الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » حسين سرمك حسن : ليلة تسليم جلجامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (16)

حسين سرمك حسن : ليلة تسليم جلجامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (16)

hussein 7حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2016
# باتا الذكر يتحوّل إلى رمز أنثوي ! :
————————————
وفي صباح اليوم التالي تمّ ذبح الثور ، ولكن – والثور الذبيح يُحمل على أكتاف الناس – أدار عنقه ، ورمى قطرتي دم ؛ قطرة عند كل باب من بابي جناح الملك ، تحوّلتا إلى شجرتي لبخ – Persea ، وهي شجرة دائمة الخضرة يتكرر ذكرها كثيراً في الميثولوجيا المصرية ، والمصريون القدماء يعتبرونها : “شجرة إيزيس” ، أي أن باتا الذكر تحوّل إلى رمز أنثوي من رموز الإلهة الأم !!
يُخبر أفراد الحاشية الفرعون بالمعجزة الجديدة ، فيذهب بحلته الملوكية ليجلس تحت ظلال إحدى الشجرتين تتبعه الأميرة . وهنا يقول باتا – مرّة ثانية – لزوجته الخائنة، بأنه زوجها باتا ، وأنها هي التي خططت لقتله .. إلخ . فتطلب الأميرة – مرّة ثانية هي في الحقيقة الثالثة بعد حادثة قطع الأكاسيا – من الفرعون من جديد أن يقسم بالإله “رع” بأن يستجيب لكل ما تطلبه منه ، فيُقسم لها ، وتطلب منه ، هذه المرّة ، أن يقطع الشجرتين ، ويصنع لها خزانة جميلة . استجاب الفرعون ، وبينما الملكة واقفة تراقب – بتشفّ ٍ – ما يفعله النجارون الماهرون بالشجرتين ، استجابة لطبها ، طارت قطعة خشب ودخلت فمها ، وابتلعتها ، وبعد عدّة أيام (وليس كما يقول ناجح : أيام وشهور) ، ولدت الأميرة طفلاً . أُخبِر الفرعون بأنه قد وُلِد له طفل ، وجلبوه له ، وخصّصوا له ممرضة وخدما ، وأقيمت الإحتفالات في أنحاء المملكة كلّها . ثم جلس الملك ، وأقام يوما مقدّسا لتسمية الطفل الوليد ، وكان يضعه في حِجره . وقد أحبّه الملك كثيراً ، وربّاه ليكون نائب الملك على مملكة كوش – King’s Son of Kush أو The Viceroy of Kush (وسنرى بعد قليل أهمية هذه الإشارة التي لم يذكرها ناجح ولا سليمان مظهر) . ثم – بمرور الأيام – جعله وصيّاً على البلاد كلها . وبعد أن رحل الفرعون إلى السماء (وهو تعبير فرعوني عن موت الفرعون) ، دعا الوصي كل أعيان مصر كي يمثلوا أمامه كي يقص عليهم كل ما حصل له ، فحضروا وأحضروا زوجته (أمّه) أمامه أيضا ، وقاموا بمحاكمتها ، واتفقوا معه في الحكم الذي أصدره عليها .
# ما أهمّية منصب “نائب الملك على كوش” ؟ :
—————————————–
الآن أعود إلى ما وعدت القارىء به قبل قليل ، وهو مراجعة معنى أن ينصّب الفرعون ، باتا ، نائبا له على مملكة كوش .
(مملكة كوش تُنسب إلى كوش بن حام ، واتخذت هذا الاسم إبان تتويج (الارا النوبي) أول ملوك الأسرة الخامسة والعشرين النوبية الذي غزا مصر وضمّها إلى دولته .
والمنطقة من حوض نهر النيل التي تُعرف بالنوبة والواقعة في الحدود الحالية للسودان وأجزاء من مصر ، كانت موطن ثلاث ممالك كوشية حكمت في الماضي، الأولى بعاصمتها كرمة (2400 – 1500 ق.م.)، وتلك التي تمركزت حول نبتة (1000 – 300 ق.م.)، واخرها مروي (300 ق.م. – 300 م).
وما يهمنا هنا أنّ هذا اللقب (نائب الملك على كوش) استخدم في وقت الأسرة الثامنة عشرة (1570 – 1293 ق. م ) ، وتحديدا في عصر الفرعون تحتمس (1527 – 1515 ق. م) (109) ، حيث بدأ تنصيب شخص على مملكة كوش ليكون نائبا عنه ومسؤولا أمامه عن شؤون إدارتها . ولم يكن شرطاً أن يكون هذا الشخص من أقارب الفرعون (اي من نسل مقدّس) ، بل قد يكون من عامة الشعب . ولهذا استخدم كاتب الحكاية هذا اللقب كي يبرّر تنصيب الفرعون لباتا على مملكة كوش لأنه لا يحمل أصلا ملوكياً فهو فلّاح بشري بسيط . najeh almamoriy 4
# من مخاطر المنهج الواحد الجامد :
———————————-
وهنا علينا التنبيه على واقعة مهمة جدا ، قبل أن يقع المحلّلون منّا المتحمّسون والمنحازون أصلاً لمفاهيمهم ، في مصيدة الـتأويل الأوديبي . فقد حبلت الأميرة بقطعة خشب طارت من جسد باتا الشجرة وهي تُقطّع ، وابتلعتها ، لتنجب طفلا كان هو باتا نفسه . هذه ليست من تمظهرات العقدة الأوديبية ، بل هي تعبير عن الدور المزدوج الذي كانت تلعبه المرأة في الحياة الفرعونية : فقد كانت زوجة وأم في وقت واحد. وهذا الأمر يثير في أذهاننا ضرورة أن لا نتمسّك بتفسيرات أحاديّة مهما كانت ونغفل العوامل الإجتماعية والثقافية . وهنا ، أيضاً ، يتجلى دور عامل مهم آخر جرى في الحكاية ، وهو الأصل المقدّس للزوجة حين قامت الآلهة بخلقها ، فهو تمهيد لتوفير شرط أساسي كي يكون باتا من أصل مقدّس ، وبالتالي صالحاً لوراثة الفرعون خصوصا أنه لم يكن الإبن الحقيقي للفرعون . أضف إلى ذلك علاقة باتا بالآلهة التاسوعاء في منتصف القصة ، فالقداسة التي تضفيها الآلهة ساعدته في وقت حاجته إليها .
وهناك إشارات كثيرة في القصة تحيلنا إلى انفصال مصر القديمة إلى قسمين ، فخلال كل تاريخ مصر القديمة ، وحتى في الأوقات التي كان فيها القطر موحّداً سياسياً ومستقرّاً ، كان من المعروف أن مصر تنقسم إلى منطقتين :
– مصر السفلى وهي التي في الشمال وتشمل دلتا النيل ،
– ومصر العليا التي في الجنوب .
وفي بداية القصّة كان يُشار إلى باتا بأنه فريد لا يوجد مثله في البلاد لأنّ فتوة الآلهة فيه . أضف إلى ذلك أنه كلّما غضب واحد من الأخوين كان يوصف بأنه تصرّف مثل “نمر من مصر العليا” ، وفي ترجمة أخرى “مثل فهد من الجنوب” .kh-najeh-8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *