احمد عواد الخزاعي : رمزية الذاكرة في (اشارات لزمن الضائع) للقاص كامل التميمي

ahmad-awad-2ما حصل من تغيير بعد 9 نيسان 2003 سمح للكاتب العراقي بالخوض في بعض المواضيع التي كانت تعد خطوطا حمراء، ومكنه من استخدام الرمزية للتعبير عن مشاكل كبيرة ومعقدة يعيشها الانسان العراقي حاليا، وما مر به عبر العقود الاربعة الماضية.. وقصة (اشارات لزمن الضائع) للقاص كامل التميمي ، يمكن اعتبارها إحدى إفرازات تلك المدرسة على الرغم من الأسلوب التقريري الذي انتهجته.

إن استخدام الرمز في الأدب الغربي اختلف من حيث الشكل كما هو موجود في الفن القصصي العربي والعراقي، فالقاص الغربي كان يلجا إلى الرمزية للتعبير عن المشكلات المعقدة التي يعانيها مجتمعه بسبب التطور الحضاري والصناعي السريع وطغيان الفكر المادي وسيادة النزعة الفردية على حركة الإنسان داخل تلك المجتمعات ، وانزواء الجانب الروحي فيها ، كنتاج لنظرية الحداثة وما بعدها، اما القاص العراقي فان الرمزية شكلت له وسيلة للهرب من الملاحقة القانونية اذا ما تحدث عن هذه المشكلات بطريقة مباشرة، وقد سبق ظهور المدرسة الرمزية بعقود طويلة فن آخر اعتقد انه كان يمثل الأساس الحقيقي لها والجذر الذي انبثقت منه وهو ، أدب الرؤية الذي يعد من أوائل الأجناس الأدبية الحديثة التي ظهرت في الغرب واستخدمت من قبل بعض أدباء عصر التنوير للتعبير عن آرائهم الجريئة والخطيرة بصورة غير مباشرة، اتجاه الأنظمة الحاكمة والكنيسة ، كما فعل مونتسكو حين كتب رؤيا عن شاب فارسي يزور فرنسا فينتقد الكنيسة بطريقة لا يمكن لأي فرنسي أن يفعلها في ذلك الوقت خوفا من بطشها، وهذا النوع وصلنا عن طريق الكاتب التركي نامق كمال الذي كتب وترجم في هذا الفن الأدبي، وترجمت رؤاه إلى العربية من قبل الشاعر معروف الرصافي.
( إشارات لزمن الضائع) للقاص كامل التميمي، وهي إحدى قصص مجموعته القصصية، والتي حملت المجموعة اسمها، والصادرة عن دار امل – سوريا..هي قصة قصيرة بحجمها، كبيرة بمعانيها الإنسانية، وسعة افقها الفكري الذي شكل بنائها الهرمي، نص غاب عنه الحوار.. ووظف له لغة سردية أنيقة صافية خالية من التعقيد اللفظي والزوائد الإنشائية والحشو، وغاب عنه أيضا عنصر الزمان، غير ان هنالك إشارات تدل القارئ على ان زمنها كان بعد أن تجاوز العراق وشعبه محنة الحصار الاقتصادي الذي سحقه لأكثر من عقد كامل من الزمن، اما عنصر المكان فكان شاخصه الوحيد مراة على جدار، افق مفتوح على ارهاصات نفسية خارجة عن حيز هذا المكان.kamel altamemi
تبدأ القصة بمشهد صامت وحوار داخلي، تتصاعد وتيرته مع سياق السرد حتى يصل ذروته في خاتمتها.
فتاة جميلة تقف أمام المرآة لتعيش لحظة تداعي فكري أدمنت عليه حتى تحول إلى هاجس يومي، وجزء من متوالية حياتية، تعيشها في حالة من الارتداد والاستذكار، عبر تيار وعي باطني، تستحضر فيه الماضي القريب بوعي آني غاية في النضج، استخدم فيه القاص تقنية الارتداد كما أطلق عليها الكاتب جيرار جينت .. لتسلط الضوء من خلال هذا المنلوج الداخلي على ازمة نفسية حادة مازالت عالقة في قرارة نفسها الفتية، نتجت عن محنة الحصار الاقتصادي وإفرازاته السلبية التي طغت على الوجه العام للمشهد العراقي آنذاك ، والتي ما زالت اثاره باقية الى وقتنا الحاضر، تلك المحنة التي مسخت جزء من الشخصية العراقية البكر، لطيف واسع من الشعب العراقي، وغيرت الكثير من مفاهيمها القيمية والسلوكية والاجتماعية.
في حالة الارتباط الروحي والفكري بين جيلين متباعدين زمانيا، نجد تعلق هذه الفتاة بجدتها بطريقة توحي إلى رمزية الجدة، كإرث تاريخي وأنساني للأمة العراقية..( جدتي التي كانت تمنحني قوة الوقوف على افكاري التي تحس بها امتدادا لأعماق نفسها)، وهنا نجد ان كامل التميمي قد استعاض بالفتاة كرمزية واضحة الدلالة على العراق، والحي وسكانه دلالة على شعب العراق الذي عانى تلك المحنة ( غير أن الأسر القاطنة في محلتنا، لم تكن اصوات الحمير غريبة عنها، ولم يكن طعامها مختلفا عن طعامنا).. بعد هذا الاستعراض لجانب مهم من وطأة الحصار على الشعب العراقي، ينتقل المشهد الصامت ليتناول جزئية مهمة أخرى عاشتها الفتاة برمزيتها الكبيرة، وهي سخرية الطالبات العربيات منها ومن ماضيها الحزين، وكان لمفردة ( عربيات) التي استخدمها القاص وقعها الخاص على السياق العام للنص، حيث حددت جوهر المشكلة العراقية القائمة ، وعقدة الإخوة العربية الزائفة ..(يال انسحاقي كيف عرفت هذه الطالبة العربية أو تلك تفاصيل عن حياتي، كيف سمحت لهن أسماعي هذه الكلمات التي حفرت انهارا من الأوجاع في داخل؟ لماذا لم ارجع إلى أستاذتي واخبرها ان هذه الطالبة او تلك تهزئ من فترة مررت بها) .. وتستمر الفتاة في هذا المخاض الذي يوصلها إلى جدلية تاريخية، وهي الإيمان بالمستقبل، ليضع لنا القاص كامل التميمي نهاية دراماتيكية مفعمة بالأمل لبلد طال مخاضه وتشعبت همومه ومحنه..(بدأت أدور حول نفسي أمام المرايا، أدور والاهانات تدور معي فجأة توقفت قبالة نفسي: لن اقع ضحية … تنفست بعمق، وأحسست ان الكون مدني بقوة جبارة اسمها الغد).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. محمد حسين السماعنة : السحر الأسود في قصيدة نزار قباني “يوميات امرأة”.

احتلت المرأة مساحة واسعة من أوراق نزار قباني فقد مدت ظلها على أكثر عمره، وأكثر …

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *