تابعنا على فيسبوك وتويتر

Fuad Kandil 5إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة السادسة
(6)

أرسل إلىّ الكولونيل سيف من يبلغني بأنه رشحني لمرافقة جان فرانسوا شامبليون كمترجم في أثناء زيارته مصر في أغسطس 1828، أسعدني الخبر فأنا لا أخفي إعجابي بشامبليون كلما ورد ذكره في حديث يجمعني مع مصري أو فرنسي. وقد تلقيت خطابًا رسميًّا من محمد الدفتردار سكرتير محمد علي، ومثله من القنصل العام، يفيدنى بأني المرشح الوحيد كمترجم لمرافقة شامبليون، مع العلم أنه سيصل أولاً إلى الإسكندرية ويبقى فيها يومين.
جاء «شامبليون» ذو العود الرشيق والوسامة والشعر الناعم على رأس بعثة فرنسية توسكانية ومعه صديقه الإيطالي «روسيليني».. في أول لقاء بعد أن تعارفنا واستمع إلى جانب مختصر عن حياتي، قال بعد أن تنفس بعمق:
– أخيرًا تطأ قدمي البلد الذي استهواني منذ صغري وكان صاحب الفضل الأول فيما تحقق من مجد له ولي ولفرنسا.
سألته:
– هل جئت لتزوره وتكتشف عن قرب ملامح هذا البلد العريق كما تصورتها؟
قال وعلى شفتيه تختلج ابتسامة ظهرت آثارها في عينيه:
– هذا التعبير دقيق وصادق.. يقترب كثيرًا مما عزمت عليه، وهو أن أتأكد من صحة ما توصلت إليه على الطبيعة، كما أنني أخطط لزيارة بعض الآثار.
زار «شامبليون» المسلتين الموجودتين في مدينة الإسكندرية القديمة التي بدا أنها أهملت تمامًا.. كان علينا للوصول إلى المسلتين أن نركب الحمير.. تصعد بنا وتهبط فوق كثبان رملية وتلال مكونة من بقايا الأبنية اليونانية والرومانية، وقد طلعت علينا الكثير من الكلاب المشردة التي بدا جليًّا في نباحها المتشقق مدى ما تعانيه من وحشة وكآبة وجوع في هذه المناطق المهجورة.. يفحص «شامبليون» المسلتين، لكن معالم وجهه تنضح بعدم رضاه عنهما.
بعد عدة أيام عدنا إلى القاهرة لنلتقي فور وصولنا بالوالي محمد علي وكنت ألتقيه لأول مرة.. حاولت أن أركز نظراتي على عينيه، فالعيون مرآة صاحبها، لكن الباشا لم تكن له نظرات واحدة، فربما ظهرت نظرات حنان لتعقبها مباشرة نظرات نمر غاضب، وما تلبث أن تظهر فيهما نظرات خامدة تدل على الملل والرغبة في انتهاء اللقاء.. تحدث «شامبليون» عن أهمية الآثار المصرية، وأنها خلال سنوات ستحول مصر إلى أهم دولة في العالم، لكنني لاحظت أن الباشا غير معني بهذا الحديث إلى درجة أنه كان يسأل العالم الفرنسي عن الملك شارل مثلاً، أو عن مدى استعداد الحكومة الفرنسية للتعاون، وقال في نهاية الحديث:
– حدد ماتشاء من الأحجار وسوف أنقلها لك إلى باريس. المهم أن تؤكد عليهم سرعة إرسال الأخشاب المطلوبة لبناء السفن.kh fuad kandil 7

قال «شامبليون»:
– سيدي الوالي أرجوك لا تفرّط في الآثار أبدًا مهما كانت حاجتك إلى المال.
– أترى هذا حقًّا؟
– بل أرى أن تصدر مرسومًا لمنع حصول أحد على أي قطعة ولو في حجم قطة.
– لك هذا.. المهم لا تنسَ أن تؤكد أهمية الخشب.
كان «شامبليون» قد لفت إليه كل الأنظار بسبب اكتشافه رموز اللغة الهيروغليفية.. هذا يعني بكل بساطة إماطة اللثام عن كل ما يخص الآثار المصرية التي من المؤكد ستظهر أنهم كانوا شعبًا ذا حضارة، ولا بد من أن يعرف العالم على وجه الدقة حقيقة هذه الحضارة التي تدل آثارها المعمارية في الأساس وقبل معرفة معنى الكلمات على تقدم علمي وهندسي لافت.
كنت قد علمت قبل حضوره أنه اكتشف تلك الرموز بعد تحليله الكتابات المحفورة على «حجر رشيد» بثلاث لغات هي الهيروغليفية، أي الكتابة المقدسة، وهي مخصصة للمعابد والملوك، واللغة الديموطيقية، وهي الكتابة الشعبية أو العامية.. لغة الناس البسطاء، ثم اللغة اليونانية، وقام بعمل مقارنات بين اللغات الثلاث المعبرة عن نص واحد، وقد كان يجيد اللغة اليونانية واللاتينية حتى إنه ألف، وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، كتابا بعنوان «الأصول القبطية لأسماء الأماكن المصرية في أعمال المؤلفين اليونان واللاتين»، كما أصدر كتابًا بعنوان «معجم اللغة القبطية».
انتهى اللقاء وسافرنا إلى الأقصر، وما إن وقعت عيناه على مسلتي معبد الأقصر حتى صرخ وعانقهما واحدة بعد الأخرى وتنفس بملء رئتيه.. رجع إلى الخلف لتحتوي عيناه المشهد بكامله وقال:
– قصر هائل تتقدمه مسلتان ترتفع كل منهما نحو 80 قدمًا، وكل منهما قطعة واحدة من حجر الجرانيت الوردي أقيمتا بشكل رائع، ويصاحبهما أربعة تماثيل ضخمة من الحجر ذاته، طول كل منها ثلاثين قدمًا تقريبًا؛ حيث إنها مدفونة حتى صدرها، وكلها في عهد رمسيس الأكبر.
رأيته يقيس طول وعرض الضلعين الغربي والشمالي للمسلة أكثر من مرة، لأن الضلعين الجنوبي والشرقي محاصران بالمنازل،.. مضى يقرأ المكتوب ويمرر أصابعه على الكتلتين عدة مرات..
سألته متخابثًا:
– هل هناك نية لعمل مسلة مثلها في فرنسا؟
كان شاردًا، لكنه سمعني وأجاب بعد لحظات قليلة:
– هناك اتفاق بين الباشا والملك شارل على نقل المسلتين إلى باريس.
ارتبكت.. كان ما ذكره غريبًا.. لقد قال للباشا أمامي: لا تفرط أبدًا في أثر ولو كان في حجم قطة. أي تناقض هذا؟! ليس من حقي التدخل، لكن من حقي أن أفهم.. النفس البشرية فعلاً معقدة.. أحيانًا يرفع صاحبها عقيرته بالدعوة لشيء ويفخر بأنه أول من نادى به ويناضل من أجل تنفيذه، وفي الوقت ذاته قد يقع فريسة الطمع في لحظة معينة وينسى تمامًا ما أعلنه مدويًّا يومًا ما. هل يمكن أن تكون المبادئ قشرية أو أقنعة أو أزياء نلبسها يومًا ونخلعها في يوم آخر؟! لم أشعر بالغضب، ولكن بالدهشة، فالمسألة بالنسبة لي بالذات واحدة، فانتقال المسلتين من وطني الأول إلى وطني الثاني أو العكس لا تضرني في شيء.. نحّيت الفكرة جانبًا وفكرت في الوسيلة.. وزن المسلة الواحدة ليس أقل من مائتي طن.. سألته:
– كيف يتم النقل، خاصة أن المسلة ثقيلة جدًا؟
كان غائبا تماما بينما عيناه تحدقان في المسلة ويده تحت ذقنه
سألته :
– هل سيتم تقطيعها إلى أجزاء؟
أفاق فجأة من غيبوبة التأمل ، وقال :
– ليس شرطًا.. يمكن أن تنقل على حالتها.. المهم التأكد من أنها سليمة.
قرأ بصوت مسموع المكتوب على إحدى المسلتين وترجمه فورًا إلى الفرنسية: «إن سيد العالم.. الشمس التي تحمي الحق (العدالة) مؤيدًا بـ(رع)، قد قام بتشييد هذا المبنى على شرف أبيه (آمون رع)، وأقام له هاتين المسلتين الكبيرتين من الحجر أمام الرامسيوم الخاص بمدينة آمون».
ثم قال «شامبليون» واصفًا الرسم المحفور على المسلة التي إلى اليمين من البوابة:
– ها هو «آمون رع»، إله طيبة، يجلس على عرشه وتزين تصفيفة شعره ريشتان طويلتان وهو يمسك بيده صولجانه المعتاد، أما يده اليسرى فيمسك بها رمز الحياة الإلهية، ويجلس أمامه «رمسيس الثاني» راكعًا ورأسه تزينه تصفيفة شعر الإله «بتاح» – «سوكاريس»، يعلوه القرص المجنح، وهو يقدم للإله «آمون رع» قربانًا من آنيتين من النبيذ.
يعود «شامبليون» ليتأمل المسلتين ويقول:
– مسلتان فريدتان من حيث جمال المادة وكبر النسب وثراء النقوش التي تغطيهما، بالإضافة إلى جوانبهما المصقولة، والأهم حالة حفظهما الرائعة، فليس فيهما خدش بسيط بأظافر طفل.
يميل «شامبليون» على صديقه «روسيليني» وعلى مرافقه الفرنسي «شارل لونورمون» ويدس ساعده تحت ساعد الإيطالي وساعد تحت ذراع «شارل»، ثم يحني عوده ويعود فيقيمه مرتين ويجرهما معه قائلا:
– إنه لشرف قومي لفرنسا أن تحصل على احدى المسلتين، وأظن أن أي وزير سيخلد اسمه إذا أقدم على هذه الخطوة وزين باريس بهذه التحفة.
يسحب الإيطالي ذراعه من ساعد «شامبليون» قائلا:
– أسرع قبل أن يخطفها الإنجليز منك كما خطفوا «حجر رشيد».
يلتفت «شامبليون» إلى «لورمون» ويقول دون أن يعلق على تحريضه:
– إن وضع مسلات الأقصر تحت أعين الفرنسيين سوف يدفع إلى الارتقاء بأذواقهم.
يعلق صديقه الفرنسي:
– الشعب الفرنسي ليس معتادًا إلا على رؤية زخارف الصالونات.
يقول «شامبليون» وهو يمط شفتيه:
– الأجنبي الذي يزور باريس لا يجد فيها أي أثر يدل على أننا قمنا بحملة مدهشة على مصر.
بدأت ملامح «شامبليون» منذ تلك اللحظات تأخذ شكلاً آخر وقد كان طوال الأيام الماضية ذا وجه شاحب، إلا أن هذا الوجه ذاته أصبح ورديًّا، والشرود والصمت الغامض اللذان اكتست بهما ملامحه وحركاته طوال الوقت صارا وضوحًا وابتسامًا وكلامًا، بل ورقصًا.
دخل المعبد وراح يحدق ويقفز أحيانا ويدنو جدا ويغيب طويلا مع تمثال أو جدار .. يتحرك كأنه وحيد تماما .. بتنا ليلتنا في مضيفة متواضعة بالقرب من بيت العمدة ، وكان طعامنا قد حملته الخيول من قنا بمصاحبة نائب الحكمدار شخصيا .. لم ينم شامبليون وأصر على حمل مصباح والتوجه إلى معبد الكرنك في الليل ومعنا بعض الجنود الأتراك .. عندما عدنا لم ننم فقد كان البعوض قاتلا لكن شامبليون كان يفكر في البر الغربي الذي أيقظنا لزيارته مع الفجر .. زيارة منهكة مع مجنون رائع جعلنى أتمنى في قرارة نفسي لو أصبح مثله مجنونا وعاشقا لشيء ما من أسرار الوجود. قضي البر الغربي على البقية الباقية من عقله وتماسكه .. إذا كان يوما يمتلك بعضا من العقل فقد بدا قبل سفرنا أنها قد تلاشت تماما كما فقد النطق ولم يعد يأكل وإن كان يشرب بنهم لا يكاد يؤثر فيه.
عدنا إلى القاهرة وجلسنا في شرفة الفندق ليلة سفره.. كوكبة من الأصدقاء الفرنسيين بالسفارة وأعضاء البعثة الآثارية التوسكانية.. بعد أن ارتشفنا الكثير من كؤوس الخمر، سأله سكرتير السفارة عن رأيه في محمد علي.. كان قد قابله في الصباح مرة ثانية وأكد عليه أهمية إصدار مرسوم يجرم من يمس قطعة أثرية. قال «شامبليون» بعد أن أكمل اللحن الذي يردده:
– الباشا رجل صادق مع نفسه. له هدف واضح لا يحيد عنه، وهو أن يستولي على أكبر قدر يستطيع الاستيلاء عليه من أموال المصريين المساكين، ولما اكتشف أن مصر في الحقيقة بقرة، دأب على حلبها وإنهاكها من الصباح إلى المساء انتظارًا لذبحها وهو يتأهب لذلك. أما «لونورمون» فقد قال:
– لقد قام محمد علي بإحراق الأروقة والمعابد والفنون الجميلة على مذابح الصناعة، وإذا أراد أن يبني مصنعًا لا يترك المقاول يحضر الحجر من الجبل، ويسمح له أن يأخذ الآثار القريبة لأنها أسهل وأرخص.
تساءلت بينى وبين نفسي: إذا كان محمد علي بهذه الصفات الأنانية، فكيف يستقيم أن يتمتع بالوفاء لأهله إلى درجة أن يُسَمّي ولده الأول باسم أبيه «إبراهيم أغا»، الذي مات وهو في الرابعة، حتى إنه لم يعرفه، وكفله عمه «طوسون»، وقد مات وهو في الرابعة عشرة فسمى ابنه الثاني باسمه، ولما رحل تكفل برعايته «إسماعيل» صَدَيق والده وحاكم قَوَلَة فسَمّى محمد علي ولده الثالث باسمه؟ هل صفات الإنسان تتغير كثيرًا حسب المواقف، أم هي ثابتة أو شبه ثابتة؟!! المرء يأتي للحياة فقط ليتعلم، ويتعلم دائمًا حتى رغم أنفه.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"