مهدي شاكر العبيدي: من فذلكات الدكتور “علي الوردي”

في بداية سبعينيات القرن الفائت ظهر في التلفزيون مسؤول حكومي بارز لمع بعض الوقت ، ثمَّ انحسرَتْ عنه الأضواء وتوارى بعيدا ً لضعف أدائه في تمشية الأعمال في نظر السُّلطة ، فجُرِّد من مناصبه أو تخلى عنها من تلقاء نفسه ورحل إلى الخارج ، دون أنْ يروم أحدا ً بذم أو إساءة ، فلا أذكره قط ، دوره في إدارة الندوة التلفزيونية يكاد يكون ثانويا ً يقتصر على توجيه بعض الأسئلة ، ويدع مشاركـَيْهِ فيها يوغلان في الحديث ، وبذلك تفقد – أعني الندوة ـ شيئا ً من مواصفاتها وخصائصها ، والشَّخصان اللذان ضيَّفهما ـ لا استضافهما كما هو مألوف في الكتابة الصُّحفية – هما العالمان المتخصِّصان بعلم الاجتماع  المرحومان :ـ علي الوردي ، وعبد الجليل الطاهر ؛ ولا حاجة إلى التنويه بما للأوَّل من حضور فاعل في المحافل الاجتماعية من تثويره لبعض القضايا الشَّائكة والمسائل العويصة ، واستلفات نظر الجمهور العراقي المحبِّ للجدل الفكري والتناحر والتلاحي بصدد وقائع منطوية في ضمير الزَّمن تمسُّ تاريخه الذي يحيا فيه بدلا ً من أنْ يعيش حاضره ، هذا إلى مؤلفاته المعروفة التي أعيد طبعها في غير رجأ ، وشهر عنه عنايته الفائقة وغير العادية بنفائس الدَّوريات والمؤلفات ، ولا يشينه البتة أو يبخس قدره أنْ غمز قناته مرَّة أستاذ فاضل عبر مقابلة أجراها معه الصُّحفي الزَّميل حميد المطبعي لجريدة ( القادسية ) المحتجبة فنعته أنـَّه انتهازي في نفس الوقت الذي كان مؤشَّرا ً عليه من أرباب السُّلطة ، وغدَتْ مؤلفاته شبه محظورة وزادَتْ شقة الخلاف بينه وبينها بصدد أوضاع البلد ، ووصل إلى أسماعها استهجانه واعتراضه على كلِّ إجراء وتدبير تلجأ إليه لتخطي المشكلات والمعضلات المتفاقمة ، ممَّا ينقله الوشاة المندسُّون في الأسمار والمحافل التي يرتادها ، لكن حسبنا اليوم أنْ نستيقنَ أنـَّه يظلُّ مذكورا ً لأحقاب متطاولة ، على ما يشوب صفحات قليلة من آثاره من هنات وأغاليط في النحو يتحاشى الوقوع فيها جهابذة الكـُتـَّاب ، بينا خمل مع الأسف شأن غامزه بدون وجه حق على علوِّ جانبه وعفة نفسه غالبا ً ؛ وأمَّا الثاني فلمْ يمهله مُفرِّق الأحباب مدَّة أطول ليوالي إخراج كتبه سوى ما أصدره منها في خمسينيات القرن العشرين وفي حداثة عهده بالانتظام في الجامعة خصوصا ً مؤلفه المشهور ( أصنام المجتمع ) وفصول ضافية عن الضَّياع والاغتراب عن الحضارة والوسط الاجتماعي الحافل بالمفارقات والنقائض وغيرها نشرها في المجلات العربية وتنوسي مؤخرا ً دون أنْ يبقي بعده ذلك الدَّوي والصِّيت البعيد الذي تأتى لقرينه الوردي .

       وكان هدف الندوة هو تعريف الشَّعب العراقي  بمضمون قانون التجنيد الجديد والدِّلالة على مسوغاته ودواعيه والعمل به ولو بأثر رجعي أي يشمل موظفي الدَّولة كافة ومنهم الهيئات التعليمية والتدريسية دون نظر للعمر وأخذه بالحسبان ، وهذا يعني تفريغ المدارس والمعاهد والكليات والدَّوائر عامة من منتسبيها وملاكاتها كافة والتحاقهم بالجيش ممَّا لا يتصوره عاقل ، وكان التشريع السَّابق يعفي من يحصل على شهادة الإعدادية أو ما يعادلها وينتظم موظفا ً في مؤسَّسات الدَّولة ، لكن يتوجَّب عليه أنْ يراجع دوائر التجنيد متى ما استدعته ليؤشِّر دفتره ـ كما يقال ـ حتى يبلغ الخامسة والأربعين عاما ً وتكون التأشيرة الأخيرة في الدَّفتر المذكور أنـَّه لم يعد مؤهَّلا ً للخدمة في القوات المسلحة .

       أمَّا ما هي موجبات صدور هذا القانون فهي أنَّ العرب إذ دحرتهم إسرائيل وتغلبَتْ عليهم في حزيران / 1967م ، ينبغي لهم النهوض من كبوتهم وتجاوز هذه الهزيمة المريعة برفد الجيش المقاتل بعناصر مثقفة بدلا ً من آلاف الأميين والجُهَّال المتطوعينَ فيه ، وليكن العراق قدوة لشقيقاته العربيات كي تعتمد على هذا الصِّنف من المقاتلينَ الذين يعون واجباتهم ويندفعون لها بكل حماسة ورغبة في الاستبسال والتفاني ، خصوصا ً إذا التحق بهم خريجو الكليات والمعاهد من الشَّباب المتنوِّر ، ممَّن يتلظون فتاءً وحميَّة لنجدة فلسطين .

       فماذا صنع الأستاذان الفاضلان وقد وجدا نفسيهما في ذلك المأزق ، وما يقتضيهما من الانحياز لجانب السُّلطة كي يرسلا قولة حق وتزكية ، وتمرِّر قانونها على الجمهور لو حظي بشهادة الوردي وصنوه وأقرَّا بوجاهته ولزومه لإنقاذ فلسطين التي عاودوا ظهورهم في السَّاحة باسمها عادة ؛ فأمَّا الدكتور عبد الجليل الطاهر فقد انطلق ملقيا ً خطبة حماسية ، رافعا ً كلتا يديه إلى الأعلى مطبقا ً كفيهما ومتظلما ً ممَّا انزله الصَّهاينة الأراذل بقومنا من الخسف والإرهاق ، وخلص إلى ضرورة الاستعانة برهط متفتح وعارف بحقيقة دوافعه في القتال ، دون أنْ يشير إلى القانون بكلمة ؛ وجاء دور الوردي الذي نوَّه بتحمُّس الفرد العراقي ونصرته لأشقائه الفلسطينيينَ ثمَّ أقحم الكرد في القضية ، بذلاقة لسانه ولوذعيته ، وأعرب عن إعجابه بجلادة الكردي الفيلي وتحمله المشاق وكدحه المضني في الشُّورجة ، دون أنْ يدري ـ ولعله يدري ـ أن َّالزمن يدَّخِر للكرد الفيليين في طيَّاته صنوف الإذلال والهوان ، فقد استهدِفَ جمٌ غفيرٌ منهم بالتسفير والإبعاد ، ونـُزع منهم كلُّ ما يمتلكون من   حطام  .

       لكن كيف نـُفـِّذ القانون على صعيد التطبيق ؟ ، بعد أسبوع ـ أو أقل أو أكثر ـ ارتأتْ الجهات العليا العمل بالبدل النقدي ، وأغلبيَّتنا لا تمتلك في مدَّخراتها مقداره وهو مائة دينار ـ كانتْ ذات قيمة شرائية فائقة وقتذاك ـ لتردفها بأنْ يستدينَ الواحد منـَّا سلفة من مصرف الرُّهون تسدَّد بأقساط لمدة عشرين شهرا ً ، ممَّا عدَّته نقابة المعلمينَ مكسبا ً جادَتْ به القيادة نتيجة تفهُّمِها أوضاع المعلمينَ المعاشية ، بعد أنْ مررْنا أو أمِرْنا بتنفيذ أوامر ضبَّاط التجنيد ـ كلُّ في منطقته ـ من قبيل حمل سجلات الدَّائرة وسط الشَّارع العام ـ وعيون المارة ترمقنا ـ بغية إيصالها إلى دوائر الصِّحة ليصادق الأطباء على سلامتنا وكوننا أصحاء الجسوم والأبدان وقد قارب عمر الواحد منا أربعين عاما ً ، لأنـَّنا صرنا كالأغمار في عداد المتخلفينَ عن خدمة    العلم ! ، بحسب التعليمات العسكرية الصَّارمة , في حين كان الطبيب والضَّابط معا ً يحرقان الأرم ويستخفان بهذه المهزلة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.