د. رسول بلاوي : توظيف الموتيف في شعر يحيى السماوي (ملف/32)

rasol-balawi-3إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
رسالة مقدّمة لنيل درجة الدكتوراهجامعة الفردوسي مشهد
الفصل الثالث: استدعاء المدن :
المدينة:
تعد المدينة في الشعر العربي المعاصر من أهم الإضاءات التي تلفت أبصار الشعراء، وبما أن المدينة مركزٌ هامٌ للتفاعل ومجاذبة الحديث، إلا أنها في عرف كثير من الشعراء سيئة الصورة، بسبب ارتفاع صوت القهر السياسي والبؤس الاجتماعي، وحدة الصراع من أجل النفوذ وإثبات الهوية للجماعة أو القبيلة أو الحزب أو الفكر. ومن هنا، بلور الشاعر المعاصر موقفه السلبي من المدينة، من خلال انتقاد ما يلفها من مظاهر، قد يكون في الغالب غير قادرٍ على استيعابها أو مسايرة نواتجها التي لا تتواءم مع مبادئ شاعريته.
من المهم المؤکّد أن المدينة مقدمة في شعر يحيی السماوي بطريقة تختلف نسبيا عن مجمل الموقف من المدينة عند الشعراء العرب المحدثين من احمد عبدالمعطي حجازي حتى البياتي، الذين رأوا فيها تشويها لطبيعة الإنسان وجناية على إنسانيته وطيبته، ومجالا للقسوة والظلم والاختناق، وربما أيضا مسخا لأخلاقية الإنسان وخنقا لنداء وجدانه، ذلك أن حالة المدينة في الكون الشعري عند السماوي هي جزء من مناخ التراجيديا المخيمة على الوجود، وهي نفسها من وقود المأساة وليست بالضبط مسببة المأساة.
من أهمّ المدن المکررة فی شعر السماوي بغداد، السماوة، البصرة، أربيل، تکريت، الکوفة، الکوت، مکة، نجد، القدس … والملاحظ أن كل هذه الأماكن مبرأة نسبيا من الضلوع في المأساة فهي اقرب إلى إطار للمأساة، مما هي مولدة أو حاضنة لها.
السماوي لم يسمح لنفسه بالوقوع في شراک تلک الموجة الغربية الطارئة و لا غيرها من الموجات الدخيلة التي اجتاحت الشعر العربي الحديث و هيمنت علی أذهان الشعراء العرب بل علی العکس فالسماوي لعله يری أن الأدب و الفن نحو العالمية و الشهرة إنما يمر من خلال الغوص و الاغراق في عمق الاصالة المحلية و فهم الهموم و الابعاد الواقعية فيها فلا عالمية و لا منافسة للآداب الاجنبية بالتشبه و المحاکاة أو بالقفز فوق الواقع المحلي و لهذا احتضن السماوي واقع الوطن العربي، احتضن مدنه و بلدانه و قراه الفقيرة و احياءه البائسة التي يعشعش فيها الجوع و الفقر و المرض و الثورة، ذکرها في شعره و استشهد بها في شعره و سجل معاناتها، و ناداها … و تغنی بأصالتها و جمالها و ضرب الأمثلة بصمودها و صبرها و احزانها .yahia-9
عندما يذکر الشاعر هذه المدن و المناطق في شعره فهو إنما يتکلم عن أهلها و شعبها و سکانها و ما يکابدون و يعانون، و هو عندما يتحدث عنها و يستشهد و يقسم بها و يضرب عنها الأمثلة يذکّر الناس بوجودها و يتظلم لأهلها.
أسماء الأماكن الجغرافية التي ترد في شعر يحيی السماوي مثل المدن والمواقع ذات التاريخ المشهود في الماضي أو الحاضر، ففي مقدمتها بالضرورة المدن العراقية وعاصمتها بغداد، ومن هذه المدن والأحياء البصرة وأربيل والرصافة والكرخ وكردستان، وهو يذكرها لا ليعبّـر عن مكانتها الأثيرة في قلبه ومثول طيفها أمامه في الصحو والرقاد فحسب، بل ليؤكد أنها مازالت تحيا على الرغم مما فعل بها المارقون من أبنائها، ويحلم بعودة شمسها إلى السطوع مثلما ينبعث طائر الفينيق من رماده ويملأ الدنيا غناءً(الباب، 2010م: 86 و 87). يقول الشاعر مخاطبا وطنه المكبـّل بالأصفاد والنار بنبرة تكشف عن حزنه الدفين:
يا جرحَـنا الممتدُّ من ” أربيل ” و ” البصرة ”
حتى شـَفـَــتـَيْ ” مَـيـسـانْ ”
السّـيْفُ من ” بغدادَ ”
والقبـضـةُ من ” تكريتَ ”
والجثةُ من ” ذي قارْ ”
هَـرَبْتُ من ذاكرةِ النخلِ
فما للنخلِ لا يُـغـادرُ القلبَ
ولا نافذةَ الأفكارْ؟ (هذه خيمتي فأين الوطن: 109 و 110)kh yahia 16
إلحاح الشاعر علی تکرار المدن العراقية يشي بكثافة الشعور وزخم الانفعال وكثافة التأمل والاستغراق في الواقع المؤلم الذي يعيشه بلده العراق، فجاءت انعكاساً باطنيًّا لجراح الذات وآلامها، يقول الشاعر في هذا المقطع:
“كُلَّما نَرْفَعُ صوتاً باسمِ طفلٍ شاخَ رعباً
وأَبٍ قَيَّدَهُ القَهْرُ
وباسمِ الأرْمَلَةْ
أَوقفوا سَفْكَ الدمِ المهدورِ في “الكوفةِ”
في “الأنبارِ” و”البصرةِ”
في “الكوتِ” وباقي المدنِ المُشْتَعِلَةْ
فمتى تعطونَ للجائع خبزاً
وأماناً للعصافيرِ التي غادرتِ الحَقْلَ؟
متَى يَرْكُنُ للحكمة “ربُّ القُنْبُلَةْ”.
فيجيبُ القَتَلَةْ:
صَبْرَكم..
لم يُكْمِلِ التحريرُ عامينِ
علامَ العَجَلَةْ ؟ (نقوشٌ على جذعِ نخلة: 117- 118)
هنا يصور الشاعر الواقع القمعي في العراق تصويراً توصيفياً دقيقاً، بقدرة توصيفية ترسيميَّة عالية، ترصد الشعور الداخلي بالواقع المؤلم الذي تعيشه المدن العراقية في “الكوفة”، و”الأنبار” و”البصرة” و”الكوت”..
لکلّ شاعر من الشعراء صفة يُعرف بها في قصائده و ميزة يتميّز بها في شعره و نزوع ينهج نحوه في موضوعاته، و هوی يميل اليه في سکبه و صياغاته الشعرية، و شاعرنا الکبير يحيی السماوي يتميّز شعره بإستدعاء الاماکن و المدن العربية، و هذه الميزة توضحت لنا مرتسماتها و أبعادها خلال تحضيرنا مباحث هذه الدراسة.
هناک مدن تکرّرت في شعره بکثرة کبغداد، السماوة، مکة،… بصورة غير متکلّفة حيث يأتي ذلک خلال وصفه لحالة أو حادثة أو قضية أو خلال التداعيات التي تثيرها الدلالات السياسية و النضالية أو التاريخية أو الفلسفية أو الذاتية. فهذه المدن المکرّرة في شعر السماوي يمکن لنا أن نعتبرها من أهم الموتيفات في شعر هذا الشاعر.
لننتقل الآن الی الشواهد و الأمثلة لنرى انعکاس هذه المدن و البلدان و المناطق في شعره، و لنسافر معه من بلدة الی أخری و من مدينة الی أخری في أرجاء الوطن العربي، و نتابع الصور التي رسمها لتلک المدن فخلّدها في شعره، و سنری السماوي کيف يتحسّر و يحزن و يتألم و کيف يفخر و يحرّض و بعض الأحيان يحاسب و يتهدد و يتوعد، و هو يصف حالة هذه المدن و أوضاعها ينتقل بينها يجسّ آلامها و يمسح جراحها و يبکي لها و من أجلها و يتباهی بها و فيها و يذکر الناس بمعاناتها و يتفقد أطفالها و نساءها و يتغنی بمآثر نضالها..kh-yahia-12-2
بغداد:
و من المدن العربية التي کان لها تاريخ عريق و ماضٍ مجيد هي بغداد؛ فالشاعر يحتج لما حلّ بهذه المدينة من ضغوطات الحکام و انتهاک حقوق شعبها و ممارسة الظلم و العدوان و الموت و الإعدام، بعد ما کان لها من تاريخ سامٍ و بطولات فالسماوي ينطلق في شعره من الماضي المجيد الذي عرفته بغداد يوم کانت عاصمة الحضارة في العالم فيربط بين الماضي و الحاضر الذي مکّن الظلم و الاستبداد منها بعد الهيبة و العزة في عهدها القديم.
العراق الوطن، والشاعر يحيى السماوي الإنسان، بينهما تناغم وجداني مؤثر، وعطاء شعري متواتر يعكس ما لدى الشاعر من حب للوطن الذي فرقته الحروب والمؤامرات، والمؤتمرات، حتى باتت “بغداد” غصة أليمة وكاوية في فؤاد الشاعر.
الشاعر السماوي لا يحنّ إلى مدينة بغداد ذاتها، وإنما يرى في هذه المدينة أسطورة كل مدن الوطن، فهو الذي استهل أول أحزانه على فراق الوطن عام 1992م حينما قال في قصيدةٍ من مجموعته الشعرية المعنونة (قلبي على وطني):

أبدلت بالظلِّ – الهجيرَ – لأنني

قد كنتُ في داري غريب الدار ِ

أنا ضائعٌ مثل العراق ففتشي

عني بروضك لا بليل صحاري (البكاء على كتف الوطن: 33)
فالشاعر يذعن لأمر الغربة، و الرحيل عن مدن تسكن الوجدان، فلا هو القادر على مقاومة ما يجري، ولا هو المتيقن بأن النأي هو أسلم طريق، فالغربة وضياع الوطن هما عاملان مهمان من عوامل هزيمة الشاعر وموت حلمه.
ولما كانت مدينة بغداد هي أحبّ مكان على ظهر البسيطة للشاعر، فقد رددها ثلاث مرات في القصيدة التالية، وهو يرثي حالها :
ثمّ لمـّـا أصبحتْ بغـدادُ كرسيّـاً لمنبوذٍ
وصَـحْـناً لِـنـَفـَرْ
صارتِ الأوتارُ قـَـيْـداً
والـمـواويلُ ضـَجَرْ
……
ثمّ لـمّـا فتحتْ بغـدادُ عينيها
على صِـبْـيانِ ” عـَفـلـَقْ ”
وطني أصبحَ منفايَ
وجرحي صار خـَندَقْ
………
منذ جيلينِ وبغـدادُ بلا دِيْـنٍ
متى يَـشـْهَـقُ بالتكبيرِ ثـغـرُ المِـئـذنةْ؟ (هذه خيمتي فأین الوطن: 74 و75)kh-yahia-13
ونلاحظ أن لفظة “بغداد” في هذه القصيدة لفظة محورية، تتمفصل عندها الكلمات، وتتعانق، وتتشابك، مستمدة منها الحركة والنمو والتفاعل، لأنَّ لفظة “بغداد” هنا هي رمز الأمة العربية والوجود العربيّ.
“بغداد” تمثّل رمزاً للوجود العربّي والأمجاد الغابرة في التاريخ، تمثّل أيضاً رمزاً للخصب والعطاء والتجدّد في الزمن الحاضر.
يتفجّع الشاعر على ما آلت إليه بغداد في قصيدة “هل هذه بغداد” التي يقول فيها:
ما العجبُ لو خان الفؤادُ ضلوعه؟
إنّ الذي خان العراقَ عراقي
فإذا النضالُ نخاسة ٌ مفضوحة
فاحتْ عفونتها بسوق ِ نفاق ِ
وإذا الطماحُ مناصبٌ مأجورة ٌ
يُسعى لها زحفا ً على الأعناق ِ
هل هذه بغدادُ ؟ كنت ُ عهدتها
تأبى مهادنة َ الدخيل ِ العاق ِ
هل هذه بغدادُ؟ تأكلُ ثـديَـها
فإذا بها وخؤونها بوفاق ِ ! (نقوش علی جذع نخلة: 165)
و يرثي هذه المدينة بالأبيات التالية:
أسفي علی بغداد.. کيف غَدَت
سوقاً و أنجمُ مجدِها سِلَعا؟
قد کان يربطني بهودجها
خيطٌ من الآمال.. و انقطعا (السابق: 31)
يَشخـُص السماوي إلى بغداد ويقف أمامها ليخاطبها في قصيدة “لا تسأليه الصبر” :
لا تسأليه الصبر لو جَـزعا
مما رأى .. بغدادُ.. أو سـمعـا
فـردٌ ولكن بين أضـلعـه
وطـنٌ وشـعـبٌ يخفقـان معا
صادٍ يبلل بالـلظى شـفةً
ويصـدُّ عن مسـتعذبٍ نبـعا
أنِفَ انتهال الراح لا بطرا
أو خوف ملـتصٍّ ولا ورعا (السابق: 25)
فالشاعر هنا يقف أمام ” بغداد ” متضرعا ومناجيا في صورة تشخّص أمام العـيان مرتسمة في ذهن القارئ فور قراءة رجاء المخاطب ” لا تسأليه “.
أما عاصمة الرشيد بغداد فلا يزال الشاعر غير معترفٍ بهزيمتها ـ وهي في الحقيقة لم تُهزم إلآ شكلاً ـ أمّا واقع بغداد وما في تاريخها العظيم من بطولات وأمجاد فهو باقٍ فيها ينتظرلحظة الإنبعاث والنهوض لتعود من جديد:
هُزِمَتْ بغدادُ؟ لا .. لم تُهْزَمِ
إنما المـهـزومُ ربُّ الـصَّـنـمِ
و”نظامٌ” ظالمُ الفعلِ طغا
لمْ يصُنْ حُـرمةَ جـارٍ ودمِ
وغـداً تنهـضُ بغـدادُ كـمـا
يُنهِضُ الجذرُ غصونَ البرعمِ (زنابق برية: 10)
فالشاعر يتفاءل بنهضة العراق / بغداد في الغد القريب على رغم أنوف كل الأعداء والعملاء والحاقدين والإرهابيين. کما يقول:
عسی بغداد تنفضُ عن ثراها
ظلامَ تعسّفٍ و سياطَ قهرَ (السابق: 182)
نجد توقعات السماوي كانت تتراوح بين الأمل والرجاء من ناحية واليأس والتشاؤم الخانق من ناحية أخرى. والسبب هو حالة التضاد الوجداني التي هي من سمات شخصية الفرد العراقي. وأمام يحيى كانت تضطرم المتناقضات المدوّخة حدّ غثيان الإدراك . فنجده يعلن في مجموعة شعرية واحدة هي “الأفق نافذتي” – الصادرة في استراليا في كانون الأول من عام 2003 أي قبل احتلال بغداد بشهرين – عن توقعات تنبوئية متصارعة. فهو تارة يطلق تفاؤلا صادحا وقويا يقفز فوق كل مظاهر الخراب، ليعلن بملء فمه أنه قد ملأ يد روحه من أمل التغيير والخلاص كحتمية تاريخية لن يعطلها أي ظرف، سوف يزول الطغيان وسوف تعود حبيبته بغداد بهية ودارا للسلام كما كانت رغم المشانق والحرائق والقهر والسل والطاعون:
متفائلٌ
رغم المشانقِ والحرائقِ
واجتياحِ السُّلِّ والطاعونِ
والقهرِ المبرمجِ
رغم هذا الليلِ والكابوسِ
والعيش الزؤامْ
متفائل أن الغد الآتي سيشهدُ
من يعيد الماءَ للناعورِ
والناعورَ للبستانِ
والبستانَ للكفِّ التي حرثتْ
وأن حبيبتي بغدادَ
سوف تعود ثانية كما كانت تُسمّى
في قواميس المدائن والهوى دار السلامْ ( الأفق نافذتي: 180و181 ) .
ولكنه تارة أخرى يفصح وبجلاء عن التوقّعات المناقضة. هنا وخلاف ما يصله من إشارات متفائلة زائفة من بغداد الأم عن واقعها المُعاش، عن الربيع الآتي الذي سينعش الآمال، نجده يؤكد أن خريف الخراب القائم – وليس ربيع النماء المرجو – هو الذي سيدوم على أرض الرافدين لألف عام !! وآية ذلك أن الموت في كل مكان ولكأن العالم الأسفل قد لفظ أحشاءه وقاء محتوياته فأصبح الشاعر محاصرا بجثة من الخلف ومقبرة من الأمام (سرمک (ا)، 2010م: 159 – 157):
لي ما يبرّر وحشتي
بغداد تُطنب في الحديث عن الربيع
ونشرة الأخبار تنبيء عن خريفٍ
قد يدوم بأرض دجلةً ألف عامِ ..
وأنا ورائي جثة تمشي ومقبرةٌ أمامي ( السابق: 111 )kh yahia 15

السماوة:
اتخذت السماوة عند الشاعر يحيى السماوي شكل الحلم أو الرمز، فهي عنده ليست نقلا ً لرؤىً اجتماعية وتفاصيل يومية، بل هي ارتفاع إلى مستوى الرمز الذي يمنح القصيدة نبرة وجدانية خاصة، فهي غالبا تحفر بجذورها عميقا ً في وعي الشاعر السياسي وضميره الإجتماعي والأخلاقي، وتشكّل حلما ً لصيقا ً به وماضيا ً ليس أحلى منه:
السماوة دُميتي في حجرة الکون
و فراشتي في حديقة العالم.. (شاهدة قبر من رخام الکلمات: 106)
و کما يقول:
و يا “سماوة” قنديلي به عطشٌ
لنجم ليلکِ.. لو عادت ليالينا (هذه خيمتي فأين الوطن: 133)
يجيب الشاعر يحيی السماوي علی سؤال الناقد عصام شرتح حول حياة الطفولة و البيئة التي ترعرع فيها في حوار أجراه معه: « أنا ابن أم قروية وأب كان يبيع البرتقال على أرصفة المدينة قبل أن يستأجر دكانا صغيرا للبقالة .. ولدت في مدينة السماوة، في بيت طيني من بيوت حيّ ” الغربي ” المتلاصق البيوت تلاصق قطيع ماعز في حظيرة ضيّقة .. سطوحنا مفتوحة على بعضها .. وأبوابنا لا أقفال لها .. الأمهات يرضعن أطفال الجيران مع أطفالهن .. في هذه البيئة عرفت معنى التكافل الإجتماعي فتعلقت به مؤمنا بدوره الفاعل في إقامة المدينة الفاضلة .. ومن خلال هذه البيئة عرفت أن الفقراء هم أكثر طبقات المجتمع طيبة وأنقاها محبة ومروءة ومكارم أخلاق وحبا للوطن، فكانوا من بين أهم موادّي الشعرية مثلما كانوا السبب وراء انتمائي المبكّر لأحد الأحزاب السياسية المحظورة المنافحة عن الفقراء والكادحين والعدالة وسيادة القانون الذي سأتعرض للتعذيب والفصل والمطاردة بسببه حتى بعد توقفي عن العمل الحزبي» ) شرتح «ح»، 2011م، صحيفة المثقف).
و يذکر السماوي في الأبيات التالية بيتهم الطيني في السماوة مکنّياً عنه باسم ليلی / الحبيبة:
و ليلی لم تکن ليلی.. و لکن
أکنّي باسمها خبزي و مائي!
و ليلی غابتي العذراء، ليلی
صباحاتٌ ملوّثةُ الضّياء!
و بيتٌ في “السماوة” و هو طينٌ
و نخلٌ ينحني فرطَ الحياءِ! (عيناکِ لي وطن و منفی: 22)
و يأسف الشاعر علی ترکه “السماوة” و ما تعرّض له من شقاء جراء مغادرته لهذه المدينة فيقول:
لماذا ترکتُ السماوة خلفي
و يمّمتُ نحو المقادير خطوي
فکنتُ الشقيّا؟ (لماذا تأخرتِ دهراً: 62)
يتردد اسم مدينته و مسقط رأسه علی امتداد دواوينه الشعرية، و تأخذ مظاهر الخصب في أغلب أحوالها، فهي منجم زاخر بکنوز لا حدود لعطائها و غزارتها:
أبي عاش سبعين عاماً و نيفاً
علی الخبز و التمرِ
ما قال أفٍّ …
و لا صاحَ بالخوفِ تبّاً ..
و لم يتّخذ غيرَ نخلِ السماوة
خلّاً وفيّاً !! (السابق: 63)kh yahia 3
يرسم الشاعر لوحة بهيجة لمدينته “السماوة”، فقد صارت مدينته الفاضلة، و قد تفنّن في إبراز مظاهر الخصب و النماء فيها، و الخضرة و الجمال الذي يغمرها، فکثيراً ما نجده يستحضر النخل و النهر و البستان في سياق الکلام عن السماوة، لأن هذه المدينة معروفة بنخيلها و بستاينها و أنهارها حيث تبدو ربيعاً دائماً لا يعرف الذبول و الإمحال، و لا يطاله صيفٌ أو خريف. و السماوي يحنّ و يشتاق الی مدينته و مسقط رأسه السماوة التي تمثّل له الحب و الجمال، ففي المقطع التالي يقول:
الله! ما أحلی السماوة.. ليلُها
باکي النداوةِ ضاحکُ النجماتِ
الله! ما أحلی السماوةَ.. صُبحها
صافٍ صفاءَ الضوء في المرآةِ
فتّانةٌ.. حتی نباحُ کلابها
خلفَ القری يغوي ثغاءِ الشاةِ (نقوش علی جذع نخلة: 78)
من تجربة فاصلة في حياة الشاعر تمتاح التجربة الشعرية وجودها، ومن لحظة نادرة أيضاً يبدأ الشاعر عرض تجربته الشعرية، لقد عاد الشاعر إلى وطنه بعد طول غياب وضنى واغتراب و ألقى مرساته بين أحبته “السماوة” فأخذ يخطو خطواته الأولى فوق ترابها بعد تغرب عن وطنه العراق دام قرابة عقدين إلا بضعاً، عاشها غريباً فى المنافي، حيث تجرع ما تجرع من الضنى، وعصف الشوق والحنين، و الحرمان:
أنا في (السَماوة)..لنْ أُكَذّبَ مُقلتي
النهرُ و(الجسرُالحديدُ) هُداتــي
وهنا ـ جِوارَ الجسرِ ـ كانت قَلْعَةٌ
حَـجَريَّةٌ مكشوفةُ الحُـجَـراتِ
هذا هو (السجنُ القديمُ)…وَخَلْفـَهُ
جِهَةَ (الرُمَيْثَةِ) ساحُ إعْداماتِ
وهناكَ بيتُ أبي… ولكن لمْ يَعُـدْ
لأبي بهِ ظِـلٌ على الشُرُفـاتِ (نقوش علی جذع نخلة: 68)
ها هو يعلن أنه في “السماوة” مؤكداً من خلال تكرار الجملة “انا في السماوة” وخبريتها أنه حقيقة ها هنا؛ وليبدأ في استكشاف الطريق والأماكن، معدداً ملامحها التى لاتزال باقية، وتلك التى تغيرت (الجسر القديم، قلعة مكشوفة الحجرات، ساحات الإعدام، بيت أبي، بستان الإمامي …) مشيراً في الوقت ذاته إلى الرموز الراسخة في المكان مثل “النخيل” الذي أصبح مستوحش الأعذاق والسعفات، مطلقا العنان لذاكرته في استرجاع ما يمكن استرجاعه من ذلك الماضي الأثير، ومستوثقاً من ملامح الجغرافيا (خلف السجن القديم، جهة الرُميثية) وقد هاله ما أصاب المكان من تبدل إلى الأسوأ.
مكة:
أخذت مكة خصوصيتها الوجودية لا من كونها بقعة جغرافية من البقاع المنتشرة من أرجاء الكرة الأرضية؛ بل للمعنى التاريخي الذي استمدته من قيام البيت العتيق فوق ترابها الذي تطهّر به، وكان بين موطن البيت وبين إبراهيم الخليل تفاعل مستمر وجاذبية وتساوق بين المكان والمعنى.
لقد بدأ التساوق بدعاء إبراهيم عليه السلام إلى ربه، أن يتمَّ على هذه البقعة الطاهرة نعمته بالأمن والسلام والاستقرار لتكون موئل الأفئدة ومهوى جوهر الإنسان.
وجاء قول الله تعالى في كتابه الكريم: ((وإذ قال إبراهيم ربِّ اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيًّ أن نعبد الأصنام* رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم* ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ((ابراهيم / 35و36و37.
إذاً مكة المكرمة هي العاصمة الدينية والثقافية والاجتماعية لجميع المسلمين في كل زمان ومكان، وهي مهوى أفئدتهم، كما هي مستقر وحدتهم، ومجمع أخوتهم، ولحكمة ما، لم تكن مكة المكرمة عاصمة سياسية لأي دولة من دولهم، لأنها لو كانت كذلك لنسبت إلى سياستها وخصت بهم، ولأن القيمة الإيمانية أكبر وأشمل من القيمة السياسية، فقد ظلت مكة المكرمة عاصمة الإسلام بمعطياته الروحية والوجدانية كلها.
و الشاعر يحيی السماوي عندما ضايقته السلطة الحاکمة و ضاقت عليه المدن العراقية لم يجد أمامه خياراً إلّا الفرار من بلده فقد قصد مکة المکرمة و قضی بها شطراً من حياته آمناً بعد ما کان ملاحقاً خائفاً مترقّباً:
کنتِ لي – مکة – أُمّا و أبا
و ملاذاً.. و رغيفاً طيبّا (زنابق برية: 75)
فقد اتخذ يحيى السماوي “مکة” مقاما بعد أعوام عديدة من مغادرته بلده ، فكانت دار الأمان التي مكث فيها زمنا قبل ان يلقي عصا الترحال في أقصى بقعة في الكرة الأرضية وهي مدينة استرالية يعيش فيها الان . تشفّ اشعاره في “مکة” عن انتمائه الإسلامي الأصيل و روحه العربية التي أنست بهذه المدينة منذ اللحظة الأولی:
أنا يا “مکة” منذُ اکتحلت
بک عيناي اکتشفتُ الألقا (السابق: 145)kh yahia 20
و يقول في قصيدة “عشقت ديار ليلی قبل ليلی” مخاطباً فيها الأديب عبدالعزيز التويجري:
أبا الحرفِ البليغ و هل جوابُ
کصمتي حين أعجزني جوابي؟
بلی.. لم ألقَ مثل عرارِ نجدٍ
و لا کرحاب مکةَ من رحابِ (الأفق نافذتي: 40 و 41)
فيتحسّر الشاعر علی ترکه “مکة”، فقد بات حزيناً ظامئاً بعد طول المسرة و الحبور فيها:
ما العجبُ إن بتّ الحزينَ الظامي؟
هل بعد «مکة» منهلٌ لأُوامِ؟
کان الحبورُ ملاءتي و وسادتي
فيها.. و نَفحُ بخورها أنسامي (زنابق برية: 46)
کما يقول:
هل بعد مکةَ يستطابُ ثریً
و بغيرها يُستعذبُ العَبَقُ (السابق: 116)
ولأن الشاعر عاش حينا من الدهر في الأراضي المقدسة أو قريبا منها فقد استبدّ به الشوق إلى “مكة” كي يشرب من نبعها ويشعر بالدفء والحنان:
لتراب ِ (مكة َ) .. لا لضوء الأنجم ِ
تاق الفؤادُ .. وبات في عطش ٍ دمي
حسبي إذا انتهلـتْ نـمـيـر َ أذانِهــا
روحي وقبَّل طرفَ (أسودِها) فمي
وسَـعَـيْتُ سبعا ً في ظلال رحابها
وختمتُ تطوافي برشفة ِ ( زمزم ِ)
ألـفـيـتُ أيـامي تـفـيـضُ مـســـرَّة ً
فـكـأنـنـي مـن قـبـلُ لـم أتـنـعَّــم ِ (السابق: 88)
و السماوي يستدعي “مکة” في شعره لأنه عاشَ فيها ردحاً من الدهر فتنعّم بخيراتها و شعرَ فيها بالأمان الذي کان يفتقده في بلده العراق، و هناک أسباب أخری دفعت الشاعر الی استحضار هذه المدينة منها انّ “مکة” مدينة عربية وجد فيها الشاعر کل ما يأنسَ فيه الإنسان العربي من تقاليد و سلوکيات عربية، کما انها تُعتَبر عاصمة الإسلام المعنوية و المقدسة يفد لها المسلمون من شتی أنحاء العالم و لعلّ الشاعر کان يلتقي فيها بالأصدقاء و الأحباب الذين يقصدون بيت الله الحرام.

شاهد أيضاً

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في ثمار الزقوم لعدنان المبارك (ملف/12)

إن أهم شيء يشعر القارىء به، حين يستمتع بهذه النصوص السردية الجميلة هو إصرار صاحبها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *