الرئيسية » ملفات » حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/25)

حسين أحمد إبراهيم الجبوري: الحضور والغياب في الخطاب الأنثوي رواية (نبوءة فرعون) لميسلون هادي (ملف/25)

hussein-aljobori-2إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.
المبحث الثالث : غياب الزمن
الزمن هو آلة لقياس عمر الإنسان والأحداث والخبرات، وهنا يتحتم تأطيره وربطه بآلة لقياسه حتى تُسجل أبعاده وتدون أحداثه( 1)، ومن تلك الآليات السنة، والشهر، واليوم، والساعة… الخ؛ لأنه ” تجربة يتميز في جوهره بالتواتر والتكرار. فهو ينطوي على دورات متعاقبة للأحداث، للميلاد والموت، وللنمو والانحلال، بحيث يعكس دورة الشمس والقمر والفصول “( 2)، وينعكس ذلك على العمل الروائي، أي ليس هناك غياب للزمن بالمعنى إذ ” لا سرد بدون زمن “( 3)، فضلاً عن كون ” الموضوع لا يمكن طرحه إطلاقاً ما لم يصبح بالإمكان إدراك عجلة الزمن “(4 )؛ فهو المحور الذي عليه تترتب عناصر التشويق والإيقاع والاستمرار، بل هو الهيكل الذي تشّيد فوقه الرواية، لذا فهو حقيقة مجردة سائلة لا تظهر إلا عبر مفعولها على العناصر الأخر( 5)، ومن هنا تكمن الآليات التي تعمل على تهميش الزمن عبر الوعي السردي، لدواع تفرض على الذات المبدعة بيان مدى فاعليته، فضلاً عن الإيحاء الذي يستنتجه القارئ بمقارنة حضوره في مواضع وقفزه في مواضع أخر؛ لأن الزمن هو الذي ” يكسب الرواية شكلها، وعليه تبنى عناصر السببية وتعاقب الأحداث، ولا ينفصل الزمن عن باقي العناصر الروائية الأخرى”(6 )، فضلاً عن كون الزمن الروائي ليس زمناً موضوعياً، ذلك الذي يقاس بالساعة بل هو زمن شعوري داخلي، إذ لا مقياس للطول والقصر إلا بالشعور النفسي وإيقاعه الداخلي، لذا فقد يتداخل الماضي مع الحاضر والحاضر مع المستقبل حتى تموّه الأبعاد الزمنية وتعاقبها الفيزيائي، غير أن هناك ساعة روائية تتحرك عقاربها دائماً إلى الأمام عبر الأحداث السردية( 7)، التي تكوّن بعد ذلك الزمن الروائي الذي يستغرق تقديم الجزء المسرود(8 )، ومن هنا يصبح الكاتب واعياً بزمنه السردي حتى يتمم الشكل الروائي المكوّن _فضلاً عن عناصره_ من بداية ووسط ونهاية (9 )، على اعتبار أن الزمن ” نمط من الإنجاز ذو دلالة وضعية متطورة “( 10).
ثم أن الزمن لا يختزل/ يغيب إلا عبر تقانتي الحذف والتلخيص، بوصفهما آليتين يعملان على تسريع السرد، والسرعة هي” النسبة بين طول النص وزمن الحدث “( 11)، كي ترتبط الأحداث التي تجاوزها الكاتب ببعضها حتى يبقى القارئ على اتصال مع الخطاب.
الحذف:
الحذف تقانة زمنية تعمل على تسريع السرد وقد تعددت مصطلحاتها، منها “الحذف”( )12، ” الحذف أو الإسقاط “(13 )، ” الثغرة “( 14)، ” الإضمار”( 15)، ومما لا شك فيه أن المصطلحات كلَّها تدل على أن هناك فقداً للزمن أي ” إغفال فترة من زمن الحكاية وإسقاط كل ما تنطوي عليه من أحداث “(16)، وقد ميَّز (جيرار جينيت) بين أنماط الحذف وعدَّها ثلاثة أنماط:
الحذف الصريح: وهو تفحص زمن القصة المحذوف الذي يتم فيه معرفة المدة المحذوفة عبر الحذف المحدد عندما تُعيّن المدة المحذوفة من زمن السرد نحو (عشرة أيام، خمسة أشهر، سنتان…)، والحذف غير المحدد هو الذي تُهمل فيه المدة المحذوفة عبر غموضها نحو (مرَّت أيام عدة، بضعة أشهر…)( 17)، مما يدفع القارئ إلى التكهّن بتحديدها عبر سياقات الأحداث والإيحاءات التي يلتمسها من الشخصيات( 18).maysalon-15
الحذف الضمني:
وهي المدة ” التي لا يُصرَّح في النص بوجودها بالذات، وإنما يمكن للقارئ أن يستدل عليها من ثغرة في التسلسل الزمني أو انحلال للاستمرارية السردية “( 19)، ويعد هذا النمط من صميم الآليات السردية المعمول بها في الكتابة الروائية، إذ لا يظهر الحذف في النص، على الرغم من حدوثه وتلازمه في أية رواية؛ وذلك لأن السرد عاجز عن التزام التتابع الزمني الطبيعي للأحداث( 20).
الحذف الافتراضي: وهو الذي يكشفه بعد فوات الأوان استرجاعٌ ما( )، بمعنى افتراض حصوله عبر انقطاع الاستمرار الزمني للقصة مثل السكوت عن أحداث أو الفجوات بين الفصول، أو إغفال الحديث عن جانب من حياة شخصية ما(21 ).
ومن هنا يُعد الحذف ” وسيلة نموذجية لتسريع السرد عن طريق إلغاء الزمن الميت في القصة والقفز بالأحداث إلى الأمام بأقل إشارة أو بدونها “( 22)، وسنتبع هذا الإجراء الذي قدمه (جينيت) بوصفه إجراءً منهجياً ملائماً وسياق الرواية المدروسة.
الحذف الصريح:
تتمتع رواية ( نبوءة فرعون) بتقانة الحذف الصريح الذي بدوره يوحي إلى مدى حضور الزمن في الرؤية الأنثوية وغيابه، فضلاً عن تشييد الأحداث على حساب الزمن الغائب، الذي يدفع إلى المقارنة بين الأزمنة عبر الحذف الصريح غير المحدد، كما تقول الراوية عن ” وقت الصباح الذي كانت تتشارك فيه منتهى مع بلقيس في فطورها الصباحي وفي أغاني رياض احمد ورضا علي وعفيفة اسكندر، قبل أن يولد يحيا بأعوام، وظلّت تشاركها فيه بعد ولادته بسنوات عجاف عدة…” ( 23)، إذ شكلت ولادة يحيا بؤرة زمنية تفرق بين الأزمنة الغائبة/ المحذوفة، فولادته هي في(28/ كانون الثاني/ عام الضربة الكبرى/ 1991) كما أوحت الرواية بذلك(24 )، وهذه البؤرة هي المدّة التي نهضت بها قوات متعددة الجنسيات في حرب تحرير الكويت في نهاية عام (1990م)( 25).
فالولادة هنا إيحاء لزمن الحرب، تشتغل على ثنائية الغياب في الحضور، أي اختزال زمن الحرب في حدث الولادة، وهو الزمن الفاصل بين السعادة وعدمها، بمعنى أن الولادة شكلت نقطة الصفر لانطلاق الزمن تنافريّاً عبر السياق السردي الذي قد وصف تلك الأزمنة، فمنها ما تحمل العاطفة والمتعة التي كانت الأنثى غارقة في تضاعيفها وهي أعوام السلام المغناة، بعد الحرب العراقية الإيرانية التي انتهت في (8/آب/1988) وقبل الاعتداء الأمريكي، ومنها ما تحمل البؤس والحرمان عبر صفة العجاف التي أُردفت إلى السنوات، سنوات ما بعد الولادة، والعجف: الجوع والهزل وقلة الطعام(26 )، وهذا ما يفتح الحوار الدلالي الذي يرتبط بقوله تعالى: [سورة يوسف، الآية: 43]، إذ أصبح التناص يعزز آلية الفقر التي أخذ الناس بموجبها يتقاسمون الغذاء كما كانت تفعل (ناي) ابنة الجار (عبد الملك) عندما تأتي إلى (هنية) تطلب الخبز ” ظلت تمشي وتمشي وتمشي وتمشي .. إلى أن أصبح عمر يحيا خمس سنوات، وبلقيس خمسا وثلاثين وهنية ستاً وخمسين “( 27)، إذ أصبح تكرار الفعل (تمشي) هو ما يحمل دلالة ازدواجية لكونها كانت تتردد كثيراً إلى بيت ( هنية) طلباً للمساعدة المادية المتبادلة بين الجيران، وهو ما اشتهر به الشارع العراقي في زمن الحصار، إذ أصبح حضور قرينة الحدث/ طلب الخبز تعمل على إحضار الزمن الغائب، فضلاً عن الدلالة عن الزمن المحذوف الذي يولده التكرار والحذف الطباعي المتمثل بالتنقيط الذي تُشكّل مجموعها سن (يحيا) الذي بلغه وقدره خمس سنوات، وهي ذروة انفكاك حبسته من الخرس بعد أن كان ” يصارع الكلام لخمسة أعوام مضت “( 28).
فالحذف المحدد لعدد الأعوام منذ الولادة يتخذ آلية سردية مزدوجة عن طريق التكرار، بمعنى أن السرد قد سلط الضوء على هذا الزمن المحذوف تصاعدياً عندما نما الزمن مع نمو (يحيا) بيولوجياً، ثم أعادت الراوية صياغته عكسيّاً إذ بدأت بذروة الحدث/ انفكاك حبسته من الخرس، وهنا قدم الخطاب الأنثوي عبر التلاعب السردي، آلية الزمن البائس/ زمن الحصار، لكونه زمناً ثقيلاً، حبس العراق عن النطق بموجب القرارات التي أُصدرت بحقه عبر المقاطعة الشاملة للعراق تجارياً ومالياً وعسكرياً، فضلاً عن العقوبات التي لحقته من تكبده الخسائر والحظر الجوي والبحري والحدّ من علاقاته مع دول الجوار( 29)، الذي انعكس سلبيّاً على قوت الناس ومستواهم المعيشي المتدنّي، الذي أوحى به الحضور السردي عندما ظلت (ناي) مستمرّةً في طلب الخبز ” بالرغم من لونه الأسود، كانت تعط منه رائحة طيبة “( 30)، وهي رائحة الودِّ والمحبة وتآلف القلوب التي كانت ترافق أقراص الخبز، خُبزُ الشعير الذي امتازت به مدة الحصار في تسعينيات القرن العشرين، فضلاً عن صعوبة التقاط لقمة العيش، وهنا حضور الجزء/ خبز شعير أسود، وغياب الكل عبر وصف المحذوف التي تحمله دلالة العجاف لتلك المدّة، وهو ما يفيد في توجيه الدلالة نحو بيان السياق المعاشي؛ لأن وصف المحذوف هو ” الذي يقدّم إلى جانب الإشارة الزمنية إشارة وصفية أو معلومة “( 31)، حتى يصبح الوعي السردي موحياً بالانتماء إلى الماضي عبر التنافر بين زمن العاطفة/ الأغاني/ الخبز الأبيض الذي دل عليه حضور الخبز الأسود، وبين زمن الحصار/ العجاف/ الخبز الأسود، فضلاً عن الوعي الدلالي للأزمنة المحذوفة؛ لأن ” العام جمع أيام، والسنة جمع شهور”( 32)، بمعنى أن ما خلَّفته الحرب زمناً ثقيلاً، سنوات ” اختفت فيها الخردة من الجزادين، والطائرات من السماء، والحلوى من الأسواق “(33 )، وهو كناية عن الزمن الغائب الذي غابت فيه المتعة عبر الفعل (اختفت)، زمن الحصار الذي فرض، والذي بموجبه شُلت الحياة في العراق، إلا بما يسد به رمقه من الغذاء.kh-maysalon-11
فالإشارات التي رافقت الزمن المحذوف هي جزء من كل، لتوجيه الدلالة إلى الزمن الغائب عبر السياق المعاش وبفضل هذه الإشارات ” تصبح لدينا فكرة عن المحور أو الغرض الحكائي الذي يدور المقطع المحذوف في فلكه، ويسهل علينا من ثم التعرف على مضمونه استناداً إلى تلك الإشارات التي تأتي على شكل أوصاف ونعوت تتصل بالفترة المحذوفة وتؤثر على محتواها الحكائي “( 34)، بمعنى أن الخطاب الأنثوي يُستنتج عبر الإشارات التي أوحى بها النسق السردي، بأن سنوات الحصار هي سنوات الضياع، سنوات الفقد وغياب الحقوق، وهذا ما يدفع بلقيس إلى الغياب النفسي وقفز الزمن القاسي إلى زمن تتعايش معه ألا وهو زمن الغرام، الزمن الذي لم يتحدد لعذوبته كما تقول الراوية: ” وفي يوم من الأيام وبينما كان عبد الملك يدخل بدّالة الشعب التي تعمل فيها بلقيس، تراءت له ماجدة الرومي(35) التي يحبها حباً جماً واقفة في المكان الذي تقف فيه بلقيس “(36 )، وهنا أصبح الحذف غير المحدد هو ما يشعر القارئ بأن عاطفة الحب، تهاجم المخيلة حتى يأتسر قلبه بمن يعشق عبر الاسم المقتبس/ ماجدة الرومي التي استجلبها خيال الفنان تبعاً لذاكرته الفنية في حب النجوم، عندما أوحى بها مكان الوقوف باستبدال الشخصية ماجدة الرومي/ بلقيس، وحضور عامل مشترك/ الحب الذي أسّر قلب الفنان عبد الملك ” فقال وهو يتوقف عند المكان الذي تقف فيه بلقيس ويضع يده قريباً من المذياع: يا ليتنا نتبخر بعد أن نموت فلا يعبث بنا الدود ولا يدبّ إلينا الفساد “( 37)، إذ أصبح الإيحاء السردي يعلّق الاستعارة التي جذبت الفنان لتنطلق رؤيته في تذوق الجمال الأنثوي الذي يحبه حباً جماً، والجمُّ: هو كثرة الشيء مع اجتماع بعضه إلى بعض( 38)، وهنا انزياح من المادي/ الملموس إلى المعنوي الذي يرتبط بالشعور العاطفي/ الحب، وبقدر هذا الحب يصبح الفنان عاجزاً عن الإمساك به؛ لأنه قد عبثت به فكرة الموت.
إن استراتيجيات الغياب لدى ميسلون هادي تتخذ سبيلها السردي، إذ لم تدخل على الأحداث فجأة حتى يصبح قارئها حائراً، بل تعمل على بثِّ السياقات التي بموجبها يستنتج القارئ أن الغياب وقع نتيجة سببٍ ما، بمعنى أن المشهد السابق عمل على تغييب الزمن السردي، زمن البؤس لدى بلقيس حتى دخلت في عوالم الشعور العاطفي إذ ” وصلت إلى البيت بعد ثلاثة أشهر من الربيع “( 39)، وهو حذف موصوف يستدعي العاطفة التي توحي بها لفظة(ربيع) بموجب حضور الفنان، أي أن المسافة بين البدّالة/ نقطة انطلاق الزمن المحذوف، وبين البيت/ ذروة انتهاء الزمن، هي مسافة ابتعاد عن الواقع والتجاء إلى الشعور حيث ترقد العاطفة، لذلك كانت بلقيس تستمتع بذلك الغياب حتى أخذته عالمها المختار عندما ” مرت ستة شهور وبلقيس تجلس على الأريكة وتسترجع مع نفسها كلام القصاصات التي تملؤها قصائد الفنان المختارة من دواوين الشعراء، بينما يحيا يحل فروضه على الأرض ويخط في دفاتره دروس القراءة والحساب “( 40)، إذ أصبح الزمن المحذوف يتبع الخفية والإيحاء السردي، الذي يأخذ شكله الاجتماعي والثقافي ومن ثم هروب الأنثى من ” زمنها الحاضر، إلى زمنٍ خيالي، متصوّر، يوحي بمقدار رغبتها في الإحساس بالحريّة المحرومة منها في الواقع “( 41).
بمعنى أن الخطاب الأنثوي عبّر عن تخفي أحداث الغرام التي ينبذها المجتمع بغياب الزمن السردي، أي حذفُ شكلٍ لغياب مضمون تحضره الذاكرة وفق السياقات الاجتماعية، لذا فان غياب الزمن هو غياب تفاعل مع المجتمع عبر المكان/ الأريكة التي لازمتها بمرور الزمن/ ستة شهور بأكملها، وكأن الزمن قد اختزل بـ(الأريكة) فقط، أي تعانق الزمن مع المكان ليتشكّل فضاء محدود يتوقف فيه الزمن والمكان ويصبح عندها العالم الروحي/ النفسي طقساً خفيّاً لها، تجرب فيه العبور إلى المطلق/ الحرية التي تطلق قيودها في الزمن النفسيّ، حيث النشوة والبحث عن الاتزان وتحليق الصمت الذي يرتفع بالأنا لتلامس غفوة الذات عن واقعها، وبموجبه تُنبئنا الراوية عن الزمن النفسي الذي عاشته بلقيس حتى ترفعت عن الشعور بالزمن الطبيعي، أي لا تريد للقارئ أن يحس إحساساً مباشراً بمرور الزمن الطبيعي الذي يشعر به (يحيا) على أقل تقدير؛ لأنه كان (يخط في دفتره دروس القراءة والحساب) بمعنى أنه على وعي بزمن السرد/ عالمه الطبيعي، ويتعزز ذلك عندما ” دخل يحيا وعاد إلى كتاب الحساب ورفعه من الأرض وقال لأُمه: هذا الكتاب تمزق غلافه، والمديرة قالت لا يجوز تغليفه بورق الهدايا، بل بورق الصحف والمجلات “( 42)، إذ أصبح لوصف الحركة سردياً قصديةٌ لحضور الزمن/ الحساب، الذي غُلّف تغييباً بـ(ورق الهدايا) الذي أخفى حضوره وتنكره عن الأنظار والإدراك في منظار المُهمّش في الحياة، ويتضح ذلك عندما سألت بلقيسُ يحيا عن “حاصل ضرب ستة في سبعة؟
صاحت شاكرين:
– أربعة.
فقال يحيا بغضب:
– اثنان وأربعون “( 43).
أي أن العدد غائب عن إدراك شاكرين، ومن ثم غياب الموازين الطبيعية، حتى أصبح للأعداد وجهٌ واحد مرتّب هندسياً؛ لأنه متواز الأضلاع، هو العدد (أربعة) كما تقول شاكرين التي كانت ” تردد بانفعال واضح …: ستة في ستة يساوي أربعة.. خمسة في خمسة يساوي أربعة.. سبعة في سبعة يساوي أربعة.. أربعة في أربعة يساوي أربعة “( 44)، إذ أصبح الخطاب الأنثوي يتحسس عشوائية النتائج (ستة، خمسة، سبعة، أربعة) التي لم تتخذ شكلها التراتيبي، فضلاً عن أحادية النتيجة/ أربعة، التي لا تعبر عن حقيقة مضمونها بل تبقى النتيجة واحدة مهما تعددت الأسباب، وهذا ما يوسع دائرة التأويل حتى تنتمي الدلالة إلى اقتصار الأسرة على أربعة (بلقيس، وهنية، وتوفيق، وشاكرين) بعد أن يغيب يحيا نتيجة سقوط بغداد( 45)، بمعنى أن وعي شاكرين قد أطلق العدد أربعة على اعتبار ما سيكون، لذا أصبحت السلطة الأنثوية، عبر قول (المديرة) التي هي سلطة جزء أُريد بها الكل، تعمل على إشهار العدد الذي يدخل ضمنه عدد السنين والحساب، حتى يصبح على مرأى الجميع عبر حضور (الصحف والمجلات) كناية عن الإفصاح والإشهار الذي يدخل في مجال الصحافة وانتشار الخبر/الزمن، الذي كانت بلقيس غائبة عنه بقولها: ” وهل هذا كتاب الحساب؟… هل أخذتم جدول الضرب؟ “( 46)؛ لأنها كانت غائيةً تفاعلياً مع الزمن لكونها لم تحتف به، عبر تهميش أدوات حسابه، وبموجب ذلك غاب إدراكها بالزمن الطبيعي في القصة.
الحذف الضمني:
يبرز الحذف الضمني في الرواية ليقدم آليته الجمالية، حتى تترك الكاتبةُ الفرصة للقارئ بأن يشاركها أحداثها، ومن ذلك فجائية العلاقة الغرامية بين توفيق وملائكة، نحو قول الراوية عن توفيق: ” وإذا ما ضاقت الدنيا بعينيه يصعد إلى السطح لعل (ملائكة) تصعد إليه أيضاً فيبصرها جالسة وقد غيّرت ملابس المدرسة بملابس البيت، تتجاهله عن عمد وهي تعلم بلا شك أنه في مكان ما ينظر إليها ويبتسم “( 47)، ومن هنا يدخل الحدث بفجائيته حتى يوحي عن أحداث غائبة بزمنها، وظفتها الراوية لدواعٍ جمالية تعطي الرواية شعريتها، التي تقوم على الاختزال وإدهاش القارئ، إذ قدمت في هذا التوظيف اختزالاً إيحائياً؛ لأنها لم تصرح بأساسيات العلاقة، بل أرفدت بها حتى تجعل منها نافذة للخلاص والالتجاء، عندما تضيق الدنيا بعيني (توفيق)، وكأن الصعود هو ترفع وانزياح عن مسببات الضيق، صعود نفسي يرتبط بالوجدان بين العاشقين عبر تخاطب المشاعر فيما بينهما، فضلاً عن تجاهل (ملائكة) عن عمد، غير أنها تعلم يقيناً أنه ينظر إليها ويبتسم، إذ أصبحت تخفي عواطفها عمداً، رافضةً التصريح والجهر.
ومن هنا يتشكل الخطاب وفق رؤية بديلة تتضمن تجاهل المرأة عن عمد لمشاعر الرجل، إذ كثيراً ما تُصوّر في كتابة الآخر/ الروائي عندما يوجه خطابه بأنها متهافتة محبة، ثم أن هذا الحذف قد قدم وظائف أُخر، وهي إعلام القارئ أن بيت ملائكة هو بجوار بيت توفيق عبر السطح، فضلاً عن كونها تواصل تعليمها الدراسي.
الحذف الافتراضي:
الحذف الافتراضي ثرٌّ في الرواية لما حوته من مقاطع متسلسلة على مدى الرواية توزعت على (تسعة وعشرين مقطعاً) مرقماً، فضلاً عن احتوائها على خمسة فصول، جسّد الخطاب الأنثوي انتقالاته بها، إذ إن الروائية اعتمدت على بثِّ الأحداث السردية بتوظيفها المقاطع التي تحمل غياباً لزمن السرد بين مقطع وآخر فضلاً عن أن زمن القصة يبقى مستمراً، وزمن القصة هو زمن الحكاية نفسها بوصفها تسلسلاً زمنياً وارتباطها بالأحداث أي زمن الملفوظ القصصي، في حين يكون زمن السرد هو زمن الخطاب وما ينطوي تحته من ترتيب للأحداث في الرواية( )، فمن ذلك الحذف بين المقطعين(4،5) عندما أعطى عبد الملك ورقة لبلقيس وقال لها: اقرئيها(48 )، تُرك من الصفحة ثلثاها وانتقلت الراوية إلى المقطع(5) حتى تعبّر عن انشغال بلقيس بما قدمه عبد الملك إذ تقول الراوية: ” في اليوم الذي تلا ذلك اليوم عادت بلقيس إلى بيتها من الدائرة مشياً على الأقدام… وهذا ما كانت تفعله دائماً كلما تاقت نفسها إلى أن يبادلها الكون بأذن صاغية “( 49).
إذ إن بياض الصفحة غيّب زمن السرد منذ أن أخذت بلقيس الورقة إلى أن عادت من دائرتها إلى البيت/ اليوم الذي تلا ذلك اليوم، وهذا الزمن هو زمن افتراضي، عمل على إحداث ثغرة سردية، عمل القارئ على ملئها عبر السياق السردي الذي طغى على المقطع، وما يحمله من تكثيف عاطفي ابتدأ بالفعل (تاقت) والتوقُ: هو التشهي والشوق إلى الشيء والنزوع إليه( 50)، حتى راحت سارحةً بغيابها النفسي بين المشاتل وواحات الزهور، ومن هنا يستنتج القارئ أن الزمن المحذوف هو مناجاة بلقيس لتلك الورقة الغرامية. إذ لم يكن زمن السرد مبهماً بل عمل على تراتيبية الحدث عبر سياق زمن القصة.
ومن الحذوفات المفترضة، الحذف بين فصول الرواية، إذ توزعت على خمسة فصول، منها ما يتعلق بالحدث، ومنها ما يتعلق بالشخصية، ومنها ما يتعلق بالرؤية التي انطلق بوساطتها الخطاب الأنثوي، وما يهمنا هو كشف الرؤية التي جسّدها الخطاب، ويبرز ذلك عندما انتقلت الراوية من الفصل الرابع إلى الفصل الأخير (الغطاريس)، إذ فُقد زمن القص بشخصياته حتى دخل القارئ إلى عالم جديد وهو عالم الغطاريس، والغطرسة: الظلم والكِبْر والتطاول على الأقران( 51)، إذ تتنقل الراوية بين أزمنة القصة التي كانت متشنجة باقتراب حرب (2003) وأحداثها، وذلك عندما فتحت بلقيس المذياع على إذاعة بغداد، فوجدتها مزدحمة بالأغاني الرومانسية، عندها شعرت أنّ الحرب بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأنها من المستحيل أن تقع في مثل هذا اليوم الجميل، بل إنها لن تقع على الإطلاق( 52)، ومن ثم تُرك نصف الصفحة بياضاً حتى انتقلت الراوية إلى فصل الغطاريس، الذي ابتدأ بحوار بين الابن ومستشاره للسعادة القومية، وهو حوار في الخيال العلمي عبر البحث عن الماء في كوكب المريخ والتوسع في إنتاج الطاقة حتى يتسنّى لهما قيادة العالم الجديد( 53)، إذ أصبح غياب الفضاء المألوف في زمن القصة، الذي بقي مستمراً على اعتبار أن ” السنوات تُغذي السّير دون أن نفقد الإحساس بتواليها “( 54)، هو ثغرة موضوعاتية مفاجئة عملت على إحداث تصدع في زمن السرد، الذي هو بالأساس زمن خطيّ يمتثل للسببيّة( 55) عبر الحذف الافتراضي الذي يتيح للراوية التنقل في تقديم الخطاب، مع الحفاظ على تماسك الدلالة بين الفصول، بمعنى أن فقد الزمن عبر الانتقال من فضاء إلى آخر هو الذي يحمل الرؤية الأنثوية التي تعمل على زج المفارقة؛ لإنتاج الدلالة بأقصى معانيها؛ لأنها الضحية في هذه الحروب عندما تفقد زوجها أو ابنها أو أخيها، لذا فقد قدمت الراويةُ العراقَ عبر إذاعة بغداد المكتظة بالأغاني لحجب الحقيقة/ غيابها عن ذويها، ومن ثم قدمت الطرف الآخر/ أمريكا وهو يسعى لإنتاج الطاقة تحسباً للمواجهة، ومن هنا تنشأ المفارقة الدلالية الساخرة، التي تُحمّل من هو في سدّة الحكم وزرَ تغييبه للحقيقة.
المجمل/ التلخيص:
يُعد المجمل/ التلخيص تقانة من تقانات تسريع الزمن وقد أسماها (جيرار جينيت) بالمجمل؛ لأنها تعمل على تغييب الحكاية المجملة تغييباً كلّياً، إذ يصبح سردُ حقبة زمنية طويلة قد تمتد لشهور أو سنوات عدة في بضع فقرات، دون التعرض للتفاصيل( 56)، ومن هنا تصبح مساحة النص أصغر من زمن الحدث، لذا فقد أسمته ( سيزا قاسم) بالتلخيص( 57)، بما تتمتع به الأحداث تحت هذه التقانة من تقليصها شكلاً عبر الكلمات القليلة؛ لأن عجلة الزمن تدور في محيط دائرة كبيرة، غير أن جزءاً يسيراً فقط من رحلتها هو الذي نشاهده( 58)، فضلاً عمّا يقدمه من وظيفة عبر استعراض سريع لمدة من الماضي(59 )، وكذلك الربط بين المشاهد والأحداث حتى يصبح الخطاب السردي متصلا( 60)؛ لأن ” في عالم الرواية كله ليس ثمة مشهد يتسم بالاستمرار”( 61).
لذا فإن التلخيص له وظيفة بنائية عندما يقوم ” بسدِّ الثغرات الحكائية التي يخلفها السرد وراءه عن طريق إمداد القارئ بمعلومات حول ماضي الشخصيات والأحداث التي شاركت فيها”( 62)، فبعد ولادة (يحيا) بأربعين يوماً تقوم الراوية بإجمال الأحداث التي تلته، إذ تقول: ” بعد أربعين يوماً امتلأ فيها الخل دوداً، وانقطع طمث النفاس، وبتروا ليحيا غرلته، وانفضّ عزاء منصور ماشي السالم دار الذي لم يعد من حفر الباطن إلى بيته قط، أرضعت بلقيس ابنها يحيا لبنها مراً وهي مغثوثة “( 63)، إذ أصبح التلخيص يقدم زمناً ماضياً ويستعرضه حسب الترتيب الزمني للأحداث، ولا سيما أن التلخيص هو ما يعتمد على أحداث مضت( 64)، فضلاً عن تأنيث لغة الخطاب في تقديم أحداث الزمن المُلخّص عبر (أربعين يوماً/ زمن الحداد، طمث النفاس، لبنها مراً، مغثوثة)، أي أن الكاتبة تركت للقارئ فراغات وفجوات معلوماتية تعمل على إشغال الذهن في سبيل ملئها عبر سياقاتها الاجتماعية والعُرفية، حتى يصبح القارئ على تواصل مع التتابع السردي الذي مجمله (بعد أربعين يوماً أرضعت بلقيس ابنها لبنها مراً بسبب موت زوجها)، وهنا يسعى الخطاب الأنثوي إلى تذكير القارئ بواقع البطل/ يحيا في الوقت الحاضر، فخلاصة الحاضر أن ” تضع معطيات الماضي في خدمة حاضر القصة وتفسح المجال، بذلك، أمام القارئ لكي يستجمع صورة الأحداث كما يريد له السرد أن يلم بها”( 65)، فضلاً عن تقديمه عن مدى حضور الأحداث في ذاكرة الأنثى وأهميتها، إذ أصبح عزاء منصور موازياً من حيث الأهمية مع الأحداث الأخرى من مثل (انقطاع طمث النفاس) والطمث: الحيض( 66)، (وبتر غرلة يحيا)، ولا سيما أنه الزوج، فضلاً عن كونه في ساحة المعركة ولا بد من إعداده مع الشهداء، غير أن الراوية _التي عكست رؤية الكاتبة_ اختزلت ذكر أحداث العزاء وأشارت إلى ردود الفعل عبر خبر الجمل الحالية (مغثوثة)، بمعنى اختزال حدث العزاء في هذه اللفظة، كما أن الخطاب الأنثوي يتبع استراتيجية في ترتيب الأحداث حتى يصل إلى معلومة ترتبط بالذاكرة وهي أن الحزن لدى المرأة يجعل من حليبها مراً؛ لأنها قد وجّهت الأنظار إلى ذلك كما تقول بلقيس: ” أرضعته وأنا مغثوثة.. يقولون إن هذا هو السبب “( 67)، وكذلك قول هنية بعد صراخ يحيا: ” إن هذه حرقة الحليب “( 68).
وهنا يتجسد الحضور الاستثنائي للأم/ الأنثى/ رحم الأرض/ الولادة/ الرضاعة، في زمن القهر والموت، ومن ثم يؤثر على الرضيع/ يحيا الذي فقدَ النطقَ لخمس سنوات، لذلك فقد أسقطت رؤيتها الأنثوية على بغداد في أحداث (2003) حتى يصبح سقوط بغداد هو غياب النصر عندما ” رضع الجميع لبناً مراً “( 69)، من جراء ذلك، وأرداهم خرسى عن قول الحق بسبب الريح السوداء التي انتشرت في الهواء لتسقط على النوافذ والسطوح( 70)، دلالة على الأفكار التي تشبّع بها الشعب العراقي من جراء الحرب وغياب السلطة، حتى انقسم إلى فئات وعقائد اتخذت طريق التخفي عبر (النوافذ)، العتبة التي استخدمت لترويج الأفكار/ الريح السوداء التي فرقت لُحمة الشعب.
ومن وظائف التلخيص التي وظفتها ميسلون هادي هو استعراض وظيفة الشخصية وموقعها السردي، وذلك عندما تعكس جانباً من حياتها فضلاً عن استدراج الماضي واتخاذ أحداثه موضوعاً مهيئاً للعرض الموجز والسرد السريع(71 )، من ذلك قول الراوية في تقديم شخصية توفيق فضلاً عن الإشارة إلى الشخصيات الأخرى: ” كان توفيق هذا ما إن يعود من المدرسة حتى يجلس في الحديقة ويغني بينما إخوته الثلاثة، صلاح وفلاح ونجاح في أعمالهم .. وأمه هنية هي الضرة الثالثة لبلقيس أم يحيا، وهي التي نصحتها بعد أن مات أبوه منصور بأن تعيش معها وتترك يحيا في رعايتها وتعود إلى العمل “( 72).
إذ أصبح القارئ على اطلاع بشخصيات الرواية قبل الغوص في أحداثها حتى يهيئ مساحة الخيال التي سوف تشغله كلُّ شخصية من شخصياتها ويستنتج أن شخصية (توفيق) لم يكن لها دورٌ في معالجة الأحداث، أي هي شخصية تحمل فراغها الوظيفي، فتوفيق قد تخرج في معهد السياحة والفندقة في زمن مفارق لتلك الوظيفة( 73)، فضلاً عن كونه يعمل في مشتل لبيع الزهور في مكان مشتعل بالحروب، وكذلك يصبح مذيعاً على الرغم من أن الحقيقة واضحة( 74)، وهنا مفارقة الوظيفة التي تستغلها الشخصية، التي تتعارض مع الواقع منذ اختيار الاسم، فضلاً عن (صلاح وفلاح ونجاح) الشخصيات التي غابت لغياب الوظيفة الفاعلة عبر دلالة الأسماء، التي لم تُستغل في سبيل البناء والارتقاء المعيشي، وهي آلية في تلخيص زمن القصة، عبر مفارقاتها الوظيفية في الإنتاج، إذ إن هناك دلالة تمتد في عموم الرواية تدوّن بها ميسلون هادي زمن القصة المتخيلة/ العقد الأخير من القرن العشرين في الساحة العراقية، وهو افتقاد لرجال النصر عبر فقد (منصور)، حتى تبقى فئة من الرجال تتلاعب بمشاعر (الأرامل)، تتخذ حيَلَها في الاقتناص، كما كان (عبد الملك الجار الفنان)، إذ وظفته الروائية لكي تعكس به زمن التسعينيات/ زمن الحصار، وما ساد في المجتمع من مفارقات تتعارض مع الواقع المعاش، بمعنى أن عبد الملك بدلاً من أن يذهب لمساندة منصور في ساحة المعركة، ينتهز فرصة موته واستغلال غيابه، فضلاً عن كونه يعمل كاتباً مسرحياً، متجاوزاًَ مسرح الحرب، والدفاع عن الأرض، حتى يصبح مقدماً لبرامج أعياد الميلاد، وهذا ما صرّحت به ميسلون هادي بقولها: ” فهو الشخصية التي طفت على سطح الواقع العراقي أيام الحصار في التسعينات(زمن الرواية).. شخصية الفنان المنافق المتملق الذي يعرف من أين تؤكل الكتف.. وبينما الرجال يموتون في الجبهة نجده يؤلف الأغاني عن عيد الميلاد “( 75)، وتضيف على ذلك عندما يكون توظيف هذه الشخصية هو ” انعكاس للوضع العام الذي اختفى فيه الرجال الحقيقيون في الجبهات أيام الحروب وحلّ محلّهم المهرجون وأنصاف الفنانين من أمثال عبد الملك “( 76).
ومن آليات التلخيص، خلاصة الأحداث غير اللفظية التي تتشكل من ” سرد تلخيصي يتناول أجزاء من القصة يقوم الراوي باختيارها وصياغتها من وجهة نظره الخاصة “( 77)، إذ تصبح صياغة السرد موكلة للراوية التي تتلاعب في صياغة الزمن نحو قولها: ” ومضت الأيام وجاءت الأيام، ثم رحل صيف وجاء خريف، ثم رحل خريف وجاء شتاء، ثم رحل شتاء وجاء ربيع، وانفتحت أكمام الورد من جديد، وجاء السنونو ليبني عشه الأزلي… وانعقد الحصرم بين أغصان دالية العنب التي تقطف هنية أوراقها اللمّاعة باستمرار من أجل لفّها في قدور الدولمة، وعاد الرز يتبعثر طعاماً فوق ظهور الدجاجات التي كانت كتاكيت”( 78).
إذ أصبح التلخيص في تقديم الأحداث يتخذ الأسلوب الحكائي الذي تتميز به حكايات ألف ليلة وليلة عندما تتلاعب في تقديم الزمن حتى يصبح القارئ ينتظر ذروة الزمن بشغف إلى المعرفة والنتيجة المحصّلة، أي أن الزمن أخذ في تقديمه ثنائية الغياب/ رحل، والحضور/ جاء، عبر تقلبات فصول السنة التي غابت فيها الأحداث حتى تنطلق من الربيع عندما (انفتحت أكمام الورد…).
ومن هنا يشكّل حضور الزمن/ فصل الربيع، حضور انطلاق، حضور فرج وخلاص ويتعزز ذلك عبر قرائن الاستقرار (السنونو، عناقيد العنب، الدولمة، الدجاجات)، إذ ارتبط المشهد بروح الاستقرار والسكينة، بعد تشنج الأحداث الغائبة التي دلَّ عليها تقديم الفصول حتى استقرت عند فصل الربيع الذي استجلبت الراوية فيه هوية البيت العراقي الشعبي الذي يحترم الجوار عبر السنونو، فضلاً عن الأكلة التي يشتهر بها البيت العراقي وملحقاته الشعبية المحلية/ الدجاجات، الدجاجات التي كانت كتاكيت/ أفراخ ” اشترتها هنية بدلاً من الدجاجات التي ماتت في عجاجة القصف “( 79)، للدلالة على استمرارية الحياة والإخصاب، فضلاً عن كون هذا الحدث هو من يعيد الزمن إلى الوراء ليكشف عن غياب الأحداث التي رافقت الزمن الغائب، عندما اندلعت الانفجارات والحمم التي تقذف بها الطائرات حتى اختلط عليهم الزمن في رمضان بين مدفع الإفطار ودويّ القذائف والصواريخ، وفي الليل من اليوم نفسه أصاب صاروخ بناية تقع على مقربة من البيت وهبّ غبارٌ عظيم دفن الحديقة بأكوام من التراب أصاب جميع دجاجات هنية بالاختناق ما عدا الديك الذي قد نجا من موت محقق( 80)، ومن هنا تتداخل أحداث السرد تراكمياً حتى تتركب حكاية واحدة من أحداث عدة تلقى تفسيرها في غضون السرد، وإن مثل هذا التداخل السردي ما اشتهرت به حكايات ألف ليلة وليلة ويعني فيما يعنيه ” تقسيم الحكاية الواحدة إلى مجموعة من الأحداث الصغيرة المكتفية بذاتها معنىً ودلالةً لكنها لا يمكن أن تعطي المعنى العام للحكاية الأم ما لم تتداخل مع بعضها، إذ يتداخل الأول بالثاني والثاني بالأول والثالث وهكذا يستمر التداخل حتّى تكتمل الحكاية، أي أن الحدث يركب على الحدث الذي قبله ويدخل في الحدث الذي يليه “( 81).
لا شك في أن ميسلون هادي قد تأثرت بهذا الأسلوب السردي حتى تدفع عن قارئها الملل والرتابة، ولا سيما أن للمرأة عموماً قدرةً على الإنتاج السردي المتداخل، مع الحفاظ على توجيه الدلالة(82 )، لذا فإنها قد وجّهت الأحداث إلى الحدث الرئيس وهو نجاة الديك/ يحيا من الموت؛ لأنه هو المقصود بالإبادة، لذا فإن الراوية ترفع بالأحداث إلى أزمتها حتى تخرج نجاة رمزية (يحيا)، ولاسيما أنه قد تعرض بمثل ما حدث (للديك) عندما ” اصطدمت الغيوم بعضها ببعض، وأصدرت برقاً وتعرّج في خط مستقيم من السماء إلى الأرض، وكاد أن يصيب من يحيا مقتلاً لولا أنه فرّ راكضاً إلى باب البيت فنجا “( 83)، وكذلك الحدث الذي جعل منه غائباً غياباً مجهولاً قبل حدوث الانفجار الذي أصاب الجوار/ الخرابة( 84)، إذ أصبح الخطاب الأنثوي يربط الأحداث بعضها ببعض عبر قرائن عدة تفتح مسارها الحدثي مختزلةً في تقانة تسريع الزمن/ التلخيص، مفادها أن الغياب مجمل بالعودة التي يتحقق معها النصر، ويتحقق ذلك بالنص القرآني الذي وظف ضمن العتبات، قال تعالى: [سورة هود، الآية: 44]، وقد ذيلت بعد(صدق الله العظيم) عبارة (قرآن كريم)، أي ثبات العودة عبر تأييد النص القرآني بالصدق _ولا ريب في ذلك_ فضلاً عن إنكار تدخل المُحاجِج في ذلك بأنه قران كريم ولا يقبل النقاش أو التفاوض في تحريف الدلالة، التي هي النصر للمسلمين.
ومن هنا يصبح غياب الزمن في الخطاب الأنثوي إنكاراً للزمن البائس/ زمن الحرب والحصار الذي عاشه الشعب العراقي ولا سيما الأنثى التي تلقت نتاجه بفقد الزوج وفقد الابن، أحداث تركتها تصارع أحزانها وعواطفها معاً، لذا عبّرت الرؤية الأنثوية عن نكرانها له عبر الدلالة اللفظية التي جسّدها الخطاب، وكذلك البناء السردي الذي توزع على المقاطع والفصول، فضلاً عن كونها قد أجملت زمن القصة/ زمن التسعينيات، وما سادت به من أناس استغلت رقاب الآخرين.

هوامش : 

1- المكان ودلالته في رواية (مدن الملح) لعبد الرحمن منيف/ 153.
2- ينظر الزمن واللغة، مالك يوسف المطلبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1986/ 10_11.
3- فكرة الزمان عبر التاريخ، مستشار التحرير: كولن ولسون، المشرف على التحرير: جون جرانت، تر: فؤاد كامل، عالم المعرفة (159)، الكويت، 1992/ 12.
4- بنية الشكل الروائي/ 117.
5- صنعة الرواية/ 55.
6- ينظر: بناء الرواية/ 26_27.
7- البنية الزمنية في رواية (ذاكرة الجسد) للأديبة: أحلام مستغانمي، صالح مفقودة، بغداد، مجلة الأقلام، ع1، 1998/ 45.
8- ينظر: البنية الزمنية في رواية (ذاكرة الجسد)/ 45.
9- ينظر: البنية الزمنية في رباعية الخسوف لـ إبراهيم الكوني، علي عواد عبد الله، رسالة ماجستير، إشراف: د. فيصل غازي محمد، كلية التربية، جامعة الموصل، 2011/ 4.
10- ينظر: بنية الشكل الروائي/ 108.
11- م. ن/ 109.
12- بناء الرواية/ 52.
13-خطاب الحكاية/ 117
14- بنية الشكل الروائي/ 156.
15-بناء الرواية/ 64.
16-الفضاء الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا، إبراهيم جنداري، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2001/ 132.
17- معجم مصطلحات نقد الرواية/ 74.
18- ينظر: خطاب الحكاية/ 117_118.
19- ينظر: بنية الشكل الروائي/ 157.
20- خطاب الحكاية/ 119.
21- بنية الشكل الروائي/ 162.
22- ينظر: خطاب الحكاية/ 119.
23- ينظر: بنية الشكل الروائي/ 164.
24- م. ن/ 156.
25- نبوءة فرعون/ 21_22.
26- ينظر: م. ن/ 30.
27- ينظر: الغزو العراقي للكويت، (ندوة بحثية)، (المقدمات_الوقائع وردود الفعل_التداعيات)، مجموعة باحثين، عالم المعرفة (195)، الكويت، 1995/ 457.
28- ينظر: لسان العرب، مج4، ج32/ 2820.
29-نبوءة فرعون/ 26.
30- م. ن/ 30.
31- ينظر: الغزو العراقي للكويت/ 456_457.
32- نبوءة فرعون/ 27.
33- معجم مصطلحات نقد الرواية/ 75.
34- الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، تح: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، القاهرة، 1997/ 271.
35- نبوءة فرعون/ 22.
36-بنية الشكل الروائي/ 160.
37- وهي فنانة لبنانية من جيل الثمانينات.
38- نبوءة فرعون/ 34.
39- م. ن/ 34.
40-ينظر: العين، ج6/ 27.
41- نبوءة فرعون/ 42.
42- م. ن/ 73.
43- الزمن في قصائد الخطاب الأنثوي، محمد ناصر، منتدى جريدة شروق الإعلامي الأدبي، www.shorouke.com.
44- نبوءة فرعون/ 89.
45- م. ن/ 90.
46- م. ن/ 93.
47- ينظر: نبوءة فرعون/ 137.
48- م. ن/89.
49- م. ن/25.
50- ينظر: غائب طعمة فرمان روائياً/ 128.
51- ينظر: نبوءة فرعون/ 39.
52- م. ن/ 40.
53-ينظر: لسان العرب، مج1، ج6/ 456.
54- ينظر: لسان العرب، مج5، ج37/ 3269.
55- ينظر: نبوءة فرعون/ 118_120.
56- ينظر: م. ن/ 123_130.
57- صنعة الرواية/ 57.
58- ينظر: غائب طعمة فرمان روائياً/ 128.
59- ينظر: خطاب الحكاية/ 109، وينظر: الفضاء الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا/ 127.
60- ينظر: بناء الرواية/ 56.
61- ينظر: صنعة الرواية/ 55.
62- ينظر: بنية الشكل الروائي/ 146.
63- ينظر: بناء الرواية/ 56، وينظر: الفضاء الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا/ 127.
64- ينظر: صنعة الرواية/ 50.
65- بنية الشكل الروائي/ 146.
66- نبوءة فرعون/ 18.
67- ينظر: البنية الزمنية في رباعية الخسوف/ 84.
68- بنية الشكل الروائي/ 148.
69- ينظر: لسان العرب، مج4، ج30/ 2701.
70- نبوءة فرعون/ 27.
71- م. ن/ 18.
72- م. ن/ 137.
72- ينظر: م. ن/ 137.
73- ينظر: بنية الشكل الروائي/ 147_148.
74- نبوءة فرعون/ 24.
75- ينظر: م. ن/ 44.
76- ينظر: م. ن/ 45.
77- حوار أجراه الباحث مع الكاتبة، عبر شبكة الانترنت، الأربعاء/30/5/2012، الساعة السادسة مساءاً، maysaloonhadi@yahoo.com.
78- م. ن.
79- بنية الشكل الروائي/ 154.
80- نبوءة فرعون/ 95.
81- نبوءة فرعون/ 94.
82- ينظر: م. ن/ 80_81.
83- ألف ليلة وليلة وسحر السردية العربية/ 44.
84- ينظر: زمن الرواية، جابر عصفور، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1، 1999/ 119_120.
85- نبوءة فرعون/ 109_110.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *