غازي سلمان : للحياة بقية من “بلابل برية” *

ghazi-salmanإن تلك اللحظات القصار المثقلة بطاقات حياتية معقدة ، هي فضاء القصة القصيرة الذي يُشغَف الكاتبُ بالتعبير عنها ورصد تحولاتها وفق حبكة تتجلى الأحداث فيها وعبر لغة تنطوي على أفكار الكاتب أو مضمون كتابته، لغة تتماهى مع معالم شخصيات القصة من حيث المستوى الفكري والثقافي والانتماء الطبقي أيضا، وكذلك مع الأمكنة وتفصيلات مجوداتها في زمن بعينه يفرض على كل عناصر القص الأخرى سطوته في التغيير، فيما يمنح امتلاك الكاتب لناصية لغته النصَّ قيمته الإبداعية من خلال العلاقة المتخلقة بين تلك اللغة نفسها والتجربة الشعورية ، ولهذا لابد وان يمتاز كاتب القصة القصيرة بالفطنة في دقة الرصد وبمخيلة نشطة قادرة على الابتكار ، تمكنانه من إعادة صياغة الأحداث الواقعية في واقع إبداعي مواز .
ففي قصة” بلابل برية” المضمّنة في مجموعته القصصية ” فك الحزن ” لجأ الكاتب جودت جالي إلى انساق لغوية ، تصويرية بامتياز ، وإن اتسمت لغة السرد ببساطتها الظاهرية، لكن كان لها القدرة على التجسيد والإقناع والإيحاء أيضا ، تناولت تفاصيل حياتية تنبض بالحياة خلال فترة زمنية لا تتجاوز ساعات قلائل، و وسمت النص بهوية أسلوب الكاتب الخاص به مبتعدا وهو يحكي الأحداث بوضوح ، عن التباسات الغموض ، متمكنا من الكشف توغلا ،عن دواخلَ نفس بطله ” الشيخ ” و وصفه للأمكنة التي رسمها مسار رحلته مشيا من اجل دفن طفلين ( ولدا فماتا ) ، في ظهيرة يوم من ايام تلك السنوات الفائتة التي كانت تمارس فيه كلاب القتل السائبة طقسها في شوارعنا التي خلت من فعل الحياة ، فلا عابروا سبيل ولا ضجيج أطفال يلعبون او سيارات تمر، فهو يوم قد مُنع فيه التجوال ، وكأن الشيخ وصهره يسيران في مدينة شبحية المعالم، لا يغير من سكونية الزمن فيها أي طارئ، ما أتاح للشيخ الاستغراق في مونولوج تلو الآخر ، ليزيح عن كاهله وكذلك كاهل القارئ رتابة المسير نحو المقبرة ، وإن حدث هناك بعض من تغيير في إيقاع الروي بفعل” سيناريو” كل من: مصادفة سيارة الشرطة التي أقلتهما لمسافة معينة ، وسيناريو لقاءهما بحارس المقبرة الذي رفض دفن الجثتين ، وان بقيا متعالقين مع ثيمة النص ، إلاّ ان ذاك التغيير سرعان ما يبدأ بالتلاشي كلما انقضت لحظات تقرّب لهما المسافة الى المقبرة ، تلك اللحظات التي تماهى وجودها مع لغة سرد هادئة لا تمنح إلاّ الحزن والإحباط والتوجس خيفة من قاتل ،شبح ، يظهر فجأة في بيئة قاتمة ، صفن فيها كل شيء .jodat jali

اعتقد ان القاص قد أغنى تجربته في مجال كتابة القصة القصيرة ، كثيرا من خلال نشاطه الإبداعي كمترجم لمقالات عن الأدب وعن فن السينما ايضا من اللغتين الانكليزية والفرنسية ، فتمكن من تخطي أساليب الكتابة الكلاسيكية – التقليدية وتبني أسلوبا حداثيا ، حيث يلمس المتلقي ذاك الحضور غير المنتظم للزمن في تسلسلية الأحداث ،فقد بدا الروي وبضمير المتكلم، بمشهد الشيخ وصهره وهما يغذان السير صوب المقبرة ، كزمن حاضر ، ثم يرتد الزمن بمنولوج ” الشيخ ” الى المستشفى والى الأم ، النفساء ، وهي تتوسله :
( ابي… الله يخليك اذا ماتا .. احفر لهما قبرا عميقا . يقولون انه في مقابر الأطفال … تأتي حيوانات فـ.. لا أريد ان تأكلهما الحيوانات ) ص7
وسرعان ما يعود بنا صوت القاص نفسه الى زمن ابتداء الرويّ ، في الطريق الى المقبرة ، فتتناوب فيه مشاهد انتقالية مختلفة مكانا وزمانا، توحي للمتلقي بتقنية فن السينما في تتالي أكثر من سيناريو منفصل عن الأخر، مع التركيز على صور هي جزء صغير من المكان بغية الاستعاضة عن اللغة في إيصال الفكرة او ما وراءها :
(فكان التراب الناعم المتخلق من حول ثقوب النمل دائب الحركة تحت أشعة شمس الشتاء الدافئة المائلة إلى الغرب يعلق بأطراف أصابعهما أو يندس بين نعليهما وإقدامهما) ص14kh jodat jali

(…جال الشيخ ببصره ، نحو هياكل البيوت القليلة المتناثرة … ونحو السدة والأشجار… وقع بصره على شجرة ضخمة تمد أغصانها الغليظة حتى لتكاد تصنع سقفا اخضر فوق السدة ،مد بصره الى ابعد من السقف فرأى سيارة سوداء او قاتمة تتحرك ..) ص15
إلا ان الكاتب تمكن من مقاربة المشاهد بفعل ملازمة لغة السرد للحدث في أوان لحظته في محاولة منه لجذب المتلقي الى دائرة الواقع الإبداعي الموازي لعالمه ، وليشعر ان تكون القصة قريبة منه ،من الحدث المعيش ومن أشخاص ربما عرفهم ، وان إقناع المتلقي قد تحقق ” من وجهة نظري ” في هذا النص بتوفر قدرا كبيرا من الصدق في تقديم عناصر النص وركائزه المتمثلة في الزمان ومكان وقع الحدث وأخيرا المقدرة على معالجة الفكرة الرئيسية من منظور ابداعي .
ان الكاتب لم يأتي بـ ” الشيخ ” ليكون كنية مجردة لرجل ، ولم يصف لنا شكله وسحنته كمتقدم بالعمر ، بل ليحمّله عبء تفاصيل الحدث المتخيل كله ،بدءا من مهمته المكلف بها وهي دفن جثتي الطفلين وانتهاءا بنكران الذات عبر تضحيته بنفسه حين أدرك ان القتلة يقتربون منهما ، فـ :
( توقف فجأة وامسك الشاب من ردنه وقال له : – أعطني الطفل والمجرفة وعد أنت الى البيت ) ص15
(فكران أمام زوج ابنته الكثير ليعيش أما هو فقد رأى الكثير أكثر مما كان يتوقع ..وابنته امامها مستقبل تلد فيه المزيد من الأطفال …أما هو فذاهب لكي يحفر في ارض مليئة بقبور البلابل البرية ..)ص16
هكذا ترك القاص خاتمة قصته مفتوحة على الفاجعة ،، على مقتل الشيخ ! بكل التأكيد ، وعلى الامل في ان ابنته ستلد المزيد من بلابل برية ..
فيما،، بقيت مقبرة” الأطفال ” البلابل البرية ، فاغرة حلقها المريع ، لتبتلع حيوات ليس الأطفال ،حسب ، بل آباء وأجداد آخرين :
( فالكتلة السوداء باتجاهه ربما هي التي يستقلها المجرمون ولكنه لن يتراجع… )
———————————————————————–
* “بلابل برية ” القصة الأولى ضمن المجموعة القصصية للكاتب جودت جالي المعنونة ” فك الحزن ” الصادرة من دار ضفاف للطباعة والنشر 2017

غازي سلمان – بغداد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *