «الإيمان بوطن يكون الولاء فيه للقيم الوطنية والاجتماعية والإنسانية» (محمد حسين، 1970م: 102).
والإنسان يحب وطنه تحت تأثير النزعة الوطنية، فيشعر نحوه بتعلق عاطفي شديد، وكذلك يحب المرء أمته تحت تأثير النزعة القومية، ويشعر تجاهها بارتباط وثيق، ويعد نفسه جزءاً منها. ونستطيع القول: إن منبع الوطنية وبذرتها حبُّ الوطن، أما منبع القومية وبذرتها فحبُّ الأمة.
و إذا کان الإنسان جزءاً من موطنه الذي ولد و نشأ و نما و ترعرع فيه، و شرب عاداته و تقاليده، و آمن بقيمه و مبادئه، و رضی به مکاناً مختاراً، فإن الارتباط به يظل أقوی من أي ارتباط بمکان آخر، ألم يقل الرسول (ص) عند هجرته من مکة الی المدينة “والله إنک لأحب البلاد اليّ، و لولا أن أهلک أخرجوني منک ما خرجت”؛ و يقول السماوي بعد مفارقة العراق:
فارقتُهُ قسراً ففارقني
خبزُ الحبورِ و کوثرُ الرّغدِ (زنابق برية: 105)yahia 26

حب الوطن:
الوطن يبقی خالداً في ضمير کل شاعر، فانّه يمثل للشاعر تمام الحبّ، وکثيراً ما تغنّی الشعراء بحبّ الوطن، فالوطن لا يشتری بمال، فهو تاريخ الشعب و ماضيه و حاضره و مستقبله. و شاعرنا يحيی السماوي من الشعراء الذين تغنّوا کثيرا بحب الوطن، فعنده الحب و الوطن توأمان لا فرق بينهما إلّا بالحدود:
الحبُّ والوطن :
توأمان سـياميّـان ..
متشـابهان ..
باسـتـِثـناء :
أنَّ للوطن ِ حدودا ً ..
ولاحدودَ
للحب (مسبحة من خرز الکلمات: 37)
و في مقطع آخر يقول الشاعر:
الوطنُ جَـسَـد ..
الحبُّ روح ..
بعَـقـدِ قِـرانِهما
يتشـكـَّـلُ
قوسُ قـُزَح ِالمواطنة ..
ويُـقامُ :
الفردوسُ الأرضيّ (المصدر السابق: 38)
و لکي تتّضخ لنا فکرة التماهي بين الوطن و الحب لدی الشاعر نستشهد بمقطع آخر من هذه المجموعة:
إثنان لا تـَقـْرَبُـهما الشـيخوخة :
الحبُّ .. والوطن
……..
لن أخشى حماقاتي
ما دمت ِ طوقَ النجاة
يا حبيبة ً من ماء ونار وتراب ..
ووطنا ً من لحم ٍ ودم ! (المصدر السابق: 75)
فالسماوي لا يفرّق بين الحب و الوطن، بل يجدهما شيئاً واحداً، فالتخلي عن حبّ الوطن يعني للشاعر الموت و العدم، فيعلن:
نحنُ كالأسـماكِ يا حبيبتي :
نموت إذا لم نـغـرَقْ
بحبِّ الوطن !
وكالحُبَّ :
تـَـصْـدأ مرايانا
إنْ لم نـُـزِل عنـهـا ضبـابَ الكراهيـة ( المصدر السابق: 90)
فالسماوي کما يتّضح لنا من الشواهد التي أوردناها شاعر وطني من الطراز الأول، وحتى مع تنوّع رؤاه الشعرية فإنها تدور حول نقطة واحدة هي الوطن، هو يحبه ويتغزّل به ويحنّ إليه ويشخّص أدواءه، ويقترح علاجات لها، ويستعرض مزاياه ويهاجم أعداءه، ويبكي ماضيه وحاضره ويأمل في مستقبله، و في حضرة الوطن يکتب بدمه و دموعه لا بأبجديته:
في حضرة الوطن
أستغني عن أبجديتي
فأکتب بدمي
أو بدموعي.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 145)
و السماوي يری وطنه العراق ماثلاً أمامه، يبدو له في صورة المرأة و النهر والنخل و القرية والمدينة، وهي رموز معادلة للوطن الكبير، ورغبة عارمة للرجوع إليه والإلتصاق به.
عبّر الشاعر عن حبه لوطنه الذي ولد فيه، و نشأ و شرب من مائه و حنانه، و تدفأ بجناحيه، و استظل برعايته و خيره، و أظهر شدة انتمائه لهذا الوطن و استعداده للتضحية من أجله بکل غالٍ و نفيس، فلا وجود للإنسان بدون وطنه، و لا کرامة لإنسان، بدون کرامة وطنه، لذلک حثت الأديان و الأعراف علی حب الوطن، فالوطن هو الأهل و العشيرة و الحياة و الوجود.
صورة الوطن في المنفی:
غادر السماوي وطنه العراق هاربا من سطوة الحكم الاستبدادي، وقد حفرت سنوات المنفى والتشرد في نفسه أعمق آلالام، غير أنها في الوقت نفسه، فجّرت فيه ينابيع الشعر الخفية، حتى أمسى الوطن عنده معشوقة تتمنع عليه .. أو جنة موعودة له، يحلم بالعودة إليها، بعد أن اختار استراليا وطنا للإقامة قادما اليها من السعودية التي دخلها بعد فشل الانتفاضة في آذار عام 1991م.
و لا عجب في أن يتداخل الوطن و المنفی الی حدّ التماهي في تجربة الشاعر، فالعراق بالنسبة لمبدعيه من معارضي صدام و نظامه لم يکن بأکثر من معتقل أبدي خانق. يقول السماوي: «.. في العراق کنتُ أحلم بالهرب منذ وضع اسمي ضمن الأسماء الممنوعة من السفر، و في الغربة أحلم بالعودة الی العراق! ، لقد أحببتُ العراق الی حدود الکراهية.. فالحب قد يتحول الی حقد حين يأخذ شکل الجنون، صدقني إنه أنثاي الذهبية و وردة الحلم، و مع ذلک، فالعراق هو أيضاً الخنجر المزروع في قلبي: أخشی أن استخرجه فأموت أو أن أبقيه فأشقی!، .. حين هربت اليّ زوجتي و ابنتي و ابني- و کنت وقتها ما أزال في مدينة صفوان – اعتقدت أن مجيء عائلتي الصغيرة سيطفئ نيراني، غير أنني کنت مخطئاً في اعتقادي، آه لو أن الأوطان تستطيع الهروب مثل أبنائها إذن لأقنعت الوطن بالهروب معي، و عند ذلک سأغفو و انا محاط بعصافير الفرح!» (القرني، 2008م: 39 و 40؛ نقلاً عن صحيفة ايلاف الالکترونية).kh-yahia-13
لقد عكس شعرُ السماوي حياته إنسانا ً مشردا هاربا من الديكتاتورية، لاجئا بعيدا عن وطنه المثخن بالجراح، ورمته وطنيته المخلصة على شواطئ الغربة، فلم يكتب إلآ بما يتصل بحياته ومحنة وطنه “العراق”، حتى عُدّتْ كل هذه العوامل محنته الذاتية:
فکأنه مثلي بلا وطنٍ
وطني.. و مثل کهولتي حالا
عشنا معاً سبياً و مسغبةً
و معاً نعيشُ اليومَ آمالا (زنابق برية: 142)
تلک هي حال شاعرنا، متهماً أبداً، و محاصراً و مطارداً هو و من له صلة بهم من أفراد أسرته و أصدقائه، لا يکاد واحدهم يغادر معتقلاً حتی يُساق الی آخر، و لا ينجو من سوط جلادٍ حتی يُدميه جبروت ثانٍ لا يقل طغياناً و ظلماً.
لا شک ان يحيى السماوي من أبرز الشعراء الوطنيـين في المهجر، فطالما طرَّز قصائده بالشوق والحنين إلى وطنه العراق، ووقف على أطلاله باكياً مستعطفاً الأقدار أن تنجيه من المهالك والضياع، مستدراً غمائم الماضي لتسعفه بمقدار ذرة من الإحساس بالوجود وإنْ على هامش ذكرى. ومن يقرأ نصوصه يشم رائحة الأرض العراقية الطيبة المعطاء، ونسائم الحقول، ومواسم افتراع الشجر، وبساتين النخيل في السماوة، تلك المدينة الغافية على حواشي المياه العذبة والظلال الوارفة، الحافلة بالرقة والجمال والإبداع والمبدعين، والتاريخ النجيب. وقد مُني بالغربة والبُعد عن عشِّه الذي يعشقه ولا يعشق العيش في سواه، فمُنيَ بأعمق الأسى والحزن، ولولا ذاك ما كان ليصدح بأعذب ما يُقال في الحنين إلى الأوطان!.
يكفي أن نقرأ عناوين دواوينه لنعرف تفاصيل المحنة.. من هذه العناوين مثلا ً: “قلبي على وطني”؛ “من أغاني المشرد “؛ “جرح باتساع الوطن”؛ “عيناك لي وطن ومنفى”؛ “هذه خيمتي.. فأين الوطن؟ “؛ ” أطبقت أجفاني عليك”؛ ” ألأفق نافذتي”؛ “البكاء على كتف الوطن”، فهي توحي بمضامينها كيف استحال الوطن وتجسّد في روحه حتى باتا معا ً وحدة ً لا انفصام فيها.
فلا تكاد تجد قصيدة له تخلو من ذكر الوطن تلميحا وإشارة أو تصريحًا وتدقيقا حتى وهو مُنْصَرِفٌ إلى خاصة نفسه وشؤون قلبه وعالمه الدّاخلي الحميم… الأم والأب والحبيبة والأهل والأصدقاء والرفاق والجيران و الفقراء والذكريات والوجوه والأماكن والوقائع.. جَميعُها وأكثرُها تقع في قلب الوطن وتنصهر في بوْتَقَتِهِ .. وقلب الوطن لا يعترف بالحدود والتّخوم وهو يجمع الكلّ في سويدائه.. والشاعر عندما يستحضر الوطن يستحضر جميع رموزه ومتعلقاته القريبة والبعيدة؛ الرحيل نحو الوطن طقس يومي يمارسه الشاعر منذ أن فارق العراق، يقول في قصيدته “ثلاث زهرات بريّة”:
هو والترحالُ في مُشْتَجَر
ورفيقاه الضنى والسغَبُ
فإذا شدّ لأرض خيمة ً
شدّه نحو رحيلٍ سببُ ! (زنابق برية: 98)
و في المقطع التالي يقول:
انا الملکُ المتوّجُ
بايعتهُ حمامةٌ في القلب….
مملکتي رصيفٌ يحتفي بأحبّتي الفقراء
حاشيتي الزنابقُ و العصافيرُ الأليفة
و التاج جُرحٌ
لا أبيعُ بجنّةِ الدنيا نزيفَه! (نقوش علی جذع نخلة: 82 و 83)
فالبؤرة الدلالية التي تدور حولها الصورة هي إحساس الشاعر بمأساة العراق و مواطن الفساد؛ لهذا يؤکد في نسقه التأملي الدلالي تعاطفه الإنساني مع الفقراء (أبناء وطنه المنکوبين)؛ و يری أن الإحساس بمصابهم و معاناتهم و جراحهم هي أهون عليه من جراحه المؤلمة في بلاد الاغتراب؛ فهو دائماً يتفتت قلبه شوقاً الی وطنه العراق؛ و يری أنّ من واجبه الدائم الذود عنه لأن وطنه يقلده وساماً شريفاً ممثلاً بالمشاعر الإنسانية التي تجعله يتعاطف مع جراح الوطن و مآسيه (شرتح (م)، 2011م: 134 و 135).
و الشاعر حتی في أقصی أرجاء المعمورة لا ينسی وطنه و لو للحظة واحدة، فقد بقي مناضلا وطنيا رافضا الإذعان لمشيئة المحتلين الذين جعلوا من وطنه خربة ينعب فيها البوم ويمرع فيها الإرهاب، فإذا کان الإحتلال قد حرّر الشعب العراقي من بطش النظام السابق کما يزعم – فإنّه اعتقل الوطن، و هذا مرفوض و لا قيمة له عند الشاعر:
ما قيمةُ التحرير
إن کان الذي هبَّ الی نجدتنا
حرّرنا
و اعتقل الوطن؟ (نقوش علی جذع نخلة: 98)
العراق أمسى اليوم مسرحا ً لأكبر وأبشع عَـبَـث ٍ سياسي إجرامي تمارسه أقوى دولة في العالم؛ فآثر الشاعر أن يعيش منفيا ً باختياره، يكتوي بالنار ذاتها التي يكتوي بها وطنه… يقول:
أنا ضائعٌ ـ مثل العراق ِـ فـفـتشي
عـني بروضك لا بِـلـيـلِ صحاري
أنـساكِ؟ لا والله ِ! تلك مـصيبتي
إنّ الوفاءَ ـ وإنْ خُذِلـتُ ـ مَـداري
أنا لـسـتُ أولَ حالم ٍ نـكـَثـَـتْ بـه
أحـلامُـه فــأفــاقَ بــعــدَ عــثــار ِ
حظي كدجلةَ والفرات: نـَداههـما
دمعٌ.. ولحنهـما صُـراخُ: حَـذار ِ
وتعدّدَتْ يا هـندُ في وطن الهوى
سُــبُـلُ الــرّدى بـتعَـدُّد ِ الـتـُجّـار ِ
وطنٌ على سعة ِ السماءِ رغـيفهُ
لـكـنــه: حِـكـرٌ عــلى الأشـــرار ِ (البکاء علی کتف الوطن: 35 – 33)
السماوي الذي تغلغلت في دمه مياه دجلة والفرات لا يعرف إلا أن ينزف جرحاً باتساع الوطن وألماً لايداوى وحُبّاً لو قُسّمَ على القلوب الغافلة لاشتعلتْ شوقاً فالحب عنده موروث منذ القرون الأولى فهو عاشقٌ بالوراثة :
انا آخر العشاق.. امـيّ ” عـبـــلةٌ ”
وأخي “كُثيِّرُ ” والشقيق “جميلُ”
“وابن الملوّح ” فيه بعض ملامحي
وجـمـيعُنا فــي عشقه مخذولُ (هذه خيمتي .. فأين الوطن: 14)
ولكنَّ الحب الحقيقي عند شاعرنا المجروح لايقتصر إلا على الوطن المجروح ومن أجله تهون الصعاب حتى غربته التي أحالتهُ الى أشلاء مبعثرة :
وطني هو الطلل القديم ولي به
أهل وحقل مودة ٍ وخليلُ
يمشي معي أنىّ مشيتُ خياله
فكـأنه بين الظلوع نزيــلُ (هذه خيمتي .. فأين الوطن: 18)
و في مقطعٍ آخر يقول:
سمعاً لصوتِکَ يا عراقُ و طاعةً
فلأنتَ عندي – ما حَيَيتُ – أميرُ
کم قيلَ إنکَ آمرٌ مُتَعَسّفٌ
و أنا – برغم رجولتي – مأمورُ
أمنِن عليّ فإنّ حبّکَ منّةٌ
و أذِل.. فَذُلّي في هواکَ غرورُ (الأفق نافذتي: 166)
و في قصيدة “لا تذبحوا حبيبنا العراق” يصف الشاعر مدی حبّه و عشقه في منفاه لهذا الوطن العليل، فيقول فيها:
نعرفُ أنّ الوطنَ المُباح
يستحمُّ في بحيرةٍ من الدمِ المُراق
لکننا نعشَقُهُ
عشقق ضريرٍ للسنا.. (المصدر السابق: 7).
وبين حبه لوطنه وخوفه وحزنه الدائم عليه ينزف السماوي أنهاراً من كلمات الحنين
وشلالاً من البكاء المرير كيف لايفعل ذلك وهو الذي يكتب العراق بالف جرحٍ وجرح
ويُسّطرُ على مياهه أحرف الغربةِ والعشق الذي لايموت فلنستمع إلى صوته المبحوح:
عقدتُ على أرض العراق قِرانيا
فمهري وفاءٌ والعفاف صِدا قيا
“يقولون ليلى في العراق مريضةٌ”
وما عرفوا ان المريض عراقيا (من أغاني المشرد: 69).
و المقصود بليلی في هذه الأبيات وطنه “العراق” فكما كان قيس مجنوناً بليلى فالسماوي يجنُّ بوطنه و يعشقه.
وها نحن نستمعُ إلى صوته القادم من مسافات الغربة ومن دهاليز الوحدة القاتلة ينادي وبأعلى صوته أريد وطني:
أيّها الناس أريد ُوطني ..
إنّ الورود لا ترحق عطرها ..
فكيف سأغني إذاكنتُ مثقوب الحنجرة..
ويداىّ صادرهما الحرس الليلي.. (جرح باتساع الوطن: 9).
هذا هو حال الشاعر الملتزم الذي يحبّ وطنه فيتضح من هذا الکلام مدی حبّ الشاعر لبلده، فهو عاشق يکابد الموت و الفناء في غياب الوطن.
يهدي الشاعر ديوانه “نقوش على جذع نخلة” إلى شقيقـتيه: (“أم نوفل” وهي تنتقل من مقبرة جماعية إلى أخرى أملا ً في العثور على بقايا عظام من رفات زوجها.. و”أم أحمد” وهي تحتضن رأس زوجها المثقب بالرصاص الأمريكي أمام مسجد بغدادي.. لهما و إلى كل العراقيين الذين أودت بحياتهم المشانق الصدامية وقنابل البنتاغون)… وهذا الإهداء بحد ذاته، يكفي لشرح نوعية مضامين القصائد، ومعاناة الشاعر الصارخة مع مأساة وطنه ومواطنيه خلال عهد صدام حسين ومرحلة الإحتلال الأمريكي التي أنهته، وما تزال قائمة.kh yahia 16
وطنية السماوي و محنة العراق:
في كل قصائد الديوان، يتفجّر يحيى السماوي وطنية صادقة وغضبا مقدسا على الظالمين وتجسيدا حيا للمظالم والمجازر البشعة التي شهدتها المدن العراقية والتي يندى لها جبين الإنسانية خجلا. وقد عبّر الشاعر يحيى السماوي عن معاناته بشعر راق ٍ وموهبة متألقة ومشاعر عفوية ورؤية عميقة صادقة لواقع وطنه الذبيح وحمامات الدم اليومية التي تغسل أرض العراق الطاهرة.
المحن التي تتالت على العراق كان لا بدّ أن تترك أثرها البالغ على شاعر أسكن وطنه بين الأحداق حتّى صار لا يرى إلاّ من خلاله ولا يحسُّ شيئا إلاّ عبر وجدانه فنجده في قصيدته “خذني إليك ” يبكي أوْجَاعَ الوَطن ومَصائبهُ ويًشخّص الدّاء ويسلّط الضوء الكاشف على العلّة مؤكّدًا على تعلّقه بالعراق المنشود الذي يهُونُ في سبيله كلُّ غَالٍ ونفيسٍ..
خُذني – و لو طيفاً – اليکَ و للتي
ما بينِ عينيها و وجهي سورُ
للنّائمين على الطّوى لمّا كبا
صَبْحٌ فغادر خبزه التنّورُ !
لِطُفُولةٍ شُدّتْ لصحْن شَحَاذة ٍ
وكُهُولةٍ فيها الإباءُ كَسيرُ!
و الباسطات على الرصيف أمومة ً
ذلّت فأوحل في الزّهور عبيرُ!
لمآذن بُحّ الأذانُ بها فما
لثم الصّباحَ وليله التكبيرُ!
معذورة إن خاصمتني مُقلتي
ليْلاً، وجفن تسهّدي معذورُ!
أنا أوّل الباكين دمعي أَحْرُفٌ
وصدى نحيبي – في القصيد – شعورُ (هذه خيمتي فأين الوطن: 180 و181).
و نراه يُصَدِّرُ قصيدته “وطني.. !” بالعبارة التالية:«بحلول العيد لهذا العام، يكون قّد مر اثنان وعشرون عيدًا، على خيمتي، بعيدًا عن وطني العراق» وكأنّه صار يُؤرّخ بخروجه من وطنه واغترابه عنه وقد جاء فيها:
يا هلال العيد هل من خبر
عن فراتين وسَهْلٍ وجبَلْ؟
مرَّ “عيدان وعشرون” وما
عادني جَارٌ.. ولا الهمّ ارتحلْ
و أحلّتْ كبريائي غربةٌ
نبشتْ رُوحي بِأشواكِ المَلَلْ (الأفق نافذتي: 13و 114)
و في قصيدة أخری من ديوان “لماذا تأخرتِ دهراً” يقول الشاعر:
و ها مرّ جيلانِ..
جيلانِ مرّا
علی نخلةٍ غادرت طينها! (لماذا تأخرتِ دهراً: 58)
النخلة هنا ترمزُ الی لشاعر نفسه و الطين يرمزُ الی الوطن، فقد مرّ أکثر من عشرين عاماً علی مغادرته أرض العراق، و هو مازال يحنّ و يشتاقُ لها.
أما مذهبه الثوري الوطني فيتبدى في قصائده ذات النزوع التصويري الصاخب بالصور الانفعالية المتأزمة لتصوير بلده العراق، ومآسيه المتراكمة، وبيان مظاهر ظلمه، وقسوته على مواطنيه قبل الاحتلال وبعد الاحتلال، إذ يقول:
على أرضِهِ انتصبتْ
أوّلُ مسلّةٍ للقانونِ في الدنيا
ومع ذلكَ فالسوطُ فيه
أطولُ من يدِ العدالة…
والخوذةُ أعلى من ساريةِ العلمِ الوطني!
في واديهِ تجري أعذبُ أنهارِ الدنيا
ومع ذلكَ فهوَ وطنُ العطش!
أخصبُ أراضي الدنيا فيه..
ومع ذلكَ فأطفالُه ينقّبونَ في براميلِ القمامةِ
ونفاياتِ المطاعم!
أثرى أثرياءِ الدنيا فيه
لكنه وطنُ الشحاذين
والأطفالِ الذين استبدلوا
بالحقائبِ المدرسيةِ
صناديقَ صبغِ الأحذية
آهٍ، يا وطني لماذا عقدتُ عليكَ قرانَ روحي
مستعذباً من أجلِكَ أقسى العذاباتِ
مع أني لا أملكُ منكَ
غيرَ الترابِ العالقِ بحذائي (مسبحة من خرز الکلمات: 82و83).
ما نلحظه – في المقبوس السابق – حالة الأسى والحزن على واقع وطنه العراق، من ظلم المواطنين والإحساس بالواقع المرير، الذي تعيشه الطفولة المعذبة في مدن العراق جميعها، من جوع، وفقر، وتشرد؛ مبيناً هذه الحالة بتصوير دقيق.
و في قصيدة “الوطن استحى .. فمتى يستحي الرجال ؟ “، وفي مطلعها يعبر الشاعر عن خيبته من زيف الوعود وكذب الذين جاءوا مع المحتل في تنفيذها؛ فوق ذلك فإن هؤلاء الأدلاء قد قاموا بعكس ما أعلنوه، فبدلا من الوحدة زرعوا جرثومة الفتنة، وبدلا من الرفاه نشروا الفقر، وبدلا من الحفاظ على كرامة الإنسان كبناء لله هتكوا الأعراض(سرمک(ا)، 2010م: 184):
وعدونا بالمصانع
فأقاموا السجون !!
بالمسرّة ..
فغرسوا الفتنة !!
بالميلاد ..
فأقاموا المآتم !!
بالمساواة كأسنان المشط
فجعلونا كأسنان التماسيح (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 115)
إن نقمة الشاعر الهادرة على وطنه هي صيحة استغاثة من أجل هذا الوطن، صرخة تحفيز وإنهاض لأبنائه من خلال الإمعان في تصوير تمزّقاته، إنها تشبه صرخة الأم المذهولة، وهي ترى دم ابنها العزيز ينزف من جرح في جسده مهما كان هذا الجرح صغيرا، إن نقمة الشاعر في الواقع تعبير عن أقصى درجات حبه الممزوج بقلق الفقدان:
.. إن لوحاً خشبيا في بحر
قد يكون البديل
عن وطنٍ
يتمدّد كالتابوت
في خارطة العالم !
من أين للوطن الغريق
بلوح خشبي .. أو طوق نجاة ؟
أما من جواز سفر مزوّر
لوطنٍ رؤوم
نكّس ترابه خجلاً
من قادته المدجّنين ؟ (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 116 و117 )
يری الشاعر ان محنة وطنه الفاجعة هي نتاج الأدلاء “الرجال” الذين لا يستحون، فيعود إلى معالجة الأمر بوضوح في القصيدة التي تلي القصيدة السابقة مباشرة وهي “إلى من لا يهمهم الأمر” حيث يعود إلى “الرجال” الذين كانوا أدوات نشر الخراب الذي صمّمه المحتل، هؤلاء الجالسون وراء الكواليس؛ وهؤلاء لا يستحون فهم الآن يسرقون من البيدر ليس على قدر سعة حواصل العصافير ولكن بسعة جوف التماسيح. ثم ينعطف ليؤكد ما قلناه عن حبّه لوطنه، و خوفه من هؤلاء الذين لا يستحون والذين ينتشرون كالسرطان في جسد الوطن (المصدر السابق: 185و 186):
سأبقى خائفا على وطني
طالما بقي في ” قصر الخلافة ” :
سياسي فاسد واحد
انتهازي واحد
تاجر دين واحد
إرهابي واحد
عميل واحد
ولصّ واحد
هؤلاء كالطحالب
سريعو الإنتشار مثل بثور الجدري ( المصدر السابق: 119 و120 ). kh yahia 5
ولكن هذا لا يمنع من إبداء تساؤله المندهش من تعطّل رد فعل الشعب تجاه هؤلاء الذين يتعلمون البطولة بالأطفال والفحولة بالأعراض كما يقول:
كيف نبدو وديعين كالحمام الداجن
حين نراهم في المقاعد الأمامية
دون أن نستعير
من الصقور مخالبها
ومن الجرّاح مبضعه
لاستئصال الإصبع المسرطن
قبل أن يصل إلى الرقبة ( المصدر السابق: 120).
فيری الشاعر هولاء السماسرة أخطر ما يهدّد الأوطان في عصرنا الراهن:
أخـطـَـرُ ما يُهَـدِّدُ الأوطانَ
في حيـاتِـنا المُـعاصِرة ْ :
الـقـادة ُ السَـماسِـرة ْ
وفاتِحو الأبوابِ نصـفَ الـليـلِ
للأباطِرة ْ ! (مسبحة من خرز الکلمات: 99)
و لکن ليس بعيداً ذلک اليوم الذي ينتقم فيه الوطن من هولاء السماسرة الذين ضحّوا بالوطن فيقول الشاعر:
لن يكون بعـيدا ً اليومُ الذي
سينتـقِـمُ فـيـه :
الجـرحُ مـن السِــكـّـيـن ..
الشــاة ُ من الـذئـب ..
الدمـوعُ مـن دخـان الحـرائـق ..
الشـَـجَـرَة ُ مـن الـفـأس ..
العُـراةُ مـن ذوي القِـفـازات الحريريـة ..
الجياعُ من المُـتـخـَـمـيـن ..
الأغـلالُ من صانعـيهـا ..
الأوطانُ من السَـماسـرة ..
وملائكـة ُ يـقـيـنـنـا
من شـيـاطـين ِ ظـنونِـهـم ! (المصدر السابق: 22)
في موضع آخر يحاول تصوير درجة الحرمان التي يعانيها من وطنه، وطنه الذي يطفو على بحيرات من الذهب، ويجوب على أرصفته فيه العدد الأكبر من الشحاذين في العالم، وطنه الذي يعدّه الناس واحدا من أغنى بلدان العالم في الوقت الذي لا يحظى منه سوى بالسخام والرماد والصفعات:
لي من نفطه : السخام
من حقوله : التبن
من تنوره : الرماد
من بقرته : الروث
من عسله : الشمع
من بحار خيراته : الزبد
من سمائه : الرعود
من واديه : السبخ
ومن شرطته : الصفعات
عجباً !!!
أكلّ هذا الكرم ويقولون : العراق بخيل ؟! (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 137 و138)
و يقول:
حلَّ القحطُ في الواحاتِ
فالنهرُ عليلٌ..
و الينابيعُ موات..! (لماذا تأخرتِ دهراً: 69)
فکما يتبيّنُ لنا من خلال هذا المقطع إن الموت في العراق تجاوز البشر الی النهر و الينابيع بإعتبارهما مصادر الخصب و الحياة في الوطن. و في المقتبس التالي أيضاً يصف حالة الوطن:
مسكينٌ وطني
منطفئُ الضحكةِ
مفجوعُ الإنسانْ
لو كان له مثلي
قدَمٌ وجوازٌ ولسانْ
لمضى يبحث في المعمورة
عن ملجأ أوطانْ ! (لماذا تأخرت دهرا: 140)
ففي ظل هذه الحالة التعيسة للوطن، يقول الشاعر لو کان للوطن قدمٌ و جوازٌ و لسانٌ لمضی يبحث في الأرض عن ملجأ کما فعل ابناؤه الذين ضاقت عليهم سبل العيش في داخل العراق، و کل ذلک بفضل الإحتلال الذي أخذ يصول و يجول في البلاد فأصبح أباً للعراق و ولياً له:
من أين يُرجی للعراق غدٌ
و «الأجنبيّ» أبٌ لهُ و «ولي»؟
أحلی الأماني أن أری وطني
حُرّاً و قومي دونما کللِ (المصدر السابق: 49)
ويتطلع السماوي الى أمله بعراق محرر مستقر، فلا يرى من حلمه غير السراب فوطنه يشبه حالته في المنفى :
يشقيك يا ليلاي ما يشقيني
منفاي دونك والمشانق دوني
بتنا وقد غرّبت مذبوح الخطى
مجنونة ً تصبو الى مجنون ِ
مترقبين بشارة النخل ِ الذي
أمسى سقيم السعف والعرجون ِ (دیوان الافق نافذتي: 113)
ويهوله تردي بعض رفاق دربه في المعارضة، وبعض الانتهازيين من ابناء جلدته، وخيبة امله في مقاصدهم، بعدما اتضح انهم ينظرون الى كرسي السلطة باعتباره الوطن، فيقول:
فلا تأمل من القاصي نصيرا ً
إذا الداني يريد لك الزوالا
مضى زمن الشهامة واستكانت
ضوامره…فأدمنت الضلالا
تبدّلت النفوس … وعفّرتها
مطامعها …فغيّرت الخصالا
ولوّنت الوجوه فلست تدري
أ”معتصما” تحدّث؟أم “رغالا ” ؟
فتبّا للدليل يقود زحفا ً
على أهليه … غيّا ً أو حلالا
وتبّا ً للقوي ّ يشن ّ حربا ً
على وطن الأرامل والثكالى
فلا تقنط …عسى الأرحام يوما
ستنجب للملمّات ِ الرجالا (المصدر السابق: 125-122)
وينطلق تفاؤل الشاعر بالمستقبل من ايمانه بقدرة الشعب على تحقيق آماله في التحرر، فيقول :
فإلى الأمام ِ …إلى الأمام ْ
أفليس من طبع الأصيل من الخيول
إذا كبا شدّ الضلوع إلى قوائمه وقام ْ ؟
النخل أبقى من بريق الصولجان ِ
ومن يواقيت الأباطرة اللئام ْ
سأنام مغتبطا ً على ريش الأماني
حالما بحديقة ٍ أزهارها الأطفال
تزحمها أراجيح ٌ ملوّنة
وأسراب الحمام ْ (المصدر السابق: 185و 186)
إنه يدرك بحدة عمق الكارثة التي تجتاح وطنه والتي أوصلته إلى هذه الحالة المتردية. لكنه ببصيرة ولائه المطلق يعلم أين تختزن قوى البقاء في كيان وطنه، وفي أية مواضع تکمن مقومات إرادة الإنبعاث.
ستظل صيحات الشاعر يحيى السماوي تقرع اسماع الاجيال في سجل الخلود، وتضع بين ايديهم تجربة ثرة عن المعاناة والصمود، بما حملت من جمال الفن وصدق العاطفة ونبل المشاعر والوطنية الحقة.
الوطن و الأرض:
كثيراً ما اقترن الوطن بالأرض والتراب والمولد وغير ذلك، مما يخلق في المرء ذكريات عزيزة تتردد أصداؤها في نفسه، وتزداد رسوخاً وعمقاً كلما تقدمت به السن حتى إذا اضطرته الظروف أن يرحل عن وطنه استيقظت هذه الذكريات في نفسه، فملأته شوقاً وحنيناً.
و قد شکلت الأرض المحور الأساسي لشعر السماوي ففي کل قصيدة من قصائده بل في کل فقرة من هذه القصائد يبث الشاعر حنينه، و تعلقه و کل ما يفکر به نحو أرضه السليبة و الشوق الدائم لحضنها الدافئ الذي انتزع منه انتزاعاً و رمي خارجاً، فأرض العراق هي أم يحيی و حبيبنه و إمرأته و هي کل فتاة حلم بها أو تغزل بها..
لقد شکلت الأرض عنده محور القضية القومية الکبری التي التزمها، و أساس الشعور بالإنتماء و الوجود، و غدا کل وجود خارج تربتها غربة و تمزقاً و ضياعاً و موتاً کما غدت ذات الشاعر امتداداً لأرض وطنه جزءاً من أجزائها، يرتبط بها ارتباطاً عضوياً کما يرتبط الجنين برحم أمه..
قـد ضـاقـتِ الأرضُ الـفـسـيـحـةُ بـيْ
فـجـئـتـكِ
هـاربـاً مـني إلـيـكِ
فـأوسِـعـي !
جَـهَّـزتُ تـابـوتـي ..
فـهـلْ
جَـهَّـزتِ في «وادي الـسـلامِ»
إذا أتـيـتـكِ
مـضـجـعـي ؟ (لماذا تأخرت عليّا: 126)
و قد ذکر فريزر أن بعض البدائيين يوصون بأن يدفنوا في المکان الذي ولدوا فيه، لأنهم يؤمنون أن أرواح الموتی تعود الی المکان الذي اتصلت فيه بالجسد، و يظن البدائيون أن أجسادهم تنتظر هناک حتی تلوح فرصة أخری لولادة جديدة (شمسي، 2008م: 243). و قد عدّ کارل غوستاف يونغ «تعلق الإنسان بالأرض شوقاً لتحقيق الانبعاث بالعودة الی رحم الأم و انتظار حياة جديدة و لا يقتصر هذا الإحساس علی الإنسان البدائي بل يتمثل بالإنسان المتحضر الذي يحس أحساساً غامضاً باتحاده اتحاداً صوفياً بأرضه» (عوض، 1978م: 40 و 41).
هذا و قد اعتبر الشاعر يحيی السماوي جميع البلاد العربية وطناً له فأنشد لها الشعر و تمنّی لها غداً مشرقاً بالخير:
لابُدّ تأتلفُ القلوبُ
يوماً..وتزدحمُ الدروبُ
و يُسَرُّ بالوطنِ السليـ
بِ غدٌ.. و منفيٌّ يؤوبُ
و يعودُ للقدسِ الشريف
أذانُ قبَّته المهيبُ (زنابق برية: 108)
ففي هذه المقطوعة خاطب السماوي “القدس” کما لو أنها وطنٌ له. و في مقطع آخر يقول:
و لي أملٌ بميلادٍ جديدٍ
أعودُ به طريَّ الروح طفلا
ستنهض أمّةُ القرآنِ يوماً
لتملأ عالمي المجنون عدلا (المصدر السابق: 115)
المقصود بـ “أمّة القرآن” هي الأمة العربية، فللشاعر أملٌ بميلاد فجرها من جديد، و کما في قوله:
کلُّنا منتظرٌ فجرَ غدِ
عربيٍّ.. مشرقٍ.. مؤتلقِ (المصدر السابق: 146)
و لا يخفی إن الشاعر عندما کان مقيماً في السعودية کأنه متواجدٌ في حي من أحياء العراق فلا نجد في شعره ذلک التوتر و الشعور بالإغتراب الذي نجده في منجزه الشعري بعد دخوله استراليا.kh yahia 9

المرأة:
يعشق السماوي وطنه کما يعشق حبيبته؛ فالوطن في ذاکرة الشاعر له مکانة سامية ولذلک عندما يتذکر حبيبته لا ينسی ذکر الوطن بکل جزئياته من النهر والنخيل والأعشاب. فالوطن حبيبته الثانية لأن حب الوطن محبوک في ضميره و وجدانه. يقول في قصيدته «تَماهي»:
بينكِ والعراقْ
تماثلٌ …
كِلاكُما يسكنُ قلبي نَسَغَ احتراقْ
كلاكما أعلنَ عصياناً
على نوافذِ الأحداقْ
وها أنا بينكما
قصيدةٌ شهيدةٌ
وجثَّةٌ القى بها العشقُ
الى مقبرةِ الأوراقْ.. (قليلک لا کثيرهن: صص 16- 15)
ومن مظاهر تأملاته الوجودية وتفاعله الوجودي انه يحس بحاجة إلى وطن يؤويه ويضمه إلى حناياه ويسعى إلى امتلاكه ولو كان مرتحلاً في بلاد الاغتراب؛ ففي هذا السياق لا تغيب المرأة عن مسارات قصائده، لتؤكد أيضاً حضورها بوصفها باعثة على الأمل، والتجدد، وتغيير منظوره للحياة، لتدل على مظهر آخر من مظاهر تفاعله الوجودي؛ فالإحساس بالفحولة والحب هي من مثيرات التفاعل الوجودي؛ لمجابهة الحياة، ومعاناتها، وشقاوتها المؤلمة؛ إذ يقول:
أما من فأسِ لقاءٍ
أطيحُ به الجدارَ المنتصبَ بين العصفورِ والعشّ؟
جسدي مفخَّخٌ بالفحولةِ.. لا أريدُ تفجيرهُ
إلا على سريركِ! (السابق: 65).
لمس الشاعر الأنثی في عالمه الاغترابي لتخفف عنه مأساته الاغترابية، و تكون له بمثابة كأس الخمرة التي تسكره برحيقها و عذوبة شفتيها ؛ كما في قوله :
خطيئتُكِ
أنكِ دونَ خطيئَةٍ ..
لا عيبَ فيكِ
سوى عَذابي !
كيفَ أملأ بالشَهدِ صحني …
و قارورتي بالرحيق
إذا كانت حدائقكِ
أعلنتِ العِصيانَ
على نحلي ؟ ” (المصدر السابق: 45)

المرأة في المنفی:
المرأة هي السکن الروحي الذي يمنح الشاعر الأمان و الهدوء و الاستقرار بعد رحيله عن وطنه و العيش في منفاه الوجودي؛ و هي التي تبث في روحه دفق الحياة و بصيص الأمل في تحفيز الابتکار و خلق الإبداع؛ قد جاء في شعره:
تـنـسـابـيـن
فـي أهــوار قـلـبـي
كالـذي يـشـرب الـمـاء بـشـوكـة:
ألـمْـلِـمُ
غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك
لأصنع مـنـه وطـنـاً
مـنـذ نـعـومـة حـزنـي
والـمنـافـي تـقـلّـم أفـراحـي..
الـدربُ طـويـلٌ كآهـة..
والـزمـنُ قـصـيـرٌ كحـبـالِ شـمـسي.. (السماوي «ع»، 2011م، موقع المثقف).
فالأنثی في هذه القصيدة هي أنثی الوطن الذي يأوي اليه في لحظات الأسی و الحزن و جراح الاغتراب؛ إنها التدفق الذي يقوده الی الإحساس بالحياة، فهي المثيرة الوحيدة للوجود و هي الدافعة له للإحساس بوجوده في هذا العالم الأنوي الذي تطمس فيه الأنا في خضم المتغيرات و المآسي الوجودية؛ لهذا تمثل له الأنثی الکيان الوجودي الذي يدفعه للحياة و يؤنسه في لحظات الأسی و الاغتراب؛ و هذا ما تبدی في قوله: ” ألـمْـلِـمُ غـبارَ المـنـافـي الـعـالـقَ بـقـدمـيـك / لأصنع مـنـه وطـنـاً”؛ فالأنثی تمثل له الوطن بکل ما تتضمنه هذه الکلمة من دلالات و إيحاءات؛ إن الوجود الخفي الذي يمده بالقوة و الثبات و الاستمرار علی المضي قدماً للحاق برکب الحضارة السريع (شرتح (م)، 2001م: 376 و 377).
و قد عمق الشاعر مثيرات القصيدة بطابعها الغزلي جامعاً فيها بين إيقاعين: إيقاع عاطفي شفيف و إيقاع اغترابي حزين محاولاً التعويض عن الوطن بالأنثی التي تمثل له السکن المريح و الحنين الآمن، کما في قوله:
جِـديـنـي
إنْ لـم أكـن في غـابـة ظـنـونـي
فـفـي بـسـتـان ِ يـقـيـنـك..
أدري لـن يـجـود عـليّ تـنّـورك بخـبـزه..
رمـادُ تـنّـورِكِ ولا خـبـزهن..
ودياني عـمـيـقـة
لـن تـمـلأهـا غـيـر أمـطـارك..
وشـسـاعة سـهـوبـي:
لا تـصـلـحُ
إلآ لأعـشـابـك (السماوي «ع»، 2011م، موقع المثقف).
إن هذا النسق الغزلي يؤکد أن الأنثی – لديه – تمثل له الحياة بصخبها و حرکتها و ازدهارها و تناميها الجمالي، فهي التي توقد في نفسه تنور الحياة و هي التي – برذاذ أمطارها – تمنحه قطرات النعم و بريق الحياة (المصدر السابق: 378 و 379).
و الملاحظ أن الشعراء الإسلاميين عبروا عن ارتباطهم بالأرض – التي هي صورة أخری للمرأة – من خلال الحنين الی الوطن المقرون بالحنين الی المرأة (الطيب، 1970م: 3/899)، و لأن الوطن و المرأة يحملان معنی واحدا هو الاستقرار و الاستيطان و کانت العرب تکنی بالبيت عن المرأة، ففي البيت و الوطن يعرف الإنسان طعم الاستئناس و الحنو و الرعاية، و لهذا قال بعض الفلاسفة «فطرة الرجل معجونة بحب الوطن، و قال بقراط: يُداوی کل عليل بعقاقير أرضه … و قال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه کما تتروح الأرض الجدبة ببل القطر» (شمسي، 2008م: 249).
و تميزت العرب من غيرها من الأمم بالحب الکبير للوطن «فکانت إذا غزت و سافرت حملت معها من تربة بلادها رملاً و عفراً تستنشقه عند نزلة أو زکام أو صداع» (المصدر السابق: 249).kh yahia 3
رمزية المرأة:
يظل الإحساس العربي قائماً في اعتبار المرأة و الوطن رمزين للاستقرار و الاطمئنان فالمرأة هي الوطن و البيت، و بصورة أعم هي المکان الذي يلجأ اليه الرجل لينزع أتعابه عن جسده. فما أجمل قول السماوي في استهلال قصيدته التالية التي جاءت مثيرة للقارئ بدفقتها الغزلية الرهيفة:
كــفـانـي مــن كــؤوسِــكَ مــا ألاقــي
أســاقــيـهــا وغــيــرَ فـمـي تُــسـاقـي
عـصـرتُ نـدى الـعـيـون وعـتّـقــتْـهــا
بـأجْــفــانـي تــبـاريـحُ اشـــتــيــاقــي
وصَــيَّـرْتُ الـمــوائـدَ مـن ضـلــوعـي
لـمُـصْــطــبَـح ٍ بـحـقـلِــكَ واغــتِــبــاقِ
وعـبّـدتُ الـطـريـقَ بـعُــشْــبِ عـيـنـي
فــمــا أشــرعْــتَ نـافــذة َ الــتَّــلاقــي
أتـخـشـى أن أشـــدَّ عـلـيـكَ صـدري
لــيُـطــفِـئَ مُـجْـمِـري خـمـرُ الـعِــنـاق ِ؟ (السماوي، 2011م، موقع النور).
إنَّ الأنثى – في الأبيات السابقة – ليست رمزاً للأنثى الحقيقية، وإنّما هي رمز لأنثى الأرض / أنثى الوطن، فالشاعر متصوف في أنثى الوطن وليست الأنثى بحقيقتها وماهيتها الجسديَّة وقد جاء قوله في البيتين التاليين، مؤكِّداً ذلك بوضوح:
أحبيبةَ الوجعِ الجليلِ مصيبتي
أنَّ العراقَ اليومَ غابُ ذئابِ
لــو كـانَ يَفْتَـحُ للمشـرَّد بابَـهُ
لأتيـتُهُ زحفـاً علــى أهدابــي (البکاء علی کتف الوطن: 76 و 77)
و حسبنا في ما يلي ان نورد جواب السماوي علی سؤال الناقد السوري عصام شرتح حول موقف الشاعر من المرأة و مکانتها في منجزه الشعري: «لم تغب الأنثى في ايّ من مجاميعي الشعرية .. إنها حاضرة بقوة، لكنها تختفي أحيانا بين تضاريس الوطن، وهذا ماكنت أقصده في إهدائي بعض قصائدي ” إلى حبيبة من ماء وتراب ونار، وإلى وطن من لحم ودم ” … أعني أنني أخاطب الحبيبة أحيانا من خلال الوطن، كما أخاطب الوطن من خلال الحبيبة .. فالمرأة / الحبيبة والوطن هما ضفتا نهري الشعري ..إنهما عنصران رئيسان متحدان اتحاد العطر بالوردة والرفيف بالنبض .. إذا كان الرجل وردة، فإن المرأة هي عطرها .. وبالنسبة لي شخصيا، أرى أن الجنة دون المرأة لا تعدو كونها شكلا من أشكال الجحيم» (شرتح «ح»، 2011م، موقع المثقف).
فالوطن في شعر المنفى لدى يحيى السماوي يطلّ بصورة امرأة معشوقة فهي مرآته وجنته وجحيمه، لكنها لا تتخذ إسما ًمحددا مثل “ريتا” في شعر محمود درويش.. ليس لها إسم محدد عند السماوي، فتارة تکون “ليلی” و تارة “هند” و تارة “عبلة” و… ففي المقبوس التالي ليلی هي العراق:
كثـيـر ٌ عاشـقو ليلى .. ولكن
قـلـيـل ٌ مَنْ يُـشـابهني بـِدائي
كأني قد حسـبـتُ الكونَ ليلى
وكـلّ الأخــريات بـلا بـهــاء ِ
وليلى لم تـكن لـيـلى .. ولكنْ
أكـَنـّي باسمها خبزي ومائي
وبيتٌ في السماوة وهوطينٌ
ونخلٌ ينحني فـرط َالحـَـياء (عيناك لي وطن ومنفى: 22- 20)
ولا يخفى أنّ ليلى المحبوبة لدى الشاعر هي الوطن الأم “العراق” الذي يهيم به كما هام المجنون بليلاه .. و “ليلی” هي رمز المرأة المتحدية الرافضة للاستسلام المفروض عليها، و يمضي الشاعر علی هذا النحو مصرّاً علی تشبيه نفسه بالعاشق العذري، و إن کان ظهوره قليلاً نسبيا مقارنة بظهور العاشقة العذرية “ليلی”، و التي أصبحت مع الزمن رمزاً شعرياً متنقلاً.. فقد بدأت الصورة باعتبار ليلی هي العراق أو کل امرأة أحبها، أو ارتبط عاطفيا بها..
لـيلاكَ في حُـضْنِ الغريبِ يَـشِـدُّها
لســريره حَـبلٌ من (السُـرُفاتِ)
تبكــي وَتَسْـتَـبكي ولكن لا فَتىً
فَيَـفكَّ أّسْـرَ سـبيئةٍ مُـدْماةِ
يا صابراً عِـقْـدَينِ إلاّ بضعـةً
(ليلى) مُكَبَّـلَةٌ بِـقَـيْدِ (غُـزاةِ) (نقوش علی جذع نخلة: 74 و 75)
عاد الشاعر إلى وطنه بعد طول غياب وضنى واغتراب ليجد محبوبته / ليلاه / عراقه بين أحضان الغريب .. تماماً كحال ابن عذرة “قيس بن الملوح العامري” الذي صبر على معاناة حبه لليلی وتشرده بعيداً عن القبيلة سنيناً، حتى فوجئ في لحظة العودة أن ليلاه في حضن آخر غريب .. هكذا بدت العراق بالنسبة للشاعر، كما صورها في ذات اللحظة التى يصور فيها نفسه .. مستسلمة بين أحضان الغريب لا حول لها ولا قوة ..
شاعرنا يطلق صرخةً مدوّيةً، و قد بلغ به الشجن أعلی ذُراه، في سياق البوح و الإفضاء، و في التعبير عن الوطن الحبيب “بليلی”، و أنها قد صارت سبيئة في حضن الغريب بعد کونها حرّة کريمة، ما يکشف عن مقدار ما يستشعره السماويّ من امتهان حرمة الوطن، و اغتصابه، و ضياع شرفه و کرامته؛ علی أيدي الغزاة، و أمام تقاعس الأنذال من أبناء الوطن، و قلة حيلتهم، و ذهاب نخوتهم؛ علی هذا النحو المهلک من الازدراء (بدوي، 2010م: 79).
و أحياناً يرمز للوطن بـ “هند”، کما في التالي:
أنا – يا هندُ – و ربّ الفلقِ
ناسکُ الإثمِ عفيفُ النزقِ
جزتُ خمسيناً و تسعاً و أنا
لم أزل طفلاً بريء الحَمَقِ (لماذا تأخرتِ دهراً: 166)
و في المقطع التالي يقول السماوي:
و أنا أريد..
و لا أريدُ..
موتاً يليقُ بدمعِ هندٍ..
أن أخُرَّ مُضرّجاً بالوجدِ
بين هديلِ مبسمها
و وردِ فمٍ و جيد
هندٌ زفيرُ الياسمين..
شهيقُ جناتٍ.. (البکاء علی کتف الوطن: 64و 65)
و في قصيدة “يا هند” يخاطب الشاعرفيها هنداً / الوطن:
يا هندُ منذ طفولتي و أنا
راعٍ خرافي الشوقُ و الوجدُ
يا هندُ کيف عرفتِ أنّ دمي
ظامٍ لنبضِ هواکِ يا هندُ؟ (المصدر السابق: 106و 107)
وقد يلتمس صورة الوطن في زوجته الصابرة ” أم الشيماء.. شريكته في الحقل والخيمة وغبار السفر” على حدّ تعبيره:
خـَبَـرَ الهوى قلبي فكنت ِ صديقتي
ورفـيقـتي.. وحبيبتي.. ومَــلاكي
سَـنَدي وعُكـّـازي يداك ِ.. فخيمتي
لـولاك ِ قـد كانـت بـدون ِ سِــمـاك ِ
علـَّمْتِني صبرَ الرمال ِعلى اللظى
أيُـلامُ لـو هـَتـَف الـفـؤادُ: فِـــداك ِ؟ (المصدر السابق: 141).
و يری السماوي الوطن في عيون محبوبته التي رافقته و قاسمته المحن و التي تمثّل له الوطن في غربته:
عيناکِ لي وطنٌ و منفی.. فالهوی
ما بينَ موجٍ صاخبٍ.. و سکونِ (عيناک لي وطنٌ و منفی: 104)
و له أيضاً:
أبصرتُ في عينيکِ لي
بَعدَ ضياعٍ وطنا
و بين ساعديکِ نهراً
دافقاً.. و مُنحَنی (المصدر السابق: 86).
فالمرأة تتصدّر – أو تکاد – وسائل المغترب أو المنفی التي يستمد الشاعر من وجودها طاقة محاولاته في إعادة تکوين، أو إنشاء الوطن البديل. kh yahia 15
الأم:
من البديهي أن تتقدم “الأم” علی بقية صور العلائق الأسرية بين الرجل و المرأة، ففي غيب رحمها و ظلال رحمتها تنبت کل تلک الصور و تتجاسد، و استلهامها الحميم في الشعر تعبير مألوف عن محورية وجودها في حياة الشاعر. و لاشک أن حب الوطن ينبع من إيمان صادق و عميق. فالسماوي يحب وطنه کما يحب أمه؛ و کلما يتکلم عن الأم لا ينسی ذکر الوطن معها. فإنه يری عباءتها لائقة لتکون عَلما للبلاد فيقول:
عباءتها الشديدة ُ السواد
وحدُها اللائقة عَلما ً لبلادي ..
فيها كل تفاصيل الوطن! (المصدر السابق: 67)
بل إن الشاعر يخاطب الوطن بإعتباره الأم التي يطمح بالعودة الی احضانها، فيقول:
فأعيديني الی نهديکِ طفلاً
و اغلقي يا طفلتي الأمّ
شبابيکَ المنی.. (البکاء علی کتف الوطن: 44)
يتبدَّى العراقُ له في كل شيء، ويقفز ذكره لديه في كل نص، وهو لا يكفُّ عن بكائه، والارتماء في أحضان ذكراه، حتى وجدَ في بكائه لوالدته رحمها الله تعالى، التي توفيت في العراق دون أن يكون حاضراً في توديعها للمرة الأخيرة، معادلاً موضوعياً لفقدان الوطن بأكمله، والتشبث بكينونته في آن:
لم تحمل نعشها عربة مدفع
ولم يُعزف لها مارش جنائزي
القروية أمِّي لا تحب سماع دويِّ المدافع
ليس لأنه يُفزعُ عصافير نخلة بيتنا..
إنما لأنه يذكرها بـ”جعجعة القادة” الذين أضاعوا الوطن..
وشردوني!. (المصدر السابق: 46).
ومن خلال هذا الرثاء الجليل تتخلقُ لدى السماوي مشاهد حزينة ترتبط بواقع العراق البائس، وينطلق إلى الكشف عن خبايا شديدة الأسى لابد من كشفها والوقوف عليها، وكأنه في ذلك يفتح سجلاً يُحصي فيه تلك الخبايا، ويكثِّف القول في وضعه بعد الاحتلال:
جلدها المطرز بالشذر
لا تجري تحته قطرة دم زرقاء..
قد يكون لون دمها أحمر
لكثرة ما شاهدتْ من دم على الأرصفة..
أو أخضر لكثرة ما حملت من عشب..
أو أصفر لكثرة ما طحنت من سنابل
وخبزت من خبز
أو أسود لكثرة ما حدقتْ في ظلام العراق!. (المصدر السابق: 65).
فرحيل الأمومة يعني في مغازيه العميقة رحيل المكونات المركزية من الحياة .. حياة ستفقد رمز خصبها ونموها، وتخسر العدالة والحق والحب .. فكل عطايا السلام والحب والأمن والفن في الحضارات هي عطايا الأنوثة المباركة، أما نفثات العدوان والخراب فتأتي من عمق سيكولوجية النفس الذكورية المحملة بالعدوان .
وكون الشاعر قد هز مقومات وجوده احتلال بلاده فإن أفضل ما يمكن أن يلخص أبعاد هذا الاحتلال هو رحيل أمّ . بلاده هي أمّه التي تُحتضر وهو بعيد عنها يرقبها بروح جريحة، بعد أن ثُكل برحيل أمه الأصلية وهو بعيد عنها أيضا (سرمک (ا): 178 و179).
عطايا الأمومة – و خصوصاً هناءات رحمها المنعم التي نغفو في ظلالها اتکاليين بلا عناء أو رهق – هي التي يقاس عليها عطاء أي أنموذج أنثوي لاحق في مراحل حياة الفرد التالية. إن الأم کأول أنثی في حياة الإنسان، تتعزز مهابتها في وجدان الفرد بسمات آلهة في المرحلة الطفولية التي تمتاز بالاعتماد الکلي. و ليس عبثاً أن أول إله تمت عبادته في تاريخ البشرية کان امرأة. فوق ذلک فالأم هي موضوع الحب الأول الذي تحتفظ صورته في طيات لاشعورنا بصورة کامنة لکن فاعلة، تصحو في أعماقنا مع اقتراب خطی أي أنثی من دائرة وجودها الحساس، الوجود الحي الذي لا يموت حتی بعد فنائه، فنقيس عليها سمات الصورة الجديدة (سرمک (ش)، 2010م: 27).

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    باعتبتر أن الثقافة الشرقية مذكرة يتم بالتجويل تأنيث موضوع الرغبة سواء هي الأرض أو البيت أو القضسية. حتى فلسطين تأخذ شكلا مؤنثا وز رموزية العرس الفلسطيني معروفة للقاصي و الداني. و جنازة الشهيد غالبا هي زفة أو حفلة العرس. و أحيل لقصائد محمود درويش أو روايات أديب النحوي. مع أنه من حلب و سوري لكنه متخصص بفالفلسطينيات و حق العودة و كل كتاباته تصور الأرض شكل مؤنث. الوهاد أثداء و الوديان هي الفرج و الشجار هي اشلعر و هلم جرا.
    و قد أحسن الناقد في تتبع هذه الظاهرة عند السماوي و التي يضاف لها بعد اغترابي و وطني. باعتبار أنه في المنفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *