شارع الرشيد..ذاكرة بغداد وتاريخها
تحقيق : عصام القدسي

osam-alkudsiشارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع بغداد كان يعرف خلال الحكم العثماني باسم شارع (خليل باشا جاده سي) على اسم خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني الذي قام بتوسيع وتعديل الطريق العام الممتد من الباب الشرقي إلى باب المعظم وجعله شارعاً باسمهِ عام 1910م، وكان ذلك لأسباب حربية ولتسهيل حركة الجيش العثماني وعرباته فتم العمل في هذه الجادة بصورة مستعجلة وارتجالية حيث كان يصطدم بمعارضة العلماء ورجال الدين البغداديين عند ظهور عقبة تعلق استقامتهِ ببروز أحد الجوامع على الطريق كما كان يصطدم بألأملاك المتنفذين والأجانب ممن هم مشمولون بالحماية وفق الامتيازات الأجنبية, وكذلك لقلة المال المتوفر لديهِ لاستملاكها, لذلك وجب حصول انحناءات في الشارع تبعاً لهذه العراقيل. وهكذا بدأ بتهديم أملاك الفقراء والغائبين ومن لا وارث لهم، فأصبح الطريق ممهداً واسعاً تسلك فيه وسائط النقل بسهولة.
اول تبليط للشارع
بعد منتصف العشرينيات بدأ مشروع تبليط شارع الرشيد ايام كان (نشأت السنوي) امينا للعاصمة وبدأ التبليط بالتعديل اولا، ثم فرش بالرمل والحصو الناعم ثم المشبك الحديدي (بي ار سي) ثم التبليط باليد وبالشيبك الخشبي المدهون بالنفط الاسود كي لايلتصق بالجير واستمر التبليط اشهرا طويلة وما ان انتهى التبليط حتى أصبح شارع الرشيد المتنزه الامثل لاهالي بغداد وخصوصا سكان الكرخ وبدا الناس يعمرون املاكهم الواقعة عليه اما بشكل مقاه أو دكاكين أو مخازن (مغازات)
سير التاكسيات وسيارات الاجرة
اما التاكسيات فلم تبدا العمل الا في منتصف العشرينيات واول من بداها سيارات الفيات الصغيرة ثم كثرت بعد ذلك. اما الباصات فلم تبدا عملها الا في نهاية العشرينيات وقد بدأت بالباصات الكبيرة التي عملت ابدانها في بغداد وكانت اجرة الراكب من باب المعظم إلى الباب الشرقي عانة واحدة وصارت اربعة فلوس بالعملة العراقية الجديدة وكانت تعمل بين الباب الشرقي وباب المعظم فقط وفي الثلاثينيات ظهرت الباصات الصغيرة واشتغلت بين بغداد والكرادة والاعظمية
اول ظهور لشرطة المرور فيه
وبالرغم من فتح شارع غازي فقد بقي شارع الرشيد هو المتنفس الوحيد لبغداد ومركز نشاطها وتظاهراتها وهوساتها ومواكب العزاء والمسيرات فيها وكثرت السيارات في اواخر العشرينيات وبقي نظام المرور غير مرتب وكانت السيارات تسير على وفق هواها والمنبهات والابواق المركبة على جهة السائق تزعج الناس ، وللعطل الدائم للسيارات والخيل الجانحة للعربات صدرت أنظمة وتعليمات إلى شرطة المرور في الشارع وكانت مؤلفة من مفوض شرطة وبضعة افراد وفي الثلاثينيات صدر نظام المرور وزيدة افراد الشرطة وعين معاون مدير شرطة مرور لادارتها وانيطت بها أيضا مهمة التصديق على متانة وسلامة اللوريات التي تنقل البضائع والركاب إلى خارج العراق وبدا امتحان سواق السيارات لاعطائهم الاجازة القانونية وكان الاختبار يجري في الزقاق الواقع خلف جامع السراي, اما السرعة داخل المدينة فممنوع ان تتجاوز 15 كيلومتر اما خارج المدينة فتكون 25 كيلومتر وكان معدل هذه السرعة في ذلك الوقت عالية .

شارع الرشيد أيام زمان (عن الكاردينيا)
شارع الرشيد أيام زمان (عن الكاردينيا)

شركات استيراد السيارات
اما شركات استيراد السيارات فكانت شركة شفيق عدس تستورد الفورد وشركة كتانة تستورد الدودج والبلايموث ويوسف سعد للبكارد والمهدسن وبيت لاوي للشفرولية واخواتها وبيت داود ساسون للسيارات الإنكليزية موريس واوستن وفنكارد وغيرها اما السيارات الألمانية فكان يستوردها جورج عبديني
ارقام السيارات الاولى ومالكوها
رقم واحد بغداد كان لسيارة السيد حاج سليم مدير الشرطة العام الاسبق ورقم 2 لجورج عبدين ورقم 3 لعلي جودت ورقم 4 لنشأة السنوي و5 لفخري الطبقجلي و 6 لجميل المدفعي و 7 لشهاب الدين الكيلاني و 8 لجلال بابان و 9 لرشيد عالي الكيلاني و 10 لحسام الدين جمعة و 12 ناجي السويدي و 14 انطوان شماس و 15 عبد المنعم الخضيري و 17 لرؤوف الجيبه جي و 18 ناجي شوكت و 20 نوري سعيد و 22 رؤوف البحراني و 23 لعبد المحسن شلاش ومن الصعب تعدادهم كلهم ولكن لغرض الاطلاع فكان رقم 30 بغداد لجلال خالد و 33 الدكتور مظفر الزهراوي و 35 لتحسين علي و 40 لسكندر اصطيفان و 44 لناجي الخضيري و 47 لصالح جبر و 49 لعبد الرزاق فتاح و 58 لمحمود صبحي الدفتري و 59 توفيق اللسويدي و 66 لعلوان حسين و0 7 السيد محمد الصدر و 79 لجميل عبد الوهاب و 90 لإبراهيم كمال و 100 لعبد الحليم السنوي و 120 لعارف السويدي و 300 عبد الهادي الدامرجي اما في خارج لواء بغداد فلم يكن للمرور سوى رجل شرطة واحد في البصرة واخر في خانقين واخر في النجف ثم في كركوك ثم في الموصل وكان رسم تسجيل السيارات ورسم اجازة السوق عشر ربيات اما رسوم العربات فهي نصف رسوم السيارات اما الدراجات الهوائية والبخارية فلم تكن تدفع الرسوم.

مقترب جسر الأحرار لاحظ النظافة (عن الكاردينيا)
مقترب جسر الأحرار لاحظ النظافة (عن الكاردينيا)

الرقم 4 وشارع الرشيد
ربما كانت شهرة شارع الرشيد في بغداد تضاهي شهرة الشانزليزيه في باريس. فاسمه المرتبط بالخليفة هارون الرشيد، سرعان ما يوحي للسامع به لأول مرة أنه شارع في العراق. ولعله أقدم، وأشهر شوارع بغداد، وأن احتفاظه بالطراز العمراني القديم جعله من أبرز معالمها التراثية والحضارية. ومن المفارقات الغريبة أنه يلتقي بالرقم (4( في العديد من الأمور، إذ أن طوله يبلغ حوالي (4) كيلو مترات، وهناك (4) جسور تطل عليه هي: جسر الشهداء، والأحرار، والسنك، و 30 تموز. كما أن فيه 4 جوامع كبيرة، و(4) دور سينما، و(4) مسارح. وإذا ما أردت أن تمر به من بدايته حتى نهايته سينبغي عليك ركوب الباص رقم (4). و تقع فيه أشهر (4) أماكن فريدة من نوعها في العراق ويعرفها الصغير والكبير وهي سوق الشورجة ويؤمه العراقيون من كل فج ويعد أقدم أسواق العراق،وشارع المتنبي وهو صغير متفرع منه ، ويعد من أضخم وأشهر أسواق بيع الكتب الجديدة والمستعملة ولا يكاد يضاهيه سوق في العالم. ثم المتحف البغدادي الذي يعرض موروث التراث الشعبي، وأخيراً مقهى أم كلثوم الذي يحتوي أقدم أُلبومات كوكب الشرق وأندر صورها ويؤمه عشاق الغناء القديم من كل أرجاء العراق
أهمية شارع الرشيد التراثية
تأتي اهمية الشارع الممتد من باب المعظم الى الباب الشرقي وسط العاصمة العراقية بغداد من خلال تراثه الذي يمثل تاريخها، فقد شق طريقه بين اهم الاماكن التراثية، سالكا طريق المساجد والجوامع، والاسواق الكبيرة، ماراً بأهم المقاهي والحوانيت، محتضناً اهم الصناعات والمهن والحرف الشعبية المنتشرة فيه بمحال متزاحمة على امتداده
وقد حافظ الشارع على التقاليد البغدادية العريقة بين ساكنيه ورواده حتى اذا ما ثبتت معالمه، بهدم مئات الدور والمحال تسابقت عليه إدارات الصحف، والسينمات، والملاهي، والشركات التجارية، والاطباء والصيادلة، وغيرهم كل يريد له مكاناً مميزاً على امتداده حتى اصبح مركزاً رئيساً للتجارة بين العاصمة بغداد وجميع مناطق العراق، بل كان الى عهد قريب المحتكر لكل انواع التجارة .

سينما النجاح أيام زمان (عن الكاردينيا)
سينما النجاح أيام زمان (عن الكاردينيا)

اهميته السياسية
اما من الناحية السياسية، فقد شهد كثيرا من الاحداث التي شكلت نقاط تغيير وتحول بتاريخ العراق الحديث وانطلقت منه اكبر التظاهرات المناهضة للاستعمار والمنددة بالمواقف اللاوطنية . ويقول الباحث التاريخي العراقي باسم عبد الحميد حمودي اذا قلت بغداد الحديثة فلابد ان تقرنها بالشارع العتيد، شارع الرشيد، فقد ظل ومنذ افتتاحه عام 1916 وزمن الحكم الوطني، معلما اساسياً من معالم بغداد وينقل عن الاستاذ ديزموند ستيوارت الذي عمل لسنوات استاذاً في دار المعلمين العالية وكلية الآداب ببغداد قوله عندما سئل عن الشارع ان من زار بغداد ولم يدخل شارع الرشيد فكأنه لم ير من بغداد شيئاً. وعن طريقة اقامة هذا الشارع يقول الباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي الواقع ان شقه كان يجري بطريقة عجيبة فقد جيء بحبلين طويلين ومدا فوق سطوح الدور لتحديد استقامته وعرضه بهما، وكان مرور احد الحبلين فوق احدى الدور كان معناه نزول الكارثة على اهل تلك الدار اي ان دارهم ستتعرض للهدم. ويتابع ان صاحب الدار يسرع الى اصدقائه لكي يرشدوه الى من يساعده على ازاحة الحبل عن داره لقاء رشوة فكان الحبل يتحول من دار الى اخرى حسب مبلغ الرشوة التي تدفع او النفوذ الذي يستخدم، واصفا الحالة بانها كانت مهزلة فعلا تدعو الى البكاء والضحك معا.

مسيرة سياسية في شارع الرشيد لاحظ الأناقة (عن الكاردينيا)
مسيرة سياسية في شارع الرشيد لاحظ الأناقة (عن الكاردينيا)

اماكن اللهو والترفيه في الشارع
وكان الداخل اليه من جهة الباب الشرقي يجد باستقباله اماكن اللهو والترفيه من دور للسينما والمسرح والمقاهي التي تعج بالزبائن من مختلف الاعمار والمشارب والاهواء من باحثين عن المتعة الى مثقفين وطلبة علم يتدارسون مختلف المواضيع ومن المقاهي التي يتذكرها البغداديون، المقهى البرازيلية المشهور باعداد قهوتها المتميزة ومقهى شاطئ النهر الذي يطل على دجلة وغيرها.
المراكز التجارية التي تقع عليه
وبالانتقال الى جزء اخر من هذا الشارع الحيوي الذي يمتد على مسافة اربعة كيلو مترات وسط بغداد نجد اكبر المراكز التجارية التي تطل عليه وهي اسواق الشورجة التي تعتبر وبحسب وصف العاملين فيها معدة العراق الاقتصادية منها يتبضع تجار المحافظات العراقية كل احتياجاتهم.

مدخل أوروزدي باك عام 1967 (عن الكاردينيا)
مدخل أوروزدي باك عام 1967 (عن الكاردينيا)

الجوامع والاماكن التراثية
يضم الشارع جوامع تراثية واسواق قديمة اما الجزء الاخير من الشارع والذي يطل على ساحة باب المعظم فيضم اكبر ثروات العراق الثقافية والتراثية ففيه سوق المتنبي الذي يحتوي كبريات المكتبات ودور الطباعة والنشر والى جانبه سوق الصفافير الذي اخذ اسمه من تخصصه بكل ما هو مصنوع من النحاس والذي كان يستقبل الاف السواح العرب والاجانب قبل التدهور الذي لحق به بسبب الظروف الامنية والاهمال. وفيما مضى اعتنت امانة العاصمة بهذاالشارع فمنعت دخول سيارات الاجرة التي لا تحمل لوحة خاصة به ومنعت فتح محال ودكاكين للعطارة العادية وللفواكه واللحوم لكي يبقى الشارع نظيفاً زاهياً كما منعت عربات الدفع العادية من المرور خلاله لكي لا تتشوه صورته . اما اليوم يعج شارع الرشيد بسيل من الفوضى فالعربات تتنقل بكل حرية ولم تفتح دكاكين عطارة وفواكه فيه فحسب بل فتحت محال لتصليح السيارات وباعة الخردة ولافتات الدعايات المتعددة وضاعت نظافته وانبعثت روائح كريهة من النفايات المتروكة قرب سوق الشورجة و قرب ساحة التحرير. وتأثر كثيرا بالوضع الامني المتدهور الذي تعيشه البلاد وقطعت الكتل الخرسانية اوصاله واصبح التنقل امرا مزعجا بالاضافة الى الانفجارات التي تحدث فيه من وقت لاخر .
من ينقذه من الانقراض ؟
شارع الرشيد ذاكرة حية في طريقها الى الانطفاء ولابد من انتشاله من الحالة المزرية التي يعيشها الان والعمل على تشكيل لجنة وطنية لانقاذ هذا المعلم البغدادي الاصيل لجنة على مستوى عال وبصلاحيات واسعة مدعومة باموال كافية للنهوض بواقعه بعدما اصابه الدمار وعطلت نشاطاته واصبح مهجورا تنشر فيه النفايات

بغداد طالبات يستعرضن في شارع الرشيد
بغداد طالبات يستعرضن في شارع الرشيد

موقف الحكومة من الشارع
مع البدء في تنفيذ مستلزمات مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية عام 2013 تم الاتفاق بين وزارة الثقافة وكل من وزارة السياحة والآثار، وأمانة بغداد باختيار جزء من شارع الرشيد وبالتحديد المنطقة المحصور بين شارع المتنبي ومنطقة الميدان لإعادة ترميميه وتطويره، وفق منهج علمي على أن لا يؤثر الترميم على الخصائص المعمارية للابنية.
المدير العام لدائرة التصاميم في أمانة بغداد وكالة الدكتور فتحي الاطرقجي أشار الى إنه تم الاتفاق على الخطوط العريضة مع الجهات المساهمة مع أمانة بغداد لتنفيذ المشروع بعد أن وضعت الدراسات اللازمة، موضحا ان الأمانة جادة هذه المرة على اكمال المشروع، وتجاوز العقبات الفنية والمالية، التي حالت دون تنفيذه خلال الفترة السابقة.
واوضحت المديرة العامة لدائرة التراث في وزارة السياحة والآثار فوزية المالكي إن السبب في اختيار المنطقة المحصورة بين شارع المتنبي والميدان للتطوير يرجع الى كونها تحوي مبان تراثية مهمة، ولان المبالغ المخصصة لا تكفي لتطوير الشارع بالكامل. وان الدائرة شرعت بالفعل في تشكيل لجان الترميم التي تواصل عملها حاليا لتحويل تلك المباني والبيوت التراثية إلى متاحف.
وقالت فوزية المالكي ان تطوير شارع الرشيد بالكامل وبشكل يليق بتاريخه يحتاج إلى قرار سياسي جري. الباحث في مجال المعمار التراثي الدكتور على ثويني شدد على ضرورة الترميم وفق آليات مدروسة وعلمية، وعلى أيدي مختصين، ومن المهم أيضا تدريب كوادر عراقية ليواصلوا عمليات الصيانة الدورية للشارع. واوضح ثويني انه اقترح على مجلس الوزراء تقسيم الشارع الى اجزاء وتوزيع الاجزاء على عدد من الوزارات لتتولى كل منها ترميم الجزء المخصص لها تحت إشراف مهندسين معماريين مختصين ومجلس الوزراء، وبهذا يكون التطوير الشامل للشارع من حصة كل مؤسسات الدولة، أما إختيار جزء واحد وتطويره عملية ساذجة وترقيعية، حسب تعبيره.

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *