رشا فاضل: عند قبر “نزار قباني” .. ذرفت الحنين

نـــــزار
شهوة الجرح لآه يلوذ بها
وشهوة الحرية لصهيل يرتقي سلّم الشمس
وشهوة حبري لفضح الجرح
وهو يعانق الوجوه خلف العباءات البيض ..
كان لزاما على حروفي ان تحبو اليك..
ان تقتفي أثر الياسمين العالق في
(مئذنة الشحم) ..
أن اطرق باب صمتك بيدين
ترتعشان لهفة لعناق هواء
تنفسته ذات شعر ..
لأعانق بأصابعي قرميد بيتكم
وبقايا خضرة( ام المعتز) في باحة عطركم
لكن الدار كانت صماء
فلم تسمع نداء الشوق وهو يطرق اصابعي
ولم تلتمع على جدرانه دموع اللهفة
وهي تبحث عن ملاذ له ضحكة عينيك
كانت المرايا مطفأة
والقرميد يعلوه غبار العابرين
كان الموت يرمي بصمته على مزلاج انتظاري
لم يفتح الباب احد
فقد اعلن الباب احتجاجه
واعلن المساء رحيلة بلا نجوم
غير ان مقبرة (باب الصغير)
كانت تشهد في ذلك المساء
صخبا ..
تجمع حوله الموتى زحفا
فوق موتهم
لينصتوا بشغف
لخضرة عينيك وهي تتلو
قصيدتك الجديدة
تلك التي لم تطالها الفؤوس والبنادق
فقد كانت قامة قبرك اطول من اعناقهم
وناصية قصائدك
تجانب النجوم
وموتك الفارِه
تحفه الزرقة
بموكب شعري مهيب
——————-
لأنك نـــــزار !
الشاعر الذي منحني صداقته قبل ان يمنحي شعره
وامسك بيدي وعلمني ان الحبر نافذة الحرية والكرامة والإنسانية التي وعيت على استلابها
بمسميات شتى ..

لأنك نـــزار ..
الذي أمسك بمنديل حنانه وراح يمسح عن وجهي تلك الدموع المملّحة بعلامات الإستفهام .. وراح يغسل الخوف عن جبهة قلبي ويجلسني على حجره ويعلمني أبجدية الشمس نكاية بالظلام الذي أقنعوني إنه قدر وإن مخالفته ستجلب لي اللعنات ..
وكنت سعيدة بتلك اللعنة التي اصبحت قدري منذ دخولي مملكتك ..
هل يكفي أن ازورك لأقول لك هذا الجميل والعرفان ؟
أعرف إني جئت متاخرة .. وهذا قدر الفرح الذي يأتي متأخرا والعناق الذي يأتي بعد ان يلوي أعناقنا انتظارا .. لأنه اتى متأخرا عن العمر بعمر لكنه. . . يبقى عناقا ..
وفرحا أكيدا ..كفرحي الذي يدب في صدري وانا اسعى اليك رغم وعورة الدرب ..
كنت اؤمن ان مجيئي اليك سيكون محفوفا بملائكة الرب الذي رسم لي خطواتي نحوك وقادني كما يقود طفلة الى صفها الأول ..
وكنت الصف الاول الذي ارتبكت خطواتي إليه شوقا واندهاشا .
لطالما كنت اؤمن بالاشياء القدرية التي تقودنا إلى حتفنا وسعاداتنا وتعاستنا أيضا
لذا فلم يكن من قبيل المصادفة أن يصدر كتابي من القاهرة ليتصل بي الناشر اسلام شمس الدين في دمشق ليعطيني عنوان القاصة ميس عباس التي تزامن صدور مجموعتها القصصية مع مجموعتي ..
كانت فرصة جميلة ان اتعرف على ميس التي كانت تسكن في طرطوس وليس دمشق مما صعب علي لقائها للحصول على بعض نسخ الكتاب .. مع ذلك قررت ان اسألها فيما اذا كانت تعرف الطريق الى بيت نزار قباني !
وكانت دهشتي وانا اسمع جوابها وهي تعطيني رقم احد الاصدقاء الذين يسكنون في مئذنة الشحم وهو رجل (ختيار) على حد قولها ويعرف كل شيء عن منزل نزار لانه يقع بالقرب من محلّه !
يال الدهشة .. صاح القلب !
جهّزت كاميرا القلب ورحت أغيب في زحمة الشوارع الدمشقية الضاجة بالعراقة والقدم ..
كان قلبي يخفق وشعرت إني ذاهبة لموعد عشقي ..!
هذا ما أكدته لي رجفة اصابعي وهي تمسك بالقلم والدفتر الذي أردت أن ادوّن به كل شيء عن لقائي بك .. فالعاشقة تصاب بنوبة نسيان وغباء مدهش وأتصور من هذا المنطق غنت شادية في زمن الأبيض والأسود ( ييجى ابويا يطلب فنجان قهوة اعمله شاي وأديه لأمي !! )
لذا كان علي ان اتغلب على هذا النسيان بذاكرة من حبر وبياض .
كانت السيارة تجتاز الزحام في طريقي نحو (مئذنة الشحم) التي أصبحت صرحا ثقافيا أثّثه انتمائك لأحد أحيائها وصرحا سياسيا تعبويا فقد كانت تشكّل في عهد الإنتداب الفرنسي مركزا للمقاومة حيث تعقد في احيائها الفقيرة الإجتماعات السرية وتلقى في بيوتها الصغيرة الخطب الثورية التعبوية.. وأدرك اللحظة أن ذلك لم يكن بمحظ الصدفة ! أن تكون مئذنة الشحم مركزا ثوريا وفي الوقت ذاته مركزا شعريا إنطلقت منه شرارة القصيدة النزارية التي أتت على تبن الكلام وأشعلت النار في ثياب المتثاقفين وأنصاف الشعراء !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.