هشام القيسي: مؤيد الراوي؛ وهم المكان والاستذكار والاستشهاد
(الحلقة الرابعة من كتاب: جماعة كركوك)

( 1 )

تجريبي مثابر . فنان ، ناقد ، شاعر . وضاءٌ في نمط جديد بشاعرية عميقة ورؤيا نافذة توحدت عنده الغاية وتجذرت في عدة اتجاهات . لهذا نراه ثرياً ، تغييرياً ، خصباً مجسداً لمعاناته ولمعاناة جيله ، زاخراً بمعانيه وعذاباته ، بينابيعه وتحرياته . معضلاته وهمومه ايقظت فيه صراعاً داخلياً وخارجياً تمثل في تمرده ،وفي تبنيه لمشروع يستشرف آفاقاً غير مألوفة ، مثلما تبرز في ذات الوقت عقم وهشاشة وزيف الواقع .
مشاغله العمق والجوهر وقبر المظهر في زمن صودرت فيه وغادرت الكلمات سوى لغة السيف التي بقيت وحدها تنهش حرارة الإنسان وتكثر من التزويق والتحسين فيه.
قال عنه القاص والكاتب المسرحي الكبير الراحل جليل القيسي :-
(( هو طراز غريب من العناد والإصرار واللامبالاة)) .
ذلك هو مؤيد الراوي الشاعر الإنسان والناقد الفنان . ولد عام 1939 في مدينة تأريخية ضوئية على اديم نسيج القيم والثقافات والأعراق المتناغمة المتوهجة المتقدة ، مدينة ليس كمثلها في الشرق إلا القليل .
كركوك او أرآبخا بالإسم التأريخي .
أكمل دراسته الأولية فيها وحصل على شهادة دار المعلمين ليعمل بعد ذلك في سلك التعليم ، غادر المدينة الى العاصمة بغداد حيث عاش فيها حتى عام 1969.
جال وصال في مناخات ساخنة ، تعرض فيها الى مطاردة اضطرته الى مغادرة العراق توجه الى عمان ثم بيروت حيث عايش الحرب التدميرية ( الاهلية اللبنانية ) ومن هناك اتجه صوب القلب الاقتصادي في اوربا ، المانيا ، منذ عام 198. ليستقر به المقام بعد رحلات الويلات والمشاق .
أصدر ديوانه الاول ( إحتمالات الوضوح ) عام 1977 من بيروت وله ديوان ثان بعنوان (وهم المدن، وهم الاماكن ) . قصائدة حياتية ليس من السهولة تجزئتها ، لأن العناصر الداخلية وأشكال البناء تنسجمان بل وتتطابقان بشكل تام ولهذا تجد اتجاه الصراع يأخذ اشكالاً بين التمازج والتداخل حيناً والتناقض حيناً آخر ، وتبعاً لذلك تتوهج عناصرها الجمالية وآفاقها الفنية .

( 2 )

القصيدة لدى مؤيد الراوي في بنائها وتماسكها كحالة تعبيرية تنطوي على اتجاهات فنية فيها من الابداع والشاعرية ما تجعلنا نتوقف عند دقتها وارهافها واحكامها بل وثيمتها وبشكل تخضع له هذه العناصر مجتمعة وقد تكون لروافده الفنية اثار في هذا الاتجاه:-
فجأة ، توقظني
طرقة
ربما أسقطها الصحو على نسيج نومي الضحـل
لـتكشف لـــي او لتحجب عني الحكـمــة
حكمتــي فـــــي تكاثر الحلـم
طـوافــي به يس،،تمـر اعـواماً
فأبصر في توأمي يجول في البراري يحمل اسمي
( قصيدة عودة )
كذلك لقصائده معاناة تمتد طولاً في الزمن ، تحمل صرخة جيل حادة تتوجه الى رفض المألوف والتركيب الذي يفرضه الواقع انطلاقاً من نموذج التغيير والحرية التي تناغم في اصولها بعد ان آمن بمبادئها .والظروف الزمانية لقصائده تتفاعل مع تموجات صراعات الانسان خلال عقود ملتهبة وما حوته من متغيرات املت عليه مستويات تعبيرية ملائمة للوصول الى تناسب درجة الحدة بالفن . ولهذا نجده يداهمنا من منافذ متنوعة قاعدتها البراعة في الحركة والاداء الجميل :-
وحين ادارتها – ادارت الاشياء – يد الشيطان
جاءت بالرمال تملأ أكفنا
نحن الملائكة الممنوعين
تحجب النور عنا
تسقط وجوهنا
مثلومة بالزمن
عتيقة بوشم الأماكن
وقد اقصينا عنها
مرة
والى الابد
صوته او الاصوات المتعددة تسهم في النهوض بمستويات من الحركة الدرامية سواء بترفق شاعري مسترسل او بتفجيرات متعددة ، وتجعلنا نلامس ونحس بتأثيرات نبراته ورهافة تحولاتها .
انه مزحوم بألوان وتفاصيل تنهمر فيضاً من المشاعر والاحاسيس ، وهو مسكون بما تختزنه ذاكرته وما يمليه تطلعه ولهذا نجده يفجر في السكون حركات حادة وعميقة تساير الذهن والروح:
في هدأة الليل تهجم عليَ اشباح وذئاب واجسادٌ مضمدة
ثم يأتيني شعبٌ مفوه بالنصيحة
يمر عليًّ
اصدقاء وغرباء ، في حزم كقصب المياه
جرفتها زحافات من الماضي
عاتبون على قلبي الذي تركته في البراري يتجول
حدائقهم مشبوهة
بالمياه الباقية مبحرة في مسافات واشارات
يكرمونها من الماضي
أطفالٌ واسلافٌ ذوي مخالب
قابعون في قعر الجمجمة
متلفعون بأجداد
يجعلوني احلم الليلة ايضاً ..
( قصيدة الوليمة )
إنه استثنائي بكل احتمال ، ومبني على اكتظاض سيول من الحركات الداخلية المكتومة والمعلنة ، وهذا ما يقودنا الى حركة عدم الاستقرار وتفجراتها في المشاهد المتعددة التي تعطينا نفحات خاصة:
هو الزمنُ قديمٌ
زمن جديد يقلبهٌ
يعوي في منتصف الليل لقارته المغطاة بالجليد
قناعة في النهار وسامٌ معلقٌ
وفي جروب الليل بين غفوةٍ وغفوة
يغرز مخالبه في قلوب الملائكة
ليشم رائحة الدم في يديه
تقدم لنا قصيدة جليل القيسي ( حارس المدينة ) نموذجاً بارعاً في التعبير عن تجربة تنساب فيها عناصر الصراع لتوقظ بالتالي مشاهد من الاحساس بالغربة في زمن ثقيل وظلمته لا تخلو من بؤس وارباك :-
رأيت
مالم تَرَ
في وسع عينيك زمرد ويغطي حاجبيك الذهب
هو التنبؤ بما سيأتي
قد يحمل الغازاً تفكك انت اسرارها
وتداوي الناس ، مشوخين من الخوف
تضمدهم في الاسرة
جثث تخشبت وجفت منذ عهد
يفعل الحطاب بها ما يريد
 ( جليل القيسي ، حارس المدينة ) المقطع الثالث
وهو يفصح بمغزى جليل حي ، تقرأ فيه ثقل الحياة وثراء التطلع، انها معاناة ومخاطبات واستذكارات شديدة التأثير ، مفتوحة ومتجددة تنساب على هدير وإلفة وراحة عناوين كركوكية اصيلة ( القلعة ، شاطرلو، حدائق الماز ، تلة دامر باش ، صاري كهية ، عرفة 1.. )
رأيت
مالم ترَ
مدينة من حجر يفيض كل عام نهرها ثم يجف . محروسة بهذا الادمان وبتقادم الزمن
الى صحن دارك الصخري لجأت ملائكة
نسيها الله او اهملها لحكمةٍ
أخلت قلعة كركوك للجنود
بعقدون صفقة مع التأريخ يأخذون مخالبه
يعبرون جسر المدينة الحجري ليوصدوا ابواب شاطرلو
مدخل الجنة مغلق وفي رأسك يضيع ألق المكان
ترى جنوداً يلبسون درع الماضي
يبنون القلاع
 ثم يهدمون اسوارها
مثقلين بالحديد تتلصص عليهم ، يحرثون حدائق  ( الماز)
وفي الفجر خوفاً من الذئاب ، يصرخ الموتى على
( تلة دامرباش)
فتحمل لهم رفشاً ليهرب اللصوص
بعيداً تتخفى عن( صاري كهية ) يجول حول (عرفة) المسور بالاخضر
أماكن لك
تحتفظ بها وتحفظها لنا كسوار الذاكرة
المقطع الخامس

هكذا نجد إيماءاته ذات فاعلية في مسارات نفسية ووجدانية ودلالية متنوعة تمنح الاشياء شخصيتها وهويتها .
ولغة الشاعر لغة ثرية باللون والحركة ، تساير وتواجه تتقابل وتتعاكس في علاقة محتدمة ضاجة حيناً وبالاتساع حينا آخر ، ترصن رؤياه وتعمق حواراته :
هذه الصحراء ( نحن رعاتها ) حقول للثعالب المرقطة
مرت في مراياها سبع سنوات عجاف
أكلت الطير من رؤوسنا
وعصف بواحتنا الطاعون
وهذه معاطف الليل ( لباسنا ) تجتمع فيها عيون مطفأة بالشوك
ونحن ندفن فيها
نرتديها
وتليق بنا
لتتقدم القيامة خطوة ……
( قصيدة شجرة العائلة )

أما نمط المبنى او نمط الشكل لديه فأنه يمثل ظاهرة جديدة بفنية وتألق ، تسعى لتأصيل المناحي الإبداعية التي اوقدتها آفاق جماعة كركوك في سعيها التجديدي وفي معطياتها الثرة الصارخة المتوقدة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.