حسين سرمك حسن: هل يستحق فيلم “خزانة الألم” جائزة الأوسكار؟

طول فيلم “خزانة الألم- the hurt locker “هو ساعتان وعشر دقائق وقد شاهدته مرتين، وبدقة شديدة، أعدت بعض اللقطات عشر مرات وأكثر بالعرض البطىء. وأنا اشاهد الأفلام السينمائية بشغف منذ أن كنت في الصف الخامس الإبتدائي، وأكتب النقد السينمائي والتلفزيوني والمسرحي منذ أكثر من ربع قرن. وكانت لي زاوية ثابتة في النقد السينمائي عنوانها “مراجعات سينمائية”، أي أن لدي وعيا سينمائيا مقبولا وذائقة فنية معقولة تؤهلني لإصدار حكم. قالوا عن هذا الفيلم إنه من أعظم أفلام الحرب في كل الأوقات!!وإنه فيلم سيصنع التأريخ، وأن مخرجته “كاثلين بيجلو”- التي حقق فيلمها 13 مليون دولارا، وهي الزوجة السابقة لجيمس كاميرون مخرج فيلم “أفاتار”الذي نافسته ولم يفز وهو الأحق وحقق 600مليون دولار – هي أول امرأة تفوز بجائزة الأوسكار عبر تاريخ الجائزة، وهي أفضل مخرجة ظهرت حتى الآن. أما أنا فأقول: خزانة الأللم هو من أضعف الأفلام الحربية حتى الآن، ومخرجته من أسوأ المخرجات. كتب السيناريو “مارك بوال” وهو مراسل حربي عمل في العراق بعد الغزو الأمريكي، ولابد أنه كتب شيئا جيدا من تجربته، فمن ضيعه؟. الجواب هو المخرجة التي لا تحمل أدنى رؤية عن الحرب عموما وحرب الإحتلال في العراق خصوصا. هي متخصصة بأفلام الرعب وحتى هذه السمة لم تستثمرها هنا. تصوروا فيلما كل مشهد فيه يأخذ وقتا لا يصدق يدفع أكثر النقاد صبرا إلى التململ ومغادرة القاعة. معركة صغيرة في الصحراء تستمر (14 دقيقة!)، مزاح بين الجنود الأصدقاء الثلاثة (8دقائق)، تمشيط مدرسة (12دقيقة)، بإيقاع بطىء وحوارات ثقيلة جدا وممطوطة. من أي خطأ ابدأ؟ ومن أي تلفيق؟ أنا محتار.تصوروا جنديا أمريكيا يلعب كرة القدم مع طفل عراقي في القاعدة الأمريكية ! من أين يأتي الطفل، وكيف يدخل؟ تصوروا “بسطيات” عراقية للكاسيتات واليشاميغ والحامض حلو والمكسرات في مركز القاعدة الأمريكية المغلقة؟ قصة الفيلم تدور حول ثلاثة جنود هم مجموعة لمكافحة المتفجرات والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة، فما هي علاقتهم بتطهير المدن والمدارس؟! يذهبون هم الثلاثة فقط في كل العمليات،وكأن الجيش الأمريكي متكون من ثلاثة جنود فقط! إحدى العمليات نشاهدهم فيها بلا مقدمات في صحراء مثل الربع الخالي، وهناك يجدون مجموعة “إرهابية” ولكن أين؟ في غرفة اسمنتية صغيرة مثل “الكشك”، نزلت من السماء وسط الرمال!! وانظروا إلى الإخراج الركيك.. يعطل المدفع الرشاش فيسلمون المخزن بحركة رعب من جندي على الصخرة إلى جندي تحت الصخرة! في الغرفة الإسمنتية شباكان واحد منهما يرمي منه إرهابيان في وقت واحد، فكيف؟ والجندي الأمريكي الملون “سانبورن”(أنثوني مكاي) يقتلهما بطلقة واحدة! ألم يكن لدى المخرجة مستشار في إدارة المعارك الحربية؟! يبقى مقاتل واحد يقتله سانبورن ويسقط معلقا على النافذة، ويبقون من الصباح وحتى غروب الشمس ممددين يراقبون الشباك.. معقولة..هل هذه مخرجة تستحق الأوسكار؟؟..ثم يلاحظ الجندي البكّاء الذي لا نعرف كيف يصبح بطلا ولا يردد سوى كلمة (FUCK ) فقط قناصا أمامه ويستمر كل واحد يحدق في الثاني عدة دقائق إلى أن الأمريكي يقتل العراقي! يحصل انفجار في مدينة قريبة فيذهب الثلاثة لأن لا يوجد غيرهم والبيوت متفجرة والنساء العراقيات تولول والحرائق تصل إلى السماء وهم يستعملون التورجات-اللايتات- المصابيح اليدوية! تأتي بعدها لقطة سوداء في الشريط تماما إشارة إلى مرور الزمن وإذا بنا نشاهد الثلاثة وقد وصلوا مشيا إلى مدينة أخرى.. كيف وصلوا؟ لا نعرف، ودبابتهم عند من تركوها؟!.. الجندي المنفلت خبير المتفجرات الذي يرفض استخدام الروبوت ويفجر القنابل بنفسه باستهتار السرجنت ويليام جيمس (جيريمي رينير) الذي لم يكن مقنعا أبدا بأدائه يستخدم التورج- اللايت لكشف أسلاك السيارة المفخخة في وضح النهار، طيّب يستخدمه في السيارة، لكن أن يستخدمه تحت الشمس لكي يفتح غطاء محرك السيارة فهذا أمر غير معقول! ولكي تعرض إنسانية الأمريكان الغزاة فهي تقدمهم صبورين مع السيارات المدنية التي تعيقهم هم الذين سحقوا قبل أيام عائلة كاملة في الموصل..وفي إحدى العمليات يقف شاب عراقي على السطح ويصور العملية كاملة والجنود الأمريكيين الوحوش يرجونه أن يكف عن التصوير بأخوة وتوسل هم الذين قتلوا العشرات لمجرد حركة بسيطة. المشهد الإفتتاحي الذي يحاولون فيه تفكيك قنبلة وهم يأكلون البسكويت على طريقة الكاوبوي، أسألكم هل العراقي الذي يريد أن يفجر القنبلة بالريموت –وهو القصاب في الفيلم- يقف أمام الجندي الأمريكي لكي يراه ويبدأ بالصراخ والقصاب يقف أمامه ويمد يده بالريموت! مشهد سائق التاكسي الذي يخترق الجنود الأمريكيين، وينشغل به السرجنت جيمس مشهد سخيف جدا، بل هو من أتفه المشاهد في تاريخ السينما، ولا معنى له والفيلم لديكم وشاهدوه! تصوروا مرتين تعيد المخرجة مشهد كيف يلبس الجندي بدلة التفجير بالتفصيل وبعد كل مرة يسحب سيجارة ويدخن بعمق!! في مشهد آخر الجنود الأمريكيون متوترون بسبب القنبلة والدنيا مقلوبة والشباب العراقيون يمشون على راحتهم بالبجامات والتراكسوتات بين الجنود الأمريكيين.. ثم ظهر أنهم أردنيون.. وهل توافقون على سلوك مخرجة تكتب كلمة بغداد على المشهد الافتتاحي، والمحلات والقطع واللافتات والبيوت كلها أردنية! وتصوروا مشهدا مخيفا والجندي الأمريكي يتعرق والمخرجة تصور الأزبال وكيف تتطاير أكياس النايلون! أوتركز على بسطال الجند!! وفي المدرسة التي يمشطها الثلاثة(والجيش الأمريكي في العراق يتكون من هؤلاء الثلاثة فقط!) يجدون رحلات طلاب وقاعة هي مقر للقاعدة في غرفة المدير.. هل هناك مقر للقاعدة يذبحون فيه الأمريكان في مدرسة إبتدائية وسط مدينة عراقية مأهولة بالسكان! هناك لافتة سوداء مكتوب عليها منظمة (الهلال الأبيض)، أين وجدت كاثلين هذه المنظمة؟، نحن نعرف أن هناك مسلسلا كارتونيا أمريكيا إسمه الليث الأبيض؟! القاعة مظلمة ثم تصبح مضاءة بقدرة قادر، الماء يفور في إناء وجيمس يلمس إناء الشاي ويقول إنه دافىء.. يجدون أمريكيا زرعوا في بطنه قنبلة موقوتة والأخ جيمس ينزع ويجري عملية جراحية كاملة ويفتح بطن الميت ويخرج القنبلة.. طيب، أليس من المفترض أنها وضعت لتفجيرها بالجندي؟! وكل القنابل الموقوتة والسيارات المفخخة يفككها ببساطة.. يغادر جيمس القاعدة الأمريكية مع صاحب البيكأب العراقي الذي يبيع الكاسيتات ولا أحد يسأله، وعندما يعود تنقلب الدنيا بالرمي عليه.. ولماذا تسرب؟ تسرب ليتسلق حائط بيت عراقي ودخله خلسة فوجد رب البيت في المطبخ أعزلا فهدده بمسدسه، فجاءت أم البيت العراقية وضربته لكمة (بوكس) على عينه فهرب هو والمسدس بيده!! حتى الأفلام الهندية لا يحصل فيها مثل هذا الإسفاف؟ أما المشهد المسخرة فهو المشهد الذي لا ينفذه أبسط مبتدىء في الإخراج السينمائي وأكثرهم سذاجة، وهو المشهد الأخير حيث تحصل نقلة غريبة وبلا مقدمات:مباشرة نشاهد مدنيا عراقيا واقفا في ساحة (لاحظ التقطيع المفتعل) وهو رافع يديه ثم يفتح أزرار قميصه ويكشف القنابل الموقوتة حول صدره بالعشرات وهو يصيح: آني مفخخ.. بس عندي عائلة..وما أريد أموت بهاي الطريقة (نصا بالعامية العراقية). يقترب منه جيمس حلال المشاكل حتى يخلصه، ويقف أمامه متأملا.. ويتذكر أنه ما عنده آلة قاطعة فيركض سانبورن ويجلب له (كتر-CUTTER) هائل الحجم.. كي يقطع به الأسلاك؟!.. يعجز جيمس فيهرب والعراقي يردد الشهادة وينفجر!!.. ومع الإنفجار تنقل المخرجة “العظيمة” الكاميرا إلى أحد السطوح حيث شاب عراقي يطير طيارة ورقية رمزا للأمل والحرية والتفاهات السينمائية الأوسكارية.. في كل التفجيرات الناس تسرح وتمرح في المنطقة وتتفرج من الشبابيك.. هذا ليس فيلما هنديا ولكنه فيلم كارتون.. فلماذا منح جائزة الأوسكار مسيئا بذلك لسمعة الجائزة ولفن هوليود الرفيع؟.. أمريكا محصورة في العراق وسمعتها في الحضيض، وهي تريد تلميع صورتها بأي طريقة فسحقت قيم الفن بالبسطال العسكري ومنحت الجائزة لفيلم هزيل وركيك بل تافه.. لكن كيف اقتنع النقاد ولجنة التحكيم؟؟ هذا يحيلك إلى خفايا هوليود ودور الأجهزة الاستخبارية والأهداف السياسية فيها..
ملاحظة أولى: من المؤسف أن ممثلا  قديرا مثل (رالف فيانسيه) الذي قدم لنا واحدا من أعظم الافلام في تاريخ السينما هو (المريض الإنكليزي) يمثل دورا ثانويا شديد السذاجة في هذا الفيلم.                 

ملاحظة ثانية: هناك (26) خطأ آخر في هذا الفيلم لا يتسع لها المجال ويمكن التقاطها بسهولة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *